وإن كان الحافر مدبرا أو أم ولد فعلى قيمة واحدة قلت الجناية أو كثرت وتعتبر قيمته يوم الجناية وهو يوم الحفر ولا تعتبر زيادة القيمة ونقصانها لأنه صار جانيا بسبب الحفر عند الوقوع فتعتبر قيمته وقت الجناية كما إذا جنى بيده وإن كان مكاتبا فجنايته على نفسه لا على مولاه كما إذا جنى بيده وتعتبر قيمته يوم الحفر لما بينا ولو حفر بئرا في الطريق فجاء إنسان ودفع إنسانا وألقاه فيها فالضمان على الدافع لا على الحافر لأن الدافع قاتل مباشرة ولو وضع رجل حجرا في قعر البئر فسقط إنسان فيها لا ضمان على الحافر مع الواضع ههنا كالدافع مع الحافر ولو جاء رجل فحفر من أسفلها ثم وقع فيها إنسان فالضمان على الأول كذا ذكر الكرخي رحمه الله وذكر محمد رحمه الله في الكتاب ينبغي في القياس أن يضمن الأول ثم قال وبه نأخذ ولم يذكر الاستحسان وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي رحمه الله في الاستحسان الضمان عليهما لاشتراكهما في الجناية وهي الحفر فيشتركان في الضمان وجه القياس أن سبب الوقوع حصل من الأول وهو الحفر بإزالة المسكة والحفر من الثاني بمنزلة نصب السكين أو وضع الحجر في قعر البئر فكان الأول كالدافع فكان الضمان عليه ولو حفر رجل بئرا فجاء إنسان ووسع رأسها فوقع فيها إنسان فالضمان عليهما نصفان هكذا أطلق في الكتاب ولم يفصل وقيل جواب الكتاب محمول على ما إذا وسع قليلا بحيث يقع رجل في حفرهما فأما إذا وسع كثيرا بحيث يقع قدمه في حفر الثاني فالضمان على الثاني لا على الأول لأن التوسع إذا كان قليلا بحيث يقع قدمه في حفرهما كان الوقوع بسبب وجد منهما وهو حفرهما فكان الضمان عليهما وإذا كان كثيرا كان الوقوع بسبب وجد من الثاني فكان الضمان عليه ولو حفر بئرا ثم كبسها فجاء رجل وأخرج ما كبس فوقع فيها إنسان فالكبس لا يخلو إما أن كان بالتراب والحجارة وإما كان بالحنطة والشعير فإن كان بالأول فالضمان على الثاني وإن كان بالثاني فالضمان على الأول لأن الكبس بالتراب والحجارة يعد طما للبئر وإلحاقا له بالعدم فكان إخراج ذلك منها بمنزلة إخراج بئر أخرى فأما الحنطة والشعير ونحوهما فلا يعد ذلك طما بل يعد شغلا لها ألا يرى أنه بقي أثر الحفر بعد الكبس بالحنطة والشعير ولا يبقى أثره بعد الكبس بالتراب والحجارة ولو حفر بئرا وسد الحافر رأسها ثم جاء إنسان فنقضه فوقع فيها إنسان فالضمان على الحافر لأن أثر الحفر لم ينعدم بالسد لكن السد صار مانعا من الوقوع والفاتح بالفتح أزال المانع وزوال المانع شرط للوقوع والحكم يضاف إلى السبب لا إلى الشرط ولو وضع رجل حجرا في الطريق فتعثر عليه رجل فوقع في بئر حفرها آخر فالضمان على واضع الحجر لأن الوقوع بسبب التعثر والتعثر بسبب وضع الحجر والوضع تعد منه فكان التلف مضافا إلى وضع الحجر فكان الضمان على واضعه وإن كان لم يضعه أحد ولكنه حمل السيل فالضمان على الحافر لأنه لا يمكن أن يضاف إلى الحجر لعدم التعدي منه فيضاف إلى الحافر لكونه متعديا في الحفر ولو اختلف الحافر وورثة الميت فقال الحافر هو ألقى نفسه فيها متعمدا وقال الورثة بل وقع فيها فالقول قول الحافر في قول أبي يوسف الآخر وهو قول محمد وفي قول أبي يوسف الأول القول قول الورثة وجه القول الأول أن الظاهر شاهد للورثة لأن العاقل لا يلقي نفسه في البئر عمدا والقول قول من يشهد له الظاهر وجه قوله الآخر أن حاصل الاختلاف يرجع إلى وجوب الضمان فالورثة يدعون على الحافر الضمان وهو ينكر والقول قول المنكر مع يمينه ما ( ( ( وما ) ) ) ذكر من الظاهر معارض بظاهر آخر وهو أن الظاهر أن المار على الطريق الذي يمشي فيه يرى البئر فتعارض الظاهران فبقي الضمان على أصل العدم
الإمام الكاساني - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي · AR
ولو حفر بئرا في الطريق فوقع رجل فيها فتعلق بآخر وتعلق الثاني بثالث فوقعوا فماتوا فهذا في الأصل لا يخلو من أحد وجهين إما أن علم حال موتهم بأن خرجوا أحياء فأخبروا عن حالهم وإما أن لم يعلم فإن علم ذلك فأما موت الأول فلا يخلو من سبعة أوجه إما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة وأما إن علم أنه مات بوقوع الثاني عليه خاصة وإما أن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة وإما أن علم أنه مات بوقوع الثاني والثالث عليه وإما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني عليه وإما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه وإما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني والثالث عليه فإن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة فالضمان على الحافر لأن الحافر هو القاتل تسبيبا وهو متعد فيه فكان الضمان عليه فإن علم أنه مات بوقوع الثاني عليه خاصة فدمه هدر لأنه هو الذي قتل نفسه حيث جره على نفسه وجناية الإنسان على نفسه هدر وإن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة فالضمان على الثاني لأن الثاني هو الذي جر الثالث على الأول حتى أوقعه عليه وإن علم أنه مات بوقوع الثاني والثالث عليه فنصفه هدر ونصفه على الثاني لأن جره الثاني على نفسه هدر لأنه جناية على نفسه وجر الثاني والثالث عليه معتبر فهدر النصف وبقي النصف وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثاني عليه فالنصف على الحافر لوجود الجناية منه بالحفر والنصف هدر لجره الثاني على نفسه وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقوع الثالث عليه فالنصف على الحافر والنصف على الثاني لأنه هو الذي جر الثالث على الأول وإن علم أنه مات بوقوعه في البئر ووقع ( ( ( ووقوع ) ) ) الثاني والثالث عليه فالثلث هدر والثلث على الحافر والثلث على الثاني لأنه مات بثلاث جنايات أحدها ( ( ( أحدهما ) ) ) هدر وهي جره الثاني على نفسه فبقيت جناية الحافر وجناية الثاني بجره الثالث على الأول فتعتبر وأما موت الثاني فلا يخلو من ثلاثة أوجه إما أن علم أنه مات بوقوعه في البئر خاصة وإما أن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة وإما أن علم أنه مات بوقوعه ( ( ( بوقوع ) ) ) في البئر ووقع ( ( ( ووقوع ) ) ) الثالث عليه فإن علم أنه مات بسقوطه في البئر خاصة فديته على الأول وليس على الحافر شيء لأن الأول هو الذي جره إلى البئر فكان كالدافع وإن علم أنه مات بوقوع الثالث عليه خاصة فدمه هدر لأنه مات بفعل نفسه حيث جر الثالث على نفسه فهدر دمه وإن علم أنه مات بسقوطه في البئر ووقع ( ( ( ووقوع ) ) ) الثالث عليه فالنصف هدر والنصف الأول لأنه مات بشيئين أحدهما فعل نفسه وهو جره الثالث على نفسه وجنايته على نفسه هدر والثاني فعل غيره وهو جر الأول وإيقاعه في البئر وأما موت الثالث فله وجه واحد لا غير وهو سقوطه في البئر وديته على الثاني لأنه هو الذي جره إلى البئر وأوقعه فيه هذا كله إذا علم حال وقوعهم وأما إذا لم يعلم فلا يخلو إما أن وجد بعضهم على بعض وإما أن وجدوا متفرقين فإن كانوا متفرقين فدية الأول على الحافر ودية الثاني على الأول ودية الثالث على الثاني وإن كان بعضهم على بعض فالقياس هكذا أيضا وهو أن يكون دية الأول على الحافر ودية الثاني على الأول ودية الثالث على الثاني وهو قول محمد رحمه الله وفي الاستحسان دية الأول أثلاث ثلث على الحافر وثلث على الثاني وثلث هدر
ودية الثاني نصفان نصف هدر ونصف على الأول ودية الثالث كلها على الثاني ولم يذكر محمد رحمه الله في الاستحسان أنه قول من وجه القياس أنه وجد لموت كل واحد سبب ظاهر وهو الحفر للأول والجر من الأول للثاني والجر من الثاني للثالث وإضافة الأحكام إلى الأسباب الظاهرة أصل في الشريعة وجه الاستحسان أنه اجتمع في الأول ثلاثة أسباب كل واحد منها صالح للموت وقوعه في البئر ووقوع الثاني ووقوع الثالث عليه إلا أن وقوع الثاني عليه حصل بجره إياه على نفسه فهدر الثلث وبقي الثلثان ثلث على الحافر بحفره وثلث على الثاني بجره الثالث على نفسه ووجد في الثاني شيئان الحفر ووقوع الثاني ( ( ( الثالث ) ) ) عليه إلا أن وقوعه عليه حصل بجره فهدر نصف الدية وبقي النصف على الحافر ولم يوجد في الثالث إلا سبب واحد وهو جر الثاني إياه إلى البئر والأصل في الأسباب اعتبارها ما أمكن واعتبارها يقتضي أن يكون الحكم ما ذكرنا والله تعالى أعلم ولو استأجر رجلا ليحفر له بئرا في الطريق فحفر فوقع فيها إنسان فإن كانت البئر في فناء المستأجر فالضمان عليه لا على الأجير لأن له ولاية الانتفاع بفنائه إذا لم يتضمن الضرر بالمارة على أصلهما مطلقا وعلى أصل أبي حنيفة رحمه الله إذا لم يمنع منه مانع فانصرف مطلق الأمر بالحفر إليه فإذا حفر في فنائه انتقل فعل المأمور إليه كأنه حفر بنفسه فوقع فيها إنسان ولو كان كذلك وجب الضمان عليه كذا هذا وإن لم يكن ذلك في فنائه فإن أعلم المستأجر الأجير أن ذلك ليس من فنائه فالضمان على الأجير لا على الآمر لأن الأجير لم يحفر بأمره فبقي فعله مقصورا عليه كأنه ابتدأ الحفر من نفسه من غير أمر فوقع فيها إنسان وإن لم يعلمه فالضمان على الآمر لأنه غره بالأمر بحفر البئر في الطريق مطلقا إنما يأمر بما يملكه مطلقا عادة فيلزمه ضمان الغرور وهو ضمان الكفالة في الحقيقة كأنه ضمن له ما يلزمه من الحفر بمنزلة ضمان الدرك ولو أمر عبده أن يحفر بئرا في الطريق فحفر فوقع فيها إنسان فإن كان الحفر في فنائه فالضمان على عاقلة المولى لأنه يملك الأمر بالحفر في هذا المكان فينتقل فعله إلى المولى كأنه حفر بنفسه وإن كان في غير فنائه فالضمان في رقبة العبد يخاطب المولى بالدفع أو الفداء لأن الآمر بالحفر لا ينصرف إلى غير فنائه فصار مبتدئا في الحفر بنفسه سواء أعلم العبد أنه ليس من فنائه أو لم يعلمه بخلاف الأجير لأن وجوب الضمان على الآمر هناك بمعنى الغرور على ما بينا ولا يتحقق الغرور فيما بين العبد وبين مولاه فيستوي فيه العلم والجهل وإن كان الحفر في الملك فإن كان في ملك غيره بأن حفر بئرا في دار إنسان بغير إذنه فوقع فيها إنسان يضمن الحافر لأنه متعد في التسبيب ولو قال صاحب الدار أنا أمرته بالحفر وأنكر أولياء الميت فالقياس أن لا يصدق صاحب الدار والقول قول الورثة وفي الاستحسان يصدق والقول قول الحافر وجه القياس أن الحفر وقع موجبا للضمان ظاهرا لأنه صادف ملك الغير وأنه محظور فكان متعديا في الحفر من حيث الظاهر فصاحب الدار بالتصديق يريد إبراء الجاني عن الضمان فلا يصدق وجه الاستحسان أن قول صاحب الدار أمرته بذلك إقرار منه بما يملك إنشاءه للحال وهو الأمر بالحفر فيصدق وإن كان في ملك نفسه لا ضمان عليه لأن الحفر مباح مطلق له فلم يكن متعديا في التسبيب وإن كان في فعله ( ( ( فنائه ) ) ) يضمن لأن الانتفاع به مباح بشرط السلامة كالسير في الطريق
ولو استأجر أربعة يحفرون له بئرا فوقعت عليهم من حفرهم فمات أحدهم فعلى كل واحد من الثلاثة ربع الدية وهدر الربع لأنه مات من أربع جنايات إلا أن جناية المرء على نفسه هدر فبطل الربع وبقي جنايات أصحابه عليه فتعتبر ويجب عليهم ثلاثة ( ( ( ثلاث ) ) ) أرباع الدية على كل واحد منهم الربع وقد روى الشعبي عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قضى على القارصة والقامصة والواقصة بالدية أثلاثا وهن ثلاث جواري ( ( ( جوار ) ) ) ركبت إحداهن الأخرى فقرصت الثالثة المركوبة فقمصت فسقطت الراكبة فقضى للتي وقصت بثلثي الدية على صاحبتها وأسقط الثلث لأن الواقصة أعانت على نفسها وروي أن عشرة مدوا نخلة فسقطت على أحدهم فمات فقضى سيدنا علي رضي الله عنه على كل واحد منهم بعشر وأسقط العشر لأن المقتول أعان على نفسه ولو استأجر أجراء حرا وعبدا محجورا ومكاتبا يحفرون له بئرا فوقعت البئر عليهم من حفرهم فماتوا فلا ضمان على المستأجر في الحر ولا في المكاتب ويضمن قيمة العبد المحجور لمولاه أما الحر والمكاتب فلأنه لم يوجد فيهما من المستأجر سبب وجوب الضمان لأن استئجارهما وقع صحيحا فكان استعماله إياهما في الحفر بناء على عقد صحيح فلا يكون سببا لوجوب الضمان ووقوع البئر عليهما حصل من غير صنعه فلا يجب الضمان عليه وأما العبد فلأن استئجاره لم يصح فصار المستأجر باستعماله في الحفر غاصبا إياه فدخل في ضمانه فإذا هلك فقد تقرر الضمان فعليه قيمته لمولاه ثم إذا دفع قيمته إلى المولى فالمولى بدفع ( ( ( يدفع ) ) ) القيمة إلى ورثة الحر والمكاتب فيتضاربون فيها فيضرب ورثة الحر بثلث دية الحر وورثة المكاتب بثلث قيمة المكاتب وإنما كان كذلك لأن موت كل واحد منهم حصل بثلاث جنايات بجناية نفسه وجناية صاحبيه فصار قدر الثلث من الحر والمكاتب تالفا بجناية العبد وجناية القن توجب الدفع ولو كان قنا لوجب دفعه إلى ورثة الحر والمكاتب يتضاربون في رقبته على قدر حقوقهم فإذا هلك وجب دفع القيمة إليهم يتضاربون فيها أيضا فيضرب ورثة الحر فيها بثلث دية الحر وورثة المكاتب بثلث قيمة المكاتب لأن الحر مضمون بالدية والمكاتب مضمون بالقيمة ثم يرجع المولى على المستأجر بقيمة العبد مرة أخرى ويسلم له تلك القيمة لأنه وإن رد المغصوب إلى المغصوب منه يرد ( ( ( برد ) ) ) قيمته إليه لكنه رده مشغولا وقد كان غصبه فارغا فلم يصح رده في حق الشغل فيضمن القيمة مرة أخرى وللمستأجر أن يرجع على عاقلة الحر بثلث قيمة العبد لأن ملك العبد بالضمان من وقت الغصب فتبين أن الجناية حصلت من الحر على ثلث عبد المستأجر فيضمن ثلث قيمته فتؤخذ من عاقلته ويأخذ ورثة المكاتب أيضا من عاقلة الحر ثلث قيمة المكاتب لوجود الجناية من الحر على ثلث قيمته فيضمن ثلث قيمته فتؤخذ من عاقلته ثم يؤخذ من تركة المكاتب مقدار قيمته فتكون بين ورثة الحر وبين المستأجر لوجود الجناية منه على الحر وعلى العبد يضرب ورثة الحر بثلث دية الحر ويضرب المستأجر بثلث قيمة العبد لأنه جنى على ثلث الحر وعلى ثلث العبد فأتلف من كل واحد منهما ثلثه والحر مضمون بالدية والعبد بالقيمة وقد ملك المستأجر العبد بالضمان فكان ضمان الواردة على ملكه والله سبحانه وتعالى أعلم وقالوا فيمن حفر بئرا في سوق العامة لمصلحة المسلمين فوقع فيها إنسان ومات أنه إن كان الحفر بإذن السلطان لا يضمن وإن كان بغير إذنه يضمن وكذلك إذا اتخذ قنطرة للعامة وروي عن أبي يوسف أنه لا يضمن ووجهه أن ما كان من مصالح المسلمين كان الإذن به ثابتا دلالة والثابت دلالة نص ( ( ( كالثابت ) ) ) وجه ظاهر الرواية أن ما يرجع إلى مصالح عامة المسلمين كان حقا لهم والتدبير في أمر العامة إلى الإمام فكان الحفر فيه بغير إذن الإمام كالحفر في دار إنسان بغير إذن صاحب الدار
هذا الذي ذكرنا حكم الحافر في الطريق وكذلك من كان في معنى الحافر ممن يحدث شيئا في الطريق كمن أخرج جناحا إلى طريق المسلمين أو نصب فيه ميزابا فصدم إنسانا فمات أو بنى دكانا أو وضع حجرا أو خشبة أو متاعا أو قعد في الطريق ليستريح فعثر بشيء من ذلك عاثر فوقع فمات أو وقع على غيره فقتله أو حدث به أو بغيره من ذلك العثرة والسقوط جناية من قتل أو غيره أو صب ماء في الطريق فزلق به إنسان فهو في ذلك كله ضامن وكذلك ما عطب بذلك من الدواب لأنه سبب التلف بإحداث هذه الأشياء وهو متعد في التسبيب فما تولد منه يكون مضمونا عليه كالمتولد من الرمي ثم ما كان من الجناية في بني آدم تتحملها العاقلة إذا بلغت القدر الذي تتحمل العاقلة وهو نصف عشر دية الرجل وما لم يبلغ ذلك القدر أو كان منها في غير بني آدم يكون في ماله لأن تحميل العاقلة ثبت بخلاف القياس لعدم الجناية منهم وقد قال الله تبارك وتعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى عرفناه بنص خاص في بني آدم بهذا القدر فبقي الأمر فيما دونه وفي غير بني آدم على الأصل ولا كفارة عليه ولا يحرم الميراث لو كان وارثا للمجني عليه ولا الوصية لو كان أجنبيا لأنه لم يباشر القتل وقد قالوا فيمن وضع كناسة في الطريق فعطب بها إنسان أنه يضمن لأن التلف حصل بوضعه وهو في الوضع متعد ( ( ( معتد ) ) ) وقال محمد إن وضع ذلك في طريق غير نافذة وهو من أهله لم يضمن لعدم التعدي منه إذ الطريق مشترك بين أهل السكة فيكون لكل واحد من أهلها الانتفاع به كالدار المشتركة ولو سقط الميزاب الذي نصبه صاحب الدار إلى طريق المسلمين على إنسان فقتله إن أصابه الطرف الداخل في الحائط لم يضمن لأنه في ذلك القدر متصرف في ملك نفسه فلم يكن متعديا فيه وإن أصابه الطرف الخارج إلى الطريق يضمن لأنه متعد في إخراجه إلى الطريق وإن أصابه الطرفان جميعا يضمن النصف لأنه متعد في النصف لا غير وإن كان لا يدري فالقياس أن لا يضمن شيئا لأنه إن كان أصابه الطرف الداخل لا يضمن وإن كان أصابه الطرف الخارج يضمن والضمان لم يكن واجبا فوقع الشك في وجوبه فلا يجب الشك ( ( ( بالشك ) ) ) وفي الاستحسان يضمن النصف لأنه إذا لم يعرف الطرف الذي أصابه أنه الداخل أو الخارج يجعل كأنه أصابه الطرفان جميعا كما في الغرقى والحرقى أنه إذا لم يعرف التقدم والتأخر في موتهم يجعل كأنهم ماتوا جملة واحدة في أوان واحد حتى لا يرث البعض من البعض كذا هذا ولو أحدث شيئا مما ذكرنا في المسجد بأن حفر بئرا في المسجد لأجل الماء أو بنى فيه بناء دكانا أو غيره فعطب به إنسان فإن كان الحافر والباني من أهل المسجد فلا ضمان عليه وإن كان من غير أهله فإن فعل بإذن أهل المسجد فكذلك وإن فعل بغير إذنهم يضمن بالإجماع لأن تدبير مصالح المسجد إلى أهل المسجد فما فعلوه لا يكون مضمونا عليهم كالأب أو الوصي إذا فعل شيئا من ذلك في دار اليتيم ومتولي الوقف إذا فعل في الوقف وأما غير أهل المسجد فليس له ولاية التصرف في المسجد بغير إذن أهل المسجد فإذا فعل بغير إذنهم كان متعديا فكان مضمونا عليه ولو علق قنديلا أو بسط حصيرا أو ألقى فيه الحصى فإن كان من أهل المسجد فلا ضمان عليه وإن لم يكن من أهل ذلك المسجد فإن فعله بإذن أهل المسجد فكذلك وإن فعل بغير إذنهم يضمن في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وفي قولهما لا يضمن
وجه قولهما أن المسجد لعامة المسلمين فكان كل واحد من آحاد المسلمين بسبيل من إقامة مصالحه ولأن هذه المصالح من عمارة المسجد وقد قال الله تبارك وتعالى إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله من غير تخصيص إلا أن لأهل المسجد ضرب اختصاص به فيظهر ذلك في التصرف في نفسه بالحفر والبناء لا في القنديل والحصير كالمالك مع المستعير أن للمستعير ولاية بسط الحصير وتعليق القنديل في دار الإعارة وليس له ولاية الحفر والبناء كذا هذا ولأبي حنيفة رحمه الله ما ذكرنا أن التدبير في مصالح المسجد إلى أهل المسجد لا إلى غيرهم بدليل أن لهم ولاية منع غيرهم عن التعليق والبسط وعمارة المسجد فكان الغير متعديا في فعله فالمتولد منه يكون مضمونا عليه كما لو وضع شيئا في دار غيره يغير ( ( ( بغير ) ) ) إذنه فعطب به إنسان ولهذا ضمن بالحفر والبناء كذا هذا وكون المسجد لعامة المسلمين لا يمنع اختصاص أهله بالتدبير والنظر في مصالحه كالكعبة فإنها لجميع المسلمين ثم اختص بنو شيبة بمفاتحها حتى روي أنه عليه الصلاة والسلام لما أخذ مفتاح ( ( ( مفاتح ) ) ) الكعبة منهم ودفعه إلى عمه العباس رضي الله عنه عند طلبه ذلك أمره الله تبارك وتعالى برده إلى بني شيبة بقوله تبارك وتعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ولو جلس في المسجد فعطب به إنسان إن كان في الصلاة لا يضمن الجالس سواء كان الجالس من أهل المسجد أو لم يكن من أهله لأن المسجد بني للصلاة فلو أخذ المصلي بالضمان لصار الناس ممنوعين عن الصلاة في المساجد وهذا لا يجوز وإن جلس لحديث أو نوم فعطب به إنسان يضمن في قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وفي قولهما لا يضمن وجه قولهما أن الجلوس في المسجد لغير الصلاة من الحديث والنوم مباح فلم يكن الهلاك حاصلا بسبب هو متعد فيه فلا يجب الضمان كما لو جلس في داره فعبر عليه إنسان فعطب به أنه لا يضمن كذا هذا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن المسجد بني للصلاة لا للحديث والنوم فإذا شغله بذلك صار متعديا فيضمن كما لو جلس في الطريق للاستراحة فعطب به إنسان أنه يضمن لأن الطريق جعل للاجتياز لا للجلوس وإذا جلس فقد صار متعديا فيضمن كذا هذا وقولهما الحديث والنوم مباح في المسجد مسلم لكن بشرط سلامة العاقبة ولم يوجد الشرط فكان تعديا ولو جلس لانتظار الصلاة أو لقراءة قرآن أو لعبادة من العبادات غير الصلاة فلا شك أن على أصلهما لا يضمن لأنه لو جلس لغير قربة لا يضمن فإذا جلس لقربة فهو أولى وأما على أصل أبي حنيفة رضي الله عنه فقد اختلف المشايخ فيه قال بعضهم لا يضمن لأن المنتظر للصلاة في الصلاة على لسان رسول الله وقال بعضهم يضمن لأنه ليس في الصلاة حقيقة وإنما ألحق بالمصلي في حق الثواب لا غير والله تعالى أعلم ومن هذا الجنس جناية السائق والقائد بأن ساق دابة في طريق المسلمين أو قادها فوطئت إنسانا بيدها ( ( ( بيديها ) ) ) أو برجلها أو كدمت أو صدمت أو خبطت فهو ضامن لما ذكرنا من الأصل أن السوق والقود في الطريق مباح بشرط سلامة العاقبة فإذا حصل التلف بسببه ولم يوجد الشرط فوقع تعديا فالمتولد منه فيما يمكن التحرز عنه يكون مضمونا وهذا مما يمكن الاحتراز عنه بأن يذود الناس عن الطريق فيكون مضمونا وسواء كان السائق أو القائد راجلا أو راكبا إلا أنه إذا كان راكبا فعليه الكفارة إذا وطئت دابته إنسانا بيدها ( ( ( بيديها ) ) ) أو برجلها ويحرم الميراث والوصية وإن كان راجلا لا كفارة عليه ولا يحرم الميراث والوصية لأن هذه الأحكام يتعلق ثبوتها بمباشرة القتل لا بالتسبيب والمباشرة من الراكب لا من غيره وإن كان أحدهما سائقا والآخر قائدا فالضمان عليهما لأنهما اشتركا في التسبيب فيشتركان في الضمان
وكذلك إذا كان أحدهما سائقا والآخر راكبا أو كان أحدهما قائدا والآخر راكبا فالضمان عليهما لوجود سبب وجوب الضمان من كل واحد منهما إلا أن الكفارة تجب على الراكب وحده فيما وطئت دابته إنسانا فقتلته لوجود القتل منه وحده مباشرة فإن قاد قطارا فما أصاب الأول أو الآخر أو الأوسط إنسانا بيد أو رجل أو صدم إنسانا فقتله فهو ضامن لذلك لأنه فعل فعلا هو سبب حصول التلف فيضمن وهو مما يمكن الاحتراز عنه كما إذا وضع حجرا في الطريق أو حفر فيه بئرا فإن كان معه سائق في آخر القطار فالضمان عليهما لأن كل واحد منهما سبب التلف وإن كان السائق في وسط القطار فما أصاب مما خلف هذا السائق وما بين يديه شيئا فهو عليهما لأن ما بين يديه هو له سائق والأول له قائد وما خلفه هما له قائدان أما قائد القطار فلا شك فيه لأن بعضه مربوط ببعض وأما السائق الذي في وسط القطار فلأنه يسوقه ( ( ( بسوقه ) ) ) ما بين يديه قائد لما خلفه لأن ما خلفه ينقاد بسوقه فكان قائدا له والقود والسوق كل واحد منهما سبب لوجوب الضمان لما بينا وإن كان أحيانا في وسط القطار وأحيانا يتأخر وأحيانا يتقدم وهو يسوقها في ذلك فهو والأول سواء لأنه سائق وقائد والسوق والقود كل واحد منهما سبب لوجوب الضمان وإن كانوا ثلاثة أحدهم في مقدمة القطار والآخر في مؤخر ( ( ( مؤخرة ) ) ) القطار وآخر في وسطه فإن كان الذي في الوسط والمؤخر لا يسوقان ولكن المقدم يقود فما أصاب الذي قدام الوسط شيئا فذلك كله على القائد لأن التلف حصل بسبب القود وما أصاب الذي خلفه فذلك على القائد الأول وعلى الذي في الوسط لأنهما قائدان لما بينا وعلى المؤخر أيضا إن كان يسوق هو وإن كان لا يسوق لا شيء عليه لأنه لم يوجد منه صنع وإن كانوا جميعا يسوقون فما تلف بذلك فضمانه عليهم جميعا لوجود التسبيب منهم جميعا وذكر محمد في الكيسانيات لو أن رجلا يقود قطارا وآخر من خلف القطار يسوقه يزجر الإبل فينزجرن بسوقه وعلى الإبل قوم في المحامل نيام فوطىء ( ( ( فوطئ ) ) ) بعير منها إنسانا فقتله فالدية على عاقلة القائد والسائق والراكب على البعير الذي وطىء وعلى الراكبين على الذين قدام البعير الذي وطىء على عواقلهم جميعا على عدد الرؤوس والكفارة على راكب البعير الذي وطىء خاصة أما السائق والقائد فلأنهما مقربان القطار إلى الجناية فكانا مسببين للتلف وأما الراكب للبعير الذي وطىء فلا شك فيه لأن التلف حصل بفعله وأما الراكبون أمام البعير الذي وطىء فلأنهم قادة لجميع ما خلفهم فكانوا قائدين للبعير الواطىء ضرورة فكانوا مسببين للتلف أيضا فاشتركوا في سبب وجوب الضمان فانقسم الضمان عليهم وإنما كانت الكفارة على راكب البعير الذي وطىء خاصة لأنه قاتل بالمباشرة لحصول التلف بثقله وثقل الدابة إلا أن الدابة آلة له فكان الأثر الحاصل بفعله مضافا إليه فكان قاتلا بالمباشرة ومن كان من الركبان خلف البعير الذي وطىء لا يزجر الإبل ولا يسوقها راكبا على بعير منها أو غير راكب فلا ضمان على أحد منهم لأنه لم يوجد منهم سبب وجوب الضمان إذ لم يسوقوا ( ( ( يسرقوا ) ) ) البعير الذي وطىء ولم يقودوه فصاروا كمتاع ( ( ( كالمتاع ) ) ) على الإبل ولو قاد قطارا أو ( ( ( وعلى ) ) ) على بعير في وسط القطار راكب لا يسوق منه شيئا فضمان ما كان بين يديه على القائد خاصة وضمان ما خلفه عليهما جميعا لأن الراكب غير سائق لما بين يديه لأن ركوبه لهذا البعير لا يكون سوقا لما بين يديه كما أن مشيه إلى جانب البعير لا يكون سوقا إياه إذا لم يسقه ولكنه سائق لما ركبه لأن البعير إنما يسير بركوب الراكب وحثه وإذا كان سائقا له كان قائدا لما خلفه فكان ضمانه عليهما
وإذا كان الرجل يقود قطارا فجاء رجل وربط إليه بعيرا فوطىء ( ( ( فوطئ ) ) ) البعير إنسانا فالقائد لا يخلو إما أن كان لا يعلم بربطه وإما أن علم ذلك فإن لم يعلم فالدية على القائد تتحمل عنه عاقلته ثم عاقلته يرجعون على عاقلة الرابط أما وجوب الدية على القائد فلأنه قاتل تسبيبا وضمان القتل ضمان إتلاف وأنه لا يختلف بالعلم والجهل وأما رجوع عاقلة القائد على عاقلة الرابط فلأن الرابط متعد في الربط وهو السبب في لزوم الضمان للقائد فكان الرجوع عليه وكذلك لو كانت الإبل وقوفا لا تقاد فجاء رجل وربط إليها بعيرا والقائد لا يعلم فقاد البعير معها فوطىء ( ( ( فوطئ ) ) ) البعير إنسانا فقتله فالدية على القائد يتحمل عنه عاقلته إلا أن ههنا لا ترجع عاقلة القائد على عاقلة الرابط لأن الرابط وإن تعدى في الربط وإنه سبب لوجوب الضمان لكن القائد لما قاد البعير عن ذلك المكان فقد أزال تعديه فيزول الضمان عنه ويتعلق بالقائد كمن وضع حجرا في الطريق فجاء إنسان فدحرجه عن ذلك المكان ثم عطب به إنسان فالضمان على الثاني لا على الأول لما قلنا كذا هذا بخلاف المسألة الأولى لأن هناك وجد الربط والإبل سائرة فلم يستقر مكان التعدي ليزول بالانتقال عنه فبقي التعدي ببقاء الربط وإن كان القائد علم بالربط في المسألتين جميعا فقاده على ذلك فوطىء ( ( ( فوطئ ) ) ) البعير إنسانا فقتله فالدية على القائد تتحمل عنه عاقلته ولا ترجع عاقلته على عاقلة الرابط لأنه لما قاد مع علمه بالربط فقد رضي بما يلحقه ( ( ( لحقه ) ) ) من العهدة في ذلك فصار علمه بالربط بمنزلة أمره بالربط ولو ربط بأمره كان الأمر على ما وصفنا كذا هذا ولو سقط سرج دابة فعطب به إنسان فالدية على السائق أو القائد لأن السقوط لا يكون إلا بتقصير منه في شد الحزام فكان مسببا للقتل متعديا في التسبيب والله سبحانه وتعالى أعلم ومن هذا النوع جناية الناخس والضارب وجملة الكلام فيه أن الدابة المنخوسة أو المضروبة إما أن يكون عليها راكب وإما أن لا يكون عليها راكب فإن كان عليها راكب فالراكب لا يخلو إما أن كان سائرا وإما أن كان واقفا والسير والوقوف إما أن يكون في موضع أذن له بذلك وإما أن يكون في موضع لم يؤذن له به والناخس أو الضارب لا يخلو من أن يكون نخس أو ضرب بغير أمر الراكب أو بأمره فإن فعل ذلك بغير أمر الراكب فنفحت الدابة برجلها أو ذنبها أو نفرت فصدمت إنسانا فقتلته فإن فعلت شيئا من ذلك على فور النخسة والضربة فالضمان على الناخس والضارب يتحمل عنهما عاقلتهما لا على الراكب سواء كان الراكب واقفا أو سائرا وسواء كان في سيره أو وقوفه فيما أذن له بالسير فيه والوقوف أو فيما لم يؤذن بأن كان يسير في ملكه أو في طريق المسلمين أو في ملك الغير أو كان يقف في ملكه أو في سوق الخيل ونحوه أو في طريق المسلمين وإنما كان كذلك لأن الموت حصل بسبب النخس أو الضرب وهو متعد في السبب فيضمن ما تولد منه كما لو دفع الدابة على غيره والراكب الواقف على طريق العامة وإن كان متعديا أيضا لكنه ليس بمتعد في التعدي والناخس متعد في التعدي وكذا الضارب فأشبه الدافع مع الحافر وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه ضمن الناخس دون الراكب وكذا روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه فعل هكذا وكان ذلك منهما بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم ولم يعرف الإنكار من أحد فيكون إجماعا من الصحابة وإنما شرط الفور لوجوب الضمان على الناخس والضارب لأن الهلاك عند سكون الفور يكون مضافا إلى الدابة لا إلى الناخس والضارب ولو نخسها أو ضربها وهو سائر عليها فوطئت إنسانا فقتلته لم يذكر هذا في ظاهر الرواية
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أن الضمان عليهما لأن الموت حصل بثقل الراكب وفعل الناخس وكل واحد منهما سبب لوجوب الضمان فقد اشتركا في سبب وجوب الضمان وكذلك إذا كان واقفا عليها لما قلنا وتجب الكفارة على الراكب لوجود القتل منه مباشرة كما قلنا في الراكب مع السائق أو القائد ولو نخسها أو ضربها فوثبت وألقت الراكب فالناخس أو الضارب ضامن لحصول التلف بسبب هو متعد فيه وهو النخس والضرب فيضمن ما تولد منه فإن لم تلقه ولكنها جمحت به فما أصابت في فورها ذلك فعلى الناخس أو الضارب لما ذكرنا أن فعل كل واحد منهما وقع سببا للهلاك وهو متعد في التسبيب فإن نفحت الدابة الناخس أو الضارب فقتلته فدمه هدر لأنه هلك من جناية نفسه وجناية الإنسان على نفسه هدر هذا إذا نخس أو ضرب بغير أمر الراكب فأما إذا فعل ذلك بأمر الراكب فإن كان الراكب سائرا فيما أذن له بالسير فيه بأن كان يسير في ملك نفسه أو في طريق المسلمين أو واقفا فيما أذن له بالوقوف بأن وقف في ملك نفسه أو في سوق الخيل وغيره من المواضع التي أذن بالوقوف فيها فنفحت الدابة برجلها إنسانا فقتلته فلا ضمان على الناخس ولا على الضارب ولا على الراكب لأنه أمره بما يملكه بنفسه فصح أمره به فصار كأنه نخس أو ضرب بنفسه فنفحت وقد ذكرنا أن النفحة في حال السير والوقوف في موضع إذن بالسير أو الوقوف فيه غير مضمون على أحد لا على الراكب ولا على السائق ولا على القائد وإن كان الراكب سائرا فيما لم يؤذن له بالسير بأن كان يسير في ملك الغير أو كان واقفا فيما لم يؤذن له بالوقوف فيه كما إذا كان واقفا في ملك غيره أو في طريق المسلمين فنفحت فالدية عليهما نصفان نصف على الناخس أو الضارب ونصف على الراكب ولا كفارة عليهما كذا ذكر في ظاهر الرواية وروى ابن سماعة عن محمد رحمهما الله أن الضمان على الراكب ووجهه أن الناخس أو الضارب نخس أو ضرب لها بإذن الراكب وهو راكب وهو يملك ذلك بنفسه فانتقل فعله إليه فكان فعله بنفسه فكان الضمان عليه وجه ظاهر الرواية أن الناخس أو الضارب مع الراكب اشتركا في سبب وجوب الضمان أما الناخس أو الضارب فلا يشكل لوجود سبب القتل من كل واحد منهما على سبيل التعدي وأما الراكب فلأنه صار بالأمر بالنخس أو الضرب ناخسا أو ضاربا والنفحة المتولدة من نخسه وضربه في هذه المواضع مضمونة عليه إلا أنه لا كفارة عليهما لحصول القتل بالتسبيب لا بالمباشرة هذا إذا نفحت فأما إذا صدمت فإن كان الراكب سائرا أو واقفا في ملك نفسه فلا ضمان على الناخس والضارب ولا على الراكب لأن فعل النخس والضرب مضاف إلى الراكب لحصوله بأمره والصدمة في الملك غير مضمونة على الراكب سواء كان سائرا أو واقفا وإن كان سيره أو وقوفه في طريق المسلمين أو في ملك الغير فينبغي أن يكون على الاختلاف الذي ذكرنا في النفحة إذا كان الراكب واقفا في موضع لم يؤذن بالوقوف فيه لأن الصدمة مضمونة على الراكب إذا كان في طريق المسلمين واقفا كان أو سائرا وكذا في ملك الغير فيتأتى ( ( ( فيأتي ) ) ) فيه الخلاف الذي ذكرنا في النفحة والله سبحانه وتعالى أعلم هذا إذا نفحت أو صدمت فأما إذا وطئت إنسانا فقتلته فالضمان عليهما سواء كان الراكب سائرا أو واقفا في أي موضع كان فيما أذن فيه أو لم يؤذن لأنهما اشتركا في سبب القتل لحصول الموت بثقل الراكب والدابة وفعل الناخس وتجب الكفارة على الراكب لأنه قاتل مباشرة فصار الراكب مع الناخس كالراكب مع السائق والقائد أن الدية عليهما نصفان والكفارة على الراكب خاصة كذا ههنا هذا الذي ذكرنا إذا كان على الدابة المنخوسة أو المضروبة راكب فأما إذا لم يكن عليها راكب
فإن لم يكن لا سائق ولا قائد فنخسها إنسان أو ضربها فما أصابت شيئا على فور النخسة والضربة فضمانه على الناخس والضارب في أي موضع كانت الدابة لأنه سبب الإتلاف بالنخس والضرب وهو متعد في التسبيب فما تولد منه يكون مضمونا عليه وإن كان عليها سائق أو قائد فنخس أو ضرب بغير أمره فنفحت أو نفرت فصدمت أو وطئت إنسانا فقتلته فالضمان على الناخس أو الضارب لا على السائق والقائد في أي موضع كان الناخس والقائد لأن الناخس مع السائق والقائد كالدافع مع الحافر لأنه بالنخس أو الضرب كأنه دفع الدابة على غيره وكذلك إذا كان لها سائق وقائد يقود أحدهما ويسوق الآخر فنخس أو ضرب بغير إذن واحد منهما فالضمان على الناخس والضارب لا عليهما في أي موضع كان الناخس والقائد لما ذكرنا أن الناخس متعمد كالدافع للدابة وكذا الضارب ولا تعمد من السائق والقائد وإن كان كل واحد منهما أمره بذلك فنفحت فإن كان سوقه أو قوده فيما أذن له بالسوق والقود فيه فلا ضمان على الناخس والضارب وإن فعل ذلك بأمر السائق أو القائد فإن كان يسوق أو يقود فيما أذن له بالسوق والقود فيه بأن كان في ملكه أو في طريق المسلمين لا ضمان على أحد لأن فعله يضاف إليه كالسائق أو القائد وإن كان يسوق أو يقود فيما أذن له بذلك بأن كان في ملك الغير فعلى قياس ما ذكرنا في ظاهر الرواية الضمان على الناخس والضارب وعلى السائق أو القائد ولا كفارة عليهما وعلى قياس ما ذكره ابن رستم عن أبي يوسف الضمان على السائق أو القائد خاصة وإن صدمت فقتلت إنسانا فإن كان السائق يسوق في ملك نفسه فلا ضمان على أحد لأن فعل الناخس أو الضارب بأمر السائق أو القائد مضاف إليه والصدمة في الملك غير مضمونة على السائق والقائد والراكب وإن كان يسوق أو يقود في طريق المسلمين أو في ملك الغير فهو على الاختلاف وإن وطئت إنسانا فقتلته فهو على الاختلاف أيضا سواء كان سوقه أو قوده فيما أذن له بالسوق أو القود فيه أو لم يكن لأن الوطأة مضمونة على كل حال والله تعالى أعلم وإن وطئت تجب القيمة بلا خلاف لكن في قياس ظاهر الرواية على الناخس والضارب وعلى السائق والقائد نصفان وعلى قياس رواية ابن سماعة عن أبي يوسف على السائق والقائد خاصة والله تعالى أعلم بالصواب ومن هذا القبيل جناية الحائط المائل إذا سقط على رجل فقتله أو على متاع فأفسده أو على دار فهدمها أو على حيوان فعطب به وجملة الكلام فيه أن الحائط لا يخلو إما أن بني مستويا مستقيما ثم مال وإما أن بني مائلا من الأصل فإن بنى مستقيما ثم مال فميلانه لا يخلو إما أن يكون إلى الطريق وإما أن يكون إلى ملك إنسان فإن كان إلى الطريق لا يخلو من أن يكون نافذا وهو طريق العامة أو غير نافذ وهو السكة التي ليست بنافذة فإن كان نافذا فسقط فعطب به شيء مما ذكرنا يجب الضمان على صاحب الحائط إذا وجد شرائط وجوبه فيقع الكلام في سبب وجوب الضمان وفي بيان شرائط الوجوب وفي بيان ماهية الضمان الواجب وكيفيته أما الأول فسبب وجوب الضمان هو التعدي بالتسبيب إلى الإتلاف بترك النقض المستحق مع القدرة على النقض لأنه إذا مال إلى طريق العامة فقد حصل الهواء في يد صاحب الحائط من غير فعله وهو الطريق حق العامة كنفس الطريق فقد حصل حق الغير في يده بغير صنعه فإذا طولب بالنقض فقد لزمه إزالة يده عنه بهدم الحائط فإذا لم يفعل مع الإمكان فقد صار متعديا باستبقاء يده عليه كثوب هبت به الريح فألقته في دار إنسان فطولب به فامتنع من الرد مع إمكان الرد حتى هلك يضمن لما قلنا كذا هذا