ومن مشايخنا من قال لا توقف في الخروج عن التحريمة بسلام السهو عندهما بل يخرج جزما من غير توقف وإنما التوقف في عود التحريمة ثانيا إن عاد إلى سجدتي السهو يعود وإلا فلا وهذا أسهل لتخريج المسائل وما ذكرنا أن التوقف في بقاء التحريمة وبطلانها أصح لأن التحريمة تحريمة واحدة فإذا بطلت لا تعود إلا بالإعادة ولم توجد والله أعلم والثاني وجود الإقامة بطريق التبعية وهو أن يصير الأصل مقيما فيصير التبع أيضا مقيما بإقامة الأصل كالعبد يصير مقيما بإقامة مولاه والمرأة بإقامة زوجها والجيش بإقامة الأمير ونحو ذلك لأن الحكم في التبع ثبت بعلة الأصل ولا تراعى له علة على حدة لما فيه من جعل التبع أصلا وإنه قلب الحقيقة وأما الغريم مع صاحب الدين فهو على التفصيل الذي ذكرنا في السفر إنه إن كان المديون مليا فالمعتبر نيته ولا يصير تبعا لصاحب الدين لأنه يمكنه تخليص نفسه بقضاء الدين وإن كان مفلسا فالمعتبر نية صاحب الدين لأن له حق ملازمته فلا يمكنه أن يفارق صاحب الدين فكانت نيته لغوا لعدم الفائدة ثم في هذه الفصول إنما يصير التبع مقيما بإقامة الأصل وتنقلب صلاته أربعا إذا علم التبع بنية إقامة الأصل فأما إذا لم يعلم فلا حتى لو صلى التبع صلاة المسافرين قبل العلم بنية إقامة الأصل فإن صلاته جائزة ولا يجب عليه إعادتها وقال بعض أصحابنا إن عليه الإعادة وإنه غير سديد لأن في اللزوم بدون العلم به ضررا في حقه وحرجا ولهذا لم يصح عزل الوكيل بدون العلم به كذا هذا وعلى هذا يبنى أيضا اقتداء المسافر بالمقيم في الوقت أنه يصح وينقلب فرضه أربعا عند عامة العلماء وقال بعض الناس لا ينقلب وقال مالك إن أدرك مع الإمام ركعة فصاعدا ينقلب فرضه أربعا وإن أدرك ما دون الركعة لا ينقلب بأن اقتدى به في السجدة الأخيرة أو بعد ما رفع رأسه منها والصحيح قول العامة لأنه لما اقتدى به صار تبعا له لأن متابعته واجبة عليه قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه والأداء أعني الصلاة في الوقت مما يحتمل التغيير إلى الكمال إذا وجد دليل التغيير ألا ترى أنه تتغير نية الإقامة في الوقت وقد وجد ههنا دليل التغيير وهو التبعية فيتغير فرضه أربعا فصار صلاة المقتدي مثل صلاة الإمام فصح اقتداؤه به بخلاف ما إذا اقتدى به خارج الوقت حيث لا يصح لأن الصلاة خارج الوقت من باب القضاء وإنه خلف عن الأداء والأداء لم يتغير لعدم دليل التغيير فلا يتغير القضاء ألا ترى أنه لا يتغير بنية الإقامة بعد خروج الوقت وإذا لم يتغير فرضه بالاقتداء بقيت صلاته ركعتين والقعدة فرض في حقه نفل في حق الإمام فلو صح الاقتداء كان هذا اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة وكما لا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل في جميع الصلاة لا يجوز في ركن منها وما ذكره مالك غير سديد لأن الصلاة مما لا يتجزأ فوجود المغير في جزئها كوجوده في كلها ولو أن مقيما صلى ركعتين بقراءة فلما قام إلى الثالثة جاء مسافر واقتدى به بعد خروج الوقت لا يصح لما بينا أن فرض المسافر تقرر ركعتين بخروج الوقت والقراءة فرض عليه في الركعتين نفل في حق المقيم في الأخيرتين فيكون اقتداء المفترض بالمتنقل ( ( ( بالمتنفل ) ) ) في حق القراءة فإن صلاهما بغيرقراءة والمسألة بحالها ففيه روايتان وأما اقتداء المقيم بالمسافر فيصح في الوقت وخارج الوقت لأن صلاة المسافر في الحالتين واحدة والقعدة فرض في حقه نفل في حق المقتدي واقتداء المتنفل بالمفترض جائز في كل الصلاة ( ( ( صلاة ) ) ) فكذا في بعضها فهو الفرق ثم إذا سلم الإمام على رأس الركعتين لا يسلم المقيم لأنه قد بقي عليه شطر ( ( ( شرط ) ) ) الصلاة فلو سلم لفسدت صلاته ولكنه يقوم ويتمها أربعا لقوله أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر
Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
علاء الدين الكاساني · AR
وينبغي للإمام المسافر إذا سلم أن يقول للمقيمين خلفه أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر اقتداء بالنبي ولا قراءة على المقتدي في بقية صلاته إذا كان مدركا أي لا يجب عليه لأنه شفع أخير في حقه ومن مشايخنا من قال ذكر في الأصل ما يدل على وجوب القراءة فإنه قال إذا سها يلزمه سجود السهود ( ( ( السهو ) ) ) والاستدلال به إلى العكس أولى لأنه ألحقه بالمنفرد في حق السهو فكذا في حق القراءة ولا قراءة على المنفرد في الشفع الأخير ثم المقيمون بعد تسليم الإمام يصلون وحدانا ولو اقتدى بعضهم ببعض فصلاة الإمام منهم تامة وصلاة المقتدين فاسدة لأنهم اقتدوا في موضع يجب عليهم الانفراد ولو قام المقيم إلى إتمام صلاته ثم نوى الإمام الإقامة قبل التسليم ينظر إن لم يقيد هذا المقيم ركعته بالسجدة رفض ذلك وتابع إمامه حتى لو لم يرفض وسجد فسدت صلاته لأن صلاته صارت أربعا تبعا لإمامه لأنه ما لم يقيد الركعة بالسجدة لا يخرج عن صلاة الإمام ولا يعتد بذلك القيام والركوع لأنه وجد على وجه النفل فلا ينوب عن الفرض ولو قيد ركعته بالسجدة ثم نوى الإمام الإقامة أتم صلاته ولا يتابع الإمام حتى لو رفض ذلك وتابع الإمام فسدت صلاته لأنه اقتدى في موضع يجب عليه الانفراد والله أعلم وعلى هذا إذا اقتدى المسافر بالمقيم في الوقت ثم خرج الوقت قبل الفراغ من الصلاة لا تفسد صلاته ولا يبطل اقتداؤه به وإن كان لا يصح اقتداء المسافر بالمقيم في خارج الوقت ابتداء لأنه لما صح اقتداؤه به وصار تبعا له صار حكمه حكم المقيمين وإنما يتأكد وجوب الركعتين بخروج الوقت في حق المسافر وهذا قد صار مقيما وصلاة المقيم لا تصير ركعتين بخروج الوقت كما إذا صار مقيما بصريح نية الإقامة ولو نام خلف الإمام حتى خرج الوقت ثم انتبه أتمها أربعا لأن المدرك يصلي ما نام عنه كأنه خلف الإمام وقد انقلب فرضه أربعا بحكم التبعية والتبعية باقية بعد خروج الوقت لأنه بقي مقتديا به على ما مر ولو تكلم بعد خروج الوقت أو قبل خروجه يصلي ركعتين عندنا خلافا للشافعي على ما مر ولو أن مسافرا أم قوما مقيمين ومسافرين في الوقت فأحدث واستخلف رجلا من المقيمين صح استخلافه لأنه قادر على إتمام صلاة الإمام ولا تنقلب صلاة المسافرين أربعا عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر ينقلب فرضهم أربعا وجه قوله أنهم صاروا مقتدين بالمقيم حتى تعلق صلاتهم بصلاته صحة وفسادا والمسافر إذا اقتدى بالمقيم ينقلب فرضه أربعا كما لو اقتدى به ابتداء ولأن فرضهم لو لم ينقلب أربعا لما جاز اقتداؤهم به لأن القعدة الأولى في حق الإمام نفل وفي حق المسافرين فرض فيصير اقتداء المفترض بالمتنفل في حق القعدة ولهذا لا يجوز اقتداء المسافر بالمقيم خارج الوقت ولنا أن المقيم إنما صار إماما بطريق الخلافة ضرورة أن الإمام عجز عن الإتمام بنفسه فيصير قائما مقامه في مقدار صلاة الإمام إذ الخلف يعمل عمل الأصل كأنه هو فكانوا مقتدين بالمسافر معنى فلذلك لا تنقلب صلاتهم أربعا وصارت القعدة الأولى عليه فرضا لأنه قائم مقام المسافر مؤد صلاته وعلى هذا لو قدم مسافر فنوى المقدم الإقامة لا ينقلب فرض المسافرين لما قلنا وإذا صح استخلافه ينبغي أن يتم صلاة الإمام وهي ركعتان ويقعد قدر التشهد ولا يسلم بنفسه لأنه مقيم بقي عليه شطر الصلاة فتفسد صلاته بالسلام ولكنه يستخلف رجلا من المسافرين حتى يسلم بهم ثم يقوم هو وبقية المقيمين ويصلون بقية صلاتهم وحدانا لأنهم بمنزلة اللاحقين ولو اقتدى بعضهم ببعض فصلاة الإمام منهم تامة لأنه منفرد على كل حال وصلاة المقتدين فاسدة لأنهم تركوا ما هو فرض عليهم وهو الانفراد في هذه الحالة ولو أن مسافرا صلى بمسافرين ركعة في الوقت ثم نوى الإقامة يصلي بهم أربعا لأن الإمام ههنا أصل وقد تغيرت صلاته بوجود المغير وهو نية الإقامة فتتغير صلاة القوم بحكم التبعية بخلاف الفصل الأول فإنه خلف عن الإمام الأول مؤد صلاته لما بينا
ولو أن مسافرا أم قوما مسافرين ومقيمين فلما صلى ركعتين وتشهد فقبل أن يسلم تكلم واحد من المسافرين خلفه أو قام فذهب ثم نوى الإمام الإقامة فإنه يتحول فرضه وفرض المسافرين الذين لم يتكلموا أربعا لوجود المغير في محله وصلاة من تكلم تامة لأنه تكلم في وقت لو تكلم فيه إمامه لا تفسد صلاته فكذا صلاة المقتدي إذا كان بمثل حاله ولو تكلم بعد ما نوى الإمام الإقامة فسدت صلاته لأنه انقلبت صلاته أربعا تبعا للإمام فحصل كلامه في وسط الصلاة فوجب فسادها ولكن يجب عليه صلاة المسافرين ركعتان عندنا لأنه صار مقيما تبعا وقد زالت التبعية بفساد الصلاة فعاد حكم المسافرين في حقه وأما الثالث فهو الدخول في الوطن فالمسافر إذا دخل مصره صار مقيما سواء دخلها للإقامة أو للاجتياز أو لقضاء حاجة والخروج بعد ذلك لما روى أن رسول الله كان يخرج مسافرا إلى الغزوات ثم يعود إلى المدينة ولا يجدد نية الإقامة ولأن مصره متعين للإقامة فلا حاجة إلى التعيين بالنية وإذا قرب من مصره فحضرت الصلاة فهو مسافر ما لم يدخل لما روي أن عليا رضي الله عنه حين قدم الكوفة من البصرة صلى صلاة السفر وهو ينظر إلى أبيات الكوفة وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال للمسافر صل ركعتين ما لم تدخل منزلك ولأن هذا موضع لو خرج إليه على قصد السفر يصير مسافرا فلأن يبقى مسافرا بعد وصوله إليه أولى وذكر في العيون أن الصبي والكافر إذا خرجا إلى السفر فبقي إلى مقصدهما أقل من مدة السفر فأسلم الكافر وبلغ الصبي فإن الصبي يصلي أربعا والكافر الذي أسلم يصلي ركعتين والفرق أن قصد السفر صحيح من الكافر إلا أنه لا يصلي لكفره فإذا أسلم زال المانع فأما الصبي فقصده السفر لم يصح وحين أدرك لم يبق إلى مقصده مدة السفر فلا يصير مسافرا ابتداء وذكر في نوادر الصلاة أن من قدم من السفر فلما انتهى قريبا من مصره قبل أن ينتهي إلى بيوت مصره افتتح الصلاة ثم أحدث في صلاته فلم يجد الماء فدخل المصر ليتوضأ إن كان إماما أو منفردا فحين انتهى إلى بيوت مصره صار مقيما وإن كان مقتديا وهو مدرك فإن لم يفرغ الإمام من صلاته يصلي ركعتين بعدما صار مقيما لأنه كأنه خلف الإمام واللاحق إذا نوى الإقامة قبل فراغ الإمام يصير مقيما فكذا إذا دخل مصره وإن كان فرغ الإمام من صلاته حين انتهى إلى بيوت مصره لا تصح نية إقامته ويصلي ركعتين عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر تصير صلاته أربعا بالدخول إلى مصره وكذا بنيته الإقامة في هذه الحالة وجه قوله أن المغير موجود والوقت باق فكان المحل قابلا للتغيير فيتغير أربعا ولأن هذا إن اعتبر بمن خلف الإمام يتغير فرضه وإن اعتبر بالمسبوق يتغير ولنا أن اللاحق ليس بمنفرد ألا ترى أنه لا قراءة عليه ولا سجود سهود ( ( ( سهو ) ) ) ولكنه قاض مثل ما انعقد له تحريمة الإمام لأنه التزم أداء هذه الصلاة مع الإمام وبفراغ الإمام فات الأداء معه فيلزمه القضاء والقضاء لا يحتمل التغيير لأن القضاء خلف فيعتبر بحال الأصل وهو صلاة الإمام وقد خرج الأصل عن احتمال التغيير وصار مقيما على وظيفة المسافرين ولو تغير الخلف لانقلب أصلا وهذا لا يجوز بخلاف من خلف الإمام لأنه لم يفته الأداء مع الإمام فلم يصر قضاء فيتغير فرضه وبخلاف المسبوق لأنه مؤد ما سبق به لأنه لم يلتزم أداءه مع الإمام والوقت باق فتغير ثم إنما يتغير فرض المسافر بصيرورته مقيما بدخوله مصره إذا دخله في الوقت فأما إذا دخله بعد خروج الوقت فلا يتغير لأنه تقرر عليه فرض السفر بخروج الوقت فلا يتغير بالدخول في المصر ألا ترى أنه لا يتغير بصريح نية الإقامة وبالإقامة بطريق التبعية والله أعلم مبحث في أن الأوطان ثلاثة
ثم الأوطان ثلاثة وطن أصلي وهو وطن الإنسان في بلدته أو بلدة أخرى اتخذها دارا وتوطن بها مع أهله وولده وليس من قصده الارتحال عنها بل التعيش بها ووطن الإقامة وهو أن يقصد الإنسان أن يمكث في موضع صالح للإقامة خمسة عشر يوما أو أكثر ووطن السكنى وهو أن يقصد الإنسان المقام في غير بلدته أقل من خمسة عشر يوما والفقيه الجليل أبو أحمد العياضي قسم الوطن إلى قسمين وسمى أحدهما وطن قرار والآخر مستعارا فالوطن الأصلي ينتقض بمثله لا غير وهو أن يتوطن الإنسان في بلدة أخرى وينقل الأهل إليها من بلدته فيخرج الأول من أن يكون وطنا أصليا له حتى لو دخل فيه مسافرا لا تصير صلاته أربعا وأصله أن رسول الله والمهاجرين من الصحابة ( ( ( أصحابه ) ) ) رضي الله عنهم كانوا من أهل مكة وكان لهم بها أوطان أصلية ثم لما هاجروا وتوطنوا بالمدينة وجعلوها دارا لأنفسهم انتقض وطنهم الأصلي بمكة حتى كانوا إذا أتوا مكة يصلون صلاة المسافرين حتى قال النبي حين صلى بهم أتموا يا أهل مكة صلاتكم فإنا قوم سفر ولأن الشيء جاز أن ينسخ بمثله ثم الوطن الأصلي يجوز أن يكون واحدا أو أكثر من ذلك بأن كان له أهل ودار في بلدتين أو أكثر ولم يكن من نية أهله الخروج منها وإن كان هو ينتقل من أهل إلى أهل في السنة حتى إنه لو خرج مسافرا من بلدة فيها أهله ودخل في أي بلدة من البلاد التي فيها أهله فيصير مقيما من غير نية الإقامة ولا ينتقض الوطن الأصلي بوطن الإقامة ولا بوطن السكنى لأنهما دونه والشيء لا ينسخ بما هو دونه وكذا لا ينتقض بنية السفر والخروج من وطنه حتى يصير مقيما بالعود إليه من غير نية الإقامة لما ذكرنا أن النبي كان يخرج من المدينة مسافرا وكان وطنه بها باقيا حتى يعود مقيما فيها من غير تجديد النية ووطن الإقامة ينتقض بالوطن الأصلي لأنه فوقه وبوطن الإقامة أيضا لأنه مثله والشيء يجوز أن ينسخ بمثله وينتقض بالسفر أيضا لأن توطنه في هذا المقام ليس للقرار ولكن لحاجة فإذا سافر منه يستدل به على قضاء حاجته فصار معرضا عن التوطن به فصار ناقضا له دلالة ولا ينتقض وطن الإقامة بوطن السكنى لأنه دونه فلا ينسخه ووطن السكنى ينتقض بالوطن الأصلي وبوطن الإقامة لأنهما فوقه وبوطن السكنى لأنه مثله وبالسفر لما بينا ثم ما ذكرنا من تفسير وطن