والصحيح أصل أبي حنيفة رضي الله عنه لما ذكرنا أن القصاص لا يحتمل التجزئة والشركة في غير المتجزىء ( ( ( المتجزئ ) ) ) محال وإنما تثبت الشركة إذا انقلب مالا لأن المال محل قابل للشركة على أن أبا حنيفة إن سلم أن القصاص مشترك بين الصغير والكبير فلا بأس بالتسليم لأنه يمكن القتل بثبوت ولاية الاستيفاء للكبير في نصيبه بطريق ( ( ( بطرق ) ) ) الأصالة وفي نصيب الصغير بطريق النيابة شرعا كالقصاص إذا كان بين إنسان وابنه الصغير والجامع بينهما حاجتهما إلى استيفاء القصاص لاستيفاء النفس وعجز الصغير عن الاستيفاء بنفسه وقدرة الكبير على ذلك وكون تصرفه في النظر والشفقة في حق الصغير مثل تصرف الصغير بنفسه لو كان أهلا ولهذا يلي الأب والجد استيفاء قصاص وجب كله للصغير فهذا أولى ولأبي حنيفة رحمه الله إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي أنه لما جرح ابن ملجم لعنه الله عليا كرم الله وجهه فقال للحسن رضي الله عنه إن شئت فاقتله وإن شئت فاعف عنه وإن تعفو خير لك فقتله سيدنا الحسن رضي الله عنه وكان في ورثة سيدنا علي رضي الله عنه صغار والاستدلال من وجهين أحدهما بقول سيدنا علي رضي الله عنه والثاني بفعل سيدنا الحسن رضي الله عنه أما الأول فلأنه خير سيدنا الحسن رضي الله عنه حيث قال إن شئت فاقتله مطلقا من غير التقييد ببلوغ الصغار وأما الثاني فلأن الحسن رضي الله عنه قتل ابن ملجم لعنه الله ولم ينتظر بلوغ الصغار وكل ذلك بمحضر من الصحابة الكرام رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليهما أحد فيكون إجماعا وإن لم يكن له وارث وكان له مولى العتاقة وهو المعتق فالمستحق للقصاص هو لأن مولى العتاقة آخر العصبات ثم إن كان واحدا استحق كله وإن كانوا جماعة استحقوه وإن كان للمقتول وارث ومولى العتاقة أيضا فلا قصاص لأن الولي مشتبه لاشتباه سبب الولاية فالسبب في حق الوارث هو القرابة وفي حق المولى الولاء وهما سببان مختلفان واشتباه الولي يمنع الوجوب للقصاص وكذلك إن لم يكن له مولى العتاقة وله مولى الموالاة لأنه أخر الورثة فجاز أن يستحق القصاص كما يستحق المال وإن لم يكن له وارث ولا له مولى العتاقة ولا مولى الموالاة كاللقيط وغيره فالمستحق هو السلطان في قولهما وقال أبو يوسف رحمه الله لا يستحقه إذا كان المقتول في دار الإسلام والحجج تأتى في موضعها إن شاء الله تعالى وإن كان المقتول عبدا فالمستحق هو المولى لأن الحق قد ثبت وأقرب الناس إلى العبد مولاه ثم إن كان المولى واحد ( ( ( واحدا ) ) ) استحق كله وإن كان جماعة استحقوه لوجود سبب الاستحقاق في حق الكل وهو الملك والله تعالى أعلم فصل وأما بيان من يلي استيفاء القصاص وشرط جواز استيفائه فولاية استيفاء القصاص تثبت بأسباب منها الوراثة وجملة الكلام فيه أن الوارث لا يخلو إما أن كان واحدا وإما أن كانوا جماعة فإن كان واحدا لا يخلو إما أن كان كبيرا وإما أن كان صغيرا فإن كان كبيرا فله أن يستوفي القصاص لقوله تبارك وتعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ولوجود سبب الولاية في حقه على الكمال وهو الوراثة من غير مزاحمة وإن كان صغيرا اختلف المشايخ فيه قال بعضهم ينتظر بلوغه وقال بعضهم يستوفيه القاضي وإن كانوا جماعة فإن كان الكل كبارا فلكل واحد منهم ولاية استيفاء القصاص حتى لو قتله أحدهم صار القصاص مستوفى لأن القصاص إن كان حق الميت فكل واحد من آحاد الورثة خصما في استيفاء حق الميت كما في المال وإذا كان حق الورثة ابتداء كما قال أبو حنيفة رحمه الله فقد وجد سبب ثبوت الحق في حق كل واحد منهم إلا أن حضور الكل شرط جواز الاستيفاء وليس للبعض ولاية الاستيفاء مع غيبة البعض لأن فيه احتمال استيفاء ما ليس بحق له لاحتمال العفو من الغائب
الإمام الكاساني - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي · AR
