Qur'an&Sunnahالقرآن

Kâsânî - Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)

Alâüddin el-Kâsânî · AR

قسم V06/P208–V06/P209Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V06/P208–V06/P209)

قلنا هذا النوع من الضرر ليس بغالب فلا يجب دفعه على أنه إن كان فهو الذي أضر بنفسه حيث أطلق الأمر ومن لم ينظر لنفسه لا ينظر له هذا إذا كان العقد مطلقا عن شرط في الفصلين جميعا فأما إذا شرط فيه شرطا نظر فيه إن كان شرطا يمكن اعتباره ويفيد اعتبر وإلا فلا بيان ذلك إذا أمره بالحفظ وشرط عليه أن يمسكها بيده ليلا ونهارا ولا يضعها فالشرط باطل حتى لو وضعها في بيته أو فيما يحرز فيه ما له عادة فضاعت لا ضمان عليه لأن إمساك الوديعة بيده بحيث لا يضعها أصلا غير مقدور له عادة فكان شرطا لا يمكن مراعاته فيلغو ( ( ( فيلغى ) ) ) ولو أمره بالحفظ ونهاه أن يدفعها إلى امرأته أو عبده أو ولده الذي هو في عياله أو من يحفظ مال نفسه بيده عادة نظر فيه إن كان لا يجد بدا من الدفع إليه له أن يدفع لأنه إذا لم يجد بدا من الدفع إليه كان النهي عن الدفع إليه نهيا عن الحفظ فكان سفها فلا يصح نهيه وإن كان يجد بدا من الدفع إليه ليس له أن يدفع ولو دفع يدخل في ضمانه لأنه إذا كان ( ( ( فكان ) ) ) له منه يد ( ( ( بد ) ) ) في الدفع إليه أمكن اعتبار الشرط وهو مفيد لأن الأيدي في الحفظ متفاوتة والأصل في الشروط اعتبارها ما أمكن ولو قال لا تخرجها من الكوفة فخرج بها تدخل في ضمانه لأنه شرط يمكن اعتباره وهو مفيد لأن الحفظ في المصر أكمل من الحفظ في السفر إذ السفر موضع الخطر إلا إذا خاف التلف عليها فاضطر إلى الخروج بها فخرج لا تدخل في ضمانه لأن الخروج بها في هذه الحالة طريق متعين للحفظ كما إذا وقع في داره حريق أو كان في سفينة فخاف الغرق فدفعها إلى غيره ولو قال له احفظ الوديعة في دارك هذه فحفظها في دار له أخرى فإن كانت الداران في الحرز سواء أو كانت الثانية أحرز لا تدخل في ضمانه لأن التقييد غير مفيد وإن كانت الأولى أحرز من الثانية دخلت في ضمانه لأن التقييد به عند تفاوت الحرز مفيد وكذلك لو أمره أن يضعها في داره في هذه القرية ونهاه عن أن يضعها في داره في قرية أخرى فهو على هذا التفصيل ولو قال له أخبئها ( ( ( أخبأها ) ) ) في هذا البيت وأشار إلى بيت معين في داره فخبأها في بيت آخر في تلك الدار لا تدخل في ضمانه لأن البيتين من دار واحدة لا يختلفان في الحرز عادة بخلاف الدارين فلا يكون التعيين مفيدا حتى لو تفاوتا بأن كان الأول أحرز من الثاني تدخل في ضمانه والأصل المحفوظ في هذا الباب ما ذكرنا أن كل شرط يمكن مراعاته ويفيد فهو معتبر وكل شرط لا يمكن مراعاته ولا يفيد فهو هدر وهذا عندنا وعند الشافعي رحمه الله تجب مراعاة الشروط في المواضع كلها حتى إن المأمور بالحفظ في بيت معين لا يملك الحفظ في بيت آخر من دار واحدة وجه قوله أن الأصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذي أوقعه فلا يترك هذا الأصل إلا لضرورة ولم توجد وصار كالدارين والجواب نعم إذا تعلقت به عاقبة حميدة فأما إذا خرج مخرج السفه والعبث فلا لأن التعيين عند انعدام التفاوت في الحرز يجري مجرى العبث كما إذا قال احفظ بيمينك ولا تحفظ بشمالك أو احفظ في هذه الزاوية من البيت ولا تحفظ في الزاوية الأخرى فلا يصح التعيين لانعدام الفائدة حتى لو تفاوتا في الحرز يصح بخلاف الدارين والأصل في الدارين اختلاف الحرز فكان التعيين مفيدا حتى لو لم يختلف فالجواب فيها كالجواب في البيتين على ما مر فصل وأما بيان حال الوديعة

قسم V06/P209–V06/P210Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V06/P209–V06/P210)

