Qur'an&Sunnahالقرآن

Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

علاء الدين الكاساني · AR

قسم V01/P018–V01/P019Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P018–V01/P019)

وروي أنه قال طهروا مسالك القرآن بالسواك وله أن يستاك بأي سواك كان رطبا أو يابسا مبلولا أو غير مبلول صائما كان أو غير صائم قبل الزوال أو بعده لأن نصوص السواك مطلقة وعند الشافعي يكره السواك بعد الزوال للصائم لما يذكر في كتاب الصوم وأما الذي هو في ابتداء الوضوء فمنها النية عندنا وعند الشافعي هي فريضة والكلام في النية راجع إلى أصل وهو أن معنى القربة والعبادة غير لازم في الوضوء عندنا وعنده لازم ولهذا صح من الكافر عندنا خلافا له واحتج بما روي عن النبي أنه قال الوضوء شطر الإيمان والإيمان عبادة فكذا شطره ولهذا كان التيمم عبادة حتى لا يصح بدون النية وأنه خلف عن الوضوء والخلف لا يخالف الأصل ولنا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم ( ( ( برءوسكم ) ) ) وأرجلكم إلى الكعبين أمر بالغسل والمسح مطلقا عن شرط النية ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا نهى الجنب عن قربان الصلاة إذا لم يكن عابر سبيل إلى غاية الاغتسال مطلقا عن شرط النية فيقتضي انتهاء حكم النهي عند الاغتسال المطلق وعنده لا ينتهي إلا عند اغتسال مقرون بالنية وهذا خلاف الكتاب ولأن الأمر بالوضوء لحصول الطهارة لقوله تعالى في آخر آية الوضوء ولكن يريد ليطهركم وحصول الطهارة لا يقف على النية بل على استعمال المطهر في محل قابل للطهارة والماء مطهر لما روي عن النبي أنه قال خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أولونه وقال الله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا والطهور اسم للطاهر في نفسه المطهر لغيره والمحل قابل على ما عرف وبه تبين أن الطهارة عمل الماء خلقة وفعل ( العبد ( ( ( اللسان ) ) ) ) فضل في الباب حتى لو سال عليه المطر أجزأه عن الوضوء والغسل فلا يشترط لهما النية إذ اشتراطها لاعتبار الفعل الاختياري وبه تبين أن اللازم للوضوء معنى الطهارة ومعنى العبادة فيه من الزوائد فإن اتصلت به النية يقع عبادة وإن لم تتصل به لا يقع عبادة لكنه يقع وسيلة إلى إقامة الصلاة لحصول الطهارة كالسعي إلى الجمعة وأما الحديث فتأويله أنه شطر الصلاة لإجماعنا على أنه ليس بشرط الإيمان لصحة الإيمان بدونه ولا شطره لأن الإيمان هو التصديق والوضؤ ( ( ( والوضوء ) ) ) ليس من التصديق في شيء فكان المراد منه أنه شطر الصلاة لأن الإيمان يذكر على إرادة الصلاة لأن قبولها من لوازم الإيمان قال الله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم أي صلاتكم إلى بيت المقدس وهكذا نقول في التيمم إنه ليس بعبادة أيضا إلا أنه إذا لم تتصل به النية لا يجوز أداء الصلاة به لا لأنه عبادة بل لانعدام حصول الطهارة لأنه طهارة ضرورية جعلت طهارة عند مباشرة فعل لا صحة له بدون الطهارة فإذا عري عن النية لم يقع طهارة بخلاف الوضوء لأنه طهارة حقيقية فلا يقف على النية مبحث التسمية في الوضوء ومنها التسمية وقال مالك إنها فرض إلا إذا كان ناسيا فتقام التسمية بالقلب مقام التسمية باللسان دفعا للحرج واحتج بما روي عن النبي أنه قال لا وضوء لمن لم يسم ولنا أن آية الوضوء مطلقة عن شرط التسمية فلا تقيد إلا بدليل صالح للتقييد ولأن المطلوب من التوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) هو الطهارة وترك التسمية لا يقدح فيها لأن الماء خلق طهورا في الأصل فلا تقف طهوريته على صنع العبد

قسم V01/P019–V01/P020Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P019–V01/P020)