الإقامة جواب ظاهر الرواية وذكر الكرخي في جامعه عن محمد روايتين في رواية إنما يصير الوطن وطن إقامة بشرطين أحدهما أن يتقدمه سفر والثاني أن يكون بين وطنه الأصلي وبين هذا الموضع الذي توطن فيه بنية الإقامة مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا فأما بدون هذين الشرطين لا يصير وطن إقامة وإن نوى الإقامة خمسة عشر يوما في مكان صالح للإقامة حتى إن الرجل المقيم إذا خرج من مصره إلى قرية من قراها لا لقصد السفر ونوى أن يتوطن بها خمسة عشر يوما لا تصير تلك القرية وطن إقامة له وإن كان بينهما مسيرة سفر لانعدام تقدم السفر وكذا إذا قصد مسيرة سفر وخرج حتى وصل إلى قرية بينها وبين وطنه الأصلي مسيرة ما دون السفر ونوى أن يقيم بها خمسة عشر يوما لا يصير مقيما ولا تصير تلك القرية وطن إقامة له وفي رواية ابن سماعة عنه يصير مقيما من غير هذين الشرطين كما هو ظاهر الرواية وإذا عرف هذا الأصل يخرج بعض المسائل عليه حتى يسهل تخريج الباقي خراساني قدم الكوفة ونوى المقام بها شهرا ثم خرج منها إلى الحيرة ونوى المقام بها خمسة عشر يوما ثم خرج من الحيرة يريد العود إلى خراسان ومر بالكوفة فإنه يصلي ركعتين لأن وطنه بالكوفة كان وطن إقامة وقد انتقض بوطنه بالحيرة لأنه وطن إقامة أيضا وقد بينا أن وطن الإقامة ينتقض بمثله
وكذا وطنه بالحيرة انتقض بالسفر لأنه وطن إقامة فكما خرج من الحيرة على قصد خراسان صار مسافرا ولا وطن له في موضع فيصلي ركعتين حتى يدخل بلدته بخراسان وإن لم يكن نوى المقام بالحيرة خمسة عشر يوما أتم الصلاة بالكوفة لأن وطنه بالكوفة لم يبطل بالخروج إلى الحيرة لأنه ليس بوطن مثله ولا سفر ويبقى ( ( ( فيبقى ) ) ) وطنه بالكوفة كما كان ولو أن خراسانيا قدم الكوفة ونوى المقام بها خمسة عشر يوما ثم ارتحل منها يريد مكة فقبل أن يسير ثلاثة أيام ذكر حاجة له بالكوفة فعاد فإنه يقصر لأن وطنه بالكوفة قد بطل بالسفر كما يبطل بوطن مثله ولو أن كوفيا خرج إلى القادسية ثم خرج منها إلى الحيرة ثم عاد من الحيرة يريد الشام فمر بالقادسية قصر لأن وطنه بالقادسية والحيرة سواء فيبطل الأول بالثاني ولو بدا له أن يرجع إلى القادسية قبل أن يصل إلى الحيرة ثم يرتحل إلى الشام صلى بالقادسية أربعا لأن وطنه بالقادسية لا يبطل إلا بمثله ولم يوجد وعلى هذا الأصل مسائل في الزيادات وأما الرابع فهو العزم على العود للوطن وهو أن الرجل إذا خرج من مصره بنية السفر ثم عزم على الرجوع إلى وطنه وليس بين هذا الموضع الذي بلغ وبين مصره مسيرة سفر يصير مقيما حين عزم عليه لأن العزم على العود إلى مصره قصد ترك السفر بمنزلة نية الإقامة فصح وإن كان بينه وبين مصره مدة سفر لا يصير مقيما لأنه بالعزم على العود قصد ترك السفر إلى جهة وقصد السفر إلى جهة فلم يكمل العزم على العود إلى السفر لوقوع التعارض فبقي مسافرا كما كان وذكر في نوادر الصلاة أن من خرج من مصره مسافرا فحضرت الصلاة فافتتحها ثم أحدث فلم يجد الماء هناك ( ( ( هنالك ) ) ) فنوى أن يدخل مصره وهو قريب فحين نوى ذلك صار مقيما من ساعته دخل مصره أو لم يدخل لما ذكرنا أنه قصد الدخول في المصر بنية ترك السفر فحصلت النية مقارنة للفعل فصحت فإذا دخله صلى أربعا لأن تلك صلاة المقيمين فإن علم قبل أن يدخل المصر أن الماء أمامه فمشى إليه فتوضأ صلى أربعا أيضا لأنه بالنية صار مقيما فبالمشي بعد ذلك في الصلاة أمامه لا يصير مسافرا في حق تلك الصلاة وإن حصلت النية مقارنة لفعل السفر حقيقة لأنه لو جعل مسافرا لفسدت صلاته لأن السفر عمل فحرمة الصلاة منعته عن مباشرة العمل شرعا بخلاف الإقامة لأنها ترك السفر وحرمة الصلاة لا تمنعه عن ذلك فلو تكلم حين علم بالماء أمامه أو أحدث متعمدا حتى فسدت صلاته ثم وجد الماء في مكانه يتوضأ ويصلي أربعا لأنه صار مقيما ولو مشى أمامه ثم وجد الماء يصلي ركعتين لأنه صار مسافرا ثانيا بالمشي إلى الماء بنية السفر خارج الصلاة فيصلي صلاة المسافرين بخلاف المشي في الصلاة لأن حرمة الصلاة أخرجته من أن يكون سفرا والله أعلم فصل وأما أركانها فستة منها القيام والأصل أن كل متركب من معان متغايرة ينطلق اسم المركب عليها عند اجتماعها كان كل معنى منها ركنا للمركب كأركان البيت في المحسوسات والإيجاب والقبول في باب البيع في المشروعات وكل ما يتغير الشيء به ولا ينطلق عليه اسم ذلك الشيء كان شرطا كالشهود في باب النكاح فهذا تعريف الركن والشرط بالتحديد وأما تعريفهما بالعلامة في هذا الباب فهو أن كل ما يدوم من ابتداء الصلاة إلى انتهائها كان شرطا وما ينقضي ثم يوجد غيره فهو ركن وقد وجد حد الركن وعلامته في القيام لأنه إذا وجد مع المعاني الأخر من القراءة والركوع والسجود ينطلق عليها اسم الصلاة وكذا لا يدوم من أول الصلاة إلى آخرها بل ينقضي ثم يوجد غيره فكان ركنا وقال الله تعالى وقوموا لله قانتين والمراد منه القيام في الصلاة ومنها الركوع
ومنها السجود لوجود حد الركن وعلامته في كل واحد منهما وقال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا والقدر المفروض من الركوع أصل الانحناء والميل ومن السجود أصل الوضع فأما الطمأنينة عليهما فليست بفرض في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف فرض وبه أخذ الشافعي ولقب المسألة أن تعديل الأركان ليس بفرض عندهما وعنده فرض ونذكر المسألة عند ذكر واجبات الصلاة وذكر سننها إن شاء الله تعالى واختلف في محل إقامة فرض السجود قال أصحابنا الثلاثة هو بعض الوجه وقال زفر والشافعي السجود فرض على الأعضاء السبعة الوجه واليدين والركبتين والقدمين واحتجا بما روي عن النبي أنه قال أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وفي رواية على سبعة آراب الوجه واليدين والركبتين والقدمين ولنا أن الأمر تعلق بالسجود مطلقا من غير تعيين عضو ثم انعقد الإجماع على تعيين بعض الوجه فلا يجوز تعيين غيره ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد فنحمله على بيان السنة عملا بالدليلين ثم اختلف أصحابنا الثلاثة في ذلك البعض قال أبو حنيفة هو الجبهة أو الأنف غير عين حتى لو وضع أحدهما في حالة الاختيار يجزيه غير أنه لو وضع الجبهة وحدها جاز من غير كراهة ولو وضع الأنف وحده يجوز مع الكراهة وعند أبي يوسف ومحمد هو الجبهة على التعيين حتى لو ترك السجود عليها حال الاختيار لا يجزيه وأجمعوا على أنه لو وضع الأنف وحده في حال العذر يجزيه ولا خلاف في أن المستحب هو الجمع بينهما حالة الاختيار احتجا بما روي عن النبي أنه قال مكن جبهتك وأنفك من الأرض أمر بوضعهما جميعا إلا أنه إذا وضع الجبهة وحدها وقع معتدا به لأن الجبهة هي الأصل في الباب والأنف تابع ولا عبرة لفوات التابع عند وجود الأصل ولأنه أتى بالأكثر وللأكثر حكم الكل ولأبي حنيفة أن المأمور به هو السجود مطلقا عن التعيين ثم قام الدليل على تعيين بعض الوجه بإجماع بيننا لإجماعنا على أن ما سوى الوجه وما سوى هذين العضوين من الوجه غير مراد والأنف بعض الوجه كالجبهة ولا إجماع على تعيين الجبهة فلا يجوز تعيينها وتقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد لأنه لا يصلح ناسخا للكتاب فنحمله على بيان السنة احترازا عن الرد والله أعلم هذا إذا كان قادرا على ذلك فأما إذا كان عاجزا عنه فإن كان عجزه عنه بسبب المرض بأن كان مريضا لا يقدر على القيام والركوع والسجود يسقط عنه لأن العاجز عن الفعل لا يكلف به وكذا إذا خاف زيادة العلة من ذلك لأنه يتضرر به وفيه أيضا حرج فإذا عجز عن القيام يصلي قاعدا بركوع وسجود فإن عجز عن الركوع والسجود يصلي قاعدا بالإيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع فإن عجز عن القعود يستلقي ويومىء ( ( ( ويومئ ) ) ) إيماء لأن السقوط لمكان العذر فيتقدر بقدر العذر والأصل فيه قوله تعالى فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم قيل المراد من الذكر المأمور به في الآية هو الصلاة أي صلوا ونزلت الآية في رخصة صلاة المريض أنه يصلي قامئا ( ( ( قائما ) ) ) إن استطاع وإلا فقاعدا وإلا فمضطجعا كذا روي عن ابن مسعود وابن عمر وجابر رضي الله عنهم وروي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أنه قال مرضت فعادني رسول الله فقال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنبك تومىء ( ( ( تومئ ) ) ) إيماء وإنما جعل السجود أخفض من الركوع في الإيماء لأن الإيماء أقيم مقام الركوع والسجود وأحدهما أخفض من الآخر كذا الإيماء بهما وعن علي رضي الله عنه أن النبي قال في صلاة المريض إن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه وروي عن النبي أنه قال من لم يقدر على السجود فليجعل سجوده ركوعا وركوعه إيماء والركوع أخفض من الإيماء ثم ما ذكرنا من الصلاة مستلقيا جواب المشهور من الروايات
وروي أنه إن عجز عن القعود يصلي على شقه الأيمن ووجهه إلى القبلة وهو مذهب إبراهيم النخعي وبه أخذ الشافعي وجه هذا القول قوله تعالى وعلى جنوبكم وقوله لعمران بن حصين فعلى جنبك تومىء ( ( ( تومئ ) ) ) إيماء ولأن استقبال القبلة شرط جواز الصلاة وذلك يحصل بما قلنا ولهذا يوضع في اللحد هكذا ليكون مستقبلا للقبلة فأما المستلقي يكون مستقبل السماء وإنما يستقبل القبلة رجلاه فقط ولنا ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي أنه قال في المريض إن لم يستطع قاعدا فعلى القفا يومىء إيماء فإن لم يستطع فالله أولى بقبول العذر ولأن التوجه إلى القبلة بالقدر الممكن فرض وذلك في الاستلقاء لأن الإيماء هو تحريك الرأس فإذا صلى مستلقيا يقع إيماؤه إلى القبلة وإذا صلى على الجنب يقع منحرفا عنها ولا يجوز الانحراف عن القبلة من غير ضرورة وبه تبين أن الأخذ بحديث ابن عمر أولى وقيل إن المرض الذي كان بعمران كان باسورا فكان لا يستطيع أن يستلقي على قفاه والمراد من الآية الاضطجاع يقال فلان وضع جنبه إذا نام وإن كان مستلقيا وهو الجواب عن التعلق بالحديث على أن الآية والحديث دليلنا لأن كل مستلق فهو مستلق على الجنب لأن الظهر متركب من الضلوع فكان له النصف من الجنبين جميعا وعلى ما يقوله الشافعي يكون على جنب واحد فكان ما قلناه أقرب إلى معنى الآية والحديث فكان أولى وهذا بخلاف الوضع في اللحد لأنه ليس على الميت في اللحد فعل يوجب توجيهه إلى القبلة ليوضع مستلقيا فكان استقبال القبلة في الوضع على الجنب فوضع كذلك ولو قدر على القعود لكن نزع الماء من عينيه فأمر أن يستلقي أياما على ظهره ونهى عن القعود والسجود أجزأه أن يستلقي ويصلي بالإيماء وقال مالك لا يجزئه واحتج بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن طبيبا قال له بعدما كف بصره لو صبرت أياما مستلقيا صحت عيناك فشاور عائشة وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم فلم يرخصوا له في ذلك وقالوا له أرأيت لو مت في هذه الأيام كيف تصنع بصلاتك ولنا إن حرمة الأعضاء كحرمة النفس ولو خاف على نفسه من عدو أو سبع لو قعد جاز له أن يصلي بالاستلقاء وكذا ( ( ( فكذا ) ) ) إذا خاف على عينيه وتأويل حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه لم يظهر لهم صدق ذلك الطبيب فيما يدعي ثم إذا صلى المريض قاعدا بركوع وسجود أو بإيماء كيف يقعد أما في حال التشهد فإنه يجلس كما يجلس للتشهد بالإجماع وأما في حال القراءة وفي حال الركوع روي عن أبي حنيفة أنه يقعد كيف شاء من غير كراهة إن شاء محتبيا وإن شاء متربعا وإن شاء على ركبتيه كما في التشهد وروي عن أبي يوسف أنه إذا افتتح تربع فإذا أراد أن يركع فرش رجله اليسرى وجلس عليها وروي عنه أنه يتربع على حاله وإنما ينقض ذلك إذا أراد السجدة وقال زفر يفترش رجله اليسرى في جميع صلاته والصحيح ما روي عن أبي حنيفة لأن عذر المرض أسقط عنه الأركان فلأن يسقط عنه الهيآت ( ( ( الهيئات ) ) ) أولى وإن كان قادرا على القيام دون الركوع والسجود يصلي قاعدا بالإيماء وإن صلى قائما بالإيماء أجزأه ولا يستحب له ذلك وقال زفر والشافعي لا يجزئه إلا أن يصلي قائما واحتجا بما روينا عن النبي أنه قال لعمران بن حصين رضي الله عنه فإن لم تستطع فقاعدا علق الجواز قاعدا بشرط العجز عن القيام ولا عجز ولأن القيام ركن فلا يجوز تركه مع القدرة عليه كما لو كان قادرا على القيام والركوع والسجود والإيماء حالة القيام مشروع في الجملة بأن كان الرجل في طين وردغة راجلا أو في حالة الخوف من العدو وهو راجل فإنه يصلي قائما بالإيماء كذا ههنا
ولنا أن الغالب إن من عجز عن الركوع والسجود كان عن القيام أعجز لأن الانتقال من القعود إلى القيام أشق من الانتقال من القيام إلى الركوع والغالب ملحق بالمتيقن في الأحكام فصار كأنه عجز عن الأمرين إلا أنه متى صلى قائما جاز لأنه تكلف فعلا ليس عليه فصار كما لو تكلف الركوع جاز وإن لم يكن عليه كذا ههنا ولأن السجود أصل وسائر الأركان كالتابع له ولهذا كان السجود معتبرا بدون القيام كما في سجدة التلاوة وليس القيام معتبرا بدون السجود بل لم يشرع بدونه فإذا سقط الأصل سقط التابع ضرورة ولهذا سقط الركوع عمن سقط عنه السجود وإن كان قادرا على الركوع وكان الركوع بمنزلة التابع له فكذا القيام بل أولى لأن الركوع أشد تعظيما وإظهارا لذل العبودية من القيام ثم لما جعل تابعا له وسقط بسقوطه فالقيام أولى إلا أنه لو تكلف وصلى قائما يجوز لما ذكرنا ولكن لا يستحب لأن القيام بدون السجود غير مشروع بخلاف ما إذا كان قادرا على القيام والركوع والسجود لأنه لم يسقط عنه الأصل فكذا التابع وأما الحديث فنحن نقول بموجبه إن العجز شرط لكنه موجود ههنا نظرا إلى الغالب لما ذكرنا أن الغالب هو العجز في هذه الحالة والقدرة في غاية الندرة والنادر ملحق بالعدم ثم المريض إنما يفارق الصحيح فيما يعجز عنه فأما فيما يقدر عليه فهو كالصحيح لأن المفارقة للعذر فتتقدر بقدر العذر حتى لو صلى قبل وقتها أو بغير وضوء أو بغير قراءة عمدا أو خطأ وهو يقدر عليها ( ( ( عليهما ) ) ) لم يجزه وإن عجز عنها أومأ بغير قراءة لأن القراءة ركن فتسقط بالعجز كالقيام ألا ترى أنها سقطت في حق الأمي وكذا إذا صلى لغير القبلة متعمدا لذلك لم يجزه وإن كان ذلك خطأ منه أجزأه بأن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها فتحرى وصلى ثم تبين أنه أخطأ كما في حق الصحيح وإن كان وجه المريض إلى غير القبلة وهو لا يجد من يحول وجهه إلى القبلة ولا يقدر على ذلك بنفسه يصلي كذلك لأنه ليس في وسعه إلا ذلك وهل يعيدها إذا برىء روي عن محمد بن مقاتل الرازي أنه يعيدها وأما في ظاهر الجواب فلا إعادة عليه لأن العجز عن تحصيل الشرائط لا يكون فوق العجز عن تحصيل الأركان وثمة لا تجب الإعادة فههنا أولى ولو كان بجبهته جرح لا يستطيع السجود على الجبهة لم يجزه الإيماء وعليه السجود على الأنف لأن الأنف مسجد كالجبهة خصوصا عند الضرورة على ما مر وهو قادر على السجود عليه فلا يجزئه الإيماء ولو عجز عن الإيماء وهو تحريك الرأس فلا شيء عليه عندنا وقال زفر يومىء بالحاجبين أولا فإن عجز فبالعينين فإن عجز فبقلبه وقال الحسن بن زياد يومىء بعينيه وبحاجبيه ولا يومىء بقلبه وجه قول زفر أن الصلاة فرض دائم لا يسقط إلا بالعجز فما عجز عنه يسقط وما قدر عليه يلزمه بقدره فإذا قدر بالحاجبين كان الإيماء بهما أولى لأنهما أقرب إلى الرأس فإن عجز الآن يومىء بعينيه لأنهما من الأعضاء الظاهرة وجميع البدن ذو حظ من هذه العبادة فكذا العينان فإن عجز فبالقلب لأنه في الجملة ذو حظ من هذه العبادة وهو النية ألا ترى أن النية شرط صحتها فعند العجز تنتقل إليه وجه قول الحسن أن أركان الصلاة تؤدى بالأعضاء الظاهرة فأما الباطنة فليس بذي حظ من أركانها بل هو ذو حظ من الشرط وهو النية وهي قائمة أيضا عند الإيماء فلا يؤدى به الأركان والشرط جميعا ولنا ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال في المريض إن لم يستطع قاعدا فعلى القفا يومىء إيماء فإن لم يستطع فالله أولى بقبول العذر
أخبر النبي أنه معذور عند الله تعالى في هذه الحالة فلو كان عليه الإيماء بما ذكرتم لما كان معذورا ولأن الإيماء ليس بصلاة حقيقة ولهذا لا يجوز التنفل به في حالة الاختيار ولو كان صلاة لجاز كما لو تنفل قاعدا إلا أنه أقيم مقام الصلاة بالشرع والشرع ورد بالإيماء بالرأس فلا يقام غيره مقامه ثم إذا سقطت عنه الصلاة بحكم العجز فإن مات من ذلك المرض لقي الله تعالى ولا شيء عليه لأنه لم يدرك وقت القضاء وأما إذا برأ وصح فإن كان المتروك صلاة يوم وليلة أو أقل فعليه القضاء بالإجماع وإن كان أكثر من ذلك فقال بعض مشايخنا يلزمه القضاء أيضا لأن ذلك لا يعجزه عن فهم الخطاب فوجبت عليه الصلاة فيؤاخذ بقضائها بخلاف الإغماء لأنه يعجزه عن فهم الخطاب فيمنع الوجوب عليه والصحيح أنه لا يلزمه القضاء لأن الفوائت دخلت في حد التكرار وقد فاتت لا بتضييعه القدرة بقصده فلو وجب عليه قضاؤها لوقع في الحرج وبه تبين أن الحال لا يختلف بين العلم والجهل لأن معنى الحرج لا يختلف ولهذا سقطت عن الحائض وإن لم يكن الحيض يعجزها عن فهم الخطاب وعلى هذا إذا أغمي عليه يوما وليلة أو أقل ثم أفاق قضى ما فاته وإن كان أكثر من يوم وليلة لا قضاء عليه عندنا استحسانا قال بشر الإغماء ليس بمسقط حتى يلزمه القضاء وإن طالت مدة الإغماء وقال الشافعي الإغماء يسقط إذا استوعب وقت صلاة كامل ( ( ( كاملا ) ) ) وتذكر هذه المسائل في موضع آخر عند بيان ما يقضى من الصلاة التي فاتت عن وقتها وما لا يقضى منها إن شاء الله تعالى ولو شرع في الصلاة قاعدا وهو مريض ثم صح وقدر على القيام فإن كان شروعه بركوع وسجود بنى في قول أبي حنيفة وأبي يوسف استحسانا وعند محمد يستقبل قياسا بناء على أن عند محمد القائم لا يقتدي بالقاعد فكذا لا يبني آخر ( ( ( أول ) ) ) صلاته على أولها ( ( ( آخرها ) ) ) في حق نفسه وعندهما يجوز الاقتداء فيجوز البناء والمسألة تأتي في موضعها وإن كان شروعه بالإيماء يستقبل عند علمائنا الثلاثة وعند زفر يبني لأن من أصله أنه يجوز اقتداء الراكع الساجد بالمومىء ( ( ( بالمومئ ) ) ) فيجوز البناء وعندنا لا يجوز الاقتداء فلا يجوز البناء على ما يذكر وأما الصحيح إذا شرع في الصلاة ثم عرض له مرض بنى على صلاته على حسب إمكانه قاعدا أو مستلقيا في ظاهر الرواية وروي عن أبي حنيفة أنه إذا صار إلى الإيماء يستقبل لأنهما فرضان مختلفان فعلا فلا يجوز أداؤهما بتحريمة واحدة كالظهر مع العصر والصحيح ظاهر الرواية لأن بناء آخر الصلاة على أول الصلاة بمنزلة بناء صلاة المقتدي على صلاة الإمام وثمة يجوز اقتداء المومىء ( ( ( المومئ ) ) ) بالصحيح لما يذكر فيجوز البناء ههنا ولأنه لو بنى لصار مؤديا بعض الصلاة كاملا وبعضها ناقصا ولو استقبل لأدى الكل ناقصا ولا شك أن الأول أولى ولو رفع إلى وجه المريض وسادة أو شيء فسجد عليه من غير أن يومىء لم يجز لأن الفرض في حقه الإيماء ولم يوجد ويكره أن يفعل هذا لما روي أن النبي دخل على مريض يعوده فوجده يصلي كذلك فقال إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد وإلا فأوم برأسك وروي أن عبد الله بن مسعود دخل على أخيه يعوده فوجده يصلي ويرفع إليه عود فيسجد عليه فنزع ذلك من يد من كان في يده وقال هذا شيء عرض لكم الشيطان أوم لسجودك
وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى ذلك من مريض فقال أتتخذون مع الله آلهة أخرى فإن فعل ذلك ينظر إن كان يخفض رأسه للركوع شيئا ثم للسجود ثم يلزق بجبينه يجوز لوجود الإيماء لا للسجود على ذلك الشيء فإن كانت الوسادة موضوعة على الأرض وكان يسجد عليها جازت صلاته لما روي أن أم سلمة كانت تسجد على مرفقة موضوعة بين يديها لرمد بها ولم يمنعها رسول الله وكذلك الصحيح إذا كان على الراحلة وهو خارج المصر وبه عذر مانع من النزول عن الدابة من خوف العدو أو السبع أو كان في طين أو ردغة يصلي الفرض على الدابة قاعدا بالإيماء من غير ركوع وسجود لأن عند اعتراض هذه الأعذار عجز عن تحصيل هذه الأركان من القيام والركوع والسجود فصار كما لو عجز بسبب المرض ويومىء ( ( ( ويومئ ) ) ) إيماء لما روي في حديث جابر رضي الله عنه أن النبي كان يومىء على راحلته ويجعل السجود أخفض من الركوع لما ذكرنا ولا تجوز الصلاة على الدابة بجماعة سواء تقدمهم الإمام أو توسطهم في ظاهر الرواية وروي عن محمد أنه قال استحسن أن يجوز اقتداؤهم بالإمام إذا كانت دوابهم بالقرب من دابة الإمام على وجه لا يكون بينهم وبين الإمام فرجة إلا بقدر الصف بالقياس على الصلاة على الأرض والصحيح جواب ظاهر الرواية لأن اتحاد المكان من شرائط صحة الاقتداء ليثبت اتحاد الصلاتين تقديرا بواسطة اتحاد المكان وهذا ممكن على الأرض لأن المسجد جعل كمكان واحد شرعا وكذا في الصحراء تجعل الفرج التي بين الصفوف مكان الصلاة لأنها تشغل بالركوع والسجود أيضا فصار المكان متحدا ولا يمكن على الدابة لأنهم يصلون عليها بالإيماء من غير ركوع وسجود فلم تكن الفرج إلى ( ( ( التي ) ) ) بين الصفوف والدواب مكان الصلاة فلا يثبت اتحاد المكان تقديرا ففات شرط صحة الاقتداء فلم يصح ولكن تجوز صلاة الإمام لأنه منفرد حتى لو كانا على دابة واحدة في محمل واحد أو في شقي محمل واحد كل واحد منهما في شق على حدة فاقتدى أحدهما بالآخر جاز لاتحاد المكان وتجوز الصلاة على أي دابة كانت سواء كانت مأكولة اللحم أو غير مأكولة اللحم لما روي أن رسول الله صلى على حماره وبعيره ولو كان على سرجه قذر جازت صلاته كذا ذكر في الأصل وعن أبي حفص البخاري ومحمد بن مقاتل الرازي أنه إذا كانت النجاسة في موضع الجلوس أو في موضع الركابين أكثر من قدر الدرهم لا تجوز اعتبارا بالصلاة على الأرض وأولا العذر المذكور في الأصل بالعرف وعند عامة مشايخنا تجوز كما ذكر ( ( ( ذكرنا ) ) ) في الأصل لتعليل محمد رحمه الله تعالى وهو قوله والدابة أشد من ذلك وهو يحتمل معنيين أحدهما أن ما في بطنها من النجاسات أكثر من هذا ثم إذا لم يمنع الجواز فهذا أولى والثاني أنه لما سقط اعتبار الأركان الأصلية بالصلاة عليها من القيام والركوع والسجود مع أن الأركان أقوى من الشرائط فلأن يسقط شرط طهارة المكان أولى ولأن طهارة المكان إنما تشترط لأداء الأركان عليه وهو لا يؤدي على موضع سرجه وركابيه ههنا ركنا ليشترط طهارتها إنما الذي يوجد منه الإيماء وهو إشارة في الهواء فلا يشترط له طهارة موضع السرج والركابين وتجوز الصلاة على الدابة لخوف العدو كيف ما كانت الدابة واقفة أو سائرة لأنه يحتاج إلى السير فأما لعذر الطين والردغة فلا يجوز إذا كانت الدابة سائرة لأن السير مناف للصلاة في الأصل فلا يسقط اعتباره إلا لضرورة ولم توجد ولو استطاع النزول ولم يقدر على القعود للطين والردغة ينزل ويومىء ( ( ( ويومئ ) ) ) قائما على الأرض وإن قدر على القعود ولم يقدر على السجود ينزل ويصلي قاعدا بالإيماء لأن السقوط بقدر الضرورة والله الموفق وعلى هذا يخرج الصلاة في السفينة إذا صلى فيها قاعدا بركوع وسجود أنه يجوز إذا كان عاجزا عن القيام والسفينة جارية ولو قام يدور رأسه