فحالها أنها في يد المودع أمانة لأن المودع مؤتمن فكانت الوديعة أمانة في يده ويتعلق بكونها أمانة أحكام منها وجوب الرد عند طلب المالك لقوله تعالى جل شأنه إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها حتى لو حبسها بعد الطلب فضاعت ضمن هذا إذا كانت الوديعة لرجل واحد فأما إذا كانت مشاعا لرجلين فجاء أحدهما وطلب حصته لا يجب عليه الرد بأن أودع رجلان رجلا وديعة دراهم أو دنانير أو ( ( ( وثيابا ) ) ) ثيابا وغاب ثم جاءه أحدهما وطلب بعضها وأبى المستودع ذلك لم يأمره ( ( ( يأمر ) ) ) القاضي بدفع شيء إليه ما لم يحضر الغائب عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يقسم ذلك ويدفع إليه حصته ولا يكون ذلك قسمة جائزة على الغائب بلا خلاف حتى لو هلك الباقي في يد المودع ثم جاء الغائب له أن يشارك صاحبه في المقبوض عندهم جميعا ولو هلك المقبوض في يد القابض ثم جاء الغائب فليس للقابض أن يشارك صاحبه في الباقي وجه قولهما أن الآخذ بأخذ حصته متصرف في ملك نفسه فكان له ذلك من غير حضرة الغائب كما إذا كان لرجلين دين مشترك على رجل فجاء أحدهما وطلب حصته من الدين فإنه يدفع إليه حصته لما قلنا كذا هذا وجه قول أبي حنيفة أن المودع لو دفع شيئا إلى الشريك الحاضر لا يخلو إما أن يدفع إليه من النصيبين جميعا وإما أن يدفع إليه من نصيبه خاصة لا وجه إلى الأول لأن دفع نصيب الغائب إليه ممتنع شرعا ولا سبيل إلى الثاني ولأن نصيبه شائع في كل الألف لكون الألف مشتركة بينهما ولا يتميز ( ( ( تتميز ) ) ) إلا بالقسمة والقسمة على الغائب غير جائزة ولو سلمنا ذلك حتى قالا إذا جاء الغائب وقد هلك الباقي له أن يشارك القابض في المقبوض ولو نفذت القسمة لما شاركه فيه لتميز حقه عن حق صاحبه بالقسمة والقياس على الدين المشترك غير سديد لأن الغريم يدفع نصيب أحد الشركين ( ( ( الشريكين ) ) ) بدفع مال نفسه لا مال شريكه الغائب وهنا يدفع مال الغائب بغير إذنه فلا يستقيم القياس ولو كان في يده ألف درهم فجاءه رجلان وادعى كل واحد منهما أنه أودعه إياها فقال المودع أودعها أحدكما ولست أدري أيكما هو فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما إن اصطلح المتداعيان على أن يأخذا الألف وتكون بينهما وإما إن لم يصطلحا وادعى كل واحد منهما أن الألف له خاصة لا لصاحبه فإن اصطلحا على ذلك فلهما ذلك وليس للمودع أن يمتنع عن تسليم الألف إليهما لأنه أقر أن الألف لأحدهما وإذا اصطلحا على أنها تكون بينهما لا يمنعان عن ذلك وليس لهما أن يستحلفا المودع بعد الصلح وإن لم يصطلحا وادعى كل واحد منهما أن الألف له لا يدفع إلى أحدهما شيئا لجهالة المقر له بالوديعة ولكل واحد منهما أن يستحلف المودع فإن استحلفه كل واحد منهما فالأمر لا يخلو إما أن يحلف لكل واحد منهما وإما أن ينكل لكل واحد منهما وإما أن يحلف لأحدهما وينكل للآخر فإن حلف لهما فقد انقطعت خصومتهما للحال إلى وقت إقامة البينة كما في سائر الأحكام وهل يملكان الاصطلاح على أخذ الألف بينهما بعد الاستحلاف فهو على الاختلاف المعروف ( ( ( والمعروف ) ) ) بين أبي حنيفة وأبي يوسف وبين محمد على قولهما لا يملكان وعلى قول محمد يملكان وهي مسألة الصلح بعد الحلف وقد مرت في كتاب الصلح وإن نكل لهما يقضى بالألف بينهما نصفين ويضمن ألفا أخرى بينهما فيحصل لكل واحد منهما ألف كاملة لأن كل واحد منهما يدعي أن كل الألف له فإذا نكل له والنكول بذل أو إقرار فكأنه بذل لكل واحد منهما ألفا أو أقر لكل واحد منهما بألف فيقضى عليه بينهما بألف ويضمن أيضا ألفا أخرى تكون بينهما ليحصل لكل واحد منهما ألف كاملة

قسم V06/P210–V06/P211Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V06/P210–V06/P211)

ولو حلف لأحدهما ونكل للآخر قضى بالألف للذي نكل له ولا شيء للذي حلف له لأن النكول حجة من نكل له لا حجة من حلف له ومنها وجوب الأداء إلى المالك لأن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها وأهلها مالكها حتى لو ردها إلى منزل المالك فجعلها فيه أو دفعها إلى من هو في عيال المالك دخلت في ضمانه حتى لو ضاعت يضمن بخلاف العارية فإن المستعير لو جاء بمتاع العارية وألقاها في دار المعير أو جاء بالدابة فأدخلها في إصطبله كان ردا صحيحا لأن ظاهر النص الذي تلونا أن لا يصح إلا أنها صارت مخصوصة عن عموم الآيات فبقيت الوديعة على ظاهره ولأن القياس في الموضعين ما ذكرنا من لزوم الرد إلى المالك إلا أنا استحسنا في العارية للعادة الجارية فيها بردها إلى بيت المالك أو بدفعها إلى من في عياله حتى لو كانت العارية شيئا نفيسا كعقد جوهر ونحو ذلك لا يصح الرد لانعدام جريان العادة بذلك في الأشياء النفيسة ولم تجر به العادة في مال الوديعة فتبقى على أصل القياس ولأن مبنى الإيداع على الستر والإغفاء عادة فإن الإنسان إنما يودع مال غيره سرا عن الناس لما يتعلق به من المصلحة فلو رده على غير المالك لانكشف إذ السر إذا جاوز اثنين يفشو فيفوت المعنى المجعول له الإيداع بخلاف العارية لأن مبناها على الإعلان والإظهار لأنها شرعت لحاجة المستعير إلى استعمالها في حوائجه ولا يمكنه الاستعمال سرا عن الناس عادة والرد إلى غير المالك لا يفوت ما شرع ( ( ( شرعت ) ) ) له العارية فهو الفرق ومنها أنه إذا ضاعت في يد المودع بغير صنعه لا يضمن لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس على المستعير غير المغل الضمان ولا على المستودع غير المغل الضمان ولأن يده يد المالك فالهلاك في يده كالهلاك في يد المالك وكذلك إذا دخلها نقص لأن النقصان هلاك بعض الوديعة وهلاك الكل لا يوجب الضمان فهلاك البعض أولى ومنها أن المودع مع المودع إذا اختلفا فقال المودع هلكت أو قال رددتها إليك وقال المالك بل استهلكتها فالقول قول المودع لأن المالك يدعي على الأمين أمرا عارضا وهو التعدي والمودع مستصحب لحال الأمانة فكان متمسكا بالأصل فكان القول قوله لكن مع اليمين لأن التهمة قائمة فيستحلف دفعا للتهمة وكذلك إذا قال المودع استهلكت من غير أذني وقال المودع بل استهلكتها أنت أو غيرك بأمرك أن القول قول المودع لما قلنا ولو قال إنها قد ضاعت ثم قال بعد ذلك بل كنت رددتها إليك لكني أوهمت لم يصدق وهو ضامن لأنه نفى الرد بدعوى الهلاك ونفى الهلاك بدعوى الرد فصار نافيا ما أثبته مثبتا ما نفاه وهذا تناقض فلا تسمع منه دعوى الضياع والرد لأن المناقض لا قول له ولأنه لما ادعى دعوتين وأكذب نفسه في كل واحدة منهما فقد ذهبت أمانته فلا يقبل قوله فصل وأما بيان ما يغير حال المعقود عليه من الأمانة إلى الضمان فأنواع منها ترك الحفظ لأنه بالعقد التزم حفظ الوديعة على وجه لو ترك حفظها حتى هلكت يضمن بدلها وذلك بطريق الكفالة ولهذا لو رأى إنسانا يسرق الوديعة وهو قادر على منعه ضمن لترك الحفظ الملتزم بالعقد وهو معنى قول مشايخنا إن المودع يؤخذ بضمان العقد ومنها ترك الحفظ للمالك بأن خالفه في الوديعة بأن كانت الوديعة ثوبا فلبسه أو دابة فركبها أو عبدا فاستعمله أو أودعها من ليس في عياله ولا هو ممن يحفظ ماله بيده عادة لأن الملتزم بالعقد هو الحفظ للمالك فإذا حفظ لنفسه فقد ترك الحفظ للمالك فدخلت في ضمانه

قسم V06/P211Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V06/P211)

وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهنداوي ( ( ( الهندواني ) ) ) أنه منع دخول العين في ضمانه في المناظرة حين قدم بخارى وسأل ( ( ( وسئل ) ) ) عن هذه المسألة وهذا خلاف إطلاق الكتاب فإنه قال يبرأ عن الضمان والبراءة عن الضمان بعد الدخول في الضمان تكون وكذلك المودع مع المودع إذا اختلفا فقال المودع هلكت الوديعة أو رددتها إليك وقال المالك استهلكتها إن كانت قبل الخلاف فالقول قول المودع وإن كان بعده فالقول قول المالك ونحو ذلك مما يدل على دخول الوديعة في ضمانه بالخلاف وإن خالف في الوديعة ثم عاد الوفاق يبرأ عن الضمان عند علمائنا الثلاثة وعند زفر والشافعي لا يبرأ عن الضمان وجه قولهما أن الوديعة لما دخلت في ضمان المودع بالخلاف فقد ارتفع العقد فلا يعود إلا بالتجديد ولم يوجد فصار كما لو جحد الوديعة ثم أقر بها وكذلك المستعير والمستأجر إذا خالفا ثم عادا ( ( ( عاد ) ) ) إلى الوفاق لا يبرآن عن الضمان لما قلنا كذا هذا ولنا أنه بعد الخلاف مودع والمودع إذا هلكت الوديعة من غير صنعه لا ضمان عليه كما قبل الخلاف ودلالة أنه بعد الخلاف مودع أن المودع من يحفظ مال غيره له بأمره وهو بعد الخلاف والاشتغال بالحفظ حافظ مال المالك له بأمره لأن الأمر تناول ما بعد الخلاف قوله الوديعة دخلت في ضمان المودع فيرتفع العقد قلنا معنى الدخول في ضمان المودع أنه انعقد سبب وجوب الضمان موقوفا وجوبه على وجود شرطه وهو الهلاك في حالة الخلاف لكن هذا لم يوجب ارتفاع العقد أليس أن من وكل إنسانا ببيع ( ( ( يبيع ) ) ) عبده بألفي درهم فباعه بألف وسلمه إلى المشتري دخل العبد في ضمانه لانعقاد سبب وجوب الضمان وهو تسليم مال الغير إلى غيره من غير إذنه ومع ذلك بقي العقد حتى لو أخذه كان له بيعه بألفين كذا هذا على أنا إن سلمنا أن العقد انفسخ لكن في قدر ما فات وحكمه من حقه وهو الحفظ الملتزم للمالك في زمان الخلاف لا فيما بقي في المستقبل كما إذا استحفظه بأجر كل شهر بكذا وترك الحفظ في بعض الشهر ثم اشتغل به في الباقي بقي العقد في الباقي يستحق الأجرة بقدره والجامع بينهما أن الارتفاع لضرورة فوات حكم العقد فلا يظهر إلا في قدر الفائت بخلاف الإجارة والإعارة لأن الإجارة تمليك المنفعة وهي تمليك منافع مقدرة بالمكان أو الزمان فإذا بلغ المكان المذكور فقد انتهى العقد لانتهاء حكمه فلا يعود إلا بالتجديد وكذا الإعارة لأنها تمليك المنفعة عندنا إلا أنها تمليك المنفعة بغير عوض والإجارة تمليك المنفعة بعوض وأما حكم عقد الوديعة فلزوم الحفظ للمالك مطلقا أو شهرا أو ( ( ( وزمان ) ) ) زمان ما بعد الخلاف داخل في المطلق والوقت فلا ينقضي بالخلاف بل يتقرر فهو الفرق ومنها جحود الوديعة في وجه المالك عند طلبه حتى لو قامت البينة على الإيداع أو نكل المودع عن اليمين أو أقر به دخلت في ضمانه لأن العقد لما ظهر بالحجة فقد ظهر ارتفاعه بالجحود أو عنده لأن المالك لما طلب منه الوديعة فقد عزله عن الحفظ والمودع لما جحد الوديعة حال حضرة المالك فقد عزل نفسه عن الحفظ فانفسخ العقد فبقي مال الغير في يده بغير إذنه فيكون مضمونا عليه فإذا هلك تقرر الضمان ولو جحد الوديعة ثم أقام البينة على هلاكها فهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه إما إن أقام البينة على أنها هلكت بعد الجحود أو قبل الجحود أو مطلقا فإن أقام البينة على أنها هلكت بعد الجحود أو مطلقا لا ينتفع ببينته لأن العقد ارتفع بالجحود أو عنده فدخلت العين في ضمانه والهلاك بعد ذلك يقرر الضمان لا أن يسقطه

قسم V06/P211–V06/P212Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V06/P211–V06/P212)

وإن أقام البينة على أنها هلكت قبل الجحود تسمع بينته ولا ضمان عليه لأن الهلاك قبل الجحود لما ثبت بالبينة فقد ظهر انتهاء العقد قبل الجحود فلا يرتفع بالجحود فظهر أن الوديعة هلكت من غير صنعه فلا يضمن ولو ادعى الهلاك قبل الجحود ولا بينة له وطلب اليمين من المودع حلفه القاضي بالله تعالى ما لم يعلم أنها هلكت قبل جحوده لأنه الأصل في باب الاستحلاف أن الذي يستحلف عليه لو كان أمرا لو أقر به الحالف للزمه فإذا أنكر يستحلف وهنا كذلك لأن المالك لو أقر بالهلاك قبل الجحود لقبل منه ويسقط الضمان عن المودع فإذا أنكر يستحلف لكن على العلم لأنه يستحلف على فعل غيره هذا إذا جحد حال حضرة المالك فإن جحد عند غير المالك حال غيبته قال أبو يوسف لا يضمن وقال زفر رحمه الله يضمن في الحالين جميعا وجه قول زفر أن ما هو سبب وجوب الضمان لا يختلف بالحضرة والغيبة كسائر الأسباب وجه قول أبي يوسف أن الجحود سبب للضمان من حيث إنه يرفع العقد بالعزل على ما بينا ولا يصح العزل حالة الغيبة فلا يرتفع العقد ولأن الجحود عند غير المالك حال غيبته معدود من باب الحفظ والصيانة عرفا وعادة لأن مبنى الإيداع على الستر والإخفاء فكان الجحود عند غير المالك حال غيبته حفظا معنى فكيف يكون سببا لوجوب الضمان ومنها الإتلاف حقيقة أو معنى وهو إعجاز المالك عن الانتفاع بالوديعة لأن إتلاف مال الغير بغير إذنه سبب لوجوب الضمان حتى لو طلب الوديعة فمنعها المودع مع القدرة على الدفع والتسليم إليه حتى هلكت يضمن لأنه لما حبسها عنه عجز عن الانتفاع بها للحال فدخلت في ضمانه فإذا هلكت تقرر العجز فيجب الضمان ولو أمر غيره بالإتلاف وادعى أنه كان بإذن المالك لا يصدق إلا ببينة لأن الإتلاف سبب لوجوب الضمان في الأصل وقوله كان بإذن المالك دعوى أمر عارض فلا تقبل إلا بحجة وكذلك المودع إذا خلط الوديعة بماله خلطا لا يتميز يضمن لأنه إذا كان لا يتميز فقد عجز المالك من الانتفاع بالوديعة فكان الخلط منه إتلاف ( ( ( إتلافا ) ) ) فيضمن ويصير ملكا بالضمان وإن مات كان ذلك لجميع الغرماء والمودع أسوة الغرماء فيه ولو اختلطت بماله بنفسها من غير صنعه لا يضمن وهو شريك لصاحبها أما عدم وجوب الضمان فلانعدام الإتلاف منه بل تلفت بنفسها لانعدام الفعل من جهته وأما كونه شريكا لصاحبها فلوجود ( ( ( فلوجوده ) ) ) معنى الشركة وهو اختلاط الملكين ولو أودعه رجلان كل واحد منهما ألف درهم فخلط المودع المالين خلطا لا يتميز فلا سبيل لهما على أخذ الدراهم ويضمن ( ( ( يضمن ) ) ) المودع لكل واحد منهما ألفا ويكون المخلوط له وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد هما بالخيار إن شاءا اقتسما المخلوط نصفين وإن شاءا ضمنا المودع ألفين وعلى هذا الخلاف سائر المكيلات والموزونات إذاخلطا الجنس بالجنس خلطا لا يتميز كالحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والدهن بالدهن وجه قولهما إن الوديعة قائمة بعينها لكن عجز المالك عن الوصول إليها بعارض الخلط فإن شاءا اقتسما لاعتبار جهة القيام وإن شاءا ضمنا لاعتبار جهة العجز وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أنه لما خلطهما خلطا لا يتميز فقد عجز كل واحد منهما عن الانتفاع بالمخلوط فكان الخلط منه إتلاف الوديعة عن كل واحد منهما فيضمن ولهذا يثبت اختيار التضمين عندهما واختيار التضمين لا يثبت إلا بوجود الإتلاف دل أن الخلط منه وقع إتلافا

قسم V06/P212–V06/P213Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V06/P212–V06/P213)

ولو أودعه رجل حنطة وآخر شعيرا فخلطهما فهو ضامن لكل واحد منهما مثل حقه عند أبي حنيفة لأن الخلط إتلاف وعندهما لهما أن يأخذا العين ويبيعاها ويقتسما الثمن على قيمة الحنطة مخلوطا بالشعير وعلى قيمة الشعير غير مخلوط بالحنطة لأن قيمة الحنطة تنقص بخلط الشعير وهو يستحق الثمن لقيام الحق في العين وهو مستحق العين بخلاف قيمة الشعير لأن قيمة الشعير تزداد بالخلط بالحنطة وتلك الزيادة ملك الغير فلا يستحقها صاحب الشعير ولو أنفق المودع بعض الوديعة ضمن قدر ما أنفق ولا يضمن الباقي لأنه لم يوجد منه إلا إتلاف قدر ما أنفق ولو رد مثله فخلطه بالباقي يضمن الكل لوجود إتلاف الكل منه النصف بالإتلاف والنصف الباقي بالخلط لكون الخلط إتلافا على ما بينا ولو أخذ بعض دراهم الوديعة لينفقها فلم ينفقها ثم ردها إلى موضعها بعد أيام فضاعت لا ضمان عليه عندنا وعند الشافعي رحمه الله يضمن وجه قوله أنه أخذها على وجه التعدي فيضمن كما لو انتفع بها ولنا أن نفس الأخذ ليس بإتلاف ونية الإتلاف ليس ( ( ( ليست ) ) ) بإتلاف فلا توجب الضمان والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله تبارك وتعالى عز شأنه عفا عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يفعلوا ظاهر الحديث يقتضي أن يكون ما حدثت به النفس عفوا على العموم إلا ما خص بدليل وعلى هذا الخلاف إذا أودعه كيسا مسدودا فحله المستودع أو صندوقا مقفلا ففتح القفل ولم يأخذ منه شيئا حتى ضاع أو مات المودع فإن كانت الوديعة قائمة بعينها ترد على صاحبها لأن هذا عين ماله ومن وجد عين ماله فهو أحق به على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كانت لا تعرف بعينها فهي دين في تركته يحاص الغرماء لأنه لما مات مجهلا للوديعة فقد أتلفها معنى لخروجها من أن تكون ( ( ( يكون ) ) ) منتفعا به ( ( ( بها ) ) ) في حق المال ( ( ( المالك ) ) ) بالتجهيل وهو تفسير الإتلاف ولو قالت الورثة إنها هلكت أو ردت على المالك لا يصدقون على ذلك لأن الموت مجهلا سبب لوجوب الضمان لكونه إتلافا فكان دعوى الهلاك والرد دعوى أمر عارض فلا يقبل إلا بحجة ويحاص المودع الغرماء لأنه دين الاستهلاك على ما ذكرنا فيساوي دين الصحة والله سبحانه وتعالى أعلم كتاب العارية الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع في بيان ركن العارية وفي بيان شرائط الركن وفي بيان حكم العقد وفي بيان ما يملكه المستعير من التصرف في المستعار وما لا يملكه وفي بيان صفة الحكم وفي بيان حال المستعار وفي بيان ما يوجب تغير حاله أما ركنها فهو الإيجاب من المعير وأما القبول من المستعير فليس بركن عند أصحابنا الثلاثة استحسانا والقياس أن يكون ركنا وهو قول زفر كما في الهبة حتى إن من حلف لا يعير فلانا فأعاره ولم يقبل يحنث كما إذا حلف لا يهب فلانا شيئا فوهبه ولم يقبل وهي مسألة كتاب الهبة والإيجاب هو أن يقول أعرتك هذا الشيء أو منحتك هذا الثوب أو هذه الدار أو أطعمتك هذه الأرض أو هذه الأرض لك طعمة أو أخدمتك هذا العبد أو هذا العبد لك خدمة أو حملتك على هذه الدابة إذا لم ينو به الهبة أو داري لك سكنى أو داري لك عمرى سكنى أما لفظ الإعارة فصريح في بابها وأما المنحة فهي اسم للعطية التي ينتفع الإنسان بها زمانا ثم يردها على صاحبها وهو معنى العارية قال النبي عليه السلام المنحة مردودة ومنحة الأرض زراعتها قال النبي عليه الصلاة والسلام ازرعها أو امنحها أخاك وكذا الإطعام المضاف إلى الأرض هو إطعام منافعها التي تحصل منها بالزراعة من غير عوض عرفا وعادة وهو معنى العارية

قسم V06/P213–V06/P214Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V06/P213–V06/P214)

وأما إخدام العبد إياه فجعل خدمته بغير عوض وهو تفسير العارية وكذا قوله داري لك سكنى أو عمرى سكنى هو جعل سكنى الدار له من غير عوض وسكنى الدار منفعتها المطلوبة منها عادة فقد أتى بمعنى الإعارة وأما قوله حملتك على هذه الدابة فإنه يحتمل الإعارة والهبة فأي ذلك نوى فهو على ما نوى لأنه نوى ما يحتمل لفظه وعند الإطلاق ينصرف إلى العارية لأنها أدنى فكان الحمل عليها أولى ولو قال داري لك رقبى أو حبس فهو عارية عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف هبة وقوله رقبى أو حبس باطل وهي مسألة كتاب الهبة فصل وأما الشرائط التي يصير الركن بها إعارة شرعا فأنواع منها العقل فلا تصح الإعارة من المجنون والصبي الذي لا يعقل وأما البلوغ فليس بشرط عندنا حتى تصح الإعارة من الصبي المأذون لأنها من توابع التجارة وأنه يملك التجارة فيملك ما هو من توابعها وعند الشافعي لا يملك وهي مسألة كتاب المأذون وكذا الحرية ليست بشرط فيملكها العبد المأذون لأنها من توابع التجارة فيملك بملك ذلك ومنها القبض من المستعير لأن الإعارة عقد تبرع فلا يفيد الحكم بنفسه بدون القبض كالهبة ومنها أن يكون المستعار مما يمكن الانتفاع بدون استهلاكه فإن لم يكن لا تصح إعارته لأن حكم العقد ثبت في المنفعة لا في العين إلا إذا كانت ملحقة بالمنفعة على ما نذكره في موضعه فصل وأما بيان حكم العقد فالكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان أصل الحكم والثاني في بيان صفته أما الأول فهو ملك المنفعة للمستعير بغير عوض أو ما هو ملحق بالمنفعة عرفا وعادة عندنا وعند الشافعي إباحة المنفعة حتى يملك المستعير الإعارة عندنا في الجملة كالمستأجر يملك الإجارة وعنده لا يملكها أصلا كالمباح له الطعام لا يملك الإباحة من غيره وجه قول الشافعي دلالة الإجماع والمعقول أما الإجماع فلجواز العقد من غير أجل ولو كان تمليك المنفعة لما جاز من غير أجل كالإجارة وكذا المستعير لا يملك أن يؤجر العارية ولو ثبت الملك له في المنفعة لملك كالمستأجر وأما المعقول فهو أن القياس يأبى تمليك المنفعة لأن بيع المعدوم لانعدام المنفعة حالة العقد والمعدوم لا يحتمل البيع لأنه بيع ما ليس عند الإنسان وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه إلا أنها جعلت موجودة عند العقد في باب الإجارة حكما للضرورة ولا ضرورة إلى الإعارة فبقيت المنافع فيها على أصل العدم ولنا أن المعير سلطه على تحصيل المنافع وصرفها إلى نفسه على وجه زالت يده عنها والتسليط على هذا الوجه يكون تمليكا لا إباحة كما في الأعيان وإنما صح من غير أجل لأن بيان الأجل للتحرز عن الجهالة المفضية إلى المنازعة والجهالة في باب العارية لا تفضي إلى المنازعة لأنها عقد جائز غير لازم ولهذا المعنى لا يملك الإجارة لأنها عقد لازم الإعارة ( ( ( والإعارة ) ) ) عقد غير لازم فلو ملك الإجارة لكان فيه إثبات صفة اللزوم بما ليس بلازم أو سلب صفة اللزوم عن اللازم وكل ذلك باطل وقوله المنافع منعدمة عند العقد قلنا نعم لكن هذا لا يمنع جواز العقد كما في الإجارة وهذا لأن العقد الوارد على المنفعة عندنا عقد مضاف إلى حين وجود المنفعة فلا ينعقد في حق الحكم إلا عند وجود المنفعة شيئا فشيئا على حسب حدوثها فلم يكن بيع المعدوم ولا بيع ما ليس عند الإنسان

قسم V06/P214Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V06/P214)

وعلى هذا تخرج إعارة الدراهم والدنانير أنها تكون قرضا لا إعارة لأن الإعارة لما كانت تمليك المنفعة أو إباحة المنفعة على اختلاف الأصلين ولا يمكن الانتفاع إلا باستهلاكها ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتصرف في العين لا في المنفعة ولا يمكن تصحيحا إعارة حقيقية فتصحح قرضا مجازا لوجود معنى الإعارة فيه حتى لو استعار حليا ليتجمل به صح لأنه يمكن الانتفاع به من غير استهلاك بالتجمل فأمكن العمل بالحقيقة فلا ضرورة إلى الحمل على المجاز وكذا إعارة كل ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه كالمكيلات والموزونات يكون قرضا لا إعارة لما ذكرنا أن محل حكم الإعارة المنفعة لا بالعين إلا إذا كان ملحقا بالمنفعة عرفا وعادة كما إذا منح إنسانا شاتا ( ( ( شاة ) ) ) أو ناقة لينتفع بلبنها ووبرها مدة ثم يردها على صاحبها لأن ذلك محدود ( ( ( معدود ) ) ) من المنافع عرفا وعادة فكان له حكم المنفعة وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام هل من أحد يمنح من إبله ناقة أهل بيت لا در لهم وهذا يجري مجرى الترغيب كمن منح منحة ورق أو منحة لبس كان له بعدل رقبة وكذا لو منح جديا أو عناقا كان عارية لأنه يعرض أن ينتفع بلبنه وصوفه ويتصل بهذا الفصل بيان ما يملكه المستعير من التصرف في المستعار وما لا يملكه فنقول وبالله التوفيق جملة الكلام فيه أن عقد الإعارة لا يخلو من أحد وجهين أما إن كان مطلقا وأما إن كان مقيدا فإن كان مطلقا بأن أعار دابته إنسانا ولم يسم مكانا ولا زمانا ولا الركوب ولا الحمل فله أن يستعملها في أي مكان وزمان شاء وله أن يركب أو يحمل لأن الأصل في المطلق أن يجري على إطلاقه وقد ملكه منافع العارية مطلقا فكان له أن يستوفيها على الوجه الذي ملكها إلا أنه لا يحمل عليها ما يعلم أن مثلها لا يطيق بمثل هذا الحمل ولا يستعملها ليلا ونهارا ما لا يستعمل مثلها من الدواب لذلك عادة حتى لو فعل فعطبت يضمن لأن العقد وإن خرج مخرج الإطلاق لكن المطلق يتقيد بالعرف والعادة دلالة كما يتقيد نصا وله أن يعير العارية عندنا سواء كانت العارية مما يتفاوت في استيفاء المنفعة أو لا لأن إطلاق العقد يقتضي ثبوت الملك للمستعير فكان هو في التمليك من غيره على الوجه الذي ملكه متصرفا في ملك نفسه إلا أنه لا يملك الإجارة لما قلنا فإن آجر وسلم إلى المستأجر ضمن لأنه دفع مال الغير إليه بغير إذنه فصار غاصبا فإن شاء ضمنه وإن شاء ضمن المستأجر لأنه قبض مال الغير بغير إذنه كالمشتري من الغاصب إلا أنه إذا ضمن المستعير لا يرجع بالضمان على المستأجر لأنه ملكه بأداء الضمان فتبين أنه آجر ملك نفسه وإن ضمن المستأجر فإن كان عالما بكونها عارية في يده لا يرجع على المستعير وإن لم يكن عالما بذلك يرجع عليه لأنه إذا لم يعلم به فقد صار مغرورا من جهة المستعير فيرجع عليه بضمان الغرور وهو ضمان الكفالة في الحقيقة وإذا كان عالما لم يصر مغرورا من جهته فلا يرجع عليه وهل يملك الإيداع اختلف المشايخ فيه قال مشايخ العراق يملك وهو قول بعض مشايخنا لأنه يملك الإعارة فالإيداع أولى لأنها دون الإعارة وقال بعضهم لا يملك استدلالا بمسألة مذكورة في الجامع الصغير وهي أن المستعير إذا رد العارية على يد أجنبي ضمن ومعلوم أن الرد على يده إيداع إياه ولو ملك الإيداع لما ضمن وإن كان مقيدا فيراعى فيه القيد ما أمكن لأن أصل اعتبار تصرف العاقل على الوجه الذي تصرف إلا إذا لم يمكن ( ( ( يكن ) ) ) اعتباره لعدم الفائدة ونحو ذلك فلغا الوصف لأن ذلك يجري مجرى العبث ثم إنما يراعى القيد فيما دخل لا فيما لم يدخل لأن المطلق إذا قيد ببعض الأوصاف يبقى مطلقا فيما وراءه فيراعى عند الإطلاق فيما وراءه

قسم V06/P214–V06/P215Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V06/P214–V06/P215)

بيان هذه الجملة في مسائل إذا أعار إنسانا دابة على أن يركبها المستعير بنفسه ليس له أن يعيرها من غيره وكذلك إذا أعاره ثوبا على أن يلبسه بنفسه لما ذكرنا أن الأصل في المقيد اعتبار القيد فيه إلا إذا تعذر اعتباره واعتبار هذا القيد ممكن لأنه مقيد لتفاوت الناس في استعمال الدواب والثياب ركوبا ولبسا فلزم اعتبارالقيد فيه فإن فعل حتى هلك ضمن لأنه خالف وإن ركب بنفسه وأردف غيره فعطبت فإن كانت الدابة مما تطيق حملهما جميعا يضمن نصف قيمة الدابة لأنه لم يخالف إلا في قدر النصف وإن كانت الدابة مما لا تطيق حملهما ضمن جميع قيمتها لأنه استهلكها ولو أعاره دارا ليسكنها بنفسه فله أن يسكنها غيره لأن المملوك بالعقد السكنى والناس لا يتفاوتون فيه عادة فلم يكن التقييد بسكناه مفيدا فيلغو إلا إذا كان الذي يسكنها إياه حدادا أو قصارا ونحوهما ممن يوهن عليه البناء فليس له أن يسكنها إياه ولا أن يعمل بنفسه ذلك لأن المعير لا يرضى به عادة والمطلق يتقيد بالعرف والعادة كمافي الإجارة ولو أعاره دابة على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم شعير فليس له أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة لأن الحنطة أثقل من الشعير فكان اعتبار القيد مفيدا فيعتبر ولو أعارها على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فله أن يحمل عليها عشرة مخاتيم شعير ( ( ( شعيرا ) ) ) أو دخنا أو أرزا أو غير ذلك مما يكون مثل الحنطة أو أخف منها استحسانا والقياس أن لا يكون له ذلك حتى إنها لو عطبت لا يضمن استحسانا والقياس وأن يضمن وهو قول زفر لأنه خالف وجواب الاستحسان أن هذا وإن كان خلافا صورة فليس بخلاف معنى لأن المالك يكون راضيا به دلالة فلم يكن التقييد بالحنطة مفيدا وصار كما لو شرط عليه أن يحمل عليها عشرة مخاتيم من حنطة نفسه فحمل عليها عشرة مخاتيم من حنطة غيره فإنه لا يكون مخالفا حتى لا يضمن كذا هذا ولو قال على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة ليس له أن يحمل عليها حطبا أو تبنا أو آجرا فحمل عليها من الحنطة زيادة على المسمى في القدر فعطبت نظر في ذلك فإن كانت الزيادة مما لا تطيق الدابة حملها يضمن جميع قيمتها لأن حمل ما لا تطيق الدابة إتلاف للدابة وإن كانت الدابة مما تطيق حملها يضمن من قيمتها قدر الزيادة حتى لو قال على أن يحمل عليها عشرة مخاتيم حنطة فحمل عليها أحد عشر مختوما فعطبت يضمن جزأ من أحد عشر جزأ من قيمتها لأنه لم يتلف منها إلا هذا القدر ولو قيدها بالمكان بأن قال على أن تستعملها في مكان كذا في المصر يتقيد به وله أن يستعملها في أي وقت شاء بأي شيء شاء لأن التقييد لم يوجد إلا بالمكان فبقي مطلقا فيما وراءه لكنه لا يملك أن يجاوز ذلك المكان حتى لو جاوزه دخل في ضمانه ولو أعادها إلى المكان المأذون لا يبرأ عن الضمان حتى لو هلكت من قبل التسليم إلى المالك يضمن وهذا قول أبي حنيفة عليه الرحمة الآخر وكان يقول أولا يبرأ عن الضمان كالمودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق ثم رجع ووجه الفرق بين العارية والوديعة قد ذكرناه في كتاب الوديعة وكذلك لو قيدها بالزمان بأن قال على أن يستعملها يوما يبقى مطلقا فيما وراءه لكنه يتقيد بالزمان حتى لو مضى اليوم ولم يردها على المالك حتى هلكت يضمن لما قلنا وكذلك لو قيدها بالحمل وكذلك لو قيدها بالاستعمال بأن قال على أن يستعملها حتى لو أمسكها ولم يستعملها حتى هلكت يضمن لأن الإمساك منه خلاف فيوجب الضمان ولو اختلف المعير أو المستعير في الأيام أو المكان أو فيما يحمل عليها فالقول قول المعير لأن المستعير يستفيد ملك الانتفاع من المعير فكان القول في المقدار والتعيين قوله لكن مع اليمين دفعا للتهمة فصل وأما صفة الحكم

قسم V06/P215–V06/P216Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî) (s. V06/P215–V06/P216)

فهي أن الملك الثابت للمستعير ملك غير لازم لأنه ملك لا يقابله عوض فلا يكون لازما كالملك الثابت بالهبة فكان للمعير أن يرجع في العارية سواء أطلق العارية أو وقت لها وقتا وعلى هذا إذا استعار من آخر أرضا ليبني عليها أو ليغرس فيها ثم بدا للمالك أن يخرجه فله ذلك سواء كانت العارية مطلقة أو مؤقتة لما قلنا غير أنها إن كانت مطلقة له أن يجبر المستعير على قلع الغرس ونقض البناء لأن في الترك ضررا بالمعير لأنه لا نهاية له وإذا قلع ونقض لا يضمن المعير شيئا من قيمة الغرس والبناء لأنه لو وجب عليه الضمان لوجب بسبب الغرور ولا غرور من جهته حيث أطلق العقد ولم يوقت فيه وقتا فأخرجه قبل الوقت بل هو الذي غرر نفسه حيث حمل المطلق على الأبد وإن كانت موقتة فأخرجه قبل الوقت لم يكن له أن يخرجه ولا يجبر على النقض والقلع والمستعير بالخيار إن شاء ضمن صاحب الأرض قيمة غرسه وبنائه قائما سليما وترك ذلك عليه لأنه لما وقت للعارية وقتا ثم أخرجه قبل الوقت فقد غره فصار كفيلا عنه فيما يلزمه من العهدة إذ ضمان الغرور كفالة فكان له أن يرجع عليه بالضمان ويملك صاحب الأرض البناء والغرس بأداء الضمان لان هذا حكم المضمونات أنها تملك بأداء الضمان وإن شاء أخذ غرسه وبناءه ولا شيء على صاحب الأرض ثم إنما يثبت خيار القلع والنقض للمستعير إذا لم يكن القلع أو النقض مضرا بالأرض فإن كان مضرا بها فالخيار للمالك لأن الأرض أصل والبناء والغرس تابع لها فكان الملك ( ( ( المالك ) ) ) صاحب أصل والمستعير صاحب تبع فكان إثبات الخيار لصاحب الأصل أولى إن شاء أمسك الغرس والبناء بالقيمة وإن شاء رضي بالقلع والنقض هذا إذا استعار أرضا للغرس أو البناء فأما إذا استعار أرضا للزراعة فزرعها ثم أراد صاحب الأرض أن يأخذها لم يكن له ذلك حتى يحصد الزرع بل يترك في يده إلى وقت الحصاد بأجر المثل استحسانا في القياس أن يكون له ذلك كما في البناء والغرس ووجه الفرق للاستحسان أن النظر من الجانبين ورعاية الحقين واجب عند الإمكان وذلك ممكن في الزرع لأن إدراك الزرع له وقت معلوم فيمكن النظر من الجانبين جانب المستعير لا شك فيه وجانب المالك بالترك إلى وقت الحصاد بالأجر ولا يمكن في الغرس والبناء لأنه ليس لذلك وقت معلوم فكان مراعاة صاحب الأصل أولى وقالوا في باب الإجارة إذا انقضت المدة والزرع بقل لم يستحصد أنه يترك في يد المستأجر إلى وقت الحصاد بأجر المثل كما في العارية لما قلنا بخلاف باب الغصب لأن الترك للنظر والغاصب جان فلا يستحق النظر بل يجبر على القلع فصل وأما بيان حال المستعار فحاله أنه أمانة في يد المستعير في حال الاستعمال بالإجماع فأما في غير حال الاستعمال فكذلك عندنا وعند الشافعي رحمه الله مضمون واحتج بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان درعا يوم حنين فقال صفوان أغصبا يا محمد فقال عليه الصلاة والسلام بل عارية مضمونة ولأن العين مضمونة الرد حال قيامها فكانت مضمونة القيمة حال هلاكها كالمغصوب وهذا لأن العين اسم للصورة والمعنى وبالهلاك أن عجز عن رد الصورة لم يعجز عن رد المعنى لأن قيمة الشيء معناه فيجب عليه رده بمعناه كما في الغصب ولأنه قبض مال الغير لنفسه فيكون مضمونا عليه كالمقبوض على سوم الشراء ولنا أنه لم يوجد من المستعير سبب وجوب الضمان فلا يجب عليه الضمان كالوديعة والإجارة وإنما قلنا ذلك لأن الضمان لا يجب على المرء بدون فعله وفعله الموجود منه ظاهرا هو العقد والقبض وكل واحد منهما لا يصلح سببا لوجوب الضمان أما العقد فلأنه عقد تبرع بالمنفعة تمليكا أو إباحة على اختلاف الأصلين

%0
10 Bölüm