وإن أفلس وقد استوفى بعض المنافع وبقي البعض ضرب مع الغرماء بحصة ما مضى وفسخ فيما بقي كما لو ابتاع عبدين وتلف عنده أحدهما ثم أفلس فإنه يضرب بثمن ما تلف مع الغرماء ويفسخ البيع فيما بقي فإن فسخ وفي الأرض زرع لم يستحصد نظرت فإن اتفق الغرماء والمفلس على تبقيته بأجرة إلى وقت الحصاد لزم المكري قبوله لانه زرع بحق وقد بذل له الأجرة لما بقي فلزمه قبولها وإن لم يبذل له الأجرة جاز له المطالبة بقطعه لان التبقية إلى الحصاد لدفع الضرر عن المفلس والغرماء والضرر لا يزال بالضرر وفي تبقيته من غير عوض إضرار بالمكري وإن دعا بعضهم إلى القطع وبعضهم إلى التبقية نظرت فإن كان الزرع لا قيمة له في الحال كالطعام في أول ما يخرج من الأرض لم يقطع لانه إذا قطع لم يكن له قيمة وإذا ترك صار له قيمة فقدم قول من دعا إلى الترك وإن كان له قيمة كالقصيل الذي يقطع ففيه وجهان أحدهما يقدم قول من دعا إلى القطع لان من دعا إلى القطع تعجل حقه فلم يؤخر والثاني وهو قول أبي إسحاق أنه يفعل ما هو أحظ والاول أظهر فصل متى يزول الحجر إذا قسم مال المفلس بين الغرماء ففي حجره وجهان أحدهما يزول ( عنه ) الحجر لان المعنى الذي لاجله حجر عليه حفظ المال على الغرماء وقد زال ذلك فزال الحجر كالمجنون إذا أفاق والثاني لا يزول إلا بالحاكم لانه حجر ثبت بالحاكم فلم يزل إلا بالحاكم كالحجر على المبذر فصل من مات وعليه ديون ومن مات وعليه ديون تعلقت الديون بماله كما تتعلق بالحجر في حياته فإن كان عليه دين مؤجل حل الدين بالموت لما روى ( ابن ) عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مات الرجل وله دين إلى أجل وعليه دين إلى أجل فالذي عليه حال والذى له إلى أجله ولان الأجل جعل رفقا بمن عليه الدين والرفق بعد الموت أن يقضي دينه وتبرأ ذمته والدليل عليه ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال نفس المؤمن مرتهنة في قبره بدينه إلى أن يقضى عنه فصل تصرف الوارث في التركة قبل مضي الدين فإن تصرف الوارث في التركة قبل مضي الدين ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه مال تعلق به دين فلا يصح التصرف فيه من غير رضى من له الحق كالمرهون والثاني يصح لانه حق تعلق بالمال من غير رضى المالك فلم يمنع التصرف كمال المريض وإن قلنا إنه يصح فإن قضى الوارث الدين نفذ تصرفه وإن لم يقض فسخنا وإن باع عبدا ومات وتصرف الوارث في التركة ثم وجد المشتري بالعبد عيبا فرده أو وقع في بئر كان حفرها بهيمة ففي تصرف الورثة وجهان أحدهما أنه يصح لانهم تصرفوا في ( ملك ) لهم لا يتعلق به حق أحد والثاني يبطل لانا تبينا أنهم تصرفوا والدين متعلق بالتركة فإن كان في غرماء الميت من باع شيئا ووجد عين ماله فإن لم تف التركة بالدين فهو بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء بالثمن وبين أن يفسخ ويرجع في عين ماله لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في رجل أفلس هذا الذي قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه فإن كانت التركة تفي بالدين ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي سعيد الإصطخري رحمه الله أن له أن يرجع في عين ماله لحديث أبي هريرة والثاني لا يجوز أن يرجع في عين ماله وهو المذهب لان المال يفي بالدين فلم يجز الرجوع في المبيع كالحي المليء وحديث أبي هريرة قد روى فيه أبو بكر النيسابوري وإن خلف وفاء فهو أسوة الغرماء فصل حكم إذا ظهر غريم آخر بعد القسمة
Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي أبو إسحاق · AR
إذا قسم مال المفلس أو مال الميت بين الغرماء ثم ظهر غريم آخر رجع على الغرماء وشاركهم فيما أخذوه على قدر دينه لانا إنما قسمنا بينهم بحكم الظاهر أنه لا غريم له غيرهم فإذا بان بخلاف ذلك وجب نقض القسمة كالحاكم إذا حكم بحكم ثم وجد النص بخلافه وإن أكرى رجل داره سنة وقبض الأجرة وتصرف فيها ثم أفلس وقسم ماله بين الغرماء ثم انهدمت الدار في أثناء المدة فإن المكتري يرجع على المفلس بأجرة ما بقي وهل يشارك الغرماء فيما اقتسموا به أم لا فيه وجهان أحدهما لا يشاركهم لانه دين وجب بعد القسمة فلم يشارك به الغرماء فيما اقتسموا كما لو استقرض مالا بعد القسمة والثاني يشاركهم لانه دين وجب بسبب قبل الحجر فشارك به الغرماء كما لو انهدمت الدار قبل القسمة ويخالف القرض لان دينه لا يستند ثبوته إلى ما قبل الحجر وهذا استند إلى ما قبل الحجر ولان المقرض لا يشارك الغرماء في المال قبل القسمة والمكتري يشاركهم في المال قبل القسمة فشاركهم بعد القسمة باب الحجر إذا ملك الصبي أو المجنون مالا حجر عليه في ماله والدليل عليه قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم فدل على أنه لا يسلم إليه المال قبل البلوغ والرشد فصل في ولاية المحجور عليه وينظر في ماله الأب ثم الجد لانها ولاية في حق الصغير فقدم الأب والجد فيها على غيرهما كولاية النكاح فإن لم يكن أب ولا جد نظر فيه الوصي لانه نائب عن الأب والجد فقدم على غيره وإن لم يكن وصي نظر السلطان لان الولاية من جهة القرابة قد سقطت فثبتت للسلطان كولاية النكاح وقال أبو سعيد الإصطخري فإن لم يكن أب ولا جد نظرت الأم لانها أحد الأبوين فثبت لها الولاية في المال كالأب والمذهب أنه لا ولاية لها لانها ولاية ثبتت بالشرع فلم تثبت للأم كولاية النكاح فصل تصرف الناظر في مال المحجور ولا يتصرف الناظر في ماله إلا على النظر والاحتياط ولا يتصرف إلا فيما فيه حظ واغتباط فأما ما لا حظ فيه كالعتق والهبة والمحاباة فلا يملكه لقوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ولقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا إضرار وفي هذه التصرفات إضرار بالصبي فوجب ألا يملكه ويجوز أن يتجر في ماله لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ولي يتيما وله مال فليتجر له بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة فصل في الشراء للمحجور ويبتاع له العقار لانه يبقى وينتفع بغلته ولا يبتاعه إلا من مأمون لانه إذا لم يكن مأمونا لم يأمن أن يبيع مالا يملكه ولا يبتاعه في موضع قد أشرف على الخراب أو يخاف عليه الهلاك لان في ذلك تغريرا بالمال ويبني له العقار ويبنيه بالآجر والطين ولا يبنيه باللبن والجص لان الآجر يبقى واللبن يهلك والجص يجحف به والطين لا ثمن له والجص يتناثر ويذهب ثمنه والطين لا يتناثر وإن تناثر فلا ثمن له ولان الآجر لا يتخلص من الجص إذا أراد نقضه ويتلف عليه ويتخلص من الطين فلا يتلف عليه ولا يبيع له العقار إلا في موضعين أحدهما أن تدعو إليه ضرورة بأن يفتقر إلى ( بيعه ب ) النفقة وليس له مال غيره ولم يجد من يقرضه والثاني أن يكون له في بيعه غبطة وهو أن يطلب منه بأكثر من ثمنه فيباع له ويشتري ببعض الثمن مثله لان البيع في هذين الحالين فيه حظ وفيما سواهما لا حظ فيه فلم يجز وإن باع العقار وسأل الحاكم أن يسجل له نظر فإن باعه الأب أو الجد سجل له لانهما لا يتهمان في حق الولد وإن كان غيرهما لم يسجل حتى يقيم بينة على الضرورة أو الغبطة لانه تلحقه التهمة فلم يسجل له من غير بينة
فإن بلغ الصبي وادعى أنه باع من غير ضرورة ولا غبطة فإن كان الولي أبا أو جدا فالقول قوله وإن كان غيرهما لم يقبل إلا ببينة لما ذكرناه من الفرق فإن بيع في شركته شقص فإن كان الحظ في أخذه بالشفعة لم يترك وإن كان الحظ في الترك لم يأخذ لانا بينا أن تصرفه على النظر والاحتياط فلا يفعل إلا ما يقتضي النظر والاحتياط فإن ترك الشفعة والحظ في تركها ثم بلغ الصبي وأراد أن يأخذ فالمنصوص أنه لا يملك ذلك لان ما فعل الولى مما فيه نظر لا يملك الصبى نقضه كما لو أخذ والحظ في الأخذ فبلغ وأراد أن يرد ومن أصحابنا من قال له أن يأخذ لانه يملك بعد البلوغ التصرف فيما فيه حظ وفيما لا حظ فيه وقد بلغ فجاز أن يأخذ وإن لم يكن فيه حظ وهذا خطأ لان له أن يتصرف فيما لا حظ فيه إذا كان باقيا وهذا قد سقط بعفو الولي فسقط فيه اختياره فإن بلغ وادعى أنه ترك الشفعة من غير غبطة فالحكم فيه كالحكم في بيع العقار وقد بيناه فصل بيع مال المحجور عليه نسيئة ولا يبيع ماله بنسيئة من غير غبطة فإن كانت السلعة تساوي مائة نقدا ومائة وعشرين نسيئة فباعها بمائة نسيئة فالبيع باطل لانه باع بدون الثمن وإن باعها بمائة وعشرين نسيئة من غير رهن لم يصح البيع لانه غرر بالمال فإن باع بمائة نقدا وعشرين مؤجلا وأخذ بالعشرين رهنا جاز لانه لو باعها بمائة نقدا جاز فلأن يجوز وقد زاده عشرين أولى وإن باعها بمائة وعشرين نسيئة وأخذ بها رهنا ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه أخرج ماله من غير عوض والثاني يجوز وهو ظاهر النص وقول أبى إسحاق لانه باع بربح واستوثق بالرهن فجاز فصل المحجور لا يكاتب عبده ولا يكاتب عبده و ( لو ) كان بأضعاف القيمة لانه يأخذ العوض من كسبه وهو مال له فيصير كالعتق من غير عوض فصل المسافرة بمال المحجور ولا يسافر بماله من غير ضرورة لان فيه تغريرا بالمال ويروى أن المسافر و ( ماله ) على قلت أي على هلاك وفيه قول الشاعر ( الوافر ) بغاث الطير أكثرها فراخا وأم ( الباز ) مقلاة نزور فصل شرط المسافرة بماله فإن دعت إليه ضرورة بأن خاف عليه الهلاك في الحضر لحريق أو نهب جاز أن يسافر به لان السفر ههنا أحوط فصل في إيداع وقرض مال المحجور ولا يودع ماله ولا يقرضه من غير حاجة لانه يخرجه من يده ( من غير حاجة ) فلم يجز فإن خاف من نهب أو حريق أو غرق أو أراد سفرا وخاف عليه جاز له الإيداع والإقراض فإن قدر على الإيداع دون الإقراض أودع ولا يودع إلا ثقة وإن قدر على الإقراض دون الإيداع أقرضه ولا يقرضه إلا ثقة مليا لان غير الثقة يجحد وغير الملى لا يمكن أخذ البدل منه فإن أقرض ورأى أخذ الرهن عليه أخذ وإن رأى ترك الرهن لم يأخذ وإن قدر على الإيداع والإقراض فالإقراض أولى لان القرض مضمون بالبدل والوديعة غير مضمونة فكان القرض أحوط فإن ترك الإقراض وأودع ففيه وجهان أحدهما يجوز لانه يجوز كل واحد منهما فإذا قدر عليهما تخير بينهما والثاني لا يجوز لقوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن والإقراض ههنا أحسن فلم يجز تركه ويجوز أن يقترض له إذا دعت إليه الحاجة ويرهن ماله عليه لان في ذلك مصلحة له فجاز فصل وينفق عليه بالمعروف من غير إسراف ولا إقتار
لقوله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وإن رأى أن يخلط ماله بماله في النفقة جاز لقوله تعالى ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح فإن بلغ الصبي واختلفا في النفقة فإن كان الولي هو الأب أو الجد فالقول قوله وإن كان غيرهما ففيه وجهان أحدهما يقبل لان في إقامة البينة على النفقة مشقة فقبل قوله والثاني لا يقبل قوله كما لا يقبل في دعوى الضرر والغبطة في بيع العقار فصل بيع مال اليتيم وإن أراد أن يبيع ماله بماله فإن كان أبا أو جدا جاز ذلك لانهما لا يتهمان في ذلك لكمال شفقتهما وإن كان غيرهما لم يجز لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يشتري الوصي من مال اليتيم ولانه متهم في طلب الحظ له في بيع ماله من نفسه فلم يجعل ذلك إليه فصل الأكل من مال اليتيم وإن أراد أن يأكل من ماله نظرت فإن كان غنيا لم يجز لقوله تعالى ومن كان غنيا فليستعفف وإن كان فقيرا جاز أن يأكل لقوله تعالى ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف وهل يضمن البدل فيه قولان أحدهما لا يضمن لانه أجير له الأكل بحق الولاية فلم يضمنه كالرزق الذي يأكله الإمام من أموال المسلمين والثاني أنه يضمن لانه مال لغيره أجيز له أكله للحاجة فوجب ضمانه كمن اضطر إلى مال غيره فصل في فك الحجر عن الصبي ولا يفك الحجر عن الصبي حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد لقوله تعالى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم فأما البلوغ فإنه يحصل بخمسة أشياء ثلاثة يشترك فيها الرجل والمرأة وهي الإنزال والسن والإنبات واثنان تختص بهما المرأة وهما الحيض والحبل فأما الإنزال فهو إنزال المني فمتى أنزل صار بالغا والدليل عليه قوله تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا فأمرهم بالاستئذان بعد الاحتلام فدل على أنه بلوغ وروى عطية القرظي قال عرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن قريظة فمن كان محتلما أو نبتت عانته قتل فلو لم يكن بالغا لما قتل وأما السن فهو أن يستكمل خمس عشرة سنة والدليل عليه ما روى ابن عمر رضي الله عنه قال عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت وعرضت عليه ( يوم الخندق ) وأنا ابن خمس عشرة سنة فرآنى بلغت فأجازني وأما الإنبات فهو الشعر الخشن الذى ينبت على العانة وهو بلوغ في حق الكافر والدليل عليه ما روى عطية القرظي قال كنت فيمن حكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه فشكوا فى أمن الذرية أنا أم من المقاتلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انظروا فإن كان قد أنبت وإلا فلا تقتلوه فنظروا فإذا عانتي لم تنبت فجعلوني في الذرية ولم أقتل وهل هو بلوغ في نفسه أو دلالة على البلوغ فيه قولان أحدهما أنه بلوغ فعلى هذا هو بلوغ في حق المسلم لان ما كان بلوغا في حق الكافر كان بلوغا في حق المسلم كالاحتلام والسن والثاني أنه دلالة على البلوغ فعلى هذا هل يكون دلالة في حق المسلم فيه وجهان أحدهما أنه دلالة لما روى محمد بن يحيى بن حبان أن غلاما من الأنصار شبب بامرأة في شعره فرفع إلى عمر رضي الله عنه فلم يجده أنبت فقال لو أنبت الشعر لحددتك والثاني أنه ليس بدلالة في حق المسلم وهو ظاهر النص لان المسلمين يمكن الرجوع إلى أخبارهم فلم يجعل ذلك دلالة في حقهم والكفار لا يمكن الرجوع إلى أخبارهم فجعل ذلك دلالة في حقهم ولان الكافر لا يستفيد بالبلوغ إلا وجوب الحرية ووجوب القتل فلا يتهم في مداواة العانة بما ينبت الشعر والمسلم يستفيد بالبلوغ التصرف والكمال بالأحكام فلا يؤمن أن يداوي العانة بما ينبت الشعر فلم يجعل ذلك دلالة في حقه
فأما الحيض فهو بلوغ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى الوجه والكف فعلق وجوب الستر بالمحيض وذلك تكليف فدل على أنه بلوغ يتعلق به التكليف وأما الحبل فهو دليل على البلوغ فإذا حبلت ( المرأة ) حكمنا بأنها بالغ لان الحبل لا يكون إلا بإنزال الماء فدل على البلوغ فإذا كانت المرأة لها زوج فولدت حكمنا بأنها بالغ من قبل الوضع بستة أشهر لان ذلك أقل مدة الوضع وإن كانت مطلقة وأتت بولد يلحق الزوج حكمنا بأنها بالغ من قبل الطلاق وإن كان خنثى فخرج المني من ذكره أو الدم من فرجه لم يحكم بالبلوغ لجواز أن يكون ذلك من العضو الزائد فإن خرج المني من الذكر والدم من الفرج فقد بلغ لانه إن كان رجلا فقد أمنى وإن كان امرأة فقد حاضت فصل تفسير الرشد فأما إيناس الرشد فهو إصلاح الدين والمال فإصلاح الدين أن لا يرتكب من المعاصي ما يسقط به العدالة وإصلاح المال أن يكون حافظا لماله غير مبذر ويختبره الولي اختبار مثله من تجارة إن كان تاجرا أو تناء إن كان تانئا أو إصلاح أمر البيت إن كانت امرأة واختلف أصحابنا في وقت الاختبار فمنهم من قال لا يختبر في التجارة إلا بعد البلوغ لان ( قبل البلوغ ) لا يصح تصرفه فلا يصح اختباره ومنهم من قال يختبر قبل البلوغ لقوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فأمر باختبار اليتامى وهم الصغار فعلى هذا كيف يختبر فيه وجهان أحدهما إنه يسلم إليه المال فإذا ساوم وقرر الثمن عقد الولي لان عقد الصبي لا يصح والثاني أنه يتركه حتى يعقد لان هذا موضع ضرورة فصل استمرار الحجر بالتبذير وإن بلغ مبذر استديم الحجر عليه لان الحجر عليه إنما يثبت للحاجة إليه لحفظ المال والحاجة قائمة مع التبذير فوجب أن يكون الحجر باقيا وإن بلغ مصلحا للمال فاسقا في الدين استديم الحجر عليه لقوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم والفاسق لم يؤنس منه الرشد ولان حفظه للمال لا يوثق به مع الفسق لانه لا يؤمن أن يدعوه الفسق إلى التبذير فلم يفك الحجر عنه ولهذا لم تقبل شهادته وإن كان معروفا بالصدق لانا لا نأمن أن يدعوه الفسق إلى الكذب وينظر في ماله من كان ينظر في حال الصغر وهو الأب والجد والوصي والحاكم لانه حجر ثبت من غير قضاء فكان النظر ( فيه ) إلى من ذكرنا كالحجر على الصبي والمجنون فصل متى يفك الحجر وإن بلغ مصلحا للدين والمال فك عنه الحجر لقوله تعالى فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم وهل يفتقر فك الحجر إلى الحاكم فيه وجهان أحدهما لا يفتقر إلى الحاكم لانه حجر ثبت من غير حكم فزال من غير حكم كالحجر على المجنون والثاني أنه يفتقر إلى الحاكم لانه يحتاج إلى نظر واختبار فافتقر إلى الحاكم كفك الحجر عن السفيه فصل هل يعاد الحجر إذا عاد سببه وإن فك عنه الحجر ثم صار مبذرا حجر عليه لما روي أن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه ابتاع أرضا سبخة بستين ألفا فقال ( له ) عثمان ما يسرني أن تكون لي بنعلي معا فبلغ ذلك عليا كرم الله وجهه وعزم أن يسأل عثمان أن يحجر عليه فجاء عبد الله بن جعفر إلى الزبير وذكر أن عليا يريد أن يسأل عثمان رضي الله عنهما أن يحجر عليه فقال الزبير أنا شريكك فجاء علي إلى عثمان رضي الله عنهما وسأله أن يحجر عليه فقال كيف أحجر على من شريكه الزبير فدل على جواز الحجر ولان كل معنى اقتضى الحجر إذا قارن البلوغ اقتضى الحجر إذا طرأ بعد البلوغ كالجنون
فإن فك عنه الحجر ثم صار فاسقا ففيه وجهان قال أبو العباس يعاد عليه الحجر لانه معنى يقتضي الحجر عند البلوغ فاقتضى الحجر بعده كالتبذير وقال أبو إسحاق لا يعاد عليه الحجر لان الحجر للفسق لخوف التبذير وتبذير الفاسق ليس بيقين فلا يزال به ما تيقنا من حفظه للمال ولا يعاد عليه الحجر بالتبذير إلا بالحاكم لان عليا كرم الله وجهه أتى عثمان رضي الله عنه وسأله أن يحجر على عبد الله بن جعفر ولان العلم بالتبذير يحتاج إلى نظر فإن الغبن قد يكون تبذيرا وقد يكون غير تبذير ولان الحجر للتبذير مختلف فيه فلا يجوز إلا بالحاكم فإذا حجر عليه لم ينظر في ماله إلا الحاكم لانه حجر ثبت بالحاكم فصار هو الناظر كالحجر على المفلس ويستحب أن يشهد على الحجر ليعلم الناس بحاله وأن من عامله ضيع ماله فإن أقرضه رجل مالا أو باع منه متاعا لم يملكه لانه محجور عليه لعدم الرشد فلم يملك بالبيع والقرض كالصبي والمجنون فإن كانت العين باقية ردت وإن كانت تالفة لم يجب ضمانها لان المالك إن علم بحاله فقد دخل على بصيرة وإن ماله ضائع وإن لم يعلم فقد فرط حين ترك الاستظهار ودخل في معاملته على غير معرفة وإن غصب مالا وأتلفه وجب عليه ضمانه لان حجر العبد والصبي آكد من حجره ثم حجر العبد والصبي لا يمنع من وجوب ضمان المتلف فلان لا يمنع حجر المبذر أولى فإن أودعه مالا فأتلفه ففيه وجهان أحدهما أنه لا يجب ( عليه ) ضمانه لانه ( قد ) فرط في التسليم إليه والثاني يجب ضمانه لانه لم يرض بالإتلاف فإن أقر بمال لم يقبل إقراره لانه حجر عليه لحظه فلا يصح إقراره بالمال كالصبي ولانا لو قلنا يصح إقراره توصل بالإقرار إلى إبطال معنى الحجر وما لا يلزمه بالإقرار والابتياع لا يلزمه إذا فك عنه الحجر لانا أسقطنا حكم الإقرار والابتياع لحفظ المال فلو قلنا إنه يلزمه إذا فك عنه الحجر لم يؤثر الحجر في حفظ المال وإن طلق امرأته صح الطلاق لأن الحجر لحفظ المال والطلاق لا يضيع المال بل يتوفر المال عليه وإن خالع جاز لأنه إذا صح الطلاق بغير مال فلان يصح بالمال أولى ولا يجوز للمرأة أن تدفع إليه المال فإن دفعته لم يصح القبض ولم تبرإ المرأة منه فإن تلف كان ذلك من ضمانها وإن تزوج من غير إذن الولي فالنكاح باطل لانه يجب به المال فإذا صححنا من غير إذن الولي تزوج من غير حاجة فيؤدي إلى إتلاف المال فإن تزوج بإذنه صح لان الولي لا يأذن إلا في موضع الحاجة فلا يؤدي ( ذلك ) إلى إتلاف ماله فإن باع بإذنه ففيه وجهان أحدهما يصح لانه عقد معاوضة فملكه بالإذن كالنكاح والثاني لا يصح لان القصد منه المال وهو محجور عليه في المال فإن حلف انعقدت يمينه فإذا حنث كفر بالصوم لانه مكلف ممنوع من التصرف بالمال فصحت يمينه وكفر بالصوم كالعبد وإن أحرم بالحج صح إحرامه لانه من أهل العبادات فإن كان فرضا لم يمنع من إتمامه ويجب الإنفاق عليه إلى أن يفرغ منه لانه مال يحتاج إليه لاداء الفرض فوجب وإن كان تطوعا فإن كان ما يحتاج إليه في الحج لا يزيد على نفقته لزمه إتمامه وإن كان يزيد على نفقته فإن كان له كسب إذا أضيف إلى النفقة أمكنه الحج لزمه إتمامه وإن لم يمكنه حلله الولي من الإحرام ويصير كالمحصر ويتحلل بالصوم دون الهدي لانه محجور عليه في المال فتحلل بالصوم دون الهدي كالعبد وإن أقر بنسب ثبت النسب لانه حق ليس بمال فقبل إقراره به كالحد وينفق على الولد من بيت المال لان المقر محجور عليه في المال فلا ينفق عليه من المال كالعبد
وإن وجب له القصاص فله أن يقتص ويعفو لان القصد منه التشفي ودرك الغيظ فإن عفا على مال وجب المال وإن عفا مطلقا أو عفا على غير مال فإن قلنا إن القتل يوجب أحد الأمرين من القصاص أو الدية وجبت الدية ولم يصح عفوه عنها وإن قلنا إنه لا يوجب غير القصاص سقط ( القصاص ) ولم يجب المال كتاب الصلح إذا كان لرجل عند رجل عين في يده أو دين في ذمته جاز أن يصالح منه والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المسلمون على شروطهم والصلح جائز بين المسلمين فإن صالح عن المال على مال فهو بيع يثبت فيه ما يثبت في البيع من الخيار ويحرم فيه ما يحرم في البيع من الغرر والجهالة والربا ويفسد بما يفسد به البيع من الشروط الفاسدة لانه باع ماله بمال فكان حكمه حكم البيع فيما ذكرناه وإن صالحه من دين على دين وتفرقا قبل القبض لم يصح لانه بيع دين بدين تفرقا فيه قبل القبض فإن صالحه من دين على عين وتفرقا قبل القبض ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانهما تفرقا والعوض والمعوض في ضمان واحد فأشبه إذا تفرقا عن دين بدين والثاني يصح لانه بيع عين بدين فصار كبيع العين بالثمن في الذمة وإن صالح عن المال على منفعة فهو إجارة يثبت فيه ما يثبت في الإجارة من الخيار ويبطل بما تبطل به الإجارة من الجهالة لانه استأجر منفعة بالمال فكان حكمه فيما ذكرناه حكم الإجارة فصل إذا صالح من دار على نصفها وإن صالح من دار على نصفها ففيه وجهان أحدهما ( أنه ) لا يصح لانه ابتاع ماله بماله والثاني يصح لانه لما عقد بلفظ الصلح صار كأنه وهب النصف وأخذ النصف وإن صالحه من الدار على سكناها سنة ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه ابتاع داره بمنفعتها والثاني يصح لانه لما عقد بلفظ الصلح صار كما لو أخذ الدار وأعاره سكناها سنة وإن صالحه من ألف درهم على خمسمائة ففيه وجهان أحدهما لا يصح لانه بيع ألف بخمسمائة والثاني أنه يصح لانه لما عقد بلفظ الصلح جعل كأنه قال أبرأتك من خمسمائة وأعطني خمسمائة فصل فيما إذا ادعى عليه عينا في يده أو دينا في ذمته وإن ادعى عليه عينا في يده أو دينا في ذمته فأنكر المدعى عليه فصالحه منه على عوض لم يصح الصلح لان المدعي اعتاض عما لا يملكه فصار كمن باع مال غيره والمدعى عليه عاوض على ملكه فصار كمن ابتاع مال نفسه من وكيله فإن جاء أجنبي إلى المدعي وصدقه على ما ادعاه وقال صالحني منه على مال لم يخل إما أن يكون المدعي عينا أو دينا فإن كان دينا نظرت فإن صالحه عن المدعى عليه صح الصلح لانه إن كان قد وكله المدعى عليه فقد قضى دينه بإذنه وإن لم يوكله فقد قضى دينه بغير إذنه وذلك يجوز فإن صالحه عن نفسه وقال صالحني عن هذا الدين ليكون لي في ذمة المدعى عليه ففيه وجهان بناء على الوجهين في بيع الدين من غير من عليه أحدهما لا يصح لانه لا يقدر على تسليم ما في ذمة المدعى عليه والثاني يصح كما لو اشترى وديعة في يد غيره وإن كان المدعى عينا فإن صالحه عن المدعى عليه وقال قد أقر لك في الباطن ووكلني في مصالحتك فصدقه المدعي صح الصلح لان الاعتبار بالمتعاقدين وقد اتفقا على ما يجوز العقد عليه فجاز ثم ينظر فيه فإن كان قد أذن له في الصلح ملك المدعى عليه العين لانه ابتاعه له وكيله وإن لم يكن أذن له في الصلح لم يملك المدعى عليه العين لانه ابتاع له عينا بغير إذنه فلم يملكه
ومن أصحابنا من قال يملكه ويصير هذا الصلح استنقاذا لماله كما قال الشافعي رحمه الله في رجل في يده دار فجعلها مسجدا ثم ادعاها رجل فأنكر فاستنقذه الجيران من المدعي بغير إذن المدعى عليه أنه يجوز ذلك وإن صالحه لنفسه فقال أنا أعلم أنه لك فصالحني فأنا أقدر على أخذه صح الصلح لانه بمنزلة بيع المغصوب ممن يقدر على أخذه فإن أخذه استقر الصلح وإن لم يقدر على أخذه فهو بالخيار بين أن يفسخ ويرجع إلى ما دفع وبين أن يصبر إلى أن يقدر كمن ابتاع عبدا فأبق قبل القبض فصل إذا أقر المدعى عليه بالحق ثم أنكر إذا أقر المدعى عليه بالحق ثم أنكر جاز الصلح فإن أنكر فصولح ثم أقر كان الصلح باطلا لان الإقرار المتقدم لا يبطل بالإنكار الحادث فيصح الصلح إذا أنكر بعد إقراره لوجوده بعد لزوم الحق ولم يصح الصلح إذا كان عقب إنكاره وقبل إقراره لوجوده قبل لزوم الحق فصل في حالة إنكار الحق فلو أنكر الحق فقامت عليه البينة جاز الصلح عليه للزوم الحق بالبينة كلزومه بالإقرار لفظا ويقاس عليه ما لو نكل المدعى عليه فحلف المدعي من طريق الأولى إذ اليمين المردودة كالإقرار على أحد القولين فصل وإن ادعى عليه مالا فأنكره ثم قال صالحني عنه لم يكن ذلك إقرارا له بالمال لانه يحتمل أنه أراد قطع الخصومة فلم يجعل ذلك إقرارا فإن قال بعني ذلك ففيه وجهان أحدهما لا يجعل ذلك إقرارا وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفرايني لأن البيع والصلح واحد فإذا لم يكن الصلح إقرارا لم يكن البيع إقرارا والثاني وهو قول شيخنا القاضي أبي الطيب أنه يجعل ذلك إقرارا لان البيع تمليك والتمليك لا يصح إلا ممن يملك فصل حكم إشراع الجناح على الطريق وإن أخرج جناحا إلى طريق لم يخل إما أن يكون الطريق نافذا أو غير نافذ فإن كان الطريق نافذا نظرت فإن كان الجناح لا يضر بالمارة جاز ولم يعترض عليه واختلفوا في علته فمن أصحابنا من قال يجوز لانه ارتفاق بما لم