ولو وجد القتيل معه رجل يحمله على ظهره فعليه القسامة والدية لأن القتيل في يده ولو وجد جريح معه به رمق يحمله حتى أتى به أهله فمكث يوما أو يومين ثم مات لا يضمن عند أبي يوسف وقال أبو يوسف وفي قياس قول أبي حنيفة رضي الله عنه يضمن وجه القياس أن الحامل قد ثبتت يده عليه مجروحا فإذا مات من الجرح فكأنه مات في يده وهذا تفريع على من جرح في قبيلة فتحامل إلى قبيلة أخرى فمات فيهم وقد ذكرناه فيما تقدم وكذلك إذا كان على دابة ولها سائق أو قائد أو عليها راكب فعليه القسامة والدية لأنه في يده وإن اجتمع السائق والقائد والراكب فعليهم جميعا لأن القتيل في أيديهم فصار كأنه وجد في دارهم وإن وجد على دابة لا سائق لها ولا قائد ولا راكب عليها فإن كان ذلك الموضع ملكا لأحد فالقسامة والدية على المالك وإن كان لا مالك له فعلى أقرب المواضع إليه من حيث يسمع الصوت من الأمصار والقرى وإن كان بحيث لا يسمع فهو هدر لما قلنا فيما تقدم فإن وجدت الدابة في محلة فعلى أهل تلك المحلة وكذلك إذا وجد في فلاة من الأرض أنه ينظر إن كان ذلك المكان الذي وجد فيه ملكا لإنسان فالقسامة والدية عليه وإن لم يكن له مالك فعلى أقرب المواضع إليه من الأمصار والقرى إذا كانت بحيث يبلغ الصوت منها إليه فإن كان بحيث لا يبلغ فهو هدر لما قلنا وذكر في الأصل في قتيل وجد بين قريتين أنه يضاف إلى أقربهما لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بأن يوزع بين قريتين في قتيل وجد بينهما وكذا روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه في قتيل وجد بين وادعة ( ( ( وداعة ) ) ) وأرحب وكتب إليه عامله بذلك فكتب إليه سيدنا عمر رضي الله عنه أن قس بين القريتين فأيهما كان أقرب فألزمهم فوجد القتيل إلى وادعة ( ( ( وداعة ) ) ) أقرب فألزموا القسامة والدية وذلك كله محمول على ما إذا كان بحيث يبلغ الصوت إلى الموضع الذي وجد فيه القتيل كذا ذكر محمد في الأصل حكاه الكرخي رحمه الله والفقه ما ذكرنا فيما تقدم وكذا إذا وجد بين سكتين فالقسامة والدية على أقربهما فإن وجد في المعسكر في فلاة من الأرض فإن كانت الأرض التي وجد فيها لها أرباب فالقسامة والدية على أرباب الأرض لأنهم أخص بنصرة الموضع وحفظه فكانوا أولى بإيجاب القسامة والدية عليهم وهذا على أصلهما لأن المعسكر كالسكان والقسامة على الملاك لا على السكان على أصلهما فأما على أصل أبي يوسف رحمه الله فالقسامة والدية عليهم جميعا وإن يكن في ملك أحد بأن وجد في خباء أو فسطاط فعلى من يسكن الخباء والفسطاط وعلى عواقلهم القسامة والدية لأن صاحب الخيمة خص بموضع الخيمة من أهل العسكر بمنزلة صاحب الدار مع أهل المحلة ثم القسامة على صاحب الدار إذا وجد فيها قتيل لا على أهل المحلة كذا ههنا وإن وجد خارجا من الفسطاط والخباء فعلى أقرب الأخبية والفساطيط منهم القسامة والدية كذا ذكر في ظاهر الرواية لأن الأقرب أولى بإيجاب القسامة والدية لما ذكرنا وعن أبي حنيفة رضي الله عنه إذا وجد بين الخيام فالقسامة والدية على جماعتهم كالقتيل يوجد في المحلة جعل الخيام المحمولة كالمحلة على هذه الرواية هذا إذا لم يكن العسكر لقوا عدوا فإن كانوا قد لقوا عدوا فقاتلوا فلا قسامة ولا دية في قتيل يوجد بين أظهرهم لأنهم إذا لقوا عدوا وقاتلوا فالظاهر أن العدو قتله لا المسلمون إذ المسلمون لا يقتل بعضهم بعضا ولو وجد قتيل في أرض رجل إلى جانب قرية ليس صاحب الأرض من أهل القرية فالقسامة والدية على صاحب الأرض لا على أهل القرية لأن صاحب الأرض أخص بنصرة أرضه وحفظها من أهل القرية فكان أولى بإيجاب القسامة والدية عليه كصاحب الدار مع أهل المحلة
الإمام الكاساني - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي · AR
ولو وجد قتيل في دار إنسان وصاحب الدار من أهل القسامة فالقسامة والدية على صاحب الدار وعلى عاقلته كذا ذكر في الأصل ولم يفصل بين ما إذا كانت العاقلة حضورا أو غيبا وذكر في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله أن القسامة على رب الدار وعلى عاقلته حضورا كانوا أو غيبا وقال أبو يوسف رحمه الله لا قسامة على العاقلة هكذا ذكر فيه وقال الكرخي رحمه الله إن كانت العاقلة حضورا في المصر دخلوا في القسامة وإن كانت غائبة فالقسامة على صاحب الدار تكرر عليه الأيمان والدية عليه وعلى عاقلته أما دخول العاقلة في القسامة إذا كانوا حضورا فهو قولهما وظاهر قول أبي يوسف لا قسامة على العاقلة يقتضي أن لا يدخلوا في القسامة وجه قول زفر رحمه الله أنه لما لزمتهم الدية لزمتهم القسامة كأهل المحلة ولأبي يوسف أن صاحب الدار أخص بالنصرة وبالولاية والتهمة فلا يشارك ( ( ( يشاركه ) ) ) العاقلة كما لا يشارك أهل المحلة غيرهم وجه قولهما أن العاقلة إذا كانوا حضورا يلزمهم حفظ الدار ونصرتها كما يلزم صاحب الدار وكذا يتهمون بالقتل كما يتهم صاحب الدار فقد شاركوه ( ( ( شاركوا ) ) ) في سبب وجوب القسامة فيشاركونه في القسامة أيضا وبهذا يقع الفرق بين حال الحضور والغيبة على ما ذكره الكرخي رحمه الله لأن معنى التهمة ظاهر الانتفاء من الغيب وكذا معنى النصرة لأنه لا يلحق ذلك الموضع نصرة من جهتهم إلى أنه تجب عليهم الدية لأن وجوب الدية على العاقلة لا يتعلق بالتهمة فإنهم يتحملون عن القاتل المعين إذا كان صبيا أو مجنونا أو خاطئا وسواء كانت الدار فيها ساكن أو كانت مفرغة مغلقة فوجد فيها قتيل فعلى رب الدار وعلى عاقلته القسامة والدية أما على أصل أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما فظاهر لأنهما يعتبران الملك دون السكنى فكان وجود السكنى فيها والعدم بمنزلة واحدة وأما أبو يوسف رحمه الله فإنما يوجب على الساكن لاختصاصه بالدار يدا ولم يوجد ههنا وسواء كان الملك الذي وجد فيه القتيل خاصا أو مشتركا فالقسامة والدية على أرباب الملك لما قلنا وسواء اتفق قدر أنصباء الشركاء أو اختلف فالقسامة والدية بينهم بالسوية حتى لو كانت الدار بين رجلين لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث فالقسامة عليهما وعلى عاقلتهما نصفان ويعتبر في ذلك عدد الرؤوس لا قدر الأنصباء كما في الشفعة لأن حفظ الدار واجب على كل واحد منهما والحفظ لا يختلف ولهذا تساويا في استحقاق الشفعة لأن الاستحقاق لدفع ضرر الدخيل وإنه لا يختلف باختلاف قدر الملك وذكر في الجامع الصغير فيمن باع دارا ووجد فيها قتيل قبل أن يقبضها المشتري أن القسامة والدية على البائع إذا لم يكن في البيع خيار فإن كان فيه خيار فعلى من الدار في يده في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد الدية على مالك الدار إن لم يكن في البيع خيار فإن كان فيه خيار فعلى من تصير الدار له وعند زفر رحمه الله الدية على المشتري إلا أن يكون للبائع خيار فتكون الدية عليه وجه قول زفر أن الملك للمشتري إذا لم يكن فيه خيار وكذا إذا كان الخيار للمشتري لأن خيار المشتري لا يمنع دخول المبيع في ملكه عنده فإذا كان الخيار للبائع فالملك له لأن خياره يمنع زوال المبيع عن ملكه بلا خلاف وجه قولهما أنه إذا لم يكن فيه خيار فالملك للمشتري وإنما للبائع صورة يد من غير تصرف وصورة اليد لا مدخل لها في القسامة كيد المودع فكانت القسامة والدية على المشتري وإذا كان فيه خيار فعلى من تصير الدار له لأنها إذا صارت للبائع فقد انفسخ البيع وجعل كأنه لم يكن وإن صارت للمشتري فقد انبرم البيع وتبين أنه ملكها بالعقد من حين وجوده
وأما تصحيح مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه فمشكل من حيث الظاهر لأنه يعتبر الملك فيما يحتمل النقل والتحويل لا اليد وإن كانت اليد يد تصرف كيد الساكن والثابت للبائع صورة يد من غير تصرف فأولى أن لا يعتبره لكن لا إشكال في الحقيقة لأن الوجوب بترك الحفظ والحفظ باليد حقيقة إلا أنه يضاف الحفظ إلى الملك لأن استحقاق اليد به عادة فيقام مقام اليد فكان ( ( ( فكانت ) ) ) الإضافة إلى ما به حقيقة الحفظ أولى إلا أن مطلق اليد لا يعتبر بل اليد المستحقة بالملك وهذه يد مستحقة بالملك بخلاف يد الساكن وإذا وجد رجل قتيلا في دار نفسه فالقسامة والدية على عاقلته لورثته في قول أبي حنيفة رضي الله عنه وفي قولهما رحمهما الله لا شيء فيه وهو قول زفر والحسن بن زياد رحمهم الله وروي عن أبي حنيفة مثل قولهم وجه قولهم أن القتل صادفه والدار ملكه وإنما صار ملك الورثة عند الموت والموت ليس بقتل لأن القتل فعل القاتل ولا صنع لأحد في الموت بل هو من صنع الله تبارك وتعالى فلم يقتل من ملك الورثة فلا سبيل إلى إيجاب الضمان على الورثة وعواقلهم ولأن وجوده قتيلا في دار نفسه بمنزلة مباشرة القتل بنفسه كأنه قتل نفسه بنفسه فيكون هدرا ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن المعتبر في القسامة وقت ظهور القتيل لا وقت وجود القتل بدليل أن من مات قبل ذلك لا يدخل في الدية والدار وقت ظهور القتيل لورثته فكانت القسامة والدية عليهم وعلى عواقلهم تجب كما لو وجد قتيلا في دار ابنه فإن قيل كيف تجب الدية عليهم وعلى عواقلهم وأن الدية تجب لهم فكيف تجب لهم وعليهم وكذا عاقلتهم تتحمل عنهم لهم أيضا وفيه إيجاب لهم أيضا وعليهم وهذا ممتنع فالجواب ممنوع أن الدية تجب لهم بل للقتيل لأنها بدل نفسه فتكون له وبدليل أنه يجهز منها وتقضى منها ديونه وتنفذ منها وصاياه ثم ما فضل عن حاجته تستحقه ورثته لاستغناء الميت عنه والورثة أقرب الناس إليه وصار كما لو وجد الأب قتيلا في دار ابنه أو في بئر حفرها ابنه أليس أنه تجب القسامة والدية على الابن وعلى عاقلته ولا يمتنع ذلك لما قلنا كذا هذا وإن اعتبرنا وقت وجود القتل فهو ممكن أيضا لأنه تجب على عاقلته لتقصيرهم في حفظ الدار فتجب عليهم الدية حقا للمقتول ثم تنتقل منه إلى ورثته عند فراغه عن حاجته وذكر محمد إذا وجد ابن الرجل أو أخوه قتيلا في داره أن على عاقلته دية ابنه ودية أخيه وإن كان هو وارثه لما قلنا أن وجود القتيل في الدار كمباشرة صاحبها القتل فيلزم عاقلته ذلك للمقتول ثم يستحقها صاحب الدار بالإرث ولو وجد مكاتب قتيلا في دار نفسه فدمه هدر لأن داره في وقت ظهور القتيل ليست لورثته بل هي على حكم ملك نفسه إلى أن يؤدي بدل الكتابة فصار كأنه قتيل ( ( ( قتل ) ) ) نفسه فهدر دمه رجلان كانا في بيت ليس معهما ثالث وجد أحدهما مذبوحا قال أبو يوسف يضمن الآخر الدية وقال محمد لا ضمان عليه وجه قوله أنه يحتمل أنه قتله صاحبه ويحتمل أنه قتل نفسه فلا يجب الضمان بالشك ولأبي يوسف أن الظاهر أنه قتله صاحبه لأن الإنسان لا يقتل نفسه ظاهرا وغالبا واحتمال خلاف الظاهر ملحق بالعدم ألا ترى أن مثل هذا الاحتمال ثابت في قتيل المحلة ولم يعتبر فصل وأما بيان من يدخل في القسامة والدية
بعد وجوبهما ومن لا يدخل في ذلك فنقول وبالله التوفيق الصبي والمجنون لا يدخلان في القسامة في أي موضع وجد القتيل سواء وجد في غير ملكهما أو في ملكهما لأن القسامة يمين وهما ليسا من أهل اليمين ( ( ( اليمن ) ) ) ولهذا لا يستحلفان في سائر الدعاوي ولأن القسامة تجب على من هو من أهل النصرة وهما ليسا من أهل النصرة فلا تجب القسامة عليهما وتجب على عاقلتهما إذا وجد القتيل في ملكهما لتقصيرهم بترك النصرة اللازمة وهل يدخلان في الدية مع العاقلة فإن وجد القتيل في غير ملكهما كالمحلة وملك إنسان لا يدخلان فيها وإن وجد في ملكهما يدخلان لأن وجود القتيل في ملكهما كمباشرتهما القتل وهما مؤاخذان بضمان الأفعال وعلى قياس ما ذكره الطحاوي رحمه الله لا يدخلان في الدية مع العاقلة أصلا لكنه ليس بسديد لأن هذا ضمان القتل والقتل فعل والصبي والمجنون مؤاخذان بأفعالهما ولا يدخل العبد المحجور والمدبر وأم الولد في القسامة والدية لأن هؤلاء لا يستنصر بهم عادة وليسوا من أهل ملك المال أيضا فلا تلزمهم الدية وأما المأذون والمكاتب فلا يدخلان في قسامة وجبت في قتيل وجد في غير دارهما وإن وجد في دارهما أما المأذون إن لم يكن عليه دين فلا قسامة عليه بل على مولاه وعاقلته استحسانا والقياس أن تجب عليه القسامة وإذا حلف يخاطب المولى بالدفع أو النداء ( ( ( الفداء ) ) ) وجه القياس أن العبد من أهل اليمين ألا ترى ( ( ( يرى ) ) ) أنه يستحلف في الدعاوي ووجود القتيل في داره بمنزلة مباشرة القتل خطأ وإن قتله خطأ يخير المولى بين الدفع والفداء كذا هذا وجه الاستحسان أن فائدة الاستحلاف جريان القسامة لسبب هو النكول لأنه لا يقضي بالنكول في هذا الباب بل يحبس حتى يحلف أو يقر ولو قر ( ( ( أقر ) ) ) بالقتل خطأ لا يصح إقراره لأنه إقرار على مولاه فلم يكن الاستحلاف مفيدا فلا تجب عليه القسامة وتجب على المولى وعلى عاقلته لأن الملك له وإن كان عليه دين فينبغي في قياس قول أبي حنيفة أنه تجب القسامة على العبد لأن المولى لا يملك كسب عبده المأذون المديون عنده فلا يملك الدار وفي الاستحسان تجب على المولى لأن المولى إن كان لا يملكها فالغرماء لا يملكونها أيضا والعبد لا ملك له والمولى أقرب الناس إليه فكانت القسامة عليه مع ما أن للمولى حقا في الدار وهو حق استخلاصها لنفسه بقضاء دين الغرماء فكان أولى بإيجاب القسامة وأما المكاتب إذا وجد قتيلا في داره فعليه الأقل من قيمته ومن الدار لأن وجود التقيل ( ( ( القتيل ) ) ) في داره كمباشرته القتيل ( ( ( القتل ) ) ) فلا يكون على مولاه كما لا يكون عليه في مباشرته وهل تجب عليه القسامة ذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي أنه يكرر عليه الأيمان فإن حلف يجب عليه الأقل من قيمته ومن الدية إلا قدر عشرة دراهم لأن عاقلة المكاتب نفسه وتكون القيمة حالة لأنها تجب بالمنع من الدفع فتكون حالة كما تجب على المولى بجناية المدبر ولو كان القتيل مولى المكاتب كان عليه الأقل من قيمته ومن الدية لأن وجود القتيل في داره كمباشرة ( ( ( كمباشرته ) ) ) القتل وتكون القيمة حالة لا مؤجلة لما قلنا ولا تدخل المرأة في القسامة والدية في قتيل يوجد في غير ملكها لأن وجوبهما بطريق النصرة وهي ليست من أهلها وإن وجد في دارها أو في قرية لها لا يكون بها غيرها عليها القسامة فتستحلف ويكرر عليها الأيمان وهذا قولهما وقال أبو يوسف عليها لا على عاقلتها وجه قوله أن لزوم القسامة للزوم النصرة وهي ليست من أهل النصرة فلا تدخل في القسامة ولهذا لم تدخل مع أهل المحلة وجه قولهما أن سبب الوجوب على المالك هو الملك مع أهلية القسامة وقد وجد في حقها
أما الملك فثابت لها وأما الأهلية فلأن القسامة يمين وإنها من أهل اليمين ألا يرى أنها تستحلف في سائر الحقوق ومعنى النصرة يراعى وجوده في الجملة لا في كل فرد كالمشقة في السفر وهل تدخل مع العاقلة في الدية ذكر الطحاوي ما يدل على أنها لا تدخل فإنه قال لا يدخل القاتل في التحمل إلا أن يكون ذكرا عاقلا بالغا فإذا لم تدخل عند وجود القتل منها عينا فههنا أولى وأصحابنا رضي الله عنهم قالوا إن المرأة تدخل مع العاقلة في الدية في هذه المسألة وأنكروا على الطحاوي قوله وقالوا إن القاتل يدخل في الدية بكل حال ويدخل في القسامة والدية الأعمى والمحدود في القذف والكافر لأنهم من أهل الاستحلاف والحفظ والله سبحانه وتعالى أعلم فصل وأما ما يكون إبراء عن القسامة والدية فنوعان نص ودلالة أما النص فهو التصريح بلفظ الإبراء وما يجري مجراه كقوله أبرأت أو أسقطت أو عفوت ونحو ذلك لأن ركن الإبراء صدر ممن هو من أهل الابراء في محل قابل للبراءة فيصح وأما الدلالة فهي أن يدعي ولي القتيل على رجل من غير أهل المحلة فيبرأ أهل المحلة عن القسامة والدية لأن ظهور القتيل في المحلة لم يدل على كون هذا المدعى عليه قاتلا فإقدام الولي على الدعوى عليه يكون نفيا للقتل عن أهل المحلة فيتضمن براءتهم عن القسامة والدية فإن أقام البينة على المدعى عليه وإلا حلف فإن حلف برىء وإن نكل حبس حتى يحلف أو يقر في قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يقضي بالدية ولو شهد اثنان من أهل المحلة للولي بهذه الدعوى لا تقبل شهادتهما في قول أبي حنيفة رحمه الله وعندهما تقبل وجه قولهما أن المانع من القبول قبل الدعوى كانت التهمة وقد زالت بالبراءة فلا معنى لرد الشهادة ولأبي حنيفة رحمه الله أنه تمكنت التهمة في شهادتهم من وجهين أحدهما أن من الجائز أنه أبرأهم ليتوسل بالإبراء إلى تصحيح شهادتهم والثاني أنه أحسن إليهم بالإبراء حيث أسقط القسامة والدية عنهم فمن الجائز أنهم أرادوا بالمكافأة على ذلك والشهادة ترد بالتهمة من وجه واحد فمن وجهين أولى ولأن أهل المحلة كانوا خصماء في هذه الدعوى فلا تقبل شهادتهم وإن خرجوا بالإبراء عن الخصومة لأن السبب الموجب لكونهم خصماء قائم وهو وجود القتيل فيهم كالوكيل بالخصومة إذا خاصم ثم عزل فشهد لا تقبل شهادته كذا هذا ولو ادعى ولي القتيل على رجل بعينه من أهل المحلة فالقسامة والدية بحالها في ظاهر الرواية وروى عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة رضي الله عنه أن القسامة تسقط وكذا روى محمد لوقال أبو يوسف القياس أن تسقط القسامة إلا أنا تركناه للأثر وجه رواية ابن المبارك رحمه الله أن تعيين الولي واحدا منهم إبراء عن الباقين دلالة فتسقط عنهم القسامة كما لو أبرأهم نصا وجه ظاهر الرواية أن القاتل أحد أهل المحلة ظاهرا والولي كذلك إلا أنه عين وهو متهم في التعيين فلا يعتبر تعيينه إلا بالبينة فلا تعتبر ( ( ( يعتبر ) ) ) حكم القسامة إلا بها فإن أقام البينة من غير أهل المحلة على دعواه يقضي بها فيجب القصاص في العمد والدية في الخطأ ولو شهد شاهدان من المحلة عليه لا تقبل شهادتهما على ظاهر الرواية عن أبي حنيفة رضي الله عنه لأن الخصومة بعد هذه الدعوى قائمة فكان الشاهد خصما لأنه يقطع الخصومة عن نفسه بشهادته ولا شهادة للخصم وإذا لم تقبل شهادة أهل المحلة عليه ولم يقم بينة أخرى وبقيت القسامة على أهل المحلة على حالها يحلف المدعى عليه والشاهدان مع أهل المحلة حتى يكمل خمسون رجلا من أهل المحلة ثم كيف يستحلف الشهود مع أهل المحلة عندهما يحلفون بالله سبحانه وتعالى ماقتلناه ولا علمنا له قاتلا غير فلان وعند أبي يوسف يحلفون بالله جل شأنه ما قتلناه ولا يزادون على ذلك لأن عندهم أن المشهود عليه قاتل فلا سبيل إلى استحلافهم على العلم وما قاله أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله أولى
لأن فيما قالاه مراعاة موضوع القسامة وهو الجمع بين اليمين على البتات والعلم بالقدر الممكن فيما وراء المستثنى وفيما قاله أبو يوسف ترك اليمين على العلم أصلا فكان ما قالاه أولى ولو ادعى أهل تلك المحلة على رجل منهم أو من غيرهم تصح دعواهم فإن أقاموا البينة على ذلك الرجل يجب القصاص في العمد والدية في الخطأ إن وافقهم الأولياء في الدعوى على ذلك الرجل وإن لم يوافقوهم ( ( ( يوافقهم ) ) ) في الدعوى عليه لا يجب عليه شيء لأن الأولياء قد أبرؤوه ( ( ( أبرءوه ) ) ) حيث أنكروا وجود القتل منه ولا يجب على أهل المحلة أيضا شيء لأنهم أثبتوا القتل على غيرهم وإن لم يقم لهم البينة وحلف ذلك الرجل تجب القسامة على أهل المحلة ثم كيف يحلفون فهو على الاختلاف الذي ذكرنا والله سبحانه وتعالى الموفق فصل وأما الجناية على ما دون النفس مطلقا فالكلام في هذه الجناية يقع في موضعين أحدهما في بيان أنواعها والثاني في بيان حكم كل نوع منها أما الأول فالجناية على ما دون النفس مطلقا أنواع أربعة أحدها إبانة الأطراف وما يجري مجرى الأطراف والثاني إذهاب معاني الأطراف مع إبقاء أعيانها والثالث الشجاج والرابع الجراح أما النوع الأول فقطع اليد والرجل والأصبع والظفر والأنف واللسان والذكر والأنثيين والأذن والشفة وفقء العينين وقطع الأشفار والأجفان وقلع الأسنان وكسرها وحلