وإن أراد العمرة فميقاته من أدنى الحل والأفضل أن يحرم من الجعرانة لان النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر منها فإن أخطأها فمن التنعيم لان النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم ومن بلغ الميقات مريدا للنسك لم يجز أن يجاوزه حتى يحرم لما ذكرناه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما فإن جاوزه وأحرم دونه نظرت فإن كان له عذر بأن يخشى أن يفوته الحج أو الطريق مخوف لم يعد عليه دم وإن لم يخش شيئا لزمه أن يعود لانه نسك واجب مقدور عليه فلزمه الإتيان به فإن لم يرجع لزمه الدم وإن رجع نظرت فإن كان قبل أن يتلبس بنسك سقط عنه الدم لانه قطع المسافة بالإحرام وزاد عليه فلم يلزمه دم وإن عاد بعدما وقف أو بعد ما طاف لم يسقط عنه الدم لانه عاد بعد فوات الوقت فلم يسقط عنه الدم كما لو دفع من الموقف قبل الغروب ثم عاد في غير وقته وإن نذر الإحرام من موضع فوق الميقات لزمه الإحرام منه فإن جاوزه وأحرم دونه كان كمن جاوز الميقات وأحرم دونه في وجوب العود والدم لانه وجب الإحرام منه كما وجب الإحرام من الميقات فكان حكمه حكم الميقات وإن مر كافر بالميقات مريدا للحج فأسلم دونه وأحرم ولم يعد إلى الميقات لزمه الدم وقال المزني رحمه الله لا يلزمه لانه مر بالميقات وليس هو من أهل النسك فأشبه إذا مر به غير مريد للنسك ثم أسلم دونه وأحرم وهذا لا يصح لانه ترك الإحرام من الميقات وهو مريد للنسك فلزمه الدم كالمسلم وإن مر بالميقات صبي وهو محرم أو عبد وهو محرم فبلغ الصبي أو عتق العبد ففيه قولان أحدهما أنه يجب عليه دم لانه ترك الإحرام بحجة الإسلام من الميقات والثاني لا يلزمه لانه جاوز الميقات وهو محرم فلم يلزمه دم كالحر البالغ فإن كان من أهل مكة فخرج لإحرام الحج إلى أدنى الحل وأحرم فإن رجع إلى مكة قبل أن يقف بعرفة لم يلزمه دم وإن لم يرجع حتى وقف وجب عليه دم لانه ترك الإحرام من الميقات فأشبه غير المكي إذا أحرم من دون الميقات وإن خرج من مكة إلى خارج البلد وأحرم من موضع من الحرم ففيه وجهان أحدهما لا يلزمه الدم لان مكة والحرم في الحرمة سواء والثاني يلزمه وهو الصحيح لان الميقات هو البلد وقد تركه فلزمه الدم وإن أراد العمرة وأحرم من جوف مكة نظرت فإن خرج إلى أدنى الحل قبل أن يطوف لم يلزمه دم لانه دخل الحرم محرما فأشبه إذا أحرم من الحل وإن طاف وسعى ولم يخرج إلى الحل ففيه قولان أحدهما لا يعتد بالطواف والسعي عن العمرة لانه لم يقصد الحرم بإحرام فلا يعتد بالطواف والسعي والثاني أنه يعتد بالطواف وعليه دم لترك الميقات كغير المكي إذا جاوز ميقات بلده غير محرم ثم أحرم ودخل مكة وطاف وسعى والله أعلم باب الإحرام وما يحرم فيه إذا أراد أن يحرم فالمستحب أن يغتسل لما روى زيد بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل لاحرامه وإن كانت امرأة حائضا أو نفساء اغتسلت للإحرام لما روى القاسم بن محمد أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مروها فلتغتسل ثم لتهل ولانه غسل يراد للنسك فاستوى فيه الحائض والطاهر
Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي أبو إسحاق · AR
ومن لم يجد الماء تيمم لانه غسل مشروع فانتقل ( منه ) إلى التيمم عند عدم الماء كغسل الجنابة قال في الأم ويغتسل لسبعة مواطن للإحرام ولدخول مكة والوقوف بعرفة والوقوف بمزدلفة ولرمي الجمار الثلاث لان هذه المواضع تجتمع لها الناس فاستحب لها الاغتسال ولا يغتسل لرمي جمرة العقبة لان وقته من نصف الليل إلى آخر النهار فلا يجتمع لها الناس في وقت واحد وأضاف إليها في القديم الغسل لطواف الزيارة وطواف الوداع لان الناس يجتمعون لهما ولم يستحبه في الجديد لان وقتهما متسع فلا يتفق اجتماع الناس فيهما فصل فيما يفعله المحرم ثم يتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين ونعلين لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين والمستحب أن يكون ذلك بياضا لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خيار ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم والمستحب أن يتطيب في بدنه لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت ولا يطيب ثوبه لانه ربما نزعه للغسل فيطرحه على بدنه فتجب به الفدية والمستحب أن يصلي ركعتين لما روى ابن عباس وجابر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ذي الحليفة ركعتين ثم أحرم وفي الأفضل قولان قال في القديم الأفضل أن يحرم عقيب الركعتين لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل في دبر الصلاة وقال في الأم الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته إن كان راكبا وإذا ابتدأ بالسير ( إن ) كان راجلا لما روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا رحتم إلى منى متوجهين فأهلوا بالحج ولانه إذا لبى مع السير وافق قوله فعله وإذا لبى في مصلاه لم يوافق قوله فعله فكان ما قلناه أولى وينوي الإحرام ولا يصح الإحرام إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى ولانه عبادة محضة فلم تصح من غير نية كالصوم ويلبي لنقل الخلف عن السلف فإن قتصر على النية ولم يلب أجزأه وقال أبو إسحاق وأبو عبد الله الزبيري لا ينعقد إلا بالنية والتلبية كما لا تنعقد الصلاة إلا بالنية والتكبيرة والمذهب الأول لانها عبادة لا يجب النطق في آخرها فلم يجب النطق في أولها كالصوم وله أن يعين ما يحرم به من الحج والعمرة لان النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج فإن لبي بنسك ونوى غيره انعقد ما نواه لان النية في القلب وله أن يحرم إحراما مبهما لما روى أبو موسى قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف أهللت قال قلت لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحسنت وفي الأفضل قولان قال في الأم التعيين أفضل لانه إذا عين عرف ما دخل فيه والثاني أن الإبهام أفضل لانه أحوط فإنه ربما عرض مرض أو إحصار فيصرفه إلى ما هو أسهل عليه فإن عين انعقد بما عينه والأفضل ألا يذكر ما أحرم به في تلبيته على المنصوص لما روى نافع قال سئل ابن عمر أيسمي أحدنا حجا أو عمرة فقال أتنبئون الله بما في قلوبكم إنما هي نية أحدكم ومن أصحابنا من قال الأفضل أن ينطق به لما روى أنس رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبيك بحجة وعمرة ولانه إذا نطق به كان أبعد من السهو فإن أبهم الإحرام جاز أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة لانه يصلح لهما فصرف إلى ما شاء منهما
فإن قال إهلالا كإهلال فلان انعقد إحرامه بما عقد به فلان إحرامه فإن مات الرجل الذي علق إهلاله بإهلاله أو جن ولم يعلم ما أهل به لزمه أن يقرن ليسقط ما لزمه بيقين فإن بان أن فلانا لم يحرم انعقد إحراما مطلقا فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة لانه عقد الإحرام وإنما علق عين النسك على إحرام فلان فإذا سقط إحرام فلان بقي إحرامه مطلقا فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة وإن أحرم بحجتين أو بعمرتين لم ينعقد الإحرام بهما لانه لا يمكن المضي فيهما وينعقد بإحداهما لانه يمكن المضي في إحداهما قال في الأم إذا استأجره رجلان للحج فأحرم بهما انعقد إحرامه عن نفسه لانه لا يمكن الجمع بينهما ولا تقديم أحدهما على الآخر فتعارضا وسقطا وبقي إحرام مطلق فانعقد له قال ولو استأجره رجل ليحج عنه فأحرم عنه وعن نفسه انعقد الإحرام عن نفسه لانه تعارض التعيينان فسقطا وبقي مطلق الإحرام فانعقد له وإن أحرم بنسك معين ثم نسيه قبل أن يأتي بنسك ففيه قولان قال في الأم يلزمه أن يقرن لانه شك لحقه بعد الدخول في العبادة فيبني فيه على اليقين كما لو شك في عدد ركعات الصلاة وقال في القديم يتحرى لانه يمكنه أن يدرك بالتحري فيتحرى فيه كالقبلة فإذا قلنا يقرن لزمه أن ينوي القران فإذا قرن أجزأه ذلك عن الحج وهل يجزئه عن العمرة إن قلنا يجوز إدخال العمرة على الحج أجزأه عن العمرة أيضا وإن قلنا لا يجوز ففيه وجهان أحدهما لا يجزئه لانه يجوز أن يكون أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة فلم يصح وإذا شك لم يسقط الفرض والثاني أنه يجزئه لان العمرة إنما لا يجوز إدخالها على الحج من غير حاجة وههنا به حاجة إلى إدخال العمرة على الحج والمذهب الأول وإن قلنا إنه يجزئه عن العمرة لزمه الدم لانه قارن وإن قلنا لا يجزئه عن العمرة فهل يلزمه دم فيه وجهان أحدهما لا دم عليه وهو المذهب لانا لم نحكم له بالقران فلا يلزمه دم والثاني يلزمه دم لجواز أن يكون قارنا فوجب عليه الدم احتياطا وإن نسي بعد الوقوف وقبل طواف القدوم فإن نوى القران وعاد قبل طواف القدوم أجزأه الحج لانه إن كان حاجا أو قارنا فقد انعقد إحرامه بالحج وإن كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرة قبل طواف العمرة فصح حجه ولا يجزئه ( عن ) العمرة لان إدخال العمرة على الحج لا يصح في أحد القولين ويصح في الآخر ما لم يقف بعرفة فإذا وقف بعرفة لم يصح فلم يجزه وإن نسي بعد طواف القدوم وقبل الوقوف فإن قلنا إن إدخال العمرة على الحج لا يجوز لم يصح له الحج ولا العمرة لانه يحتمل أنه كان معتمرا فلا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف فلم يسقط فرض الحج مع الشك ولا تصح العمرة لانه يحتمل ألا يكون أحرم بها أو أحرم بها على حج فلا يصح وإن قلنا إنه يجوز إدخال العمرة على الحج لم يصح له الحج لجواز أن يكون أحرم بالعمرة وطاف لها فلا يجوز أن يدخل الحج عليها وتصح له العمرة لانه أدخلها على الحج قبل الوقوف فإن أراد أن يجزئه الحج طاف وسعى لعمرته ويحلق ثم يحرم بالحج ويجزئه لانه إن كان معتمرا فقد حل من العمرة وأحرم بالحج وإن كان حاجا أو قارنا فلا يضره تجديد الإحرام بالحج ويجب عليه دم واحد لانه إن كان معتمرا فقد حلق في وقته وصار متمتعا فعليه دم التمتع دون دم الحلاق وإن كان حاجا فقد حلق في غير وقته فعليه دم الحلاق دون دم التمتع وإن كان قارنا فعليه دم الحلاق ودم القران فلا يجب عليه ( دمان ) بالشك ومن أصحابنا من قال يجب عليه دمان احتياطا وليس بشيء فصل في الإكثار من التلبية
ويستحب أن يكثر من التلبية ويلبى عند اجتماع الرفاق وفي كل صعود وهبوط وفي إدبار الصلوات وإقبال الليل والنهار لما روى جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي إذا ( رأى ) ركبا أو صعد أكمة أو هبط واديا وفي إدبار المكتوبة وآخر الليل ولان في هذه المواضع ترفع الأصوات ويكثر الضجيج وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل الحج العج والثج ويستحب في مسجد مكة ومنى وعرفات وفيما عداها من المساجد قولان قال في القديم لا يلبى وقال في الجديد يلبي لانه مسجد بني للصلاة فاستحب فيه التليبة كالمساجد الثلاثة وفي حال الطواف قولان قال في القديم يلبى ويخفض صوته وقال في الأم لا يلبي لان للطواف ذكرا يختص به فكان الاشتغال به أولى ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية لما روى زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاءني جبريل عليه السلام فقال يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحاج وإن كانت امرأة لم ترفع الصوت بالتلبية لانه يخاف عليها الافتتان فصل في صفة التلبية والتلبية أن يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك قال الشافعي رحمه الله فإن زاد على هذا فلا بأس لما روي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يزيد فيها لبيك وسعديك والخير كله بيديك والرغبة إليك والعمل وإذا رأى شيئا يعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هم فيه فقال لبيك إن العيش عيش الآخرة والمستحب إذا فرغ من التلبية أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لانه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم كالأذان ثم يسأل الله تعالى رضوانه والجنة ويستعيذ برحمته من النار لما روى خزيمة بن ثابت رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة سأل الله رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار ثم يدعو بما أحب فصل فيما يحرم على المحرم وإذا أحرم الرجل حرم عليه حلق الرأس لقوله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ويحرم عليه حلق شعر سائر البدن لانه حلق يتنظف به ويترفه به فلم يجز كحلق الرأس ويجب به الفدية لقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ولما روى كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلك أذاك هوام رأسك فقلت نعم يا رسول الله فقال احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة ويجوز له أن يحلق شعر الحلال لان نفعه يعود إلى الحلال فلم يمنع منه كما لو أراد أن يعممه أو يطيبه فصل ويحرم عليه أن يقلم أظفاره لانه جزء ينمى وفي قطعه ترفيه وتنظيف فمنع الإحرام منه كحلق الشعر ويجب به الفدية قياسا على الحلق فصل ويحرم عليه أن يستر رأسه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره لا تخمر رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا وتجب به الفدية لانه فعل محرم في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق ويجوز أن يحمل على رأسه مكتلا لانه لا يقصد به الستر فلم يمنع منه كما لا يمنع المحدث من حمل المصحف في عيبة المتاع حين لم يقصد حمل المصحف
