فصل إذا جنى على رجل جناية فادعى المجنى عليه أنه ذهب سمعه وأنكر الجانى امتحن فى أوقات غفلاته بالصياح مرة بعد مرة فإن ظهر منه أمارات السماع فالقول قول الجانى لان الظاهر يشهد له ولا يقبل قوله من غير يمين لانه يحتمل أن يكون ما ظهر من أمارة السماع اتفاقا وإن لم يظهر منه أمارة السماع فالقول قول المجنى عليه لان الظاهر معه ولا يقبل قوله فى ذلك من غير يمين لجواز أن يكون ما ظهر من عدم السماع لجودة تحفظه وإن ادعى نقصان السمع فالقول قوله مع يمينه لانه يتعذر إقامة البينة عليه ولا يعرف ذلك إلا من جهته وما يدعيه محتمل فقبل قوله مع يمينه كما يقبل قول المرأة فى الحيض وإن ادعى ذهاب السمع من إحدى الأذنين سد التى لم يذهب السمع منها ثم يمتحن بالصياح فى أوقات غفلاته فإن ظهر منه أمارة السماع فالقول قول الجانى مع يمينه وإن لم يظهر منه أمارة السماع فالقول قول المجنى عليه مع يمينه لما ذكرناه فصل وإن ادعى المجنى عليه ذهاب شمه وأنكر الجانى امتحن فى أوقات غفلاته بالروائح الطيبة والروائح المنتنة فإن كان لا يرتاح إلى الروائح الطيبة ولا تظهر منه كراهية الروائح المنتنة فالقول قوله لان الظاهر معه ويحلف عليه لجواز أن يكون قد تصنع لذلك وإن ارتاح إلى الروائح الطيبة وظهرت منه الكراهية للروائح المنتنة فالقول قول الجانى لان الظاهر يشهد له ويحلف على ذلك لجواز أن يكون ما ظهر من المجنى عليه من الارتياح والتكره اتفاقا وإن حلف المجنى عليه على ذهاب شمه ثم غطى أنفه عند رائحة منتنة فادعى الجانى أنه غطاه ببقاء شمه وادعى المجنى عليه أنه غطاه لحاجة أو لعادة فالقول قول المجنى عليه لانه يحتمل ما يدعيه فصل وإن كسر صلب رجل فادعى المجنى عليه أنه ذهب جماعه فالقول قوله مع يمينه لان ما يدعيه محتمل ولا يعرف ذلك إلا من جهته فقبل قوله مع يمينه كالمرأة فى دعوى الحيض فصل وإن اصطدمت سفينتان فتلفتا وادعى صاحب السفينة على القيم أنه فرط فى ضبطها وأنكر القيم ذلك فالقول قوله مع يمينه لان الأصل عدم التفريط وبراءة الذمة فصل إذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا ثم اختلفا فقال الضارب ما أسقطت من ضربى وقالت المرأة أسقطت من ضربك نظرت فإن كان الإسقاط عقيب الضرب فالقول قولها لان الظاهر معها وإن كان الإسقاط بعد مدة نظرت فإن بقيت المرأة متألمة إلى أن أسقطت فالقول قولها لان الظاهر معها وإن لم تكن متألمة فالقول قوله لانه يحتمل ما يدعيه كل واحد منهما والأصل براءة الذمة وإن اختلفا فى التألم فالقول قول الجانى لان الأصل عدم التألم وإن ضربها فأسقطت جنينا حيا ومات واختلفا فقالت المرأة مات من ضربك وقال الضارب مات بسبب آخر فإن مات عقيب الإسقاط فالقول قولها لان الظاهر معها وأنه مات من الجناية وإن مات بعد مدة ولم تقم البينة أنه بقى متألما إلى أن مات فالقول قول الضارب مع يمينه لانه يحتمل ما يدعيه والأصل براءة الذمة وإن أقامت بينة أنه بقى متألما إلى أن مات فالقول قولها مع اليمين لان الظاهر أنه مات من جنايته فصل وإن اختلفا فقالت المرأة استهل ثم مات وأنكر الضارب فالقول قوله لان الأصل عدم الاستهلال وإن ألقت جنينا حيا ومات ثم اختلفا فقال الضارب كان أنثى وقالت المرأة كان ذكرا فالقول قول الضارب لان الأصل براءة الذمة مما زاد على دية الأنثى فصل وإن ادعى رجل على رجل قتلا تجب فيه الدية على العاقلة وصدقه المدعى عليه وأنكرت العاقلة وجبت الدية على الجانى بإقراره ولا تجب على العاقلة من غير بينة لما روى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال لا تحمل العاقلة عمدا ( ولا عبدا ) ولا صلحا ولا اعترافا ولانا لو قبلنا إقراره على العاقلة لم يؤمن إن لم يواطىء فى كل وقت من يقر له بقتل الخطإ فيؤدى إلى الإضرار بالعاقلة
Şîrâzî — el-Mühezzeb (Şâfiî)
إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي أبو إسحاق · AR
وإن ضرب بطن امرأة فألقت جنينا فقال الجاني كان ميتا وقالت المرأة كان حيا فالقول قول الجانى لانه يحتمل ما يدعيه كل واحد منهما والأصل براءة الذمة وإن صدق الجاني المرأة وأنكرت العاقلة وجب على العاقلة قدر الغرة لانها لم تعترف بأكثر منها ووجبت الزيادة فى ذمة الجانى لان قوله مقبول على نفسه دون العاقلة فصل إذا سلم من عليه الدية الإبل فى قتل العمد ثم اختلفا فقال الولى لم يكن فيها خلفات وقال من عليه الدية كانت فيها خلفات فإن لم يرجع فى حال الدفع إلى أهل الخبرة فالقول قول الولى لان الأصل عدم الحمل فإن رجع فى الدفع إلى قول أهل الخبرة ففيه وجهان أحدهما أن القول قول الولى لما ذكرناه والثانى أن القول قول من عليه الدية لانا حكمنا بأنها خلفات بقول أهل الخبرة فلم يقبل فيه قول الولى باب كفارة القتل من قتل من يحرم عليه قتله من مسلم أو كافر له أمان خطأ وهو من أهل الضمان وجبت عليه الكفارة لقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وقوله تبارك وتعالى فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فإن قتله عمدا أو شبه عمد وجبت عليه الكفارة لانها إذا وجبت فى قتل الخطإ مع عدم المأثم فلأن تجب فى العمد وشبه العمد وقد تغلظ بالإثم أولى وإن توصل إلى قتله بسبب يضمن فيه النفس كحفر البئر وشهادة الزور والإكراه وجبت عليه الكفارة لان السبب كالمباشرة فى إيجاب الضمان فكان كالمباشرة فى إيجاب الكفارة فإن ضرب بطن امرأة فألقت جنينا ميتا وجبت عليه الكفارة لانه آدمى محقون الدم لحرمته فضمن بالكفارة كغيره وإن قتل نفسه أو قتل عبده وجبت عليه الكفارة لان الكفارة تجب لحق الله تعالى وقتل نفسه وقتل عبده كغيرهما فى التحريم لحق الله تعالى فكان كقتل غيرهما فى إيجاب الكفارة فإن اشترك جماعة فى قتل واحد وجب على كل واحد منهم كفارة ومن أصحابنا من قال فيه قول آخر أنه يجب على الجميع كفارة واحدة لانها كفارة تجب بالقتل فإذا اشترك جماعة فيه وجبت عليهم كفارة واحدة كالكفارة فى قتل الصيد والمشهور هو الأول لانها كفارة لا تجب على سبيل البدل فإذا اشترك الجماعة فى سببها وجب على كل واحد منهم كفارة ككفارة الطيب واللباس فصل والكفارة عتق رقبة ( مؤمنة ) فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلى قوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع ففيه قولان أحدهما يلزمه إطعام ستين مسكينا كل مسكين مدا من الطعام لانه كفارة يجب فيها العتق أو صيام شهرين فوجب فيها إطعام ستين مسكينا قياسا على كفارة الظهار والجماع فى رمضان والثانى لا يلزمه الإطعام لان الله تعالى ذكر العتق والصيام ولم يذكر الإطعام ولو وجب ذلك لذكره كما ذكره فى كفارة الظهار وصفة الرقبة والصيام والطعام إذا أوجبناه على ما ذكرنا فى الظهار فأغنى عن الإعادة كتاب قتال أهل البغى لا يجوز الخروج عن الإمام لما روى ابن عمر رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من نزع يده من طاعة إمامه فإنه يأتى يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وهو مفارق للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية وروى أبو هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حمل علينا السلاح فليس منا منعت حقا توجه عليها بتأويل وخرجت عن قبضة الإمام وامتنعت بمنعة قاتلها الإمام لقوله عز وجل وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا فصل إذا خرجت على الإمام طائفة من المسلمين ورامت خلعه
بتأويل أو بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ولان أبا بكر الصديق رضى الله عنه قاتل مانعى الزكاة وقاتل علي كرم الله وجهه أهل البصرة يوم الجمل وقاتل معاوية بصفين وقاتل الخوارج بالنهروان ولا يبدأ بالقتال حتى يسألهم ما ينقمون منه فإن ذكروا مظلمة أزالها وإن ذكروا علة يمكن إزاحتها أزاحها وإن ذكروا شبهة كشفها لقوله تعالى فأصلحوا بينهما وفيما ذكرناه إصلاح وروى عبد الله بن شداد بن الهاد أن عليا كرم الله وجهه لما كاتب معاوية وحكم وعتب عليه ثمانية آلاف ونزلوا بأرض يقال لها حروراء فقالوا انسلخت من قميص ألبسك الله وحكمت فى دين الله ولا حكم إلا لله فقال علي بينى وبينكم كتاب الله يقول الله تعالى فى ( حق ) رجل وامرأة وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما وأمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل ونقموا أنى كاتبت معاوية من على بن أبى طالب وجاء سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية حين صالح قومه قريشا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب من محمد رسول الله فقالوا لو نعلم أنك رسول الله لم نخالفك فقال اكتب فكتب هذا ما قضى عليه محمد قريشا يقول الله عز وجل لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وبعث إليهم عبد الله بن عباس فواضعوا عبد الله كتاب الله تعالى ثلاثة أيام ورجع منهم أربعة آلاف فإن أبوا وعظهم وخوفهم القتال فإن أبوا قاتلهم فإن طلبوا إلا الإنظار نظرت فإن كان يومين أو ثلاثة أنظرهم لان ذلك مدة قريبة ولعلهم يرجعون إلى الطاعة فإن طلبوا أكثر من ذلك بحث عنه الإمام فإن كان قصدهم الاجتماع على الطاعة أمهلهم وإن كان قصدهم الاجتماع على القتال لم ينظرهم لما فى الإنظار من الإضرار وإن أعطوا على الإنظار رهائن لم يقبل منهم لانه لا يؤمن أن يكون هذا مكرا وطريقا إلى قهر أهل العدل وإن بذلوا عليه مالا لم يقبل لما ذكرناه ولان فيه إجراء صغار على طائفة من المسلمين فلم يجز كأخذ الجزية منهم فصل ولا يتبع فى القتال مدبرهم ولا يذفف على جريحهم لما روى عبد الله بن مسعود أن النبى صلى الله عليه وسلم قال يابن أم عبد ما حكم من بغى من أمتى فقلت الله ورسوله أعلم فقال لا يتبع مدبرهم ولا يجاز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم ولا يقسم فيؤهم وعن على كرم الله وجهه أنه قال لا تجيزوا على جريح ولا تتبعوا مدبرا وعن أبى أمامة قال شهدت صفين فكانوا لا يجيزون على جريح ولا يطلبون موليا ولا يسلبون قتيلا ولان قتالهم للدفع والرد إلى الطاعة دون القتل فلا يجوز فيه القصد إلى القتل من غير حاجة وإن حضر معهم من لا يقاتل ففيه وجهان أحدهما لا يقصد بالقتل لان القصد من قتالهم كفهم وهذا قد كف نفسه فلا يقصد والثانى يقتل لان عليا كرم الله وجهه نهاهم عن قتل محمد بن طلحة السجاد وقال إياكم وقتل صاحب البرنس فقتله رجل وأنشأ يقول ( الطويل ) وأشعث قوام بآيات ربه قليل الأذى فيما ترى العين مسلم هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعا لليدين وللفم على غير شيء غير أن ليس تابعا عليا ومن لا يتبع الحق يظلم يناشدنى حم والرمح شاجر فهلا تلا حم قبل التقدم ولم ينكر علي كرم الله وجهه قتله ولانه صار ردءا لهم ولا تقتل النساء والصبيان كما لا يقتلون فى حرب الكفار فإن قاتلوا جاز قتلهم كما يجوز قتلهم إذا قصدوا قتله فى غير القتال ويكره أن يقصد قتل ذى رحم محرم كما يكره فى قتال الكفار فإن قاتله لم يكره كما لا يكره إذا قصد قتله فى غير القتال فصل ولا يقتل أسيرهم
لقوله صلى الله عليه وسلم فى حديث عبد الله بن مسعود ولا يقتل أسيرهم فإن قتله ضمنه بالدية لانه بالأسر صار محقون الدم فصار كما لو رجع إلى الطاعة وهل يضمنه بالقصاص فيه وجهان أحدهما يضمنه لما ذكرناه والثانى لا يضمنه لان أبا حنيفة رحمه الله يجيز قتله فصار ذلك شبهة فى إسقاط القود فإن كان الأسير حرا بالغا فدخل فى الطاعة أطلقه وإن لم يدخل فى الطاعة حبسه إلى أن تنقضى الحرب ليكف شره ثم يطلقه ويشرط عليه ألا يعود إلى القتال وإن كان عبدا أو صبيا لم يحبسه لانه ليس من أهل البيعة ومن أصحابنا من قال يحبسه لان فى حبسه كسرا لقلوبهم فصل ولا يجوز قتالهم بالنار والرمى عن المنجنيق من غير ضرورة لانه لا يجوز أن يقتل إلا من يقاتل والقتل بالنار أو المنجنيق يعم من يقاتل ومن لا يقاتل وإن دعت إليه الضرورة جاز كما يجوز أن يقتل من لا يقاتل إذا قصد قتله للدفع ولا يستعين فى قتالهم بالكفار ولا بمن يرى قتلهم مدبرين لان القصد كفهم وردهم إلى الطاعة دون قتلهم وهؤلاء يقصدون قتلهم فإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم فإن كان يقدر على منعهم من اتباع المدبرين جاز وإن لم يقدر لم يجز فصل وإن اقتتل فريقان من أهل البغى فإن قدر الإمام على قهرهما لم يعاون واحدا منهما لان الفريقين على الخطإ وإن لم يقدر على قهرهما ولم يأمن أن يجتمعا على قتاله ضم إلى نفسه أقربهما إلى الحق فإن استويا فى ذلك اجتهد ( فى ) رأيه فى ضم أحدهما إلى نفسه ولا يقصد بذلك معاونته على الآخر بل يقصد الاستعانة به على الآخر فإذا انهزم الآخر لم يقاتل الذى ضمه إلى نفسه حتى يدعوه إلى الطاعة لانه حصل بالاستعانة به فى أمانه فصل ولا يجوز أخذ مالهم لحديث ابن مسعود وحديث أبى أمامة في صفين ولان الإسلام عصم دمهم ومالهم وإنما أبيح قتالهم للدفع والرد إلى الطاعة وبقى حكم المال على ما كان فلم يجز أخذه كمال قطاع الطريق ولا يجوز الانتفاع بسلاحهم وكراعهم من غير إذنهم من غير ضرورة لقوله صلى الله عليه وسلم لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه لان من لا يجوز أخذ ماله لم يجز الانتفاع بماله من غير ( إذنه ومن ) غير ضرورة كغيرهم وإن اضطر إليه جاز كما يجوز أكل مال غيره عند الضرورة فصل وإن أتلف أحد الفريقين على الآخر نفسا أو مالا فى غير القتال وجب عليه الضمان لان تحريم نفس كل واحد منهما وماله كتحريمهما قبل البغى فكان ضمانهما كضمانهما قبل البغى وإن أتلف أهل العدل على أهل البغى نفسا أو مالا فى حال الحرب بحكم القتال لم يجب عليه الضمان لانه مأمور بإتلافه فلا يلزمه ضمانه كما لو قتل من يقصد نفسه أو ماله من قطاع الطريق وإذا أتلف أهل البغى على أهل العدل ففيه قولان أحدهما يجب عليه الضمان لانه أتلف عليه بعدوان فوجب عليه الضمان كما لو أتلف عليه فى غير القتال والثانى لا يجب عليه الضمان وهو الصحيح لما روى عن الزهرى أنه قال كانت الفتنة العظمى بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا على ألا يقام حد على رجل ارتكب فرجا حراما بتأويل القرآن ولا يقتل رجل سفك دما حراما بتأويل القرآن ولا يغرم مالا أتلفه بتأويل القرآن ولانها طائفة ممتنعة بالحرب بتأويل فلم تضمن ما تتلف على الأخرى بحكم الحرب كأهل العدل ومن أصحابنا من قال القولان فى غير القصاص فأما القصاص فلا يجب قولا واحدا لانه يسقط بالشبهة ولهم فى القتل شبهة فصل وإن استعان أهل البغى بأهل الحرب فى القتال
وعقدوا لهم أمانا أو ذمة بشرط المعاونة لم ينعقد لان من شرط الذمة والأمان ألا يقاتلوا المسلمين فلم ينعقد على شرط القتال فإن عاونوهم جاز لاهل العدل قتلهم مدبرين وجاز أن يذفف على جريحهم وإن أسروا جاز قتلهم واسترقاقهم والمن عليهم والمفاداة لهم لانه لا عهد لهم ولا ذمة فصاروا كما لو جاءوا منفردين عن أهل البغى ولا يجوز شيء من ذلك لمن عاونهم من أهل البغى لانهم بذلوا لهم الذمة والأمان فلزمهم الوفاء به وإن استعانوا بأهل الذمة فعاونوهم نظرت فإن قالوا كنا مكرهين أو ظننا أنه يجوز أن نعاونهم عليكم كما يجوز أن نعاونكم عليهم لم تنتقض الذمة لان ما ادعوه محتمل فلا يجوز نقض العقد مع الشبهة وإن قاتلوا معهم عالمين من غير إكراه فإن كان قد شرط عليهم ترك المعاونة فى عقد الذمة انتقض العهد لانه زال شرط الذمة وإن لم يشترط ذلك ففيه قولان أحدهما ينتقض كما لو انفردوا بالقتال لاهل العدل والثانى لا ينتقض لانهم قاتلوا تابعين لاهل البغى فإذا قلنا لا ينتقض عهدهم كانوا فى القتال كأهل البغى لا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم وإن أتلفوا نفسا أو مالا فى الحرب لزمهم الضمان قولا واحدا والفرق بينهم وبين أهل البغى أن فى تضمين أهل البغى تنفيرا عن الرجوع إلى الطاعة فسقط عنهم الضمان فى أحد القولين ولا يخاف تنفير أهل الذمة لانا قد أمناهم على هذا القول وإن استعانوا بمن له أمان إلى مدة معاونوهم انتقض أمانيهم فإن ادعوا أنهم كانوا مكرهين ولم تكن لهم بينة على الإكراه انتقض الأمان والفرق بينهم وبين أهل الذمة فى أحد القولين أن الأمان المؤقت ينتقض بالخوف من الخيانة فانتقض بالمعاونة وعقد الذمة لا ينتقض بالخوف من الخيانة فلم ينتقض بالمعاونة فصل وإن ولوا فيما استولوا عليه قاضيا نظرت فإن كان ممن يستبيح دماء أهل العدل وأموالهم لم ينفذ حكمه لان من شرط القضاء العدالة والاجتهاد وهذا ليس بعدل ولا مجتهد وإن كان ممن لا يستبيح دماءهم ولا أموالهم نفذ من حكمه ما ينفذ من حكم قاضى أهل العدل ورد من حكمه ما يرد من حكم قاضى أهل العدل لان لهم تأويلا يسوغ فيه الاجتهاد فلم ينقض من حكمه ما يسوغ فيه الاجتهاد وإن كتب قاضيهم إلى قاضى أهل العدل استحب ألا يقبل كتابه استهانة بهم وكسرا لقلوبهم فإن قبله جاز لانه ينفذ حكمه فجاز الحكم بكتابه كقاضى أهل العدل فصل وإن استولوا على بلد وأقاموا الحدود وأخذوا الزكاة والخراج والجزية اعتد به لان عليا كرم الله وجهه قاتل أهل البصرة ولم يلغ ما فعلوه وأخذوه ولان ما فعلوه وأخذوه بتأويل سائغ فوجب إمضاؤه كالحاكم إذا حكم بما يسوغ فيه الاجتهاد فإن عاد البلد إلى أهل العدل فادعى من عليه الزكاة أنه دفعها إلى أهل البغى قبل قوله وهل يحلف عليه مستحبا أو واجبا فيه وجهان ذكرناهما فى الزكاة وإن ادعى من عليه الجزية أنه دفعها إليهم لم يقبل قوله لانها عوض فلم يقبل قوله فى الدفع كالمستأجر إذا ادعى دفع الأجرة وإن ادعى من عليه الخراج أنه دفعه إليهم ففيه وجهان أحدهما يقبل قوله لانه مسلم فقبل قوله فى الدفع كما قلنا فيمن عليه الزكاة والثانى لا يقبل لان الخراج ثمن أو أجرة فلم يقبل قوله فى الدفع كالثمن فى البيع والأجرة فى الإجارة فصل فى وإن أظهر قوم رأى الخوارج ولم يخرجوا عن قبضة الإمام لم يتعرض لهم لان عليا كرم الله وجهه سمع رجلا من الخوارج يقول لا حكم إلا لله تعريضا ( له ) فى التحكيم فى صفين فقال كلمة حق أريد بها باطل ثم قال لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم معنا ولا نبدؤكم بقتال
ولان النبى صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للمنافقين الذين كانوا معه فى المدينة فلأن لا نتعرض لاهل البغى وهم من المسلمين أولى وحكمهم فى ضمان النفس والمال والحد حكم أهل العدل لان ابن ملجم جرح عليا كرم الله وجهه فقال أطعموه واسقوه واحبسوه فإن عشت فأنا ولى دمى أعفو إن شئت وإن شئت استقدت وإن مت فاقتلوه ولا تمثلوا به فإن قتل فهل يتحتم قتله فيه وجهان أحدهما يتحتم لانه قتل بشهر السلاح فانحتم قتله كقاطع الطريق والثانى لا يتحتم وهو الصحيح لقول على كرم الله وجهه أعفو إن شئت وإن شئت استقدت وإن سبوا الإمام أو غيره من أهل العدل عزروا لانه محرم ليس فيه حد ولا كفارة فوجب فيه التعزير وإن عرضوا بالسب ففيه وجهان أحدهما يعزرون لانهم إذا لم يعزروا على التعريض صرحوا وخرقوا الهيبة والثانى لا يعزرون لما روى أبو يحيى قال صلى ( بنا ) على رضى الله عنه صلاة الفجر فناداه رجل من الخوارج لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين فأجابه علي رضوان الله عليه وهو فى الصلاة فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ولم يعزره فصل وإن خرجت على الإمام طائفة لا منعة لها أو أظهرت رأى الخوارج كان حكمهم فى ضمان النفس والمال والحدود حكم أهل العدل لانه لا يخاف نفورهم لقلتهم وقدرة الإمام عليهم فكان حكمهم فيما ذكرناه حكم الجماعة كما لو كانوا فى قبضته فصل وإن خرجت طائفة من المسلمين عن طاعة الإمام بغير تأويل واستولت على البلاد ومنعت ما عليها وأخذت ما لا يجوز أخذه قصدهم الإمام وطالبهم بما منعوا ورد ما أخذوا وغرمهم ما أتلفوه بغير حق وأقام عليهم حدود ما ارتكبوا لانه لا تأويل لهم فكان حكمهم ما ذكرناه كقطاع الطريق باب قتل المرتد تصح الردة من كل بالغ عاقل مختار فأما الصبى والمجنون فلا تصح ردتهما لقوله صلى الله عليه وسلم رفع القلم عن ثلاثة عن الصبى حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتأ يفيق وأما السكران ففيه طريقان من أصحابنا من قال تصح ردته قولا واحدا ومنهم من قال فيه قولان وقد بينا ذلك فى الطلاق فأما المكره فلا تصح ردته لقوله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وإن تلفظ بكلمة الكفر وهو أسير لم يحكم بردته لانه مكره وإن تلفظ بها فى دار الحرب فى غير الأسر حكم بردته لان كونه فى دار الحرب لا يدل على الإكراه وإن أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر لم يحكم بردته لانه قد يأكل ويشرب من غير اعتقاد ومن أكره على كلمة الكفر فالأفضل ألا يأتى بها لما روى أنس رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله عز وجل وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن توقد نار فيقذف فيها وروى خباب بن الأرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن كان الرجل ممن كان قبلكم ليحفر له فى الأرض فيجعل فيها فيجاء بمنشار فتوضع على رأسه ويشق باثنتين فلا يمنعه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصده ذلك عن دينه ومن أصحابنا من قال إن كان ممن يرجو النكاية فى العدو أو القيام بأحكام الشرع فالأفضل ( له ) أن يدفع القتل عن نفسه ويتلفظ بكلمة الكفر لما فى بقائه من صلاح المسلمين وإن كان لا يرجو ذلك اختار القتل فصل إذا ارتد الرجل وجب قتله لما روى أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل كفر بعد إسلامه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس
فإن ارتدت امرأة وجب قتلها لما روى جابر رضى الله عنه أن امرأة يقال لها أم رومان ارتدت عن الإسلام فبلغ أمرها إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأمر أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت وهل يجب أن يستتاب أو يستحب فيه قولان أحدهما لا يجب لانه لو قتل قبل الاستتابة لم يضمنه القاتل ولو وجبت الاستتابة لضمنه والثانى أنها تجب لما روى أنه لما ورد على عمر رضى الله عنه فتح تستر فسألهم هل كان من مغربة خبر قالوا نعم رجل ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين فأخذناه قال فهلا أدخلتموه بيتا وأغلقتم عليه بابا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه ثلاثا فإن تاب وإلا قتلتموه اللهم إنى لم أشهد ولم آمر ولم أرض إذ بلغنى ولو لم تجب الاستتابة لما تبرأ من فعلهم فإن قلنا إنه تجب الاستتابة أو تستحب ففى مدتها قولان أحدهما أنها ثلاثة أيام لحديث عمر رضى الله عنه ولان الردة لا تكون إلا عن شبهة وقد لا يزول ذلك بالاستتابة فى الحال فقدر بثلاثة أيام لانه مدة قريبة يمكن فيها الارتياء والنظر ولهذا قدر به الخيار فى البيع والثانى وهو الصحيح أنه يستتاب فى الحال ( فإن تاب وإلا قتل ) لحديث أم رومان ولانه استتابة من الكفر فلم تقدر بثلاث كاستتابة الحربى وإن كان سكرانا فقد قال الشافعى رحمه الله تؤخر الاستتابة فمن أصحابنا من قال تصح استتابته والتأخير مستحب لانه تصح ردته فصحت استتابته ومنهم من قال لا تصح استتابته ويجب التأخير لان ردته لا تكون إلا عن شبهة ( ولا يمكن بيان الشبهة ) ولا إزالتها مع السكر وإن ارتد ثم جن لم يقتل حتى يفيق ويعرض عليه الإسلام لان القتل يجب بالردة والإصرار عليها والمجنون لا يوصف بأنه مصر على الردة فصل وإذا تاب المرتد قبلت توبته سواء كانت ردته إلى كفر ظاهر به أهله أو إلى كفر يستتر به أهله كالتعطيل والزندقة لما روى أنس رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله واستقبلوا قبلتنا وصلوا صلاتنا وأكلوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ولهم للمسلمهين وعليهم ما على المسلمين ولان النبى صلى الله عليه وسلم كف عن المنافقين لما أظهروا من الإسلام مع ما كانوا يبطنون من خلافه فوجب أن يكف عن المعطل والزنديق لما يظهرونه من الإسلام فإن كان المرتد ممن لا تأويل له فى كفره فأتى بالشهادتين حكم باسلامه لحديث أنس رضى الله عنه فإن صلى في دار الحرب حكم بإسلامه وإن صلى فى دار الإسلام لم يحكم بإسلامه لانه يحتمل أن تكون صلاته فى دار الإسلام للمراءاة والتقية وفى دار الحرب لا يحتمل ذلك فدل على إسلامه وإن كان ممن يزعم أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث إلى العرب وحدها أو ممن يقول إن محمدا نبى يبعث وهو غير الذى بعث لم يصح إسلامه حتى يتبرأ مع الشهادتين من كل دين خالف الإسلام لانه إذا اقتصر على الشهادتين احتمل أن يكون أراد ما يعتقده وإن ارتد بجحود فرض أو استباحة محرم لم يصح إسلامه حتى يرجع عما اعتقده ويعيد الشهادتين لانه كذب الله وكذب رسوله بما اعتقده ( فى خبره ) فلا يصح إسلامه حتى يأتى بالشهادتين وإن ارتد ثم أسلم ثم ارتد ثم أسلم وتكرر منه ذلك قبل إسلامه ويعزر على تهاونه بالدين وقال أبو إسحاق لا يقبل إسلامه إذا تكررت ردته وهذا خطأ لقوله عز وجل قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولانه اتى بالشهادتين بعد الردة فحكم بإسلامه كما لو ارتد مرة ثم أسلم فصل وإن ارتد ثم أقام على الردة فإن كان حرا كان قتله إلى الإمام لانه قتل يجب لحق الله تعالى فكان إلى الإمام كرجم الزانى فإن قتله غيره بغير إذنه عزر لانه افتات على الإمام
فإن كان عبدا ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز للمولى قتله لانه عقوبة تجب لحق الله تعالى فجاز للمولى إقامتها كحد الزنا والثانى لا يجوز للمولى قتله لانه حق الله عز وجل لا يتصل بحق المولى فلم يكن للمولى فيه حق بخلاف حد الزنا فإنه يتصل بحقه فى إصلاح ملكه فصل إذا ارتد وله مال ففيه ثلاثة أقوال أحدها أنه لا يزول ملكه عن ماله وهو اختيار المزنى رحمه الله لانه لم يوجد أكثر من سبب يبيح الدم وهذا لا يوجب زوال الملك عن ماله كما لو قتل أو زنى والقول الثانى أنه يزول ملكه عن ماله وهو الصحيح لما روى طارق بن شهاب أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال لوفد بزاخة وغطفان نغنم ما أصبنا منكم وتردون إلينا ما أصبتم منا ولانه عصم بالإسلام دمه وماله ثم ملك المسلمون دمه بالردة فوجب أن يملكوا ماله بالردة والقول الثالث أنه مراعى فإن أسلم حكمنا بأنه لم يزل ملكه ( عن ماله ) وإن قتل أو مات على الردة حكمنا بأنه زال ملكه لان ماله معتبر بدمه ثم استباحة دمه موقوفة على توبته فوجب أن يكون زوال ملكه عن المال موقوفا وعلى هذا فى ابتداء ملكه بالاصطياد والابتياع وغيرهما الأقوال الثلاثة أحدها يملك والثانى لا يملك والثالث أنه مراعى فإن قلنا إن ملكه قد زال بالردة صار المال فيئا للمسلمين وأخذ إلى بيت المال وإن قلنا إنه لا يزول أو مراعى حجر عليه ومنع من التصرف فيه لانه تعلق به حق المسلمين وهو متهم فى إضاعته فحفظ كما يحفظ مال السفيه وأما تصرفه فى المال فإنه إن كان بعد الحجر لم يصح لانه حجر ثبت بالحاكم فمنع صحة التصرف فيه كالحجر على السفيه وإن كان قبل الحجر ففيه ثلاثة أقوال بناء على الأقوال فى بقاء ملكه أحدها أنه يصح والثانى أنه لا يصح والثالث أنه موقوف فصل وإن ارتد وعليه دين قضى من ماله لانه ليس بأكثر من موته ولو مات قضيت ديونه فكذلك إذا ارتد فصل ولا يجوز استرقاقه لانه لا يجوز إقراره على الكفر فإن ارتد وله ولد أو حمل كان محكوما بإسلامه فإذا بلغ ووصف الكفر قتل وقال أبو العباس فيه قول آخر أنه لا يقتل لان الشافعى رحمه الله قال ولو بلغ فقتله قاتل قبل أن يصف الإسلام لم يجب عليه القود والمذهب الأول لانه محكوم بإسلامه وإنما أسقط الشافعى رحمه الله القود بعد البلوغ للشبهة وهو أنه بلغ ولم يصف الإسلام ولهذا لو قتل قبل البلوغ وجب القود وإن ولد له ولد بعد الردة من ذمية فهو كافر لانه ولد بين كافرين وهل يجوز استرقاقه فيه قولان أحدهما لا يجوز لانه لا يسترق أبواه فلم يسترق والثانى ( يسترق ) لانه كافر ولد بين كافرين فجاز استرقاقه كولد الحربيين فإن قلنا لا يجوز استرقاقه استتيب بعد البلوغ فإن تاب وإلا قتل وإن قلنا يجوز استرقاقه فوقع فى الأسر فللإمام أن يمن عليه وله أن يفادى به وله أن يسترقه كولد الحربيين غير أنه إذا استرقه لم يجز إقراره على الكفر لانه دخل فى الكفر بعد نزول القرآن فصل وإن ارتدت طائفة وامتنعت بمنعة وجب على الإمام قتالها لان أبا بكر الصديق رضى الله عنه قاتل المرتدة ويتبع فى الحرب مدبرهم ويذفف على جريحهم لانه إذا وجب ذلك فى قتال أهل الحرب فلأن يجب ذلك فى قتال المرتدة وكفرهم أغلظ أولى وإن أخذ منهم أسير استتيب فإن تاب وإلا قتل لانه لا يجوز إقراره على الكفر فصل ومن أتلف منهم نفسا أو مالا على مسلم فإن كان ذلك فى غير القتال وجب عليه ضمانه لانه التزم ذلك بالإقرار بالإسلام فلم يسقط عنه بالجحود كما لا يسقط عنه ما التزمه بالإقرار عند الحاكم بالجحود فإن أتلف ذلك فى حال القتال ففيه طريقان أحدهما وهو قول الشيخ أبى حامد الإسفرايينى وغيره من البغداديين ( أنه ) على قولين كما قلنا فى أهل البغى
والثانى وهو قول القاضى أبى حامد المروزى وغيره من البصريين أنه يجب عليه الضمان قولا واحدا لانه لا ينفذ قضاء قاضيهم فكان حكمهم فى الضمان حكم قاطع الطريق والأول هو الصحيح أنه على قولين أصحهما أنه لا يجب الضمان لما روى طارق بن شهاب قال جاء وفد بزاخة وغطفان إلى أبى بكر يسألونه الصلح فقال تدون قتلانا وقتلاكم فى النار فقال عمر إن قتلانا قتلوا على أمر الله ليس لهم ديات فتفرق الناس على قول عمر رضى الله عنه فصل للسحر حقيقة وله تأثير فى إيلام الجسم وإتلافه وقال أبو جعفر الاستراباذى من أصحابنا لا حقيقة له ولا تأثير له والمذهب الأول لقوله تعالى ومن شر النفاثات في العقد والنفاثات السواحر ولو لم يكن للسحر حقيقة لما أمر بالاستعاذة من شره وروت عائشة رضى الله عنها قالت سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه قد فعل الشيء وما فعله ويحرم فعله لماروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس منا من سحر أو سحر له وليس منا من تكهن أو تكهن له وليس منا من تطير أو تطير له ويحرم تعلمه لقوله ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر فذمهم على تعليمه ولان تعلمه يدعو إلى فعله وفعله محرم فحرم ما يدعو إليه فإن علم أو تعلم واعتقد تحريمه لم يكفر لانه إذا لم يكفر بتعلم الكفر فلأن لا يكفر بتعلم السحر أولى وإن اعتقد إباحته مع العلم بتحريمه فقد كفر لانه كذب الله تعالى فى خبره ويقتل كما يقتل المرتد باب صول الفحل من قصده رجل فى نفسه أو ماله أو ( فى ) أهله بغير حق فله أن يدفعه لما روى سعيد بن زيد أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من قاتل دون أهله أو ماله فقتل فهو شهيد وهل يجب عليه الدفع ينظر فيه فإن كان فى المال لم يجب لان المال يجوز إباحته وإن كان وجهان أحدهما أنه يجب عليه الدفع لقوله عز وجل ولا تلقوا بأيديكم فى أهله وجب عليه الدفع لانه لا يجوز إباحته وإن كان فى النفس ففيه إلى التهلكة والثانى أنه لا يجب لان عثمان رضى الله عنه لم يدفع عن نفسه ولانه ينال به الشهادة إذا قتل فجاز له ترك الدفع لذلك فصل وإذا أمكنه الدفع بالصياح والاستغاثة لم يدفع باليد وإن كان فى موضع لا يلحقه الغوث دفعه باليد فإن لم يندفع باليد دفعه بالعصا فإن لم يندفع بالعصا دفعه بالسلاح فإن لم يندفع إلا بإتلاف عضو دفعه بإتلاف العضو فإن لم يندفع إلا بالقتل دفعه بالقتل وإن عض يده ولم يمكنه تخليصها إلا بفك لحييه فك لحييه وإن لم يندفع إلا بأن يبعج جوفه بعج جوفه ولا يجب عليه فى شيء من ذلك ضمان لما روى عمران بن الحصين قال قاتل يعلى بن أمية رجلا فعض أحدهما يد صاحبه فانتزع يده من فيه فنزع ثنيته فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية له ولان فعله ألجأه إلى الإتلاف فلم يضمنه كما لو رمى حجرا فرجع الحجر عليه فأتلفه وإن قدر على دفعه بالعصا فقطع عضوا أو قدر على دفعه بالقطع فقتله وجب عليه الضمان لانه جناية بغير حق فأشبه إذا جنى عليه من غير دفع وإن قصده ثم انصرف عنه لم يتعرض له وإن ضربه فعطله لم يجز أن يضربه ضربة أخرى لان القصد كف أذاه فإن قصده فقطع يده فولى عنه فقطع يده الأخرى وهو مول لم يضمن الأولى لانه قطع بحق ويضمن الثانية لانه قطع بغير حق وإن مات منهما لم يجب عليه القصاص فى النفس لانه مات من مباح ومحظور ولولى المقتول الخيار بين أن يقتص من اليد الثانية وبين أن يأخذ نصف دية النفس فصل وإن وجد رجلا يزنى بامرأته ولم يمكنه المنع إلا بالقتل فقتله
لم يجب عليه شيء فيما بينه وبين الله عز وجل لانه قتله بحق فإن ادعى أنه قتله لذلك وأنكر الولى ولم يكن بينة لم يقبل قوله فإذا حلف الولى حكم عليه بالقود لما روى أبو هريرة أن سعد بن عبادة قال يا رسول الله أرأيت لو وجدت مع امرأتى رجلا أأمهله حتى آتى بأربعة شهداء قال نعم فدل على أنه لا يقبل قوله من غير بينة وروى سعيد بن المسيل قال أرسل معاوية أبا موسى إلى على كرم الله وجهه يسأله عن رجل وجد على امرأته رجلا فقتله فقال علي كرم الله وجهه لتخبرنى لم تسأل عن هذا فقال إن معاوية كتب إلى فقال على أنا أبو الحسن إن جاء بأربعة شهداء يشهدون على الزنا وإلا أعطى برمته يقول يقتل فصل وإن صالت عليه بهيمة فلم تندفع إلا بالقتل فقتلها لم يضمن لانه إتلاف بدفع جائز فلم يضمن كما لو قصده آدمى فقتله للدفع فصل فإن اطلع رجل أجنبى في بيته على أهله فله أن يفقأ عينه لما روى سهل بن سعد قال اطلع رجل من جحر فى حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع النبى صلى الله عليه وسلم مدرا يحك به رأسه فقال النبى صلى الله عليه وسلم لو علمت أنك تنظر لطعنت به عينك إنما جعل الاستئذان من أجل البصر وهل له أن يصيبه قبل أن ينهاه بالكلام فيه وجهان أحدهما وهو قول القاضى أبى حامد المروروذى والشيخ أبى حامد الإسفراينى أنه يجوز للخبر والثانى أنه لا يجوز كما لا تجوز إصابة من يقصد نفسه بالقتل إذا اندفع بالقول ولا يجوز أن يصيبه إلا بشيء خفيف لان المستحق بهذه الجناية فقء العين وذلك يحصل بسبب خفيف فلم تجز الزيادة عليه وإن فقأ عينه فمات منه لم يضمن لانه سراية من مباح فلم يضمن كسراية القصاص فإن رماه بشيء يقتل فمات ( منه ) ضمنه لانه قتله بغير حق وإن رماه فلم يرجع استغاث عليه فإن لم يكن من يغيثه فالمستحب أن يخوفه بالله تعالى فإن لم يقبل فله أن يصيبه بما يدفعه فإن أتى على نفسه لم يضمن لانه تلف بدفع جائز فإن اطلع أعمى لم يجز له رميه لانه لا ينظر إلى محرم وإن اطلع ذو رحم محرم لاهله لم يجز ( له ) رميه لانه غير ممنوع من النظر وإن كانت زوجته متجردة فقصد النظر إليها جاز له رميه لانه محرم عليه النظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة منها كما يحرم على الأجنبى وإن اطلع عليه من باب مفتوح أو كوة واسعة فإن نظر وهو على اجتيازه لم يجز رميه لان المفرط صاحب الدار بفتح الباب وتوسعة الكوة وإن وقف وأطال النظر ففيه وجهان أحدهما أنه يجوز له رميه لانه مفرط فى الاطلاع فأشبه إذا اطلع من ثقب والثانى أنه لا يجوز له رميه وهو قول القاضى أبى القاسم العمرى لان صاحب الدار مفرط فى فتح الباب وتوسعة الكوة فصل وإذا دخل رجل داره بغير إذنه أمره بالخروج فإن لم يقبل فله أن يدفعه بما يدفع به من قصد ماله أو نفسه فإن قتله فادعى أنه قتله للدفع عن داره وأنكر الولى لم يقبل قول القاتل من غير بينة لان القتل متحقق وما يدعيه خلاف الظاهر فإن أقام بينة أنه دخل داره مقبلا عليه بسلاح شاهر لم يضمن لان الظاهر أنه قصد قتله وإن أقام الولى بينة أنه دخل داره بسلاح غير شاهر ضمنه بالقود أو بالدية لان القتل متحقق وليس ههنا ما يدفعه فصل إذا أفسدت ماشيته زرعا لغيره ولم يكن معها