يتعين عليه ملك أحد من غير إضرار فجاز كالمشي في الطريق ومنهم من قال يجوز لان الهواء تابع للقرار فلما ملك الارتفاق بالطريق من غير إضرار ملك الارتفاق بالهواء من غير إضرار فإن وقع الجناح أو نقضه وبادر من يحاذيه فأخرج جناحا يمنع من إعادة الجناح الأول جاز لان الأول ثبت له الارتفاق بالسبق إلى إخراج الجناح فإذا زال الجناح جاز لغيره أن يرتفق كما لو قعد في طريق واسع ثم انتقل عنه فصل إذا صالح الإمام عن الجناح فإن صالحه الإمام عن الجناح على شيء لم يصح الصلح لمعنيين أحدهما أن الهواء تابع للقرار في العقد فلا يفرد بالعقد كالحمل والثاني أن ذلك حق له فلا يجوز أن يؤخذ منه عوض على حقه كالاجتياز في الطريق وإن كان الجناح يضر بالمارة لم يجز وإذا أخرجه وجب نقضه لقوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر ولا إضرار ولانه يضر بالمارة في طريقهم فلم يجز كالقعود في المضيق وإن صالحه الإمام من ذلك على شيء لم يجز لمعنيين أحدهما أن الهواء تابع للقرار فلا يفرد بالعقد والثاني أن ما منع منه للإضرار بالناس لم يجز بعوض كالقعود في المضيق والبناء في الطريق فصل المرجع في الضر إلى حال الطريق ويرجع فيما يضر وفيما لا يضر إلى حال الطريق فإن كان الطريق لا تمر فيه القوافل ولا تجوز فيه الفوارس لم يجز إخراج الجناح إلا بحيث يمر الماشى تحته منتصبا لان الضرر يزول بهذا القدر ولا يزول بما دونه وإن كان الطريق تمر فيه القوافل وتجوز فيه الفوارس لم يجز إلا عاليا بمقدار ما تمر العمارية تحته ويمر الراكب منتصبا وقال أبو عبيد بن حربويه لا يجوز حتى يكون عاليا يمر الراكب ورمحه منصوب لانه ربما ازدحم الفرسان فيحتاج إلى نصب الرماح ومتى لم ينصبوا تأذى الناس بالرماح والأول هو المذهب لانهم يمكنهم أن يضعوا أطرافها على الأكتاف غير منصوبة فلا يتأذوا
فصل إشراع الجناح إلى دار جاره وإن أخرج جناحا إلى دار جاره من غير إذنه لم يجز واختلف أصحابنا في تعليله فمنهم من قال لا يجوز لانه ارتفاق بما تعين مالكه فلم يجز بغير إذنه من غير ضرورة كأكل ماله ومنهم من قال لا يجوز لان الهواء تابع للقرار والجار لا يملك الارتفاق بقرار دار الجار فلا يملك الارتفاق بهواء داره فإن صالحه صاحب الدار على شيء لم يجز لان الهواء تابع فلا يفرد بالعقد فصل إشراع الجناح إلى درب غير نافذ وإن أخرج جناحا إلى درب غير نافذ نظرت فإن لم يكن له في الدرب طريق لم يجز لما ذكرناه في دار الجار وإن كان له فيه طريق ففيه وجهان أحدهما يجوز وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفرايني لان الهواء تابع للقرار فإذا جاز أن يرتفق بالقرار بالاجتياز جاز أن يرتفق بالهواء بإخراج الجناح والثاني لا يجوز وهو قول شيخنا القاضي أبي الطيب رحمه الله لانه موضع تعين ملاكه فلم يجز إخراج الجناح إليه كدار الجار فإن صالحه عنه أهل الدرب فإن قلنا يجوز إخراج الجناح لم يجز الصلح لما ذكرناه في الصلح على الجناح الخارج إلى الشارع وإن قلنا لا يجوز إخراجه لم يجز الصلح لما ذكرناه في الصلح على الجناح الخارج إلى دار الجار فصل في عمل ساباطا على حائط الجار وإن أراد أن يعمل ساباطا ويضع أطراف أجذاعه على حائط الجار المحاذى لم يجز ذلك من غير إذنه لانه حمل على ملك الغير من غير ضرورة فلم يجز من غير إذنه كحمل المتاع على بهيمة غيره فإن صالحه منه على شيء جاز إذا عرف مقدار الأجذاع فإن كانت حاضرة نظر إليها وإن لم تحضر وصفها فإن أراد أن يبني عليها ذكر سمك البناء وما يبنى به فإن أطلق كان ذلك بيعا مؤبدا لمغارز الأجذاع ومواضع البناء وإن وقت كان ذلك إجارة تنقضي بانقضاء المدة فصل في افتتاح الكوة في حائط الجار ولا يجوز أن يفتح كوة ولا يسمر مسمارا في حائط جاره إلا بإذنه ولا في الحائط المشترك بينه وبين غيره إلا بإذنه لان ذلك يوهى الحائط ويضر به فلا يجوز من غير إذن مالكه ولا يجوز أن يبني على حائط جاره ولا على الحائط المشترك شيئا من غير إذن مالكه ولا على السطحين المتلاصقين حاجزا من غير إذن صاحبه لانه حمل على ملك الغير فلم يجز من غير إذن كالحمل على بهيمته ولا يجوز أن يجري على سطحه ماء من غير إذنه فإن صالحه منه على عوض جاز إذا عرف السطح الذي يجرى ماؤه لانه يختلف ويتفاوت فصل في وضع الجذوع على حائط الجار وفي وضع الجذوع على حائط الجار والحائط الذي بينه وبين شريكه قولان قال في القديم يجوز فإذا امتنع الجار أو الشريك أجبر عليه إذا كان الجذع خفيفا لا يضر بالحائط ولا يقدر على التسقيف إلا به لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره قال أبو هريرة رضي الله عنه إني لاراكم عنها معرضين والله لارمينها بين أظهركم ولانه إذا وجب بذل فضل الماء للكلا لاستغنائه عنه وحاجة غيره ( إليه ) وجب بذل فضل الحائط لاستغنائه عنه وحاجة جاره وقال في الجديد لا يجوز بغير إذن وهو الصحيح لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال مرىء مسلم إلا بطيب نفس منه ولانه انتفاع بملك غيره من غير ضرورة فلا يجوز بغير إذنه كالحمل على بهيمته والبناء في أرضه وحديث أبي هريرة نحمله على الاستحباب وأما الماء فإنه غير مملوك في قول بعض أصحابنا والحائط مملوك ولان الماء لا تنقطع مادته والحائط بخلافه
فإن كان الجذع ثقيلا يضر بالحائط لم يجز وضعه من غير إذنه قولا واحدا لان الارتفاق بحق الغير لا يجوز مع الإضرار ولهذا لا يجوز أن يخرج إلى الطريق جناحا يضر بالمارة وإن كان لا حاجة به إليه لم يجبر عليه لان الفضل إنما يجب بذله عند الحاجة إليه ولهذا يجب بذل فضل الماء عند الحاجة إليه للكلا ولا يجب مع عدم الحاجة فإن قلنا يجبر عليه فصالح منه على مال لم يجز لان من وجب له حق لا يؤخذ منه عوضه وإن قلنا لا يجبر عليه فصالح منه على مال جاز على ما بيناه في أجذاع الساباط فصل وضع الخشبة على حائط الجار إذا وضع الخشب على حائط الجار أو الحائط المشترك وقلنا إنه يجبر في قوله القديم أو صالح عنه على مال في قوله الجديد فرفعه جاز له أن يعيده فإن صالحه صاحب الحائط عن حقه بعوض ليسقط حقه من الوضع جاز لان ما جاز بيعه جاز ابتياعه كسائر الأموال فصل للجار إزالة الضرر الواقع بسبب الشجرة وغيرها وإن كان في ملكه شجرة فاستعلت وانتشرت أغصانها وحصلت في دار جاره جاز للجار مطالبته بإزالة ما حصل في ملكه فإن لم يزله جاز للجار إزالته عن ملكه كما لو دخل رجل إلى داره بغير إذنه فإن له أن يطالبه بالخروج فإن لم يخرج أخرجه فإن صالحه منه على مال فإن كان يابسا لم يجز لانه عقد على الهواء والهواء لا يفرد بالعقد وإن كان رطبا لم يجز لما ذكرناه ولانه صلح على مجهول لانه يزيد في كل وقت فصل في بيان حق الاستطراق وإن كان لرجل في زقاق لا ينفذ دار وظهرها إلى الشارع ففتح بابا من الدار إلى الشارع جاز لان له حق الاستطراق في الشارع فجاز أن يفتح إليه بابا من الدار وإن كان باب الدار إلى الشارع وظهرها إلى الزقاق ففتح بابا من الدار إلى الزقاق نظرت فإن فتحه ليستطرق الزقاق لم يجز لانه يجعل لنفسه حق الاستطراق في درب مملوك لاهله لا حق له في طريقه فإن قال أفتحه ولا أجعله طريقا بل أغلقه وأسمره ففيه وجهان أحدهما أن له ذلك لانه إذا جاز له أن يرفع جميع حائط الدار فلان يجوز أن يفتح فيه بابا أولى والثاني لا يجوز لان الباب دليل على الاستطراق فمنع منه وإن فتح في الحائط كوة إلى الزقاق جاز لانه ليس بطريق ولا دليل عليه فإن كان له داران في زقاقين غير نافذين وظهر كل واحدة من الدارين إلى الأخرى فأنفذ إحدى الدارين إلى الأخرى ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه يجعل الزقاقين نافذين ولانه يجعل لنفسه الاستطراق من كل واحد من الزقاقين إلى الدار التي ليست فيه ويثبت لاهل كل واحد من الزقاقين الشفعة في دور الزقاق الآخر على قول من يوجب الشفعة بالطريق والثاني يجوز وهو اختيار شيخنا القاضي رحمه الله لان له أن يزيل الحاجز بين الدارين ويجعلهما دارا واحدة ويترك البابين على حالهما فجاز أن ينفذ إحداهما إلى الأخرى فصل إذا كان لداره باب في وسط درب لا ينفذ إذا كان لداره باب في وسط درب لا ينفذ فأراد أن ينقل الباب نظرت فإن أراد نقله إلى أول الدرب جاز له لانه يترك بعض حقه من الاستطراق وإن أراد أن ينقله إلى آخر الدرب ففيه وجهان أحدهما لا يجوز لانه يريد أن يجعل لنفسه حق الاستطراق في موضع لم يكن له والثاني يجوز لان حقه ثابت في جميع الدرب ولهذا لو أرادوا قسمته كان له حق في جميعه فإن كان بابه في آخر الدرب وأراد أن ينقل الباب إلى وسطه ويجعل إلى عند الباب دهليزا إن قلنا إن من بابه في وسط الدرب يجوز أن يؤخره إلى آخر الدرب لم يجز لهذا أن يقدمه لانه مشترك بين الجميع فلا يجوز أن يختص به وإن قلنا لا يجوز جاز لهذا أن يقدمه لانه يختص به