ويجوز أن يترك يده على رأسه لانه يحتاج إلى وضع اليد على الرأس في المسح فعفي عنه ويحرم عليه لبس القميص لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرنس ولا العمامة ولا الخف إلا ألا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران وتجب به الفدية لانه فعل محظور في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق ولا فرق بين أن يكون ما يلبسه من الخرق أو الجلود أو اللبود أو الورق ولا فرق بين أن يكون مخيطا بالإبرة أو ملصقا بعضه إلى بعض لانه في معنى المخيط والعباءة والدراعة كالقميص فيما ذكرناه لانه في معنى القميص ويحرم عليه لبس السراويل لحديث ابن عمر رضي الله عنه وتجب به الفدية لما ذكرناه من المعنى والتبان والران كالسراويل فيما ذكرناه لانه في معنى السراويل وإن شق الإزار وجعل له ذيلين وشدهما على ساقيه لم يجز لانهما كالسراويل وما على الساقين كالبابكين ويجوز أن يعقد عليه إزاره لان فيه مصلحة له وهو أن يثبت عليه ولا يعقد الرداء عليه لانه لا حاجة به إليه وله أن يغرز طرفيه في إزاره وإن جعل لإزاره حجزة وأدخل فيها التكة واتزر به جاز وإن اتزر وشد فوقه تكة جاز قال في الإملاء وإن زره أو خاطه أو شوكه لم يجز لانه يصير كالمخيط وإن لم يجد إزارا جاز أن يلبس السراويل ولا فدية عليه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من لم يجد إزارا فليلبس السراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين فإن لم يجد رداء لم يلبس القميص لانه يمكنه أن يرتدي به ولا يمكنه أن يتزر بالسراويل فإن لبس السراويل ثم وجد الإزار لزمه خلعه ويحرم عليه لبس الخفين للخبر وتجب به الفدية لما ذكرناه من القياس على الحلق فإن لم يجد نعلين لبس الخفين بعد أن يقطعهما من أسفل الكعبين للخبر فإن لبس الخف مقطوعا من أسفل الكعب مع وجود النعل لم يجز على المنصوص وتجب عليه الفدية ومن أصحابنا من قال يجوز ولا فدية عليه لانه قد صار كالنعل بدليل أنه لا يجوز المسح عليه وهذا خلاف المنصوص وخلاف السنة وما ذكره من المسح لا يصح لانه وإن لم يجز المسح إلا أنه يترفه في دفع الحر والبرد والأذى ولانه يبطل بالخف المخرق فإنه لا يجوز المسح عليه ثم يمنع من لبسه ويحرم عليه لبس القفازين وتجب به الفدية لانه ملبوس على قدر العضو فأشبه الخف ولا يحرم عليه ستر الوجه لقوله صلى الله عليه وسلم في الذي خر من بعيره ولا تخمروا رأسه فخص الراس بالنهي ويحرم على المرأة ستر الوجه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مسه الورس والزعفران من الثياب وليلبسن بعد ذلك ما اختير من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف ويجب به الفدية وقياسا على الحلق ويجوز أن تستر من وجهها ما لا يمكن ستر الرأس إلا بستره فعفى عن ستره فإن أرادت ستر وجهها عن الناس سدلت على وجهها شيئا لا يباشر الوجه لما روت عائشة رضي الله عنها قالت كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفنا ولان الوجه من المرأة كالرأس من الرجل ثم يجوز للرجل ستر الرأس من الشمس بما لا يقع عليه فكذلك المرأة في الوجه ( والكف ) ولا يحرم عليها لبس القميص والسراويل والخف لحديث ابن عمر رضي الله عنهما ولان جميع يدنها عورة إلا الوجه والكفين فجاز لها ستره لما ذكرناه
وهل يجوز لها لبس القفازين فيه قولان أحدهما أنه يجوز لانه عضو يجوز لها ستره بغير المخيط فجاز لها ستره بالمخيط كالرجل والثاني لا يجوز للخبر ولانه عضو ليس بعورة منها فتعلق به حرمة الإحرام في اللبس كالوجه فصل ويحرم عليه استعمال الطيب في ثيابه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولا تلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران وتجب به الفدية قياسا على الحلق ولا يلبس ثوبا مبخرا بالطيب ولا ثوبا مصبوغا بالطيب ويجب به الفدية قياسا على ما مسه الورس والزعفران وإن علق بخفه طيب وجبت به الفدية لانه ملبوس فهو كالثوب ويحرم عليه استعمال الطيب في بدنه ولا يجوز أن يأكله ولا أن يكتحل به ولا يستعط به ولا يحتقن به فإن استعمله في شىء من ذلك لزمته الفدية لانه إذا وجب ذلك فيما يستعمله بالثياب فلان يجب فيما يستعمله ببدنه أولى وإن كان الطيب في طعام نظرت فإن ظهر ذلك في طعمه أو رائحته لم يجز أكله وتجب به الفدية وإن ظهر ذلك في لونه وصبغ به اللسان من غير طعم ولا رائحة فقد قال في المختصر الأوسط من الحج لا يجوز وقال في الأم و الإملاء يجوز قال أبو إسحاق يجوز قولا واحدا وتأول قوله في الأوسط على ما إذا كانت له رائحة ومنهم من قال فيه قولان أحدهما لا يجوز لان اللون إحدى صفات الطيب فمنع من استعماله كالطعم والرائحة والثاني يجوز وهو الصحيح لان الطيب بالطعم والرائحة فصل في تعيين الطيب والطيب كل ما يتطيب به ويتخذ منه الطيب كالمسك والكفور والعنبر والصندل والورد والياسمين والورس والزعفران وفي الريحان الفارسي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس قولان أحدهما أنه يجوز شمها لما روي عن عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن المحرم أيدخل البستان قال نعم ويشم الريحان ولان هذه الأشياء لها رائحة إذا كانت رطبة فإذا جفت لم يكن لها رائحة والثاني لا يجوز لانه يراد للرائحة فهو كالورد والزعفران وأما البنفسج فقد قال الشافعي رحمه الله ليس بطيب فمن أصحابنا من قال هو طيب قولا واحدا لانه يشم رائحته ويتخذ منه الدهن فهو كالورد وتأول قول الشافعي على المربب بالسكر ومنهم من قال ليس بطيب قولا واحدا لانه يراد للتداوي ولا يتخذ من يابسه طيب ومنهم من قال هو كالنرجس والريحان وفيه قولان لانه يشم رطبه ولا يتخذ من يابسه طيب وأما الأترج فإنه ليس بطيب لانه يراد للأكل فهو كالتفاح والسفرجل وأما العصفر فليس بطيب لقوله صلى الله عليه وسلم وليلبسن ما أحببن من المعصفر ولانه يراد للون فهو كالنيل والحناء ليس بطيب لما روي أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يختضبن بالحناء وهن محرمات ولانه يراد للون فهو كالعصفر ولا يجوز أن يستعمل إلا دهان المطيبة كدهن الورد والزنبق ودهن البان المنشوش وتجب به الفدية لانه يراد للرائحة وأما غير المطيب كالزيت والشيرج والبان غير المنشوش فإنه يجوز استعماله في غير الرأس واللحية لانه ليس فيه طيب ولا تزيين ويحرم استعماله في شعر الرأس واللحية لانه يرجل الشعر ويربيه وتجب به الفدية فإن استعمله في رأسه وهو أصلع جاز له لانه ليس فيه تزيين وإن استعمله في رأسه وهو محلوق لم يجز لانه يحسن الشعر إذا نبت ويجوز أن يجلس عند العطار وفي موضع يبخر لان في المنع من ذلك مشقة ولان ذلك ليس بطيب مقصود والمستحب أن يتوقى ذلك إلا أن يكون في موضع قربة كالجلوس عند الكعبة وهي تجمر فلا يكره ذلك لان الجلوس عندها قربة فلا يستحب تركها لامر مباح وله أن يحمل الطيب في خرقة أو قارورة والمسك في نافجة ولا فدية عليه لان دونه حائلا وإن مس طيبا فعبقت به رائحته ففيه قولان أحدهما لا فدية عليه لانه رائحة عن مجاورة فلم يكن لها حكم كالماء إذا تغيرت رائحته بجيفة بقربه
والثاني يجب لان المقصود من الطيب هو الرائحة وقد حصل ذلك وإن كان عليه طيب فأراد غسله فالمستحب أن يولي غيره غسله حتى لا يباشره بيده فإن غسله بنفسه جاز لان غسله ترك له فلا يتعلق به تحريم كما لو دخل دار غيره بغير إذنه فأراد أن يخرج فإن حصل عليه طيب ولا يقدر على إزالته بغير الماء وهو محدث ومعه من الماء ما لا يكفي الطيب والوضوء غسل به الطيب لان الوضوء له بدل وغسل الطيب لا بدل له وإن كان عليه نجاسة استعمل الماء في إزالة النجاسة لان النجاسة تمنع صحة الصلاة والطيب لا يمنع صحة الحج فصل في الزواج للمحرم ويحرم عليه أن يتزوج وأن يزوج غيره بالوكالة والولاية الخاصة فإن تزوج أو زوج فالنكاح باطل لما روى عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ينكح المحرم ولا يخطب ولا ينكح ولانه عبادة تحرم الطيب فحرمت النكاح كالعدة وهل يجوز للإمام أو الحاكم أن يزوج بولاية الحكم فيه وجهان أحدهما لا يجوز كما لا يجوز أن يزوج بالولاية الخاصة والثاني يجوز لان الولاية العامة آكد والدليل عليه أنه يملك بالولاية العامة أن يزوج المسلمة والكافرة ولا يملك ذلك بالولاية الخاصة ويجوز أن يشهد في النكاح وقال أبو سعيد الإصطخري لا يجوز لانه ركن في العقد فلم يجز أن يكون محرما كالولي والمذهب أنه يجوز لان العقد هو الإيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك ويكره له الخطبة لان النكاح لا يجوز فكرهت الخطبة له ويجوز أن يراجع الزوجة في الإحرام لان الرجعة كاستدامة النكاح بدليل أنه يصح من غير ولي ولا شهود ويصح من العبد بغير إذن المولى فلم يمنع الإحرام منه كالبقاء على العقد فصل ويحرم عليه الوطء في الفرج لقوله تعالى فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج قال ابن عباس الرفث الجماع وتجب به الكفارة لما روي عن علي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أنهم أوجبوا فيه الكفارة ولانه إذا وجبت الكفارة في الحلق فلأن تجب في الجماع أولى فصل ويحرم عليه المباشرة فيما دون الفرج لانه إذا حرم عليه النكاح فلأن تحرم المباشرة وهي أدعى إلى الوطء أولى وتجب به الكفارة لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال من قبل امرأة وهو محرم فليهرق دما ولانه فعل محرم في الإحرام فوجبت به الكفارة كالجماع فصل في حرمة الصيد على المحرم ويحرم عليه الصيد المأكول من الوحش والطير ولا يجوز له أخذه لقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فإن أخذه لم يملكه بالأخذ لان ما منع أخذه لحق الغير لم يملكه بالأخذ من غير إذنه كما لو غصب مال غيره وإن كان الصيد لآدمي وجب رده إلى مالكه وإن كان من المباح وجب إرساله في موضع يمتنع على من يأخذه لان ما حرم أخذه لحق الغير إذا أخذه وجب رده إلى مالكه كالمغصوب فإن هلك عنده وجب عليه الجزاء لانه مال أخذه لحق الغير فضمنه بالبدل كمال الآدمي فإن خلص صيدا من سبع فداواه فمات في يده لم يضمنه لانه قصد الصلاح قال الشافعي رحمه الله ولو قيل يضمن لانه تلف في يده كان محتملا ويحرم عليه قتله فإن قتله عمدا وجب عليه الجزاء لقوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم فإن قتله خطأ وجب عليه الجزاء لان ما ضمن عمده بالمال ضمن خطؤه كمال الآدمي ولانه كفارة تجب بالقتل فستوى فيها الخطأ والعمد ككفارة القتل فإن كان الصيد مملوكا لآدمي وجب عليه الجزاء والقيمة وقال المزني لا يجب الجزاء في الصيد المملوك لانه يؤدي إلى إيجاب بدلين عن متلف واحد والدليل على أنه يجب أنه كفارة تجب بالقتل فوجبت بقتل المملوك ككفارة القتل ويحرم عليه جرحه لان ما منع من إتلافه لحق الغير منع من إتلاف أجزائه كالآدمي
وإن أتلف جزءا منه ضمنه بالجزاء لان ما ضمن جميعه بالبدل ضمن أجزاؤه كالآدمي ويحرم عليه تنفير الصيد لقوله صلى الله عليه وسلم في مكة لا ينفر صيدها وإذا حرم ذلك في صيد الحرم وجب أن يحرم في الإحرام فإن نفره فوقع في بئر فهلك أو نهشته حية أو أكله سبع وجب عليه الضمان لما روي أن عمر رضي الله عنه دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه طير فخاف أن ينجسه فطيره فنهسته حية فقال طير طردته حتى نهشته الحية فسأل من كان معه أن يحكموا عليه فحكموا عليه بشاة ولانه هلك بسبب من جهته فأشبه إذا حفر له بئرا أو نصب له أحبولة فهلك بها ويحرم عليه أن يعين على قتله بدلالة أو إعارة آلة لان ما حرم قتله حرمت الإعانة على قتله كالآدمي وإن أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة فقتل لم يلزمه الجزاء لان ما لا يلزمه حفظه لا يضمنه بالدلالة على إتلافه كمال الغير ويحرم عليه أكل ما صيد له لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصيد حلال لكم ما لم تصيدوا أو يصد لكم ويحرم عليه أكل ما أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة لما روى عبد الله بن أبي قتادة قال كان أبو قتادة في قوم محرمين وهو حلال فأبصر حمار وحش فاختلس من بعضهم سوطا فضربه حتى صرعه ثم ذبحه وأكل هو وأصحابه فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل أشار إليه أحد منكم قالوا لا قال فلم ير بأكله بأسا فإن أكل ما صيد له أو أعان على قتله فهل يجب عليه الجزاء فيه قولان أحدهما يجب لانه فعل محرم بحكم الإحرام فوجبت فيه الكفارة كقتل الصيد والثاني لا يجب لانه ليس بنام ولا بآيل إلى النماء فلا يضمن بالجزاء كالشجر اليابس والبيض المذر فان ذبح صيدا حرم عليه أكله لانه إذا حرم عليه ما صيد له أو دل عليه فلأن يحرم ما ذبحه أولى وهل يحرم على غيره فيه قولان قال في الجديد يحرم لان ما حرم على الذابح أكله حرم على غيره كذبيحة المجوسي وقال في القديم لا يحرم لان من حل بذكاته غير الصيد حل بذكاته الصيد كالحلال فإن أكل ما ذبحه لم يضمن بالأكل لان ما ضمنه بالقتل لم يضمنه بالأكل كشاة الغير ويحرم عليه أن يشتري الصيد أو يتهبه لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمار وحش فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ولانه سبب يتملك به الصيد فلم يملك به مع الإحرام كالاصطياد فإن مات من يرثه وله صيد ففيه وجهان أحدهما لا يرثه لانه سبب للملك فلا يملك به الصيد كالبيع والهبة والثاني أنه يرثه لانه يدخل في ملكه بغير قصده ويملك به الصبي والمجنون فجاز أن يملك به المحرم الصيد وإن كان في ملكه صيد فأحرم ففيه قولان أحدهما لا يزول ملكه عنه لانه ملك فلا يزول بالإحرام كملك البضع والثاني يزول عنه لانه معنى لا يراد للبقاء يحرم على المحرم ابتداؤه فحرمت استدامته كلبس المخيط فإن قلنا إنه لا يزول ملكه جاز له بيعه وهبته ولا يجوز له قتله فإن قتله وجب عليه الجزاء لان الجزاء كفارة تجب لله تعالى فجاز أن تجب على مالكه ككفارة القتل وإن قلنا يزول ملكه وجب عليه إرساله فإن لم يرسله حتى مات ضمنه بالجزاء وإن لم يرسله حتى تحلل ففيه وجهان أحدهما يعود إلى ملكه ويسقط عنه فرض الإرسال لان علة زوال الملك هو الإحرام وقد زال فعاد الملك كالعصير إذا صار خمرا ثم صار خلا والثاني أنه لا يعود إلى ملكه ويلزمه إرساله لان يده متعدية فوجب أن يزيلها فصل في الصيد غير المأكول
وإن كان الصيد غير مأكول نظرت فإن كان متولدا مما يؤكل ومما لا يؤكل كالسبع المتولد بين الذئب والضبع والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الأهل فحكمه حكم ما يؤكل في تحريم صيده ووجوب الجزاء لانه اجتمع فيه جهة التحليل والتحريم فغلب التحريم كما غلب جهة التحريم في أكله وإن كان حيوانا لا يؤكل ولا هو متولد مما يؤكل فالحلال والحرام فيه واحد لقوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فحرم من الصيد ما يحرم بالإحرام وهذا لا يكون إلا فيما يؤكل وهل يكره قتله أو لا يكره ينظر فيه فإن كان مما يضر ولا ينفع كالذئب والأسد والحية والعقرب والفأرة والحدأة والغراب والكلب العقور والبق والبرغوث والقمل والجرجس والزنبور فالمستحب أن يقتله لانه يدفع ضرره عن نفسه وعن غيره وإن كان مما ينتفع به ويستضر به كالفهد والبازي فلا يستحب قتله لما فيه من المنفعة ولا يكره لما فيه من المضرة وإن كان مما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والجعلان وبنات وردان فإنه يكره قتله ولا يحرم فصل في بيض الصيد وما حرم على المحرم من الصيد حرم عليه بيضه وإذا كسره وجب عليه الجزاء وقال المزني لا جزاء عليه لانه لا روح فيه والدليل عليه ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بيض النعامة يصيبه المحرم ثمنه ولانه خارج من الصيد يخلق منه مثله فضمن بالجزاء كالفرخ وإن كسر بيضا لم يحل له أكله وهل يحل لغيره فيه قولان كالصيد وقال شيخنا القاضي أبو الطيب في تحريمه على غيره نظر لانه لا روح فيه فلا يحتاج إلى ذكاة وإن كسر بيضا مذرا لم يضمنه من غير النعامة لانه لا قيمة له ويضمنه من النعامة لان لقشر بيض النعامة قيمة فصل في أمور معفو عنها وإن احتاج المحرم إلى اللبس لحر شديد أو برد شديد أو احتاج إلى الطيب لمرض أو إلى حلق الرأس للأذى أو إلى شد رأسه بعصابة لجراحة عليه أو إلى ذبح الصيد للمجاعة لم يحرم عليه وتجب عليه الكفارة لقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ولحديث كعب بن عجرة فثبت الحلق بالنص وقسنا ما سواه عليه لانه في معناه وإن نبت في عينه شعرة فقلعها أو نزل شعر الرأس إلى عينه فغطاها فقطع ما غطى العين أو انكسر شيء من ظفره فقطع ما انكسر منه أو صال عليه صيد فقتله دفعا عن نفسه جاز ولا كفارة عليه لان الذي تعلق به المنع ألجأه إلى إتلافه ويخالف إذا آذاه القمل في رأسه فحلق الشعر لان الأذى لم يكن من جهة الشعر الذي تعلق به المنع وإنما كان من غيره وإن افترش الجراد في طريقه فقتله ففيه قولان أحدهما يجب عليه الجزاء لانه قتله لمنفعة نفسه فأشبه إذا قتله للمجاعة والثاني لا يجب لان الجراد ألجأه إلى قتله فأشبه إذا صال عليه الصيد فقتله للدفع وإن باض صيد على فراشه فنقله فلم يحضنه الصيد فقد حكى الشافعي رحمه الله عن عطاء أنه لا يلزمه ضمانه لانه مضطر إلى ذلك قال ويحتمل عندى أن يضمن لانه أتلفه باختياره فحصل فيه قولان كالجراد وإن كشط من بدنه جلدا وعليه شعر أو قطع كفه وفيه أظفار لم تلزمه فدية لانه تابع لمحله فسقط حكمه تبعا لمحله كالأطراف مع النفس في قتل الآدمي فصل إذا فعل ما يحرم عليه ناسيا وإن لبس أو تطيب أو دهن رأسه أو لحيته جاهلا بالتحريم أو ناسيا للإحرام لم تلزمه الفدية لما روى أبو يعلى بن أمية قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل بالجرانة وعليه جبة وهو مصفر لحيته ورأسه فقال يا رسول الله أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة وما كنت صانعا في حجك فاصنع في عمرتك ولم يأمر بالفدية فدل على أن الجاهل لا فدية عليه
فإذا ثبت هذا في الجاهل ثبت في الناسي لان الناسي يفعل وهو يجهل تحريمه عليه فإن ذكر ما فعله ناسيا أو علم ما فعله جاهلا نزع اللباس وأزال الطيب لحديث يعلى بن أمية فإن لم يقدر على إزالة الطيب لم تلزمه الفدية لانه مضطر إلى تركه فلم تلزمه فدية كما لو أكره على التطيب وإن قدر على إزالته واستدام لزمته الفدية لانه تطيب من غير عذر فأشبه إذا ابتدأ به وهو عالم بالتحريم وإن مس طيبا وهو يظن أنه يابس وكان رطبا ففيه قولان أحدهما تلزمه الفدية لانه قصد مس الطيب والثاني لا تلزمه لانه جهل تحريمه فأشبه إذا جهل تحريم الطيب في الإحرام فإن حلق الشعر أو قلم الظفر ناسيا أو جاهلا بالتحريم فالمنصوص أنه تجب عليه الفدية لانه إتلاف فاستوى في ضمانه العمد والسهو كإتلاف مال الآدمي وفيه قول آخر مخرج أنه لا تجب لانه ترفه وزينة فاختلف في فديته السهو والعمد كالطيب وإن قتل صيدا ناسيا أو جاهلا بالتحريم وجب عليه الجزاء لان ضمانه ضمان المال فاستوى فيه السهو والعمد والعلم والجهل كضمان مال الآدميين وإن أحرم ثم جن وقتل صيدا ففيه قولان أحدهما يجب عليه الجزاء لما ذكرناه والثاني لا يجب لان المنع من قتل الصيد تعبد والمجنون ليس من أهل التعبد فلا يلزمه ضمانه ومن أصحابنا من نقل هذين القولين إلى الناسي وليس بشيء وإن جامع ناسيا أو جاهلا بالتحريم ففيه قولان قال في الجديد لا يفسد حجه ولا يلزمه شيء لانها عبادة تجب بإفسادها الكفارة فاختلف في الوطء فيها العمد والسهو كالصوم وقال في القديم يفسد حجه وتلزمه الكفارة لانه معنى يتعلق به قضاء الحج فاستوى فيه العمد والسهو كالفوات وإن حلق رجل رأسه فإن كان بإذنه وجبت عليه الفدية لانه أزال شعره بسبب لا عذر له فيه فأشبه إذا حلقه بنفسه وإن حلقه وهو نائم أو مكره وجبت الفدية وعلى من تجب فيه قولان أحدهما تجب على الحالق لانه أمانة عنده فإذا أتلفه غيره وجب الضمان على من أتلفه كالوديعة إذا أتلفها غاصب والثاني تجب على المحلوق لانه هو الذى ترفه بالحلق فكانت الفدية عليه فإذا قلنا تجب الفدية على الحالق فللمحلوق مطالبته بإخراجها لانها تجب بسببه فإن مات الحالق أو أعسر بالفدية لم تجب ( على المحلوق ) الفدية وإن قلنا تجب على المحلوق أخذها من الحالق وأخرج وإن افتدى المحلوق نظرت فإن افتدى بالمال رجع بأقل الأمرين من الشاة أو ثلاثة آصع فإن أداها بالصوم لم يرجع عليه لانه لا يمكن الرجوع به ومن أصحابنا من قال يرجع بثلاثة أمداد لان صوم كل يوم مقدر بمد وإن حلق رأسه وهو ساكت ففيه طريقان أحدهما أنه كالنائم والمكره لان السكوت لا يجري مجرى الإذن والدليل عليه هو أنه لو أتلف رجل ماله وسكت لم يكن سكوته إذنا في إتلافه والثاني أنه بمنزلة ما لو أذن فيه لانه يلزمه حفظه والمنع من حلقه فإذا لم يفعل جعل سكوته كالإذن فيه كالمودع إذا سكت عن إتلاف الوديعة فصل فيما يكره للمحرم ويكره للمحرم أن يحك شعره بأظفاره حتى لا ينتثر شعره فإن انتثر منه شعره لزمته الفدية ويكره أن يفلي رأسه ولحيته فإن فلى وقتل قملة استحب له أن يفديها قال الشافعي رحمه الله وأي شيء فداها به فهو خير منها فإن ظهر القمل على بدنه أو ثيابه لم يكره أن ينحيه لانه ألجأه إليه ويكره أن يكتحل بما لا طيب فيه لانه زينة والحاج أشعث أغبر فإن احتاج إليه لم يكره لانه إذا لم يكره ما يحرم من الحلق والطيب للحاجة فلان لا يكره ما لا يحرم أولى