وإلى هذا أشار محمد رحمه الله فقال لا أدري لعل الغائب عفا وكذا إذا كان الكل حضورا لا يجوز لهم ولا لأحدهم أن يوكل في استيفاء القصاص على معنى أنه لا يجوز للوكيل استيفاء القصاص مع غيبة الموكل لاحتمال أن الغائب قد عفا ولأن في اشتراط حضرة الموكل رجاء العفو منه عند معاينة حلول العقوبة بالقاتل وقد قال الله تعالى وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم فأما الاستيفاء بالوكيل فجائز إذا كان الموكل حاضرا على ما نذكر وإن كان فيهم صغير وكبير فإن كان الكبير هو الأب بأن كان القصاص مشتركا بين الأب وابنه الصغير فللأب أن يستوفي بالإجماع لأنه لو كان لم يقاصص كان للأب أن يستوفيه فههنا أولى وإن كان الكبير غير الأب بأن كان أخا فللكبير أن يستوفي قبل بلوغ الصغير عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف والشافعي رحمهما الله تعالى ليس له ذلك قبل بلوغ الصغير والكلام فيه يرجع إلى أصل ذكرناه بدلائله فيما تقدم ومنها الأبوة فللأب والجد أن يستوفي قصاصا وجب للصغير في النفس وفيما دون النفس لأن هذه ولاية نظر ومصلحة كولاية الإنكاح فتثبت لمن كان مختصا بكمال النظر والمصلحة في حق الصغير وأما الوصي فلا يلي استيفاء القصاص في النفس بأن قتل شخص عبدا ليتيم ( ( ( اليتيم ) ) ) لأن تصرف الوصي لا يصدر عن كما ( ( ( كمال ) ) ) النظر والمصلحة في حق الصغير لقصور في الشفقة الباعثة عليه بخلاف الأب والجد وله أن يستوفي القصاص فيما دون النفس لأن ما دون النفس يسلك به مسلك الأموال على ما نذكر وللوصي ولاية استيفاء المال ومنا ( ( ( ومنها ) ) ) الملك المطلق وقت القتل فللمولى أن يستوفي القصاص إذا قتل مملوكه إذا لم يكن في استيفاء القصاص إبطال حق الغير من غير رضاه لأن الحق قد ثبت له وهو أقرب الناس إليه فله أن يستوفيه وكذا إذا قتل مدبره ومدبرته وأم ولده وولدها لأن التدبير والاستيلاد لا يوجب زوال الملك وكذا إذا قتل المكاتب ولم يترك وفاء لأنه مات رقيقا فكان ملك المولى قائما وقت القتل وذكر في المنتقى عند أبي حنيفة رضي الله عنه في معتق البعض إذا قتل عاجزا أنه لا قصاص ففرق بينه وبين الماكتب ( ( ( المكاتب ) ) ) ووجه الفرق أن موت المكاتب عاجزا يوجب إنفساخ الكتابة وجعلها كأن لم تكن فالقتل صادفه وهو قن وموت معتق البعض لا يوجب إنفساخ العتاق ( ( ( العتق ) ) ) إذ الإعتاق بعد وجوده لا يحتمل الفسخ فالقتل صادفه ولا ملك للمولى في كله ولو قتل المكاتب وترك وفاء وورثة أحرارا سوى المولى لا قصاص بالإجماع لأنه لا يستوفيه المولى لوقوع الشك في قيام المولى وقت القتل ولا الوارث لاحتمال أنه مات عبدا لاختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه يموت حرا أو عبدا فامتنع الوجوب وإن لم يكن له وارث حر غير المولى فله أن يستوفي القصاص عندهما خلافا لمحمد وقد ذكرنا المسألة ولو قتل العبد في يد البائع قبل القبض فإن اختار المشتري إجازة البيع فله ولاية الاستيفاء بالإجماع لأن الملك كان له وقت القتل وقد تقرر بالإجازة فكان له أن يستوفي وإن اختار فسخ البيع فللبائع أن يستوفي القصاص في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وقال أبو يوسف للبائه ( ( ( للبائع ) ) ) القيمة ولا قصاص له
وجه قوله أن الملك لم يكن ثابتا له وقت القتل وإنما حدث بعد ذلك بالفسخ والسبب حين وجوده لم ينعقد موجبا الحكم له فلا يثبت له بمعنى وجد بعد ذلك ولأبي حنيفة رحمه الله أن رد البيع فسخ له من الأصل وجعل إياه كأن لم يكن فإذا انفسخ من الأصل تبين أن الجناية وردت على ملك البائع فيوجب القصاص له فكان له أن يستوفي وليس للمشتري ولاية الاستيفاء لهذا المعنى أن بالفسخ يظهر أن العبد وقت القتل لم يكن على ملك البائع ولو قتل العبد الذي هو بدل الصداق في يد الزوج أو بدل الخلع في يد المرأة أو بدل الصلح عن دم العبد ( ( ( العمد ) ) ) في يدي الذي صالح عليه فذلك بمنزلة البيع لأن المستحق للصداق وبدل الخلع والصلح إن اختار اتباع القاتل فقد تقرر ملكه فيجب القصاص له وإن طالب بالقيمة فالملك في العبد قد انفسخ فيجب القصاص للآخر على ما ذكرنا في البيع ولو قتل في يد المشتري وللمشتري خيار الشرط أو خيار الرؤية فالقصاص للمشتري قبض البائع الثمن أو لم يقبض لأن الخيار قد سقط بموت العبد وانبرم البيع وتقرر الملك فيه للمشتري فوجب القصاص له فكان له أن يستوفي القصاص كما إذا قتل في يده ولا خيار في البيع أصلا ولو كان الخيار للبائع فإن شاء اتبع القاتل فقتله قصاصا وإن شاء ضمن المشتري القيمة أما اختيار اتباع القاتل فلأن العبد وقت القتل كان ملكا له وأما اختيار تضمين ( ( ( تضمن ) ) ) المشتري القيمة فلأنه كان مضمونا في يده بالقيمة ( ( ( القيمة ) ) ) ألا ترى لو هلك بنفسه في يده كان عليه قيمته ولا قصاص للمشتري وإن هلك العبد بالضمان لأن الملك ثبت له بطريق الاستناد والمستند يظهر من وجه ويقتصر من وجه فشبه الظهور يقتضي وجوب القصاص له وشبه الاستناد يقتضي أن لا يجب فتمكنت الشبهة في الوجوب له فلا يجب وكذا العبد المغصوب إذا قتل في يدي الغاصب واختار المالك تضمينه لم يكن للغاصب القصاص لما قلنا ولو قتل عبد موصى برقبته لرجل وبخدمته لآخر لم ينفرد أحدهما باستيفاء القصاص لأن الموصى له بالخدمة ل ا ملك له في الرقبة فلا يملك الاستيفاء بنفسه والموصى له بالرقبة وإن ملك الرقبة لكن في استيفاء القصاص إبطال حق الموصى له بالخدمة لا إلى بدل هو مال فلا يملك إبطال حقه عليه من غير رضاه وإذا اجتمعا فللموصى له بالرقبة أن يستوفي لأن المطلق للاستيفاء موجود وهو قيام ملك الرقبة والامتناع كان لحق الموصى له بالخدمة فإذا رضي بسقوط حقه فقد زال المانع ولو قتل العبد المرهون في يد المرتهن لم يكن لواحد منهما أن ينفرد باستيفاء القصاص أما المرتهن فظاهر لأن ملك الرقبة لم يكن ثابتا له وقت القتل فلم يوجد سبب ثبوت ولاية الاستيفاء في حقه وأما الراهن فلأن استيفاءه يتضمن إبطال حق المرتهن في الدين من غير رضاه لأن الرهن يصير هالكا من غير بدل لأن العبد إنما كان رهنا من حيث أنه مال والقصاص لا يصلح بدلا عن المالية لأنه ليس بمال فيصير الرهن هالكا من غير بدل فيسقط دينه فكان في استيفائه القصاص إبطال حق المرتهن من غير رضاه وهذا لا يجوز ولو اجتمعا ذكر الكرخي رحمه الله أن للراهن أن يستوفي القصاص عند أبي حنيفة رحمه الله لأن الامتناع كان لحق المرتهن وقد رضي بسقوطه وعند محمد ليس له أن يستوفي وإن اجتمعا على الاستيفاء وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي رحمه الله أنه لا قصاص على قاتله ولم يذكر الخلاف وقد ذكرنا وجه كل من ذلك في كتاب الرهن ومنها الولاء إذا لم يكن لمولى الأسفل وارث لأن الولاء سبب الولاية في الجملة ألا ترى أن مولى العتاقة يزوج بالإجماع لأنه آخر العصبات ومولى الموالاة يزوج على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه لأنه آخر الورثة
فإن كان له وارث فلا قصاص لاشتباه الولي فلا يتصور الاستيفاء ومنها السلطنة عند عدم الورثة والملك والولاء كاللقيط ونحوه إذا قتل وهذا قولهما وقال أبو يوسف رحمه الله ليس للسلطان أن يستوفي إذا كان المقتول من أهل دار الإسلام وله أن يأخذ الدية وإن كان من أهل دار الحرب فله أن يستوفي القصاص وله أن يأخذ الدية وجه قوله أن المقتول في دار الإسلام لا يخلو عن ولي له عادة إلا أنه ربما لا يعرف وقيام ولاية الولي تمنع ولاية السلطان وبهذا لا يملك العفو بخلاف الحربي إذا دخل دار الإسلام فأسلم أن الظاهر أن لا ولي له في دار الإسلام ولهما أن الكلام في قتيل لم يعرف له ولي عند الناس فكان وليه السلطان لقوله عليه الصلاة والسلام السلطان ولي من لا ولي له وقدر ( ( ( وقد ) ) ) روي أنه لما قتل سيدنا عمر رضي الله عنه خرج الهرمزان والخنجر في يده فظن عبيد الله أن هذا الذي قتل سيدنا عمر رضي الله عنه فقتله فرفع ذلك إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه فقال سيدنا علي رضي الله عنه لسيدنا عثمان اقتل عبيد الله فامتنع سيدنا عثمان رضي الله عنه وقال كيف أقتل رجلا قتل أبوه أمس لا أفعل ولكن هذا رجل من أهل الأرض وأنا وليه أعفو عنه وأؤدي ديته وأراد بقوله أعفو عنه وأؤدي ديته الصلح على الدية وللإمام أن يصالح على الدية إلا أنه لا يملك العفو لأن القصاص حق المسلمين بدليل أن ميراثه لهم وإنما الإمام نائب عنهم في الإقامة وفي العفو إسقاط حقهم أصلا ورأسا وهذا لا يجوز ولهذا لا يملك ( ( ( يملكه ) ) ) الأب والجد وإن كانا يملكان استيفاء القصاص وله أن يصالح على الدية كما فعل سيدنا عثمان رضي الله عنه والله تعالى الموفق بالصواب فصل وأما بيان ما يستوفى به القصاص وكيفية الاستيفاء فالقصاص لا يستوفى إلا بالسيف عندنا وقال الشافعي رحمه الله يفعل به مثل ما فعل فإن مات وإلا تحز رقبته حتى لو قطع يد رجل عمدا فمات من ذلك فإن الولي يقتله وليس له أن يقطع يده عندنا وعنده تقطع يده فإن مات في المدة التي مات الأول فيها وإلا تحز رقبته وجه قوله أن مبنى القصاص على المماثلة في الفعل لأنه جزاء الفعل فيشترط أن يكون مثل الفعل الأول وذلك فيما قلنا وهو أن يفعل به مثل ما فعل هو والموجود منه القطع فيجب أن يجازي بالقطع والظاهر في القطع عدم السراية فإن اتفقت السراية وإلا تحز رقبته ويكون الحز تتميما للفعل الأول لا جزاءا ( ( ( حزا ) ) ) مبتدأ ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا قود إلا بالسيف والقود هو القصاص والقصاص هو الاستيفاء فكان هذا نفي استيفاء القصاص بالسيف ولأن القطع إذا اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلا من حين وجوده فلا يجازي إلا بالقتل فلو قطع ثم احتيج إلى الحز كان ذلك جمعا بين القتل والحز فلم يكن مجازاة بالمثل وقوله الحز يقع تتميما للقطع فاسد لأن المتمم للشيء من توابعه والحز قتل وهو أقوى من القطع فكيف يكون من تمامه وإن أراد الولي أن يقتل بغير السيف لا يمكن لما قلنا ولو فعل يعزر لكن لا ضمان عليه ويصير مستوفيا بأي طريق قتله سواء قتله بالعصا أو بالحجر أو ألقاه من السطح أو ألقاه في البئر أو ساق عليه دابة حتى مات ونحو ذلك لأن القتل حقه فإذا قتله فقد استوفى حقه بأي طريق كان إلا أنه يأثم بالاستيفاء لا بطريق مشروع لمجاوزته حد الشرع وله أن يقتل بنفسه وبنائبه بأن يأمر غيره بالقتل لأن كل أحد لا يقدر على الاستيفاء بنفسه إما لضعف بدنه أو لضعف قلبه أو لقلة هدايته إليه فيحتاج إلى الإنابة إلا أنه لا بد من حضوره عند الاستيفاء لما ذكرنا فيما تقدم
ثم إذا قتله المأمور والآمر حاضر صار مستوفيا ولا ضمان عليه فأما إذا قتله والآمر غير حاضر وأنكر ولي هذا القتيل الأمر فإنه يجب القصاص على القاتل ولا يعتبر تصديق الولي لأن القتل عمدا سبب لوجوب القصاص في الأصل فلو خرج من أن يكون سببا إنما يخرج بالأمر وقد كذبه ولي هذا القتيل في الأمر وتصديق ولي القصاص غير معتبر لأنه صدقه بعدما بطل حقه عن القصاص لفوات محله فصار أجنبيا عنه فلا يعتبر تصديقه فلم يثبت الأمر فبقي القتل العمد موجبا للقصاص ( ( ( القصاص ) ) ) ولو حفر بئرا في دار إنسان فوقع فيها إنسان ومات فادعى ولي القتيل الدية فقال الحافر حفرته بإذن صاحب الدار وصدقه صاحب الدار في ذلك فلا ضمان على الحافر ويعتبر تصديقه لأنه صدقه في فعل يملك إنشاء الأمر به للحال وهو الحفر في ملكه فلم يكن هذا تصديقا بعد فوات المحل فاعتبر بخلاف الأول والله تعالى أعلم بالصواب فصل وأما بيان ما يسقط القصاص بعد وجوبه فالمسقط له أنواع منها فوات محل القصاص بأن مات من عليه القصاص بآفة سماوية لأنه لا يتصور بقاء الشيء في غير محله وإذا سقط القصاص بالموت لا تجب الدية عندنا لأن القصاص هو الواجب عينا عندنا وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله وعلى قوله الآخر تجب الدية وقد بينا فساده فيما تقدم وكذا إذا قتل من عليه القصاص بغير حق أو بحق بالردة والقصاص بأن قتل إنسانا فقتل به قصاصا يسقط القصاص ولا يجب المال لما قلنا وكذلك القصاص الواجب فيما دون النفس إذا فات ذلك العضو بآفة سماوية أو قطع بغير حق يسقط القصاص من غير مال عندنا لما قلنا وإن قطع بحق بأن قطع يد غيره فقطع به أو سرق مال إنسان فقطع يسقط القصاص أيضا لفوات محله لكن يجب أرش اليد فيقع الفرق في موضعين أحدهما بين القتل والقطع بحق والثاني بين القطع بغير حق وبين القطع بحق والفرق أنه إذا قطع طرفه بحق فقد قضى حقا واجبا عليه فجعل كالقائم وجعل صاحبه ممسكا له تقديرا كأنه أمسكه حقيقة وتعذر استيفاء القصاص لعذر الخطأ ونحو ذلك وهناك يجب الأرش كذا هذا وهذا المعنى لم يوجد فيما إذا قطع بغير حق لأنه لم يقض حقا واجبا عليه وفي القتل إن قضى حقا واجبا عليه لكن لا يملك أن يجعل ممسكا للنفس بعد موته تقديرا لأنه لا يتصور حقيقة بخلاف الطرف والله تعالى أعلم ومنها العفو والكلام فيه في ثلاثة مواضع أحدها في بيان ركنه والثاني في بيان شرائط الركن والثالث في بيان حكمه أما ركنه فهو أن يقول العافي عفوت أو أسقطت أو أبرأت أو وهبت وما يجري هذا المجرى وأما الشرائط فمنها أن يكون العفو من صاحب الحق لأنه إسقاط الحق وإسقاط الحق ولا حق محال فلا يصح العفو من الأجنبي لعدم الحق ولا من الأب والجد في قصاص وجب للصغير لأن الحق للصغير لا لهما وإنما لهما ولاية استيفاء حق وجب للصغير ولأن ولايتهما مقيدة بالنظر للصغير والعفو ضرر محض لأنه إسقاط الحق أصلا ورأسا فلا يملكانه وهذا ( ( ( ولهذا ) ) ) لا يملكه السلطان فيما له ولاية الاستيفاء على ما بينا والله تعالى أعلم ومنها أن يكون العافي عاقلا ومنها أن يكون بالغا فلا يصح العفو من الصبي والمجنون وإن كان الحق ثابتا لهما لأنه من التصرفات المضرة المحضة فلا يملكانه كالطلاق والعتاق ونحو ذلك
وأما حكم العفو فالعفو في الأصل لا يخلو إما أن يكون من الولي وإما أن يكون من المجروح فإن كان من الولي لا يخلو من أن يكون منه بعد الموت أو قبل الموت بعد الجرح فإن كان بعد الموت فإما أن يكون الولي واحدا وإما أن يكون أكثر فإن كان واحدا بأن كان القاتل والمقتول واحدا فعفا عن القاتل سقط القصاص لأن استيفاءه لتحقق معنى الحياة وهذا المعنى يحصل بدون الاستيفاء بالعفو لأنه إذا عفا فالظاهر أنه لا يطلب الثأر بعد العفو فلا يقصد قتل القاتل فلا يقصد القاتل قتله فيحصل معنى الحياة بدون الاستيفاء فيسقط القصاص لحصول ما شرع له استيفاؤه بدونه وهكذا قال الحسن رحمه الله في تأويل قوله تعالى ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا أي من أحياها بالعفو وقيل في قوله تبارك وتعالى ذلك تخفيف من ربكم ورحمة أن ذلك العفو والصلح على ما قيل أن حكم التوراة القتل لا غير وحكم الإنجيل العفو بغير بدل لا غير فخفف سبحانه وتعالى على هذه الأمة فشرع العفو بلا بدل أصلا والصلح ببدل سواء عفا عن الكل أو عن البعض لأن القصاص لا يتجزأ وذكر البعض فيما لا يتبعض ذكر الكل كالطلاق وتسليم الشفعة وغيرهما وإذا سقط القصاص بالعفو لا ينقلب مالا عندنا لأن حق الولي في القصاص عينا وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله وقد أسقطه لا إلى بدل ومن له الحق إذا أسقط حقه مطلقا وهو من أهل الإسقاط والمحل قابل للسقوط يسقط مطلقا كالإبراء عن الدين ونحو ذلك وعلى قوله الآخر الواجب أحدهما فإذا عفا عن القصاص انصرف إلى الواجب تصحيحا لتصرفه كمن له على آخر دراهم أو دنانير ولا ينوي أحدهما بعينه فأبرأه المديون عن أحدهما ليس له أن يطالبه بالآخر لما قلنا كذا هذا ولو عفا عنه ثم قتله بعد العفو يجب عليه القصاص عند عامة العلماء رضي الله عنهم وقال بعض الناس لا يجب واحتجوا بقوله تبارك وتعالى فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم جعل جزاء المعتدي وهو القاتل بعد العفو العذاب الأليم وهو عذاب الآخرة نستجير بالله سبحانه وتعالى من هو له فلو وجب القصاص في الدنيا لصار المذكور بعض الجزاء ولأن القصاص في الدنيا يرفع عذاب الآخرة لقوله عليه الصلاة والسلام السيف محاء للذنوب وفيه نسخ الآية الشريفة ولنا عمومات القصاص من غير فصل بين شخص وشخص وحال وحال إلا شخصا أو حالا قيد بدليل وكذا الحكمة التي لها شرع القصاص وهو الحياة على ما بينا يقتضي الوجوب وأما الآية فقد قيل في بعض وجوه التأويل أن العذاب الأليم ههنا هو القصاص فإن القتل غاية العذاب الدنيوي في الإيلام فعلى هذا التأويل كانت الآية حجة عليهم وتحتمل هذا وتحتمل ما قالوا فلا تكون حجة مع الاحتمال وإن كان القصاص أكثر بأن قتل رجلان واحدا فإن عفا عنهما سقط القصاص أصلا لما ذكرنا وإن عفا عن أحدهما سقط القصاص عنه وله أن يقتل الآخر لأنه استحق على كل واحد منهما قصاصا كاملا والعفو عن أحدهما لا يوجب العفو عن الآخر وذكر في المنتقى عن أبي يوسف رحمه الله أنه يسقط القصاص عنهما لأن طريق إيجاب القصاص عليهما أن يجعل كل واحد منهما قاتلا على الانفراد كأن ليس معه غيره إذ القتل تفويت الحياة ولا يتصور تفويت حياة واحدة من كل واحد منهما على الكمال فيجعل كل واحد منهما قاتلا على الانفراد ويجعل قتل صاحبه عدما في حقه فإذا عفا عن أحدهما والعفو عن القاتل جعل فعل الآخر عدما تقديرا فيورث شبهة والقصاص لا يستوفي مع الشبهة وهذا ليس بسديد لأن طريق إيجاب القصاص عليهما ليس ما ذكر وليس القتل اسما لتفويت الحياة بل هو اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة عادة وهذا حصل لكل واحد منهما على الكمال فالعفو عن أحدهما لا يؤثر في الآخر
هذا إذا كان الولي واحدا فأما إذا كان اثنين أو أكثر فعفا أحدهما سقط القصاص عن القاتل لأنه سقط نصيب العافي بالعفو فيسقط نصيب الآخر ضرورة أنه لا يتجزأ إذ القصاص قصاص واحد فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض وينقلب نصيب الآخر مالا بإجماع الصحابة الكرام رضي الله عنهم فإنه روي عن عمر وعبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أنهم أوجبوا في عفو بعض الأولياء الذين لم يعفوا نصيبهم من الدية وذلك بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل أنه أنكر أحد عليهم فيكون إجماعا وقيل إن قوله تبارك وتعالى فمن عفي له من أخيه شيء نزلت في دم بين شركاء يعفو أحدهم عن القاتل فللآخرين أن يتبعوه بالمعروف في نصيبهم لأنه قال سبحانه وتعالى فمن عفي له من أخيه شيء وهذا العفو عن بعض الحق ويكون نصيب الآخر وهو نصف الدية في مال القاتل لأن القتل عمد إلا أنه تعذر استيفاء القصاص لما ذكرنا والعاقلة لا تعقل العمد ويؤخذ منه في ثلاث سنين عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر في سنتين وجه قوله أن الواجب نصف الدية فيؤخذ في سنتين كما لو قطع يد إنسان خطأ ووجب عليه نصف الدية أنه يؤخذ في سنتين كذا ههنا ولنا أن الواجب جزء مما يؤخذ في ثلاث سنين وحكم الجزء حكم الكل بخلاف القطع فإن الواجب هناك كل لا جزء لأن كل دية يد واحدة هذا القدر إلا أنه قدر كل ديتها بنصف دية النفس وهذا لا ينفي أن يكون كل دية الطرف ولو عفا أحدهما فقتله الآخر ينظر إن قتله ولم يعلم بالعفو أو علم به لكنه لم يعلم بالحرمة لا قصاص عليه عند أصحابنا الثلاثة رحمهم الله وعند زفر رحمه الله عليه القصاص وجه قوله أنه قتل نفسا بغير حق لأن عصمته عادت بالعفو ألا ترى أنه حرم قتله فكانت مضمونة بالقصاص كما لو قتله قبل وجود القتل منه فلو سقط إنما سقط بالشبهة ومطلق الظن لا يورث شبهة كما لو قتل إنسانا وقال ظننت أنه قاتل أبي ولنا أنا في عصمته شبهة العدم في حق القاتل لأنه قتله على ظن أن قتله مباح له وهو ظن مبني على نوع دليل وهو ما ذكرنا أن القصاص وجب حقا للمقتول وكل واحد من الأولياء بسبيل من استيفاء حق وجب للمقتول فالعفو من أحدهما ينبغي أن لا يؤثر في حق الآخر ولأن سبب ولاية الاستيفاء وجد في حق كل واحد منهما على الكمال وهو القرابة فينبغي أن لا يؤثر عفو أحدهما في حق صاحبه إلا أنه امتنع هذا الدليل عن العمل بإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ما بينا فقيامه يورث شبهة عدم العصمة والشبهة في هذا الباب تعمل عمل الحقيقة فتمنع وجوب القصاص ويجب عليه نصف الدية لأن القصاص إذا تعذر إيجابه للشبهة وجب عليه كمال الدية كان على القاتل نصف الدية فصار النصف قصاصا بالنصف فيوجب عليه النصف الآخر ويكون في ماله لا على العاقلة لأنه وجب بالقتل وهو عمد والعاقلة لا تعقل العمد وإن علم بالعفو والحرمة يجب عليه القصاص لأن المانع من الوجوب الشبهة وإنها نشأت عن الظن ولم يوجد فزال المانع وله على المقتول نصف الدية لأنه قد كان انقلب نصيبه مالا بعفو صاحبه فبقي ذلك على المقتول هذا إذا كان القصاص الواحد مشتركا بينهما فعفا أحدهما عن نصيبه فأما إذا وجب لكل واحد منهما قصاص كامل قبل القتل ( ( ( القاتل ) ) ) بأن قتل واحد رجلين فعفا أحدهما عن القاتل لا يسقط قصاص الآخر لأن كل واحد منهما استحق عليه قصاصا كاملا ولا استحالة له في ذلك لأن القتل ليس تفويت الحياة ليقال إن الحياة الواحدة لا يتصور تفويتها من اثنين بل هو اسم لفعل مؤثر في فوات الحياة عادة وهذا يتصور من كل واحد منهما في محل واحد على الكمال فعفو أحدهما عن حقه وهو القصاص لا يؤثر في حق صاحبه بخلاف القصاص الواحد المشترك والله سبحانه وتعالى أعلم
هذا إذا عفا الولي عن القاتل بعد موت وليه فأما إذا عفا عنه بعد الجرح قبل الموت فالقياس أن لا يصح عفوه وفي الاستحسان يصح وجه القياس أن العفو عن القتل يستدعي وجود القتل والفعل لا يصير قتلا إلا بفوات الحياة عن المحل ولم يوجد فالعفو لم يصادف محله فلم يصح وللاستحسان وجهان أحدهما أن الجرح متى اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلا من حين وجوده فكان عفوا عن حق ثابت فيصح ولهذا لو كان الجرح خطأ فكفر بعد الجرح قبل الموت ثم مات جاز التكفير والثاني أن القتل إن لم يوجد للحال فقد وجد سبب وجوده وهو الجرح المفضي إلى فوات الحياة والسبب المفضي إلى الشيء يقام مقام ذلك الشيء في أصول الشرع كالنوم مع الحدث والنكاح مع الوطء وغير ذلك ولأنه إذا وجب سبب وجود القتل كان العفو تعجيل الحكم بعد وجود سببه وإنه جائز كالتكفير بعد الجرح قبل الموت في قتل الخطأ والله أعلم وكذلك العفو من المولى واحدا كان أو أكثر والعفو من الوارث سواء في جميع ما وصفنا إلا أن في القصاص بين الموليين إذا عفا أحدهما فللآخر حصته من قيمة العبد وههنا من الدية لأن القيمة في دم العمد كالدية في دم الحر فأما فيما وراء ذلك ( ( ( ذاك ) ) ) فلا يختلفان هذا كله إذا كان العفو من المولى أو من الولي فأما إذا كان من المجروح بأن كان المجروح عفا لا يصح عفوه لأن القصاص يجب حقا للمولى لا له وإن كان حرا فإن عفا عن القتل ثم مات صح استحسانا والقياس أن لا يصح وجه القياس والاستحسان على نحو ما ذكرنا وإن عفا عن القطع أو الجراحة أو الشجة أو الجناية ثم مات أولا فجملة الكلام فيه أن الجرح لا يخلو إما أن يكون عمدا أو خطأ فإن كان عمدا فالمجروح لا يخلو إما أن يقول عفوت عن القطع أو الجراحة أو الشجة أو الضربة وهذا كله قسم واحد وإما أن يقول عفوت عن الجناية والقسم الأول لا يخلو إما أن ذكر معه ما يحدث منها وإما أن لم يذكر وحال المجروح لا يخلو إما أن برىء وصح وإما أن مات من ذلك فإن برىء من ذلك صح العفو في الفصول كلها لأن العفو وقع عن ثابت وهو الجراحة أو موجبها وهو الأرش فيصح وإن سرى إلى النفس ومات فإن كان العفو بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها صح بالإجماع ولا شيء على القاتل لأن لفظ الجناية يتناول القتل وكذا لفظ الجراحة وما يحدث منها فكان ذلك عفوا عن القتل فيصح وإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر ما يحدث منها لم يصح العفو في قول أبي حنيفة رضي الله عنه والقياس أن يجب القصاص وفي الاستحسان تجب الدية في مال القاتل وعندهما يصح العفو ولا شيء على القاتل وجه قولهما أن السراية أثر الجراحة والعفو عن الشيء يكون عفوا عن أثره كما إذا قال عفوت عن الجراحة وما يحدث منها ولأبي حنيفة رضي الله عنه وجهان أحدهما أنه عفا عن غير حقه فإن حقه في موجب الجناية لا في عينها لأن عينها عرض لا يتصور بقاؤها فلا يتصور العفو عنها ولأن عينها جناية وجدت من الخارج والجناية لا تكون حق المجني عليه فكان هذا عفوا عن موجب الجراحة وبالسراية يتبين أنه لا موجب بهذه الجراحة لأن عند السراية يجب موجب القتل بالإجماع وهو القصاص إن كان عمدا والدية إن كان خطأ ولا يجب الأرش وقطع اليد مع موجب القتل لأن الجمع بينهما غير مشروع والثاني إن كان العفو عن القطع والجرح صحيحا لكن القطع غير والقتل غير فالقطع إبانة الطرف والقتل فعل مؤثر في فوات الحياة عادة وموجب أحدهما القطع والأرش وموجب الآخر القتل والدية والعفو عن أحد الغيرين لا يكون عفوا عن الآخر في الأصل فكان القياس أن يجب القصاص لوجود القتل العمد وعدم ما يسقطه
إلا أنه سقط للشبهة فتجب الدية وتكون في ماله لأنها وجبت بالقتل العمد والعاقلة لا تعقل العمد هذا إذا كان القتل عمدا فأما إذا كان خطأ فإن برىء من ذلك صح العفو بالإجماع ولا شيء على القاطع سواء كان بلفظ الجناية أو الجراحة وذكر وما يحدث منها أو لم يذكر لما قلنا وإن سرى إلى النفس فإن كان بلفظ الجناية أو الجراحة وما يحدث منها صح أيضا لما ذكرنا ثم إن كان العفو في حال صحة المجروح بأن كان يذهب ويجيء ولم يصر صاحب فراش يعتبر من جميع ماله وإن كان في حال المرض بأن صار صاحب فراش يعتبر عفوه من ثلث ماله لأن العفو تبرع منه وتبرع المريض مرض الموت يعتبر من ثلث ماله فإن كان قدر الدية يخرج من الثلث سقط ذلك القدر عن العاقلة وإن كان لا يخرج كله من الثلث فثلثه يسقط عن العاقلة وثلثاه يؤخذ منهم وإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر وما يحدث منها لم يصح العفو والدية على العاقلة عند أبي حنيفة وعندهما يصح العفو وهذا وقوله عفوت عن الجراحة وعن الجناية وما يحدث منها سواء وقد بينا حكمه والله أعلم ولو كان مكان العفو صلح بأن صالح من القطع أو الجراحة على مال فهو على التفصيل الذي ذكرنا أنه إن برىء المجروح فالصلح صحيح بأي لفظ كان وسواء كان القطع عمدا أو خطأ لأن الصلح وقع عن حق ثابت فيصح وإن سرى إلى النفس فإن كان الصلح بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها فالصلح صحيح أيضا لأنه صلح عن حق ثابت وهو القصاص وإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر وما يحدث منها فعند أبي حنيفة رحمه الله لا يصح الصلح ويؤخذ جميع الدية من ماله في العمد وإن كان خطأ يرد بدل الصلح ويجب جميع الدية على العاقلة والله سبحانه وتعالى أعلم ولو كان مكان الصلح نكاح بأن قطعت امرأة يد رجل أو جرحته فتزوجها على ذلك فهو على ما ذكرنا من التفاصيل أنه إن برىء من ذلك جاز النكاح وصار أرش ذلك مهرا لها لأنه تبين أن موجب ذلك الأرش سواء كان القطع عمدا أو خطأ لأن القصاص بين الذكور والإناث لا يجري فيما دون النفس فكان الواجب هو المال فإذا تزوجها عليه فقد سمى المال فكان مهرا لها وإن سرى إلى النفس فإن كان النكاح بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها وكان القطع خطأ جاز النكاح وصار دم الزوج مهرا لها لأنه لما اتصلت به السراية تبين أنه وقع قتلا موجبا للدية على العاقلة فكان التزوج على موجب الجناية وهو الدية وسقطت عن العاقلة لصيرورتها مهرا لها وهذا إذا كان وقت النكاح صحيحا فإن كان مريضا فبقدر مهر المثل يسقط عن العاقلة لأنه ليس بمتبرع في هذا القدر وأما الزيادة على ذلك فينظر إن كانت تخرج من ثلث ماله يسقط أيضا وإن كانت لا تخرج من ثلث ماله فبقدر الثلث يسقط أيضا والزيادة تكون للزوج ترجع إلى ورثته وإنما اعتبر خروج الزيادة من ثلث ماله لأنه متبرع بالزيادة وهو مريض مرض الموت هذا في الخطأ وأما في العمد جاز النكاح وصار عفوا أما جواز النكاح فلا شك فيه لأن جوازه لا يقف على تسمية ما هو مال وأما صيرورة النكاح على القصاص عفوا له لأنه لما تزوجها على القصاص فقد أزال حقه عنه وأسقطه وهذا معنى العفو ولها مهر المثل من تركة الزوج لأن النكاح لا يجوز إلا بالمهر والقصاص لا يصلح مهرا لأنه ليس بمال فيجب لها العوض الأصلي وهو مهر المثل فإن كان بلفظ الجراحة ولم يذكر وما يحدث منها فكذلك الجواب عندهما في العمد والخطأ
وعند أبي حنيفة رحمه الله بطل العفو إذا كان عمدا ولها مهر المثل من مال الزوج وتجب الدية من مالها فيتناقصان بقدر مهر المثل وتضمن المرأة الزيادة وإن كانت خطأ فتجب الدية على عاقلتها ولها مهر المثل من مال الزوج ولا ترث المرأة من مال الزوج شيئا لأنها قاتلة ولا ميراث للقاتل والله تعالى أعلم ولو كان مكان النكاح خلع بأن قطع يد امرأة ( ( ( امرأته ) ) ) أو جرحها جراحة فخلعها على ذلك فهو على ما ذكرنا أنها إن برئت جاز الخلع وكان بائنا لأنه تبين أنه خلعها على أرش اليد فصح الخلع وصار أرش اليد بدل الخلع والخلع على مال طلاق بائن ويستوي فيه العمد والخطأ لما مر وإن سرى إلى نفس ( ( ( النفس ) ) ) وكان خطأ فإن ذكر بلفظ الجناية أو بلفظ الجراحة وما يحدث منها جاز الخلع ويكون بائنا لأنه تبين أن الفعل وقع قتلا فتبين أنه وقع موجبا للدية فكان الخلع واقعا على ماله وهو الدية فيصح ويكون بائنا ثم إن كانت المرأة صحيحة وقت الخلع جاز ذلك من جميع المال وإن كانت مريضة صارت الدية بدل الخلع ويعتبر خروج جميع الدية من الثلث بخلاف النكاح حيث يعتبر هناك خروج الزيادة على قدر مهر المثل من الثلث لأن تلك الحال حال دخول البضع في ملك الزوج وهذه حالة الخروج والبضع يعد مالا حال الدخول في ملك الزوج ولا يعد مالا حال الخروج عن ملكه وإن كان يخرج من الثلث سقط عن العاقلة وإن لم يكن لها مال يسقط والثلثان على العاقلة ويكون بمنزلة الوصية هذا في الخطأ فأما في العمد جاز العفو ولا يكون مالا وخلعها بغير مال يكون رجعيا وإن كان الخلع بلفظ الجراحة ولم يذكر وما يحدث منها فعندهما الجواب كذلك وعند أبي حنيفة رحمه الله لم يصح العفو وتجب جميع الدية في ماله في العمد وفي الخطأ على العاقلة ويكون الخلع بغير مال فيكون الطلاق رجعيا والله تعالى أعلم ومنها الصلح على مال لأن القصاص حق للمولى ولصاحب الحق أن يتصرف في حقه استيفاء وإسقاطا إذا كان من أهل الإسقاط والمحل قابل للسقوط ولهذا يملك العفو فيملك الصلح ولأن المقصود من استيفاء القصاص وهو الحياة يحصل به لأن الظاهر أن عند أخذ المال عن صلح وتراض تسكن الفتنة فلا يقصد الولي قتل القاتل فلا يقصد القاتل قتله فيحصل المقصود من استيفاء القصاص بدونه وقيل إن قوله تبارك وتعالى فمن عفي له من أخيه شيء الآية نزل ( ( ( نزلت ) ) ) في الصلح عن دم العمد فيدل على جواز الصلح وسواء كان بدل الصلح قليلا أو كثيرا من جنس الدية أو من خلاف جنسها حالا أو مؤجلا بأجل معلوم أو مجهول جهالة متفاوتة كالحصاد والدياس ونحو ذلك بخلاف الصلح من الدية على أكثر مما تجب فيه الدية أنه لا يجوز لأن المانع من الجواز هناك تمكن الربا ولم يوجد ههنا لأن الربا يختص بمبادلة المال بالمال والقصاص ليس بمال وقد ذكرنا شرائط جواز الصلح ومن يملك الصلح ومن لا يملكه في كتاب الصلح ولو صالح الولي القاتل على مال ثم قتله يقتص منه عند عامة العلماء رضي الله عنهم وقال بعض الناس لا قصاص عليه وقد مرت المسألة في العفو ولو كان الولي اثنين والقصاص واحد فصالح أحدهما سقط القصاص عن القاتل وينقلب نصيب الآخر مالا لما ذكرنا في العفو ولو قتله الآخر بعد عفو صاحبه فهو على التفصيل والخلاف والوفاق الذي ذكرناه في العفو ولو كان القصاص أكثر فصالح ولي أحد القتيلين فللآخر أن يستوفي وكذا لو صالح الولي مع أحد القاتلين كان له أن يقتص للآخر لما ذكرنا في العفو وكذلك حكم المولى في الصلح عن دم العمد في جميع ما وصفنا ومنها إرث القصاص بأن وجب القصاص لإنسان فمات من له القصاص فورث القاتل القصاص سقط القصاص لاستحالة وجوب القصاص له وعليه فيسقط ضرورة