والدليل عليه ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله قال من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله كان طهورا لما أصاب الماء من بدنه والحديث من جملة الآحاد ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد ثم هو محمول على نفي الكمال وهو معنى السنة كقول النبي لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد وبه نقول أنه سنة لمواظبة النبي عليها عند افتتاح الوضوء وذلك دليل السنية وقال عليه الصلاة والسلام كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر واختلف المشايخ في أن التسمية يؤتي بها قبل الاستنجاء أو بعده قال بعضهم قبله لأنها سنة افتتاح الوضوء وقال بعضهم بعده لأن حال الاستنجاء حال كشف العورة فلا يكون ذكر اسم الله تعالى في تلك الحالة من باب التعظيم مبحث غسل اليدين ومنها غسل اليدين إلى الرسغين قبل إدخالهما في الإناء للمستيقظ من منامه وقال قوم أنه فرض ثم اختلفوا فيما بينهم منهم من قال أنه فرض من نوم الليل والنهار ومنهم من قال أنه فرض من نوم الليل خاصة واحتجوا بما روي عن النبي أنه قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده والنهي عن الغمس يدل على كون الغسل فرضا ولنا أن الغسل لو وجب لا يخلو إما أن يجب من الحدث أو من النجس لا سبيل إلى الأول لأنه لا يجب الغسل من الحدث إلا مرة واحدة فلو أوجبنا عليه غسل العضو عند استيقاظه من منامه مرة ومرة عند الوضوء لأوجبنا عليه الغسل عند الحدث مرتين ولا سبيل إلى الثاني لأن النجس غير معلوم بل هو موهوم وإليه أشار في الحديث حيث قال فإنه لا يدري أين باتت يده وهذا إشارة إلى توهم النجاسة واحتمالها فيناسبه الندب إلى الغسل واستحبابه لا الإيجاب لأن الأصل هو الطهارة فلا تثبت النجاسة بالشك والاحتمال فكان الحديث محمولا على نهي التنزيه لا التحريم واختلف المشايخ في وقت غسل اليدين أنه قبل الاستنجاء بالماء أو بعده على ثلاثة أقوال قال بعضهم قبله وقال بعضهم بعده وقال بعضهم قبله وبعده تكميلا للتطهير ومنها الاستنجاء بالماء لما روي عن جماعة من الصحابة منهم علي ومعاوية وابن عمر وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم أنهم كانوا يستنجون بالماء بعد الاستنجاء بالأحجار حتى قال ابن عمر فعلناه فوجدناه دواء وطهورا وعن الحسن البصري أنه كان يأمر الناس بالاستنجاء بالماء بعد الاستنجاء بالأحجار ويقول إن من كان قبلكم كان يبعر بعرا وأنتم تثلطون ثلطا فاتبعوا الحجارة الماء وهو كان من الآداب في عصر رسول الله وروي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله توضأ وغسل مقعده بالماء ثلاثا ولما نزل قوله تعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين في أهل قباء ( ( ( قبا ) ) ) سألهم رسول الله عن شأنهم فقالوا إنا نتبع الحجارة الماء ثم صار بعد عصره من السنن بإجماع الصحابة كالتراويح والسنة فيه أن يغسل بيساره لما روي عن النبي أنه قال اليمين للوجه واليسار للمقعد ثم العدد في الاستنجاء بالماء ليس بلازم وإنما المعتبر هو الإنقاء فإن لم يكفه الغسل ثلاثا يزيد عليه وإن كان الرجل موسوسا فلا ينبغي أن يزيد على السبع لأن قطع الوسوسة واجب والسبع هو نهاية العدد الذي ورد الشرع به في الغسل في الجملة كما في حديث ولوغ الكلب مبحث في كيفية الاستنجاء وأما كيفية الاستنجاء فينبغي أن يرخي نفسه إرخاء تكميلا للتطهير وينبغي أن يبتدىء بأصبع ثم بأصبعين ثم بثلاث أصابع لأن الضرورة تندفع به ولا يجوز تنجيس الطاهر من غير ضرورة وينبغي أن يستنجي ببطون الأصابع لا برؤوسها ( ( ( برءوسها ) ) ) كيلا يشبه إدخال الأصبع في العورة وهذا في حق الرجل وأما المرأة فقال بعضهم تفعل مثل ما يفعل الرجل

قسم V01/P020–V01/P021Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P020–V01/P021)

وقال بعضهم ينبغي أن تستنجي برؤوس ( ( ( برءوس ) ) ) الأصابع لأن تطهير الفرج الخارج في باب الحيض والنفاس والجنابة واجب وفي باب الوضوء سنة ولا يحصل ذلك إلا برؤوس ( ( ( برءوس ) ) ) الأصابع وأما الذي هو في أثناء الوضوء فمنها المضمضة والاستنشاق وقال أصحاب الحديث منهم أحمد بن حنبل هما ( ( ( وهما ) ) ) فرضان في الوضوء والغسل جميعا وقال الشافعي سنتان فيهما جميعا فأصحاب الحديث احتجوا بمواظبته عليهما في الوضوء والشافعي يقول الأمر بالغسل عن الجنابة يتعلق بالظاهر دون الباطن وداخل الأنف والفم من البواطن فلا يجب غسله ولنا أن الواجب في باب الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس وداخل الأنف والفم ليس من جملتها أما ما سوى الوجه فظاهر وكذا الوجه لأنه اسم لما يواجه إليه عادة وداخل الأنف والفم لا يواجه إليه بكل حال فلا يجب غسله بخلاف باب الجنابة لأن الواجب هناك تطهير البدن بقوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا أي طهروا أبدانكم فيجب غسل ما يمكن غسله من غير حرج ظاهرا كان أو باطنا ومواظبة النبي عليهما في الوضوء دليل السنية دون الفرضية فإنه كان يواظب على سنن العبادات ومنها الترتيب في المضمضة والاستنشاق وهو تقديم المضمضة على الاستنشاق لأن النبي كان يواظب على التقديم ومنها إفراد كل واحد منهما بماء على حدة عندنا وعند الشافعي السنة الجمع بينهما بماء واحد بأن يأخذ الماء بكفه فيتمضمض ببعضه ويستنشق ببعضه واحتج بما روي أن رسول الله تمضمض واستنشق بكف واحد ولنا أن الذين حكوا وضوء رسول الله أخذوا لكل واحد منهما ماء جديدا ولأنهما عضوان منفردان فيفرد كل واحد منهما بماء على حدة كسائر الأعضاء وما رواه محتمل يحتمل أنه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد ويحتمل أنه فعل ذلك بماء على حدة فلا يكون حجة مع الاحتمال أو يرد المحتمل إلى المحكم وهو ما ذكرنا توفيقا بين الدليلين ومنها المضمضة ( باليمين ) والاستنشاق باليمين وقال بعضهم المضمضة باليمين والاستنشاق باليسار لأن الفم مطهرة والأنف مقذرة واليمين للأطهار واليسار للأقذار ولنا ما روي عن الحسن بن علي رضي الله عنه أنه استنثر بيمينه فقال له معاوية جهلت السنة فقال الحسن رضي الله عنه كيف أجهل والسنة خرجت من بيوتنا أما علمت أن النبي قال اليمين للوجه واليسار للمقعد ومنها المبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا في حال الصوم فيرفق لما روي أن النبي قال للقيط بن صبرة بالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائما فأرفق ولأن المبالغة فيهما من باب التكميل في التطهير فكانت مسنونة إلا في حال الصوم لما فيها من تعريض الصوم للفساد مبحث في الترتيب في الوضوء ومنها الترتيب في الوضوء لأن النبي واظب عليه ومواظبته عليه دليل السنة وهذا عندنا وعند الشافعي هو فرض وجه قوله أن الأمر وإن تعلق بالغسل والمسح في آية الوضوء بحرف الواو وإنها للجمع المطلق لكن الجمع المطلق يحتمل الترتيب فيحمل على الترتيب بفعل رسول الله ( حيث غسل ) مرتبا فكان فعله بيانا لأحد المحتملين ولنا أن حرف الواو للجمع المطلق والجمع بصفة الترتيب جمع مقيد ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل وفعل النبي يمكن أن يحمل على موافقة الكتاب وهو أنه إنما فعل ذلك لدخوله تحت الجمع المطلق لكن ( لا من حيث أنه جمع بل ) من حيث أنه مرتب وعلى هذا الوجه يكون عملا بموافقة الكتاب كمن أعتق رقبة مؤمنة في كفارة اليمين أو الظهار أنه يجوز بالإجماع وذا لا ينفي أن تكون الرقبة المطلقة مرادة من النص لأن جواز المؤمنة من حيث هي رقبة لا من حيث هي مؤمنة كذا ههنا ولأن الأمر بالوضوء للتطهير لما ذكرنا في المسائل المتقدمة والتطهير لا يقف على الترتيب لما مر مبحث الموالاة في الوضوء

قسم V01/P021–V01/P022Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P021–V01/P022)

ومنها الموالاة وهي أن لا يشتغل المتوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) بين أفعال الوضوء بعمل ليس منه لأن النبي هكذا كان يفعل وقيل في تفسير الموالاة أن لا يمكث في أثناء الوضوء مقدار ما يجف فيه العضو المغسول فإن مكث تنقطع الموالاة وعند مالك هي فرض وقيل إنه أحد قولي الشافعي والكلام في الطرفين على نحو ما ذكرنا في الترتيب فافهم مبحث التثليث في الغسل ومنها التثليث في الغسل وهو أن يغسل أعضاء الوضوء ثلاثا ثلاثا لما روي أن رسول الله توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به وتوضأ مرتين مرتين وقال هذا وضوء من يضاعف الله له الأجر مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا وقال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم وفي رواية فمن زاد أو نقص فهو من المعتدين واختلف في تأويله قال بعضهم زاد على مواضع الوضوء ونقص عن مواضعه وقال بعضهم زاد على ثلاث مرات ولم ينو ابتداء الوضوء ونقص عن الواحدة والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس الفعل معناه فمن زاد على الثلاث أو نقص عن الثلاث بأن لم ير الثلاث سنة لأن من لم ير سنة رسول الله سنة فقد ابتدع فيلحقه الوعيد حتى لو زاد على الثلاث أو نقص ورأى الثلاث سنة لا يلحقه هذا الوعيد لأن الزيادة على الثلاث من باب الوضوء على الوضوء إذ نوى به وإنه نور على نور على لسان رسول الله وكذا جعل رسول الله الوضوء مرتين سببا لتضعيف الثواب فكان المراد منه الاعتقاد لا نفس الزيادة والنقصان مبحث البداءة باليمين ومنها البداءة باليمين في ( غسل ) اليدين والرجلين لأن رسول الله كان يواظب على ذلك وهي سنة في الوضوء وفي غيره من الأعمال لما روي أن النبي كان يحب التيامن في كل شيء حتى التنعل والترجل ومنها البداءة فيه من رؤوس الأصابع لأن رسول الله كان يفعل ذلك ومنها تخليل الأصابع بعد إيصال الماء إلى منابتها لقول النبي خللوا أصابعكم قبل أن تخللها نار جهنم ( وفي رواية خللوا أصابعكم لا تخللها نار جهنم ) ولأن التخليل من باب إكمال الفريضة فكان مسنونا ولو كان في أصبعه خاتم فإن كان واسعا فلا حاجة إلى التحريك وإن كان ضيقا فلا بد من التحريك ليصل الماء إلى ما تحته مبحث الاستيعاب في مسح الرأس ومنها الاستيعاب في مسح الرأس وهو أن يمسح كله لما روى عبد الله بن زيد أن النبي مسح رأسه بيديه كلتيهما أقبل بهما وأدبر وعند مالك فرض وقد مر الكلام فيه ومنها البداءة بالمسح من مقدم الرأس وقال الحسن البصري السنة البداءة من الهامة فيضع يديه عليها فيمدهما إلى مقدم الرأس ثم يعيدهما إلى القفا وهكذا روى هشام عن محمد والصحيح قول العامة لما روي أن النبي كان يبتدىء بالمسح من مقدم رأسه ولأن السنة في المغسولات البداءة بالغسل من أول العضو فكذا في الممسوحات ومنها أن يمسح رأسه مرة واحدة والتثليث مكروه وهذا عندنا وقال الشافعي السنة هي التثليث وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يمسح ثلاث مرات بماء واحد احتج الشافعي بما روي أن عثمان بن عفان وعليا رضي الله عنهما حكيا وضوء رسول الله فغسلا ثلاثا ومسحا بالرأس ثلاثا ولأن هذا ركن أصلي في الوضوء فيسن فيه التثليث قياسا على الركن الآخر وهو الغسل بخلاف المسح على الخفين لأنه ليس بركن أصلي بل ثبت رخصة ومبنى الرخصة على الخفة ولنا ما روي عن معاذ رضي الله عنه أنه قال رأيت رسول الله توضأ مرة مرة ورأيته توضأ مرتين مرتين ورأيته توضأ ثلاثا وما رأيته مسح على رأسه إلا مرة واحدة وكذا روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه علم الناس وضوء رسول الله ومسح مرة واحدة

قسم V01/P022Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P022)

وأما حكاية عثمان وعلي رضي الله منهما فالمشهور منهما أنهما مسحا مرة واحدة كذا ذكر أبو داود في سننه أن الصحيح من حديث عثمان رضي الله عنه أنه مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة وكذا روى عبد خير عن علي رضي الله عنه أنه توضأ في رحبة الكوفة بعد صلاة الفجر ومسح رأسه مرة واحدة ثم قال من سره أن ينظر إلى وضوء رسول الله فلينظر إلى وضوئي هذا ولو ثبت ما رواه الشافعي فهو محمول على أنه فعله بماء واحد وذلك سنة عندنا في رواية الحسن عن أبي حنيفة ولأن التثليث بالمياه الجديدة تقريب إلى الغسل فكان مخلا باسم المسح واعتباره بالغسل فاسد من وجهين أحدهما أن المسح بني على التخفيف والتكرار من باب التغليظ فلا يليق بالمسح بخلاف الغسل والثاني أن التكرار في الغسل مفيد لحصول زيادة نظافة ووضاءة لا تحصل بالمرة الواحدة ولا يحصل ذلك بتكرار المسح فبطل القياس مبحث الأذنين ومنها أن يمسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء الرأس وقال الشافعي السنة أن يأخذ لكل واحد منهما ماء جديدا وجه قوله إنهما عضوان منفردان وليسا من الرأس حقيقة وحكما أما الحقيقة فإن الرأس منبت الشعر ولا شعر عليهما وأما الحكم فلأن المسح عليهما لا ينوب عن مسح الرأس كسائر أجزاء الرأس ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أن رسول الله مسح أذنيه بماء مسح به رأسه وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي أنه قال الأذنان من الرأس ومعلوم أنه ما أراد به بيان الخلقة بل بيان الحكم إلا أنه لا ينوب المسح عليهما عن مسح الرأس لأن وجوب مسح الرأس ثبت بدليل مقطوع به وكون الأذنين من الرأس ثبت بخبر الواحد وأنه يوجب العمل دون العلم فلو ناب المسح عليهما عن مسح الرأس لجعلناهما من الرأس قطعا وهذا لا يجوز وصار هذا كقول النبي الحطيم من البيت فالحديث يفيد كون الحطيم من البيت حتى يطاف به كما يطاف بالبيت ثم لا يجوز أداء الصلاة إليه لأن وجوب الصلاة إلى الكعبة ثبت بدليل مقطوع به وكون الحطيم من البيت ثبت بخبر الواحد والعمل بخبر الواحد إنما يجب إذا لم يتضمن إبطال العمل بدليل مقطوع به وأما إذا تضمن فلا كذلك ههنا وأما تخليل اللحية فعند أبي حنيفة ومحمد من الآداب وعند أبي يوسف سنة هكذا ذكر محمد في كتاب الآثار لأبي يوسف ما روي أن رسول الله توضأ وشبك أصابعه في لحيته كأنها أسنان المشط ولهما أن الذين حكوا وضوء رسول الله ما خللوا لحاهم وما رواه أبو يوسف فهو حكاية فعله ذلك اتفاقا لا بطريق المواظبة وهذا لا يدل على السنة مبحث مسح الرقبة وأما مسح الرقبة فقد اختلف المشايخ فيه قال أبو بكر الأعمش أنه سنة وقال أبو بكر الإسكاف أنه أدب فصل وأما آداب الوضوء فمنها أن لا يستعين المتوضىء ( ( ( المتوضئ ) ) ) على وضوئه بأحد لما روي عن أبي الجنوب أنه قال رأيت عليا يستقي ماءا ( ( ( ماء ) ) ) لوضوئه فبادرت أستقي له فقال مه يا أبا الجنوب فإني رأيت عمر يستقي ماء لوضوئه فبادرت أستقي له فقال مه يا أبا الحسن فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقي ماء لوضوئه فبادرت أستقي له فقال مه يا عمر إني لا أريد أن يعينني على صلاتي أحد ومنها أن لا يسرف في الوضوء ولا يقتر والأدب فيما بين الإسراف والتقتير إذ الحق بين الغلو والتقصير قال النبي صلى الله عليه وسلم خير الأمور أوسطها ومنها دلك أعضاء الوضوء خصوصا في الشتاء لأن الماء يتجافى عن الأعضاء

قسم V01/P022–V01/P023Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P022–V01/P023)

ومنها أن يدعو عند كل فعل من أفعال الوضوء بالدعوات المأثورة المعروفة وأن يشرب فضل وضوئه قائما إذا لم يكن صائما ثم يستقبل القبلة ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ويملأ الآنية عدة لوضوء آخر ويصلي ركعتين لأن كل ذلك مما ورد في الأخبار أنه فعله صلى الله عليه وسلم ولكن لم يواظب عليه وهذا هو الفرق بين السنة والأدب أن السنة ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتركه إلا مرة أو مرتين لمعنى من المعاني والأدب ما فعله مرة أو مرتين ولم يواظب عليه فصل وأما بيان ما ينقض الوضوء فالذي ينقضه الحدث والكلام في الحدث في الأصل في موضعين أحدهما في بيان ماهيته والثاني في بيان حكمه أما الأول فالحدث نوعان حقيقي وحكمي أما الحقيقي فقد اختلف فيه قال أصحابنا الثلاثة هو خروج النجس من الآدمي الحي سواء كان من السبيلين الدبر والذكر أو فرج المرأة أو من غير السبيلين الجرح والقرح والأنف والفم من الدم والقيح والرعاف والقيء وسواء كان الخارج من السبيلين معتادا كالبول والغائط والمني والمذي والودي ودم الحيض والنفاس أو غير معتاد كدم الاستحاضة وقال زفر ظهور النجس من الآدمي الحي وقال مالك في قول هو خروج النجس المعتاد من السبيل المعتاد فلم يجعل دم الاستحاضة حدثا لكونه غير معتاد وقال الشافعي هو خروج شيء من السبيلين فليس بحدث وهو أحد قولي مالك أما قول مالك فمخالف للسنة وهو قوله المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة وقوله للمستحاضة توضئي وصلي وإن قطر الدم على الحصير قطرا وقوله توضئي فإنه دم عرق انفجر ولأن المعنى الذي يقتضي كون الخروج من السبيلين حدثا لا يوجب الفصل بين المعتاد وغير المعتاد لما يذكر فالفصل يكون تحكما على الدليل وأما الكلام مع الشافعي فهو احتج بما روي عن رسول الله أنه قاء فغسل فمه فقيل له ألا تتوضأ وضوءك للصلاة فقال هكذا الوضوء من القيء وعن عمر رضي الله عنه أنه حين طعن كان يصلي والدم يسيل منه ولأن خروج النجس من البدن زوال النجس عن البدن وزوال النجس عن البدن كيف يوجب تنجيس البدن مع أنه لا نجس على أعضاء الوضوء حقيقة وهذا هو القياس في السبيلين إلا أن الحكم هناك عرف بالنص غير معقول فيقتصر على مورد النص ولنا ما روي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أنه قال دخلت على رسول الله فغرفت له غرفة فأكلها فجاء المؤذن فقلت الوضوء يا رسول الله فقال إنما علينا الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل علق ( ( ( وعلق ) ) ) الحكم بكل ما يخرج أو بمطلق الخارج من غير اعتبار المخرج إلا أن خروج الطاهر ليس بمراد فبقي خروج النجس مرادا وروي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله أنه قال من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم والحديث حجة على الشافعي في فصلين في وجوب الوضوء بخروج النجس من غير السبيلين وفي جواز البناء عند سبق الحدث في الصلاة وروي أنه قال لفاطمة بنت حبيش توضيء ( ( ( توضئي ) ) ) فإنه دم عرق انفجر أمرها بالوضوء وعلل بانفجار دم العرق لا بالمرور على المخرج وعن تميم الداري عن رسول الله أنه قال الوضوء من كل دم سائل

قسم V01/P023–V01/P024Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P023–V01/P024)

والأخبار في هذا الباب وردت مورد الاستفاضة حتى روي عن عشرة من الصحابة أنهم قالوا مثل مذهبنا وهم عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وثوبان وأبو الدرداء وقيل في التاسع والعاشر أنهما زيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وهؤلاء فقهاء الصحابة متبع لهم في فتواهم فيجب تقليدهم وقيل أنه مذهب العشرة المبشرين بالجنة ولأن الخروج من السبيلين إنما كان حدثا لأنه يوجب تنجيس ظاهر البدن لضرورة تنجس موضع الإصابة فنزول ( ( ( فتزول ) ) ) الطهارة ضرورة إذ النجاسة والطهارة ضدان فلا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد ومتى زالت الطهارة عن ظاهر البدن خرج من أن يكون أهلا للصلاة التي هي مناجاة مع الله تعالى فيجب تطهيره بالماء ليصير أهلا لها وما رواه الشافعي محمول ( ( ( محتمل ) ) ) يحتمل أنه قاء أقل من ملء الفم وكذا اسم الوضوء يحتمل غسل الفم فلا يكون حجة مع الاحتمال أو نحمله ( ( ( محمله ) ) ) على ما قلنا توفيقا بين الدلائل وأما حديث عمر فليس فيه أنه كان يصلي بعد الطعن من غير تجديد الوضوء بل يحتمل أنه توضأ بعد الطعن مع سيلان الدم وصلى وبه نقول كما في المستحاضة وقوله أن خروج النجس عن البدن زوال النجس عن البدن فكيف يوجب تنجسه مسلم أنه يزول به شيء من نجاسة الباطن لكن يتنجس به الظاهر لأن القدر الذي زال إليه أوجب زوال الطهارة عنه والبدن في حكم الطهارة والنجاسة لا يتجرأ ( ( ( يتجزأ ) ) ) والعزيمة هي غسل كل البدن إلا أنه أقيم غسل أعضاء الوضوء مقام غسل كل البدن رخصة وتيسيرا ودفعا للحرج وبه تبين أن الحكم في الأصل معقول فيتعدى إلى الفرع وقوله لا نجاسة على أعضاء الوضوء حقيقية ( ( ( حقيقة ) ) ) ممنوع بل عليها نجاسة حقيقية معنوية وإن كان الحس لا يدركها وهي نجاسة الحدث على ما عرف في الخلافيات وإذا عرف ( ( ( عرفنا ) ) ) ماهية الحدث نخرج عليه المسائل فنقول إذا ظهر شيء من البول والغائط على رأس المخرج انتقضت الطهارة لوجود الحدث وهو خروج النجس وهو انتقاله من الباطن إلى الظاهر لأن رأس المخرج عضو ظاهر وإنما انتقلت النجاسة إليه من موضع آخر فإن موضع البول المثانة وموضع الغائط موضع في البطن يقال له قولون وسواء كان الخارج قليلا أو كثيرا سال عن رأس المخرج أو لم يسل لما قلنا وكذا المني والمذي والودي ودم الحيض والنفاس ودم الاستحاضة لأنها كلها أنجاس لما يذكر في بيان أنواع الأنجاس وقد انتقلت من الباطن إلى الظاهر فوجد خروج النجس من الآدمي الحي فيكون حدثا إلا أن بعضها يوجب الغسل وهو المني ودم الحيض والنفاس وبعضها يوجب الوضوء وهو المذي والودي ودم الاستحاضة لما يذكر إن شاء الله تعالى وكذلك خروج الولد والدودة والحصا واللحم وعود الحقنة بعد غيبوبتها لأن هذه الأشياء وإن كانت طاهرة في أنفسها لكنها لا تخلو عن قليل نجس يخرج معها والقليل من السبيلين خارج لما بينا وكذا الريح الخارجة من الدبر لأن الريح وإن كانت جسما طاهرا في نفسه لكنه لا يخلو عن قليل نجس يقوم به لانبعاثه من محل الأنجاس وروي عن رسول الله أنه قال لا وضوء إلا من صوت أو ريح وروي عنه أنه قال إن الشيطان يأتي أحدكم فينفخ بين إليتيه فيقول أحدثت أحدثت فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا وأما الريح الخارجة من قبل المرأة أو ذكر الرجل فلم يذكر حكمها في ظاهر الرواية وروي عن محمد أنه قال فيها الوضوء وذكر الكرخي أنه لا وضوء فيها إلا أن تكون المرأة مفضاة فيخرج منها ريح منتنة فيستحب لها الوضوء وجه رواية محمد أن كل واحد منهما مسلك النجاسة كالدبر فكانت الريح الخارجة منهما كالخارجة من الدبر فيكون حدثا

قسم V01/P024–V01/P025Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P024–V01/P025)

وجه ما ذكره الكرخي أن الريح ليست بحدث في نفسها لأنها طاهرة وخروج الطاهر لا يوجب انتقاض الطهارة وإنما انتقاض الطهارة بما يخرج بخروجها من أجزاء النجس وموضع الوطء من فرج المرأة ليس بمسلك البول فالخارج منه من الريح لا يجاوره النجس وإذا كانت مفضاة فقد صار مسلك البول ومسلك الوطء مسلكا واحدا فيحتمل أن الريح خرجت من مسلك البول فيستحب لها الوضوء ولا يجب لأن الطهارة الثابتة بيقين لا يحكم بزوالها بالشك وقيل إن خروج الريح من الذكر لا يتصور وإنما هو اختلاج يظنه الإنسان ريحا هذا حكم السبيلين فأما حكم غير السبيلين من الجرح والقرح فإن سال الدم والقيح والصديد عن رأس الجرح والقرح ينتقض الوضوء عندنا لوجود الحدث وهو خروج النجس وهو انتقال النجس من الباطن إلى الظاهر وعند الشافعي لا ينتقض لانعدام الخروج من السبيلين وعند زفر ينتقض سواء سال أو لم يسل بناء على ما ذكر فلو ظهر الدم على رأس الجرح ولم يسل لم يكن حدثا عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر يكون حدثا سال أو لم يسل بناء على ما ذكرنا أن الحدث الحقيقي عنده هو ظهور النجس من الآدمي الحي وقد ظهر وجه قوله أن ظهور النجس اعتبر حدثا في السبيلين سال عن رأس المخرج أو لم يسل فكذا في غير السبيلين ولنا أن الظهور ما اعتبر حدثا في موضع ما وإنما انتقضت الطهارة في السبيلين إذا طهر ( ( ( ظهر ) ) ) النجس على رأس المخرج لا بالظهور بل بالخروج وهو الانتقال من الباطن إلى الظاهر على ما بينا كذا ههنا وهذا لأن الدم إذا لم يسل كان في محله لأن البدن محل الدم والرطوبات إلا أنه كان مستترا بالجلدة وانشقاقها يوجب زوال السترة لا زوال الدم عن محله ولا حكم للنجس ما دام في محله ألا ترى أنه تجوز الصلاة مع ما في البطن من الأنجاس فإذا سال عن رأس الجرح فقد انتقل عن محله فيعطى له حكم النجاسة وفي السبيلين وجد الانتقال لما ذكرنا وعلى هذا خروج القيء ملء الفم أنه يكون حدثا وإن كان أقل من ملء الفم لا يكون حدثا وعند زفر يكون حدثا قل أو كثر ووجه البناء على هذا الأصل أن الفم له حكم الظاهر عنده بدليل أن الصائم إذا تمضمض لا يفسد صومه فإذا وصل القيء إليه فقد طهر ( ( ( ظهر ) ) ) النجس من الآدمي الحي فيكون حدثا وإنا نقول له مع الظاهر حكم الظاهر كما ذكره زفر وله مع الباطن حكم الباطن بدليل أن الصائم إذا ابتلع ريقه لا يفسد صومه فلا يكون الخروج إلى الفم حدثا لأنه انتقال من بعض الباطن إلى بعض وإنما الحدث هو الخروج من الفم لأنه انتقال من الباطن إلى الظاهر والخروج لا يتحقق في القليل لأنه يمكن رده وإمساكه فلا يخرج بقوة نفسه بل بالإخراج فلا يوجد السيلان ويتحقق في الكثير لأنه لا يمكن رده وإمساكه فكان خارجا بقوة نفسه لا بالإخراج فيوجد السيلان ثم نتكلم في المسألة ابتداء فحجة زفر ما روي عن النبي أنه قال القلس حدث من غير فصل بين القليل والكثير ولأن الحدث ( إن كان ) اسم لخروج النجس وقد وجد لأن القليل خارج نجس كالكثير فيستوي فيه القليل والكثير كالخارج من السبيلين ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله أنه عد الأحداث جملة وقال فيها أو ( ( ( أود ) ) ) دسعة ( ( ( سعة ) ) ) تملأ الفم ولو كان القليل حدثا لعده عند عد الأحداث كلها

قسم V01/P025–V01/P026Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P025–V01/P026)

وأما الحديث فالمراد منه القيء ملء الفم لأن المطلق ينصرف إلى المتعارف وهو القيء ملء الفم أو يحمل على هذا توفيقا بين الحديثين صيانة لهما عن التناقض وقوله وجد خروج النجس في القليل قلنا إن سلمنا ذلك ففي قليل القيء ضرورة لأن الإنسان لا يخلو منه خصوصا حال الامتلاء ومن صاحب السعال ولو جعل حدثا لوقع الناس في الحرج والله تعالى ما جعل علينا في الدين من حرج ولا ضرورة في القليل من السبيلين ولا فرق بين أن يكون القيء مرة صفراء أو سوداء وبين أن يكون طعاما أو ماء صافيا لأن الحدث اسم لخروج النجس والطعام أو الماء صار نجسا لاختلاطه بنجاسات المعدة ولم يذكر في ظاهر الرواية تفسير ملء الفم وقال أبو علي الدقاق هو أن يمنعه من الكلام وعن الحسن بن زياد هو أن يعجز عن إمساكه ورده وعليه اعتمد الشيخ أبو منصور وهو الصحيح لأن ما قدر على إمساكه ورده فخروجه لا يكون بقوة نفسه بل بالإخراج فلا يكون سائلا وما عجز عن إمساكه ورده فخروجه يكون بقوة نفسه فيكون سائلا والحكم متعلق بالسيلان ولو قاء أقل من ملء الفم مرارا هل يجمع ويعتبر حدثا لم يذكر في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه إن كان في مجلس واحد يجمع وإلا فلا وروي عن محمد أنه إن كان بسبب غثيان واحد يجمع وإلا فلا وقال أبو علي الدقاق يجمع كيفما كان وجه قول أبي يوسف أن المجلس جعل في الشرع جامعا لأشياء متفرقة كما في باب البيع وسجدة التلاوة ونحو ذلك وقول محمد أظهر لأن اعتبار المجلس اعتبار المكان واعتبار الغثيان اعتبار السبب والوجود يضاف إلى السبب لا إلى المكان ولو سال الدم إلى ما لان من الأنف أو إلى صماخ الأذن يكون حدثا لوجود خروج النجس وهو انتقال الدم من الباطن إلى الظاهر وروي عن محمد في رجل أقلف خرج البول أو المذي من ذكره حتى صار في قلفته فعليه الوضوء وصار بمنزلة المرأة إذا خرج المذي أو البول من فرجها ولم يظهر ولو حشا الرجل إحليله بقطنة فابتل الجانب الداخل منها لم ينتقض وضوؤه لعدم الخروج وإن تعدت البلة إلى الجانب الخارج ينظر إن كانت القطنة عالية أو محاذية لرأس الإحليل ينتقض وضوؤه لتحقق الخروج وإن كانت ( مستفلة ( ( ( متسفلة ) ) ) ) لم ينتقض لأن الخروج لم يتحقق ولو حشت المرأة فرجها بقطنة فإن وضعتها في الفرج الخارج فابتل الجانب الداخل من القطنة كان حدثا وإن لم ينفذ إلى الجانب الخارج لا يكون حدثا لأن الفرج الخارج منها بمنزلة الإليتين من الدبر فوجد الخروج وإن وضعتها في الفرج الداخل فابتل الجانب الداخل من القطنة لم يكن حدثا لعدم الخروج وإن تعدت البلة إلى الجانب الخارج فإن كانت القطنة عالية أو محاذية ( لجوف ( ( ( لجانب ) ) ) ) الفرج كان حدثا لوجود الخروج وإن كانت مستفلة ( ( ( متسفلة ) ) ) لم يكن حدثا لعدم الخروج وهذا كله إذا لم تسقط القطنة فإن سقطت القطنة فهو حدث وحيض في المرأة سواء ابتل الجانب الخارج أو الداخل لوجود الخروج ولو كان في أنفه قرح فسال الدم عن رأس القرح يكون حدثا وإن لم يخرج من المنخر لوجود السيلان عن محله ولو بزق فخرج معه الدم إن كانت الغلبة للبزاق لا يكون حدثا لأنه ما خرج بقوة نفسه وإن كانت الغلبة للدم يكون حدثا لأن الغالب إذا كان هو البزاق لم يكن خارجا بقوة نفسه فلم يكن سائلا وإن كان الغالب هو الدم كان خروجه بقوة نفسه فكان سائلا وإن كانا سواء فالقياس أن لا يكون حدثا وفي الاستحسان يكون حدثا

قسم V01/P026Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V01/P026)

وجه القياس أنهما إذا استويا احتمل أن الدم خرج بقوة نفسه واحتمل أنه خرج بقوة البزاق فلا يجعل حدثا بالشك وللاستحسان وجهان أحدهما أنهما إذا استويا تعارضا فلا يمكن أن يجعل أحدهما تبعا للآخر فيعطي كل واحد منهما حكم نفسه فيعتبر خارجا بنفسه فيكون سائلا والثاني أن الأخذ بالاحتياط عند الاشتباه واجب وذلك فيما قلنا ولو ظهر الدم على رأس الجرح فمسحه مرارا فإن كان بحال لو تركه لسال يكون حدثا وإلا فلا لأن الحكم متعلق بالسيلان ولو ألقى عليه الرماد أو التراب فتشرب فيه أو ربط عليه رباطا فابتل الرباط ونفذ قالوا يكون حدثا لأنه سائل وكذا لو كان الرباط ذا طاقين فنفذ إلى أحدهما لما قلنا ولو سقطت الدودة أو اللحم من ( القرح ( ( ( الفرج ) ) ) ) لم يكن حدثا ولو سقطت من السبيلين يكون حدثا والفرق أن الدودة الخارجة من السبيل نجسة في نفسها لتولدها من الأنجاس وقد خرجت بنفسها وخروج النجس بنفسه حدث بخلاف الخارجة من القرح لأنها طاهرة في نفسها لأنها تتولد من اللحم واللحم طاهر وإنما النجس ما عليها من الرطوبات وتلك الرطوبات خرجت بالدابة لا بنفسها فلم يوجد خروج النجس فلا يكون حدثا ولو خلل أسنانه فظهر الدم على رأس الخلال لا يكون حدثا لأنه ما خرج بنفسه وكذا لو عض على شيء فظهر الدم على أسنانه لما قلنا ولو سعط في أنفه ووصل السعوط إلى رأسه ثم رجع إلى الأنف أو إلى الأذن لا يكون حدثا لأن الرأس ليس موضع الأنجاس ولو عاد إلى الفم ذكر الكرخي أنه لا يكون حدثا لما قلنا وروى علي بن الجعد عن أبي يوسف أن حكمه حكم القيء لأن ما وصل إلى الرأس لا يخرج من الفم إلا بعد نزوله في الجوف ولو قاء بلغما لم يكن حدثا في قول أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف يكون حدثا فمن مشايخنا من قال لا خلاف في المسألة لأن جواب أبي يوسف في الصاعد من المعدة وهو حدث عند الكل وجوابهما في المنحدر من الرأس وهو ليس بحدث عند الكل ومنهم من قال في المنحدر من الرأس اتفاق أنه ليس بحدث وفي الصاعد من المعدة اختلاف وجه قول أبي يوسف أنه نجس لاختلاطه بالأنجاس لأن المعدة معدن الأنجاس فيكون حدثا كما لو قاء طعاما أو ماء ولهما أنه شيء صقيل لا يلتصق به شيء من الأنجاس فكان طاهرا على أن الناس من لدن رسول الله اعتادوا أخذ البلغم بأطراف أرديتهم وأكمامهم من غير نكير فكان إجماعا منهم على طهارته وذكر أبو منصور أنه لا خلاف في المسألة في الحقيقة لأن جواب أبي يوسف في الصاعد من المعدة وأنه حدث بالإجماع لأنه نجس وجوابهما في الصاعد من حواشي الحلق وأطراف الرئة وأنه ليس بحدث بالإجماع لأنه طاهر فينظر إن كان صافيا غير مخلوط بشيء من الطعام وغيره تبين أنه لم يصعد من المعدة فلا يكون نجسا فلا يكون حدثا وإن كان مخلوطا بشيء من ذلك تبين أنه صعد منها فكان نجسا فيكون حدثا وهذا هو الأصح وأما إذا قاء دما فلم يذكر في ظاهر الرواية نصا وذكر المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يكون حدثا قليلا كان أو كثيرا جامدا كان أو مائعا وروي عن الحسن بن زياد عنهما أنه إن كان مائعا ينقض قل أو كثر وإن كان جامدا لا ينقض ما لم يملأ الفم

%0
10 Bölüm