الأول أن الحال في الشيء يفتقر إليه في الجملة سواء كان حلول جسم في مكان أو عرض في جوهر أو صورة في مادة كما هو رأي الحكماء أو صفة في موصوف كصفات المجردات والافتقار إلى الغير ينافي الوجوب فإن قيل قد يكون حلول امتزاج كالماء في الورد قلنا ذلك من خواص الأجسام ومفض إلى الانقسام وعائد إلى حلول الجسم في المكان الثاني أنه لو حل في محل فإما مع وجوب ذلك وحينئذ يفتقر إلى المحل ويلزم إمكانه وقدم المحل بل وجوبه لأن ما يفتقر إليه الواجب أولى بأن يكون واجبا وإما مع جوازه وحينئذ يكون غنيا عن المحل والحال يجب افتقاره إلى المحل فيلزم انقلاب الغنى عن الشيء محتاجا إليه هكذا قرره الإمام رحمه الله ثم اعترض بأنه على التقدير الأول لا يلزم الافتقار لجواز أن توجب ذاته ذلك المحل والمحل الحلول أو توجب ذاته المحل والحلول جميعا ووجوب اللوازم والآثار عند المؤثر لا يوجب احتياجه إليها وعلى التقدير الثاني لا يلزم الانقلاب لأنا لا نسلم أن الحال في الشيء تكون محتاجا إليه كالجسم المعين يحل في الحيز المعين مع عدم احتياجه في ذاته إليه وقد يقرر بأنه إن كان مستغنيا بالذات عن المحل لم يحل فيه لأن الحال في الشيء محتاج إليه ولا شيء من الغنى بالذات كذلك وإلا أي وإن لم يكن مستغنيا بالذات لزم إمكانه وقدم المحل وهو ظاهر واعترض بأن عدم الاستغناء بالذات لا يستلزم الاحتياج بالذات ليلزم إمكانه وقدم المحل لجواز أن يكون كل من الغنى والاحتياج عارضا بحسب أمر خارج وأجيب بأن مجرد عدم الاستغناء بالذات يستلزم الإمكان لأن الواجب مستغن بالذات ضرورة ولا حاجة إلى توسيط الاحتياج بالذات وقد تقرر بأنه إن كان محتاجا بالذات لزم إمكانه وإلا امتنع حلوله ورد بأن عدم الاحتياج الذاتي لا ينافي عروض الاحتياج فلا ينافي الحلول الثالث أن الحلول في الغير إن لم يكن صفة كمال وجب نفيه عن الواجب وإن كان لزم كون الواجب مستكملا بالغير وهو باطل وفاقا الرابع أنه لو حل في شيء لزم تحيزه لأن المعقول من الحلول باتفاق العقلاء وهو حصول العرض في الحيز تبعا لحصول الجوهر وأما صفات الباري عز وجل فالفلاسفة لا يقولون بها والمتكلمون لا يقولون بكونها أعراضا ولا بكونها حالة في الذات بل قائمة بها بمعنى الاختصاص الناعت الخامس أنه لو حل في جسم على ما يزعم الخصم فإما في جميع أجزائه فيلزم الانقسام أو في جزء منه فيكون أصغر الأشياء وكلاهما باطل بالضرورة والاعتراف
Teftâzânî — Şerhu'l-Makâsıd (Mâtürîdî/Eş'arî kelam)
سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني · AR
السادس لو حل في جسم والأجسام متماثلة لتركبها من الجواهر الفردة المتفقة الحقيقة على ما بين لجاز حلوله في أحقر الأجسام وأرذلها فلا يحصل الجزم بعدم حلوله في مثل البعوضة وهو باطل بلا نزاع قال والقول بالحلول يعني كما قامت الدلالة على امتناع الحلول والاتحاد على الذات فكذا على الصفات بل أولى لاستحالة انتقال الصفة عن الذات والاحتمالات التي تذهب إليها أوهام المخالفين في هذا الأصل ثمانية حلول ذات الواجب أو صفته في بدن الإنسان أو روحه وكذا الاتحاد والمخالفون منهم نصارى ومنهم منتمون إلى الإسلام أما النصارى فقد ذهبوا إلى أن الله تعالى جوهر واحد ثلاثة أقانيم هي الوجود والعلم والحياة المعبر عنها عندهم بالأب والابن وروح القدس على ما يقولون آنا ايثا روحا قدسا ويعنون بالجوهر القائم بنفسه وبالأقنوم الصفة وجعل الواحد ثلاثة جهالة أو ميل إلى أن الصفات نفس الذات واقتصارهم على العلم والحياة دون القدرة وغيرها جهالة أخرى وكأنهم يجعلون القدرة راجعة إلى الحياة والسمع والبصر إلى العلم ثم قالوا إن الكلمة وهي أقنوم العلم اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته بطريق الامتزاج كالحمر بالماء عند الملكائية وبطريق الإشراق كما تشرق الشمس من كوة على بلور عند النسطورية وبطريق الانقلاب لحما ودما بحيث صار الإله هو المسيح عند اليعقوبية ومنهم من قال ظهر اللاهوت بالناسوت كا يظهر الملك في صورة البشر وقيل تركب اللاهوت والناسوت كالنفس مع البدن وقيل إن الكلمة قد تداخل الجسد فيصدر عنه خوارق العادات وقد تفارقه فتحله الآلام والآفات إلى غير ذلك من الهذيانات وأما المنتمون إلى الإسلام فمنهم بعض غلاة الشيعة القائلون بأنه لا يمتنع ظهور الروحاني بالجسماني كجبرائيل في صورة دحية الكلبي وكبعض الجن أو الشياطين في صورة الأناسي ولا يبعد أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين وأولى الناس بذلك علي رضي الله عنه وأولاده المخصوصون الذين هم خير البرية والعلم في الكمالات العلمية والعملية فلهذا كان يصدر عنهم في العلوم والأعمال ما هو فوق الطاقة البشرية ومنهم بعض المتصوفة القائلون بأن السالك إذا أمعن في السلوك وخاض معظم لجة الوصول فربما يحل الله فيه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا كالنار في الجمر بحيث لا تمايز أو يتحد به بحيث لا إثنينية ولا تغاير وصح أن يقول هو أنا وأنا هو وحينئذ يرتفع الأمر والنهي ويظهر من الغرائب والعجائب مالا يتصور من البشر وفساد الرأيين غني عن البيان وههنا مذهبان آخران يوهمان بالحلول أو الاتحاد وليسا منه في شيء الأول أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله وفي الله يستغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تضمحل ذاته في ذاته تعالى وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه ولا يرى في الوجود إلا الله تعالى وهذا الذي يسمونه الفناء في التوحيد وإليه يشير الحديث الإلهي أن العبد لا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع وبصره الذي به يبصر وحينئذ ربما تصدر عنه عبارات تشعر بالحلول أو الاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال وتعذر الكشف عنها بالمقال ونحن على ساحل التمني نغترف من بحر التوحيد بقدر الإمكان ونعترف بأن طريق الفناء فيه العيان دون البرهان والله الموفق
والثاني أن الواجب هو الوجود المطلق وهو واحد لا كثرة فيه أصلا وإنما الكثرة في الإضافات والتعينات التي هي بمنزلة الخيال والسراب إذ الكل في الحقيقة واحد يتكرر على المظاهر لا بطريق المخالطة ويتكثر في النواظر لا بطريق الانقسام فلا حلول ههنا ولا اتحاد لعدم الإثنينية والغيرية وكلامهم في ذلك طويل خارج عن طريق العقل والشرع وقد أشرنا في بحث الوجود إلى بطلانه لكن من يضلل الله فما له من هاد قال المبحث الرابع الجمهور على أن الواجب يمتنع أن يتصف بالحادث أي الموجود بعد العدم خلافا للكرامية وأما اتصافه بالسلوب والإضافات الحاصلة بعد مالم تكن ككونه غير رازق لزيد الميت رازقا لعمرو المولود وبالصفات الحقيقية المغيرة التعلقات ككونه عالما بهذا الحادث وقادرا عليه فجائز وكذا بالأحوال المتحققة بعد مالم تكن كالعالميات المتجددة بتجدد المعلومات عند أبي الحسين البصري على ما سيجيء تحقيق ذلك وبهذا يندفع ما ذكره الإمام الرازي من أن القول بكون الواجب محلا للحوادث لازم على جميع الفرق وإن كانوا يتبرأون عنه أما الأشاعرة فلأن زيدا إذا وجد كان الواجب غير قادر على خلقه بعد ما كان وفاعلا له عالما بأنه موجود مبصرا لصورته سامعا لصوته آمرا له بالصلاة بعدما لم يكن كذلك وأما المعتزلة فلقولهم بحدوث المريدية والكارهية لما يراد وجوده أو عدمه والسامعية والمبصرية لما يحدث من الأصوات والألوان وكذا يتجدد العالميات بتجدد المعلوميات عند أبي الحسين البصري وأما الفلاسفة فلقولهم بأن الله تعالى إضافة إلى ما حدث ثم فني بالقبلية ثم المعية ثم البعدية وهم لا يقولون بوجود كل إضافة حتى يلزم اتصافه بموجودات حادثة على ما هو المتنازع وهذه الشبهة هي العمدة في تمسك المجوزين فلا تكون واردة في محل النزاع وقد تمسك بأن المصحح لقيام الصفة بالواجب إما كونها صفة فيعم القديم والحادث وإما مع قيد القدم أعني كونه غير مسبوق بالعدم وهو عدمي لا يصلح جزأ للمؤثر وجوابه منع الحصر لجواز أن يكون المصحح ماهية الصفة القديمة المخالفة لماهية الصفة الحادثة على أن يكونا أمرين متخالفين متشاركين في مفهوم الوصفية ولو سلم يجوز أن يكون القدم شرطا أو الحدوث مانعا احتج المانعون بوجوه الأول أنه لو جاز اتصافه بالحادث لجاز النقصان عليه وهو باطل بالإجماع وجه اللزوم أن ذلك الحادث إن كان من صفات الكمال كان الخلو عنه مع جواز الاتصاف به نقصانا بالاتفاق وقد خلا عنه قبل حدوثه وإن لم يكن من صفات الكمال امتنع اتصاف الواجب به للاتفاق على أن كل ما يتصف هو به يلزم أن يكون صفة كمال واعترض بأنا لا نسلم أن الخلو عن صفة الكمال نقص وإنما تكون لو لم يكن حال الخلو متصفا بكمال يكون زواله شرطا لحدوث هذا الكمال وذلك بأن يتصف دائما بنوع كمال تتعاقب أفراده من غير بداية ونهاية ويكون حصول كلا لاحق مشروطا بزوال السابق على ما ذكره الحكماء في حركات الأفلاك فالخلو عن كل فرد يكون شرطا لحصول كمال آخر بل الاستمرار كمالات غير متناهية فلا يكون نقصا وأجيب بأن المقدمة إجماعية بل ضرورية والسند مدفوع بأنه إذا كان كل فرد حادثا كان النوع حادثا ضرورة أنه لا يوجد إلا في ضمن فرد وبأن الواجب على ما ذكرتم لا يخلو عن الحادث فيكون حادثا ضرورة وبأنه في الأزل يكون خاليا عن كل فرد ضرورة امتناع الحادث في الأزل فيكون ناقصا الثاني وهو العمدة عند الحكماء أن الاتصاف بالحادث تغير وهو على الله تعالى محال واعترض بأنه إن اريد بالتغير مجرد الانتقال من حال إلى حال فالكبرى نفس المتنازع وإن أريد تغير في الواجبية أو تأثير وانفعال عن الغير فالصغرى ممنوعة لجواز أن يكون الحادث معلول الذات بطريق الاختيار أو بطريق الإيجاب بأن يقتضي صفة كمالية متلاحقة الأفراد مشروطا ابتداء كل بانتهاء الآخر كحركات الأفلاك عندهم
الثالث أنه لو اتصف بالحادث لزم جواز أزلية الحادث بوصف الحدوث وهو باطل ضرورة أن الحادث ما له أول والأزلي مالا أول له وجه اللزوم أنه يجوز اتصافه بذلك الحادث في الأزل إذ لو امتنع لاستحال انقلابه إلى الجواز وجواز الاتصاف بالشيء في الأزل يقتضي جواز وجود ذلك الشيء في الأزل فيلزم جواز وجود الحادث في الأزل وجوابه أن اللازم من استحالة الانقلاب جواز الاتصاف في الأزل على أن يكون الأزل قيدا للجواز وهو لا يستلزم إلا أزلية جواز الحادث لا جواز الاتصاف في الأزل على أن يكون قيدا للاتصاف ليلزم جواز أزلية الحادث ولا خفاء في أن المحال جواز أزلية الحادث بمعنى إمكان أن يوجد في الأزل لا أزلية جوازه بمعنى أن يمكن في الأزل وجوده في الجملة وهذا كما يقال أن قابلية الإله لإيجاد العالم متحققة في الأزل بخلاف قابليته لإيحاد العالم في الأزل أي يمكن في الأزل أن يوجده ولا يمكن أن يوجده في الأزل ومبنى الكلام على أن يعتبر الحادث بشرط الحدوث وإلا فلا خفاء في إمكان وجوده في الأزل الرابع أنه لو جاز اتصافه بالحادث لزم عدم خلوه عن الحادث فيكون حادثا لما سبق في حدوث العالم ولمساعدة الخصم على ذلك أما الملازمة فلوجهين أحدهما أن المتصف بالحادث لا يخلو عنه وعن ضده وضد الحادث حادث لأنه منقطع إلى الحادث ولا شيء من القديم كذلك لما تقرر أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه وثانيهما أنه لا يخلو عنه وعن قابليته وهي حادثة لما مر من أن أزلية القابلية تستلزم جواز أزلية المقبول فيلزم جواز أزلية الحادث وهو محال وكلا الوجهين ضعيف أما الأول فلأنه إن أريد بالضد ما هو المتعارف فلا نسلم أن لكل صفة ضدا وأن الموصوف لا يخلو عن الضدين وإن أريد مجرد ما ينافيه وجوديا كان أو عدميا حتى أن عدم كل شيء ضد له ويستحيل الخلو عنهما فلا نسلم أن ضدا الحادث حادث فإن القدم والحدوث إن جعلا من صفات الموجود خاصة فعدم الحادث قبل وجوده ليس بقديم ولا حادث وإن أطلقا على المعدوم ايضا باعتبار كونه غير مسبوق بالوجود أو مسبوقا به فهو قديم وامتناع زوال القديم إنما هو في الموجود لظهور زوال العدم الأزلي لكل حادث وأما الثاني فلأن القابلية اعتبار عقلي معناه إمكان الاتصاف ولو سلم فأزليتها إنما تقتضي أزلية جواز المقبول أي إمكانه لا جواز أزليته ليلزم المحال وقد عرف الفرق قال الفصل الثالث في الصفات الوجودية لا خفاء ولا نزاع في أن اتصاف الواجب بالسلبيات مثل كونه واحدا مجردا ليس في جهة وحيز لا يقتضي ثبوت صفات له وكذا بالإضافات والأفعال مثل كونه العلي والعظيم والأول والآخر والقابض والباسط والخافض والرافع ونحو ذلك وإنما الخلاف في الصفات الثبوتية الحقيقية مثل كونه العالم والقادر فعند أهل الحق له صفات أزلية زائدة على الذات فهو عالم له علم وقادر له قدرة وحي له حياة وكذا في السميع والبصير والمتكلم وغير ذلك مع اختلاف في البعض وفي كونها غير الذات بعد الاتفاق على أنها ليست عين الذات وكذا في الصفات بعضها مع بعض وهذا لفرط تحرزهم عن القول بتعدد القدماء حتى منع بعضهم أن يقال صفاته قديمة وإن كانت أزلية بل يقال هو قديم بصفاته وآثروا أن يقال هي قائمة بذاته أو موجودة بذاته ولا يقال هي فيه أو معه أو مجاورة له أو حالة فيه لإيهام التغاير وأطبقوا على أنها لا توصف بكونها أعراضا وخالف في القول بزيادة الصفات أكثر الفرق كالفلاسفة والمعتزلة ومن يجري مجراهم من أهل البدع والأهواء وسموا القائلين بها بالصفاتية ثم اختلفت عباراتهم فقيل هو حي عالم قادر لنفسه وقيل بنفسه وقيل لكونه على حالة هي اخص صفاته وقيل لا لنفسه ولا لعلل وكلام الإمام الرازي في تحقيق إثبات الصفات وتحرير محل النزاع ربما يميل إلى الاعتزال قال في المطالب العالية اهم المهمات في هذه المسألة البحث عن محل الخلاف فمن المتكلمين من زعم أن العلم صفة قائمة بذات العالم ولها تعلق بالمعلوم فهناك أمور ثلاثة الذات والصفة والتعلق ومنهم من زعم أن العلم صفة توجب العالمية وأن هناك تعلقا بالمعلوم من غير أن يبين أن المتعلق هو العلم أو العالمية ليكون هناك أمور أربعة أو كلاهما ليكون هناك أمور خمسة ثم قال وأما نحن فلا نثبت إلا أمرين الذات والنسبة المسماة بالعالمية وندعي أنها أمر زائد على الذات موجود فيه للقطع بأن المفهوم من هذه النسبة ليس هو المفهوم من الذات وأن من اعترف بكونه عالما لم يمكنه نفي هذه النسبة إذ لا معنى للعالم إلا الذات الموصوفة بهذه النسبة ولا للقادر إلا الذات الموصوفة بأنه يصح منه الفعل هذا وقد عرفت أنه لا يجوز أن يكون العلم نفس الإضافة وقد صرح هو أيضا بذلك حيث قال في نهاية العقول لو كان كونه عالما وقادرا مجرد أمر إضافي لتوقف ثبوته على ثبوت المعلوم والمقدور لأن وجود الأمور الإضافية مشروط بوجود المضافين لكن المعلوم قد يكون محالا وقد يكون ممكنا لا يوجد إلا بإيجاد الله المتوقف على كونه عالما قادرا قال لنا وجوه
الأول طريقة القدماء وهو اعتبار الغائب بالشاهد وتقريره على ما ذكره إمام الحرمين أنه لا بد في ذلك من جامع للقطع بأنه لا يصح في الغائب الحكم بكونه جسما محدودا بناء على أنا لا نشاهد الفاعل إلا كذلك والجوامع أربعة العلة والشرط والحقيقة والدليل فإنه إذا ثبت في الشاهد كون الحكم معللا بعلة كالعالمية بالعلم أو مشروطا بشرط كالعالمية بالحياة أو تقررت حقيقة في محقق ككون حقيقة العالم من قام به العلم أو دل دليل على مدلول عقلا كدلالة الأحداث على المحدث لزم اطراد ذلك في الغائب وقد ثبت في الشاهد أن حقيقة العالم من قام به العلم وأن الحكم بكون ا لعالم عالما معلل فلزم القضاء بذلك في الغائب وكذا الكلام في القدرة والحياة وغيرهما وهذا احتجاج على المعتزلة القائلين بصحة قياس الغائب على الشاهد عند شرائطه وبكون هذه الأحكام في الشاهد معللة بالصفات كالعالمية بالعلم فلا يتوجه منع الأمرين نعم يتوجه ما قيل أن هذه الأحكام إنما تعلل في الشاهد لجوازها فلا تعلل في الغائب لوجوبها وأن من شرط القياس أن يتماثل أمران فيثبت لأحدهما مثل ما ثبت للآخر وهذه الأحكام مختلفة غائبا وشاهدا بالقدم والحدوث والشمول واللاشمول وغير ذلك وكذا الصفات التي أثبتوها عللا لها وأجيب بأن الوجوب لا ينافي التعليل غايته أنه لا يعلل إلا بالواجب والجائز يعلل بالجائز وأنه لا اختلاف لهذه الأحكام ولا الصفات فيما يتعلق بالمقصود فإن العلم إنما يوجب كون العالم عالما من حيث كونه عالما لا من حيث كونه عرضا أو حادثا أو نحو ذلك الوجه الثاني أن الله تعالى عالم وكل عالم فيه علم إذ لا يعقل من العالم إلا ذلك وكذا القادر وغيره وتقرير آخر أن لله تعالى معلوما وكل من له معلوم فله علم إذ لا معنى للمعلوم إلا ما تعلق به العلم فإن قيل سلمنا أن له علما لكن لم لا يجوز أن يكون علمه نفس ذاته لا زايدا عليه وكذا سائر الصفات قلنا لأنه يلزم منه محالات أحدها أن لا يكون حمل تلك الصفات على الذات مفيدا بمنزلة قولنا الإنسان بشر والذات ذات والعالم عالم والعلم علم وثانيها أن يكون العلم هو القدرة والقدرة هي الحياة وكذا البواقي من غير تمايز أصلا لأنها كلها نفس الذات فينتظم قياس هكذا العلم هو الذات والذات هو القدرة لأن القدرة إذا كانت نفس الذات كان الذات نفس القدرة ضرورة وثالثها أن يجزم العقل بكون الواجب عالما قادرا حيا سميعا بصيرا من غير افتقار إلى إثبات ذلك بالبرهان لأن كون الشيء نفسه ضروري
ورابعها أن يكون العلم مثلا واجب الوجود لذاته قائما بنفسه صانعا للعالم معبودا للعباد حيا قادرا سميعا بصيرا إلى غير ذلك من الكمالات وليس كذلك وفاقا حتى صرح الكعبي بأن من زعم أن علم الله يعبد فهو كافر فإن قيل يكفي في عدم لزوم هذه المحالات كون المفهوم من الذات غير المفهوم من الصفات وكون المفهوم من كل صفة مغايرا للمفهوم من الأخرى وهذا لا نزاع فيه ولا يستلزم الزيادة بحسب الوجود كما هو المطلوب ألا ترى أن حمل مثل الكاتب والضاحك والعالم والقادر على الإنسان مفيد وربما يحتاج إلى البيان مع اتحاد الذات وعدم لزوم كون الكتابة هو الضحك أو الضاحك والناطق قلنا ليس الكلام في العالم والقادر والحي ونحو ذلك مما يحمل على الذات بالمواطأة بل في العلم والقدرة والحياة ونحوها مما لا يحمل إلا بالاشتقاق فإنها إذا كانت نفس الذات كان لزوم المحالات المذكورة ظاهرا فإن قيل إنما يلزم ذلك لو لم تكن الذات مع الصفات وكذا الصفات بعضها مع البعض متغايرة بحسب الاعتبار وإن كانت متحدة بحسب الوجود وذلك بأن تكون الذات من حيث التعلق بالمعلومات عالما بل علما ومن حيث التعلق بالمقدورات قادرا بل قدرة ومن حيث كونه بحيث يصح أن يعلم ويقدر حيا بل حياة وعلى هذا القياس ويكون معنى الحمل أن الذات متعلق بالمعلومات وبالمقدورات مثلا ولا خفاء في إفادته وافتقاره إلى البيان ولا في تمايز الاعتبارات بعضها عن البعض من غير تكثر في الذات أصلا بحسب الوجود وهذا كما أن الواحد نصف للاثنين ثلث للثلاثة ربع للأربعة وهكذا إلى غير النهاية مع أن الموجود واحد لا غير والحمل مفيد والنصفية متميزة عن الثلثية قلنا كون الذات نفس التعلق الذي هو العلم والقدرة مثلا ضروري البطلان ككون الواحد نفس النصفية والثلثية وإنما هو عالم وقادر فيبقى الكلام في مأخذ الاشتقاق أعني العلم والقدرة وأنه لا بد أن يكون معنى وراء الذات لا نفسه ولا يفيدك تسميته بالتعلق لأن مثل العلم والقدرة ليس من الاعتبارات العقلية التي لا تحقق لها في الأعيان بمنزلة الحدوث والإمكان بل من المعاني الحقيقية فلا بد من القول بكونها نفس الذات فيعود المحذور أو وراء الذات فيثبت المطلوب وأيضا وصف العالمية أو القادرية وكذا المعلومية أو المقدورية إنما يتحقق بعد تمام التعلق فعلى ما ذكر يكون كل من العلم والقدرة عبارة عن تعلق الذات بأمر فلا بد في التمايز من خصوصية بها يكون أحد التعلقين علما والآخر قدرة وهو المراد بالمعنى الزائد على الذات والحاصل أنه لا نزاع في أنه تعالى عالم حي قادر ونحو ذلك وهذه الألفاظ ليست أسماء للذات من غير اعتبار معنى بل هي أسماء مشتقة معناها إثبات ما هو مأخذ الاشتقاق ولا معنى له سوى إدراك المعاني والتمكن من الفعل والترك ونحو ذلك فلزم بالضرورة ثبوت هذه المعاني للواجب كيف والخلو عنها نقص وذهاب أي أنه لا يعلم ولا يقدر ثم هذه المعاني يمتنع أن تكون نفس الذات لامتناع قيامها بأنفسها ولما سبق من المحالات فتعين كونها معاني وراء الذات والمعتزلة مع ارتكابهم شناعة العالم بلا علم والقادر بلا قدرة لا يرضون رأسا برأس بل يباهون بنفي الصفات ويعدون إثباتها من الجهالات الوجه الثالث النصوص الدالة على إثبات العلم والقدرة بحيث لا يحتمل التأويل كقوله تعالى أنزله بعلمه وقوله فاعلموا أنما أنزل بعلم الله أي . . . لعلمه بمعنى أنه تعلق به العلم لا بمعنى مقارنا للعلم ليلزم كون العلم منزلا فيجب تأويله وكقوله تعالى أن القوة لله وقوله تعالى ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) قال تمسك المخالف بوجود للقائلين بنفي الصفات شبه بعضها على أصول الفلسفة تمسكا للفلاسفة وبعضها على قواعد الكلام تمسكا للمعتزلة وبعضها من مخترعات أهل السنة على أحد الطريقين دفعا لها ولم يصرح في المتن بنسبة كل إلى من يتمسك به لعدم خفائه على الناظر في المقدمات
الأول وهو للفلاسفة لو كانت له صفة زائدة لكانت ممكنة لأن الصفة لا تقوم بنفسها فضلا عن الوجوب كيف وقد ثبت أن الواجب واحد وما وقع في كلام بعض العلماء من أن واجب الوجود لذاته هو الله تعالى وصفاته فمعناه أنها واجبة لذات الواجب أي مستندة إلى الله بطريق الإيجاب لا بطريق الخلق بالقصد والاختيار ليلزم كونها حادثة وكون القدرة مثلا مسبوقة بقدرة أخرى وما ثبت من كون الواجب مختارا لا موجبا إنما هو في غير صفاته وأما استناد الصفات عند من يثبتها فليس إلا بطريق الإيجاب وكذا قولهم علة الاحتياج إلى المؤثر هو الحدوث دون الإمكان ينبغي أن يخص بغير صفاته ولا يخفى أن مثل هذه التخصيصات في الأحكام العقلية بعيد جدا ثم صفاته على تقدير تحققها ولزوم إمكانها يجب أن تكون أثرا له لامتناع افتقار ا لواجب في صفاته وكمالاته إلى الغير فيلزم كونه القابل والفاعل وهو باطل لما مر وأجيب بالمنع كما مر وقد تقرر لزوم كونه الفاعل بأن جميع الممكنات مستندة إليه وكأنه إلزامي وإلا فأكثر الممكنات عند الفلاسفة أثر للغير وإن كانت بالآخرة منتهية إلى الواجب مستندة إليه بالواسطة وهذا لا يوجب كونه الفاعل الثاني الصفة الزائدة إن لم تكن كما لا يجب نفيها عنه لتنزهه عن النقصان وإن كانت يلزم استكماله بالغير وهو يوجب النقصان بالذات فيكون محالا وأجيب بأنا لا نسلم أن مالا يكون كما لا يكون نقصانا وأن مالا يكون عين الشيء يكون غيره بل صفاته لا هو ولا غيره ولو سلم فلا نسلم استحالة ذلك إذا كانت صفة الكمال ناشئة عن الذات دائمة بدوامه بل ذلك غاية الكمال الثالث وهو للمعتزلة أن عالميته واجبة لاستحالة الجهل عليه ولاستحالة افتقاره إلى فاعل يجعله عالما وكذا البواقي والواجب لا يعلل لأن سبب الاحتياج إلى العلة هو الجواز ليترجح جانب الوجود فعالميته مثلا لا تعلل بالعلم بل يكون هو عالم بالذات بخلاف عليتنا فإنها جائزة والجواب بعد تسليم كون العالمية أمرا وراء العلم معللا به كما هو رأي مثبتي الأحوال أن وجوبها ليس بمعنى كونها واجبة الوجود لذاتها ليمتنع تعليلها بل بمعنى امتناع خلو الذات عنها وهو لا ينافي كونها معللة بصفة ناشئة عن الذات فإن اللازم للذات قد يكون بوسط الرابع وهو العمدة الوثقى لنفات الصفات من المليين أنها إما أن تكون حادثة فيلزم قيام الحوادث بذاته وخلوه في الأزل عن العلم والقدرة والحياة وغيرها من الكمالات وصدورها عنه بالقصد والاختيار أو بشرائط حادثة لا بداية لها والكل باطل بالاتفاق وإما أن تكون قديمة فيلزم تعدد القدماء وهو كفر بإجماع المسلمين وقد كفرت النصارى بزيادة قديمين فكيف بالأكثر وأجيب بأنا لا نسلم تغاير الذات مع الصفات ولا الصفات بعضها مع البعض ليثبت التعدد فإن الغيرين هما اللذان يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر بمكان أو بزمان أو بوجود وعدم أو هما ذاتان ليست إحداهما الأخرى وتفسيرهما بالشيئين أو الموجودين أو الاثنين فاسد لأن الغير من الأسماء الإضافية ولا إشعار في هذا التفسير بذلك قال صاحب التبصرة وكذا تفسيرهما بالشيئين من حيث أن أحدهما ليس هو الآخر لصدقه على الكل مع الجزء كالعشرة مع الواحد وزيد مع رأسه مع أنه لم يقل أحد بكون الجزء غير الكل إلا جعفر بن حارث من المعتزلة وعد هذا من جهالاته لأن العشرة اسم للمجموع يتناول كل فرد مع أغياره فلو كان الواحد غير العشرة لصار غير نفسه لأنه من العشرة ولن تكون العشرة بدونه وقال أيضا كل الشيء ليس غيره لأن الشيء لا يغاير نفسه وأعجب من هذا ما قال لو كان الغيران هما الاثنين لكان الغير اثنا والاثن ليس بمستعمل والغير مستعمل والقول ما قال إمام الحرمين رحمه الله أن إيضاح معنى الغيرين مما لا يدل عليه قضية عقلية ولا دلالة قاطعة سمعية فلا يقطع ببطلان قول من قال كل شيئين غير أن نعم لا يقطع بالمنع من إطلاق الغيرية في صفات الباري وذاته لاتفاق الأمة على ذلك ثم قال ولا يتحاشى من إطلاق القول بأن الصفات موجودات والعلم مع الذات موجودان وكذا جميع الصفات فظهر أن القول بالتعدد لا يتوقف على القول بالتغاير فقولنا ولو سلم معناه ولو سلم التغاير أو التعدد بدون التغاير فالقول بأزلية الصفات لا يستلزم القول بقدمها لكونه أخص فإن القديم هو الأزلي القائم بنفسه ولو سلم أن كل أزلي قديم فلا نسلم أن القول بتعدد القديم مطلقا كفر بالإجماع بل في قدم الذاتي بمعنى عدم المسبوقية بالغير وقدم الصفات زماني بمعنى كونها غير مسبوقة بالعدم ولو سلم أن القول بتعدد القديم كفر ذاتيا كان أو زمانيا فلا نسلم ذلك في الصفات بل في الذوات خاصة أعني ما تقوم بأنفسها والنصارى وإن لم يجعلوا الأقانيم القديمة ذوات لكن لزمهم القول بذلك حيث جوزوا عليها الانتقال وقد سبق بيان ذلك وقوله تعالى وما من إله إلا إله واحد بعد قوله لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة شاهد صدق على أنهم كانوا يقولون بآلهة ثلاثة فأين هذا من القول بإله واحد له صفات كمال كما نطق بها كتابه قال وأما التمسك إشارة إلى شبه أخرى ضعيفة جدا
الأولى أنه لو كان موصوفا بصفات قائمة بذاته لكان حقيقة الإلهية مركبة من تلك الذات والصفات وكل مركب ممكن لاحتياجه إلى الأجزاء والجواب بمنع الملازمة بل حقيقة الإله تلك الذات الموجبة للصفات الثانية أن القدم أخص أوصاف الإله والكاشف عن حقيقته إذ به يعرف تميزه عن غيره فلو شاركته الصفات في القدم لشاركته في الإلهية فيلزم من القول بها القول بالآلهة كما لزم النصارى والجواب منع كون الأخص والكاشف هو القدم بل وجوب الوجود الثالثة أنه لا دليل على هذه الصفات لأن الأدلة العقلية لا تتمم والسمعية لا تدل إلا على أنه حي عالم قادر إلى غير ذلك والنزاع لم يقع فيه وما لا دليل عليه يجب نفيه كما سبق مرارا والجواب منع المقدمتين الرابعة أنه لا يعقل من قيام الصفة بالموصوف إلا حصولها في الحيز تبعا لحصوله والتحيز على الله تعالى محال فكذا قيام الصفات به والجواب أن معنى القيام هو الاختصاص الناعت على ما هو مرادكم باتصافه بالأحكام والأحوال قال والقوى إلزاما يعني أن من الشبه القوية في هذا الباب وإن كانت مقدماتها إلزامية لا تحقيقية أنه لو كانت له صفات قديمة لزم قيام المعنى بالمعنى لأن القديم يكون باقيا بالضرورة وعندكم أن بقاء الشيء صفة زائدة عليه قائمة به وأن قيام المعنى بالمعنى باطل فمن الأصحاب من لم يجعل البقاء صفة زائدة بل استمرارا للوجود ومنهم من جوز في غير المتحيز قيام المعنى بالمعنى وإنما الممتنع قيام العرض بالعرض لأن معناه التبعية في التحيز والعرض لا يستقل بالتحيز فلا يتبعه غيره بل كلاهما يتبعان الجوهر ومنهم من امتنع عن وصف الصفات بالبقاء فلم يقل علمه باق وقدرته باقية بل قال هو باق بصفاته وهذا ضعيف جدا لأن الدائم الموجود أزلا وأبدا من غير طريان فناء عليه أصلا اتصافه بالبقاء ضروري ولا يفيد التحرز عن التكلم به ومنهم من قال هي باقية ببقاء هو بقاء الذات فإنه بقاء للذات وللصفات وللبقاء لأنها ليست غير الذات بخلاف بقاء الجوهر فإنه لا يكون بقاء لأعراضه لكونها مغايرة له والبقاء القائم بالشيء لا يكون بقاء لما هو غيره وبهذا صرح الشيخ الأشعري واعترض عليه بأن الصفات كما أنها ليست غير الذات ليست عينها فكيف يجعل البقاء القائم بالذات بقاء لما ليس بالذات ولما لم يقم به البقاء ولهذا لا يتصف بعض صفات الذات مع أنها ليست غير الذات بالبعض فلا يكون العلم مثلا حيا قادرا فظهر أن علة امتناع جعل بقاء الجوهر بقاء العرض ليست تغايرهما بل كون أحدهما ليس الآخر ومنهم من قال أن الصفة باقية ببقاء هو نفسها فالعلم مثلا علم للذات فيكون به عالما وبقاء لنفسه فيكون به باقيا كما أن بقاء الله تعالى بقاء له وبقاء للبقاء أيضا وهذا كالجسم يكون كائنا بالكون والكون يكون كائنا بنفسه وجاز حصول باقيين ببقاء واحد لأن أحدهما كان قائما بالآخر فلم يؤد إلى قيام صفة بذاتين بخلاف حصول متحركين بحركة وأسودين بسواد فإن قيل فمعلوم أن الشيء إنما يكون عالما بما هو علم قادرا بما هو قدرة باقيا بما هو بقاء إلى غير ذلك وههنا قد لزم كون الذات عالما وقادرا بما هو بقاء والعلم باقيا بما هو علم والقدرة باقية بما هو قدرة وهو محال قلنا اختلاف الإضافة بدفع الاستحالة فإن المستحيل هو أن يكون الشيء عالما أو قادرا بما هو بقاء له وباقيا بما هو علم أو قدرة له واللازم هو أن الذات عالم أو قادر بما هو بقاء للعلم أو القدرة والعلم أو القدرة باق بما هو علم أو قدرة للذات ولقائل أن يقول فحينئذ لا يبقى قولكم بقاء الباقي صفة زائدة عليه قائمة به على إطلاقه وأيضا إذا جاز كون بقاء العلم نفسه مع القطع بأن مفهوم البقاء ليس مفهوم العلم فلم لا يجوز مثله في الصفات مع الذات بأن يكون عالما بعلم هو نفسه قادرا بقدرة هي نفسه باقيا ببقاء هو نفسه إلى غير ذلك ولا يلزم إلا كون الجميع واحدا بحسب الوجود لا بحسب المفهوم والاعتبار قال ولهم في نفي القدرة تمسكت المعتزلة في امتناع كون الباري تعالى قادرا بالقدرة بأنه لو كان كذلك لما كان قادرا على خلق الأجسام واللازم باطل وفاقا بيان الملازمة من وجهين
أحدهما أن عدم صلوح قدرة العبد لخلق الأجسام حكم مشترك لا بد له من علة مشتركة وما هي إلا كونها قدرة فلو كانت للباري أيضا قدرة لكانت كذلك وثانيهما أن قدرة الباري على تقدير تحققها إما أن تكون مماثلة لقدر العباد فيلزم أن لا تصلح لخلق الأجسام لأن حكم الأمثال واحد وإما أن تكون مخالفة لها وليست تلك المخالفة أشد من مخالفة قدر العباد بعضها للبعض ومع ذلك لا يصلح شيء منها لخلق الأجسام فكذا التي تخلفها هذا القدر من المخالفة والجواب أنا لا نسلم أنه لا بد للحكم المشترك من علة مشتركة بل يجوز أن يعلل بعلل مختلفة إذ لا يمتنع اشتراك المختلفات في لازم واحد وههنا يجوز أن يعلل عدم صلوح قدر العباد لخلق الأجسام بخصوصياتها ولو سلم فلا نسلم أنه لا مشترك بينهما سوى كونها قدرة لجواز أن تكون أمرا أخص من ذلك بحيث تشمل قدر العباد ولا تشمل قدرة الباري ولا نسلم أن مخالفة قدرة الباري لقدر العباد ليست أشد من مخالفتها فيما بينها لجواز أن تنفرد بخصوصية لا توجد في شيء منها فتصلح هي لخلق الأجسام دونها قال وفي نفي العلم تمسكوا في امتناع كونه عالما بالعلم بوجوه الأول أنه لو كان كذلك لزم حدوث علمه أو قدم علمنا وكلاهما ظاهر البطلان وجه اللزوم أنه إذا تعلق علمنا بشيء مخصوص تعلق به علمه كان كلاهما على وجه واحد وهو طريق تعلق العلم بالمعلوم إلا أن يكون علمه به بطريق تعلق الذات وعلمنا به بطريق تعلق العلم كما في عالميته وعالميتنا وإذا كان كلاهما على وجه واحد كانا متماثلين فيلزم استواؤهما في القدم أو الحدوث والجواب أن تعلقهما من وجه واحد لا يوجب تماثلهما لجواز اشتراك المختلفات في لازم واحد ولو سلم فالتماثل لا يوجب تساويهما في القدم أو الحدوث لجواز اختلاف المتماثلات في الصفات كالوجودات على رأي المتكلمين الثاني لو كان عالما بالعلم لكان له علوم غير متناهية لأنه عالم بما لا نهاية له والعلم الواحد لا يتعلق إلا بمعلوم واحد وإلا لما صح لنا أن نعلم كونه عالما بأحد المعلومين مع الذهول عن علمه بالعلوم الأخر ولجاز أن يكون علم الواحد قائما مقام العلوم المختلفة في الشاهد للقطع بأن علمنا بالبياض يخالف علمنا بالسواد ولو جاز هذا لجاز أن يكون له صفة واحدة تقوم مقام الصفات كلها بأن تكون علما وقدرة وحياة وغير ذلك بل تقوم الذات مقام الكل ويلزم نفي الصفات وإذا لم يتعلق العلم الواحد إلا بمعلوم واحد لزم أن يكون له بحسب معلوماته الغير المتناهية علوم غير متناهية وهو باطل وفاقا واستدلالا بما مر مرارا من أن كل عدد يوجد بالفعل فهو متناه فإن قيل فكيف جاز أن يكون المعلومات غير متناهية قلنا لأن المعلوم لا يلزم أن يكون موجودا في الخارج والجواب أنه لا يمتنع تعلق العلم الواحد بمعلومات كثيرة ولو إلى غير نهاية وما ذكر في بيان الامتناع ليس بشيء لأن الذهول إنما هو عن التعلق بالمعلوم الآخر وعلمنا أيضا بالسواد والبياض لا يختلف إلا بالإضافة ولو سلم فقيام علمه مقام علوم مختلفة لا يستلزم جواز قيام صفة واحدة له مقام صفات مختلفة الجنس
الثالث لو كان الباري ذا علم لكان فوقه عليم لقوله تعالى وفوق كل ذي علم عليم واللازم باطل قطعا والجواب منع كونه على عمومه والمعارضة بالآيات الدالة على ثبوت العلم كما مر قال المبحث الثاني في أنه قادر المشهور أن القادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء ترك ومعناه أنه يتمكن من الفعل والترك أي يصح كل منهما عنه بحسب الدواعي المختلفة وهذا لا ينافي لزوم الفعل عنه عند خلوص الداعي بحيث لا يصح عدم وقوعه ولا يستلزم عدم الفرق بينه وبين الموجب لأنه الذي يجب عنه الفعل نظرا إلى نفسه بحيث لا يتمكن من الترك اصلا ولا يصدق إن شاء ترك كالشمس في الإشراق والنار في الإحراق وميل الإمام الرازي إلى أن الداعي من جنس الإدراكات وهو العلم أو الظني أو الإعتقاد أن في الفعل مصلحة ومنفعة مثلا وقيل من جنس الإرادة وقيل نفس المصلحة والمنفعة ولا خفاء في أنها لا يلزم أن تكون كذلك في نفس الأمر إذ ربما يظن المفسدة مصلحة فيقدم على الفعل ثم الأصل المعلول عليه في باب إثبات قادرية الباري أنه صانع قديم له صنع حادث وصدور الحادث عن القديم إنما يتصور بطريق القدرة دون الإيجاب وإلا يلزم تخلف المعلول عن تمام علته حيث وجدت في الأزل العلة دون المعلول ولا يتم هذا إلا بعد إثبات أن شيئا من الحوادث يستند إلى الباري تعالى بلا واسطة وذلك بأن يبين أنه قديم بذاته وصفاته وأن العالم حادث بجميع أجزائه على ما قرره المتكلمون أو يبين امتناع أن يكون موجبا بالذات ويكون في سلسلة معلولاته قديم مختار تستند إليه الحوادث وهذا مما وافقنا عليه الخصم أو حركة سرمدية تكون جزئياتها الحادثة شروطا ومعدات في حدوث الحوادث على ما زعمت الفلاسفة وقد سبق في بحث التسلسل بيان استحالة وجود مالا نهاية لها مجتمعة كانت أو متعاقبة وفي بحث حدوث العالم بيان استحالة أزلية الحركة قال إمام الحرمين رحمه الله دخول حوادث لا نهاية لأعدادها على التعاقب في الوجود معلوم البطلان بأوائل العقول وكيف ينصرم بالواحد على أثر الواحد ما انتفت عنه النهاية كالدورات التي قبل هذه الدورة التي نحن فيها على ما يزعم الملاحدة من أن العالم لم يزل على ما هو عليه ولم تزل دورة قبل دورة إلى غير أول ووالد قبل ولد وبذر قبل زرع ودجاجة قبل بيضة وهذا بخلاف إثبات حوادث لا آخر لها كنعيم الجنان فإنه ليس قضاء بوجود مالا يتناهى وهذا كما إذا قال لا أعطيك درهما إلا أعطيك قبله دينارا ولا أعطيك دينارا إلا أعطيك قبله درهما لم يتصور أن يعطيه على حكم شرطه درهما ولا دينارا بخلاف ما إذا قال لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده دينارا ولا أعطيك دينارا إلا أعطيك بعده درهما وبالجملة فالحدوث ينافي نفي الأولية ولا ينافي نفي الآخرية لا يقال قد يمكن تقرير هذا الاستدلال بحيث لا يفتقر إلى أحد الأمرين المذكورين كما ذكر في المواقف من أنه لو لم يكن قادرا لزم إما نفي الحادث أو عدم استناده إلى المؤثر أو التسلسل أو تخلف الأثر عن المؤثر التام لأنه إن لم يوجد حادث أصلا فهو الأمر الأول وإن وجد فإن لم يستند إلى مؤثر فهو الثاني وإن استند فإن لم ينته إلى قديم فهو الثالث وإن انتهى فلا بد من قديم يوجب حادثا بلا واسطة دفعا للتسلسل وهو الرابع لأنا نقول هذا أيضا تقرير للاستدلال المشهور بزيادة مقدمات لا حاجة إليها وهي الشرطيات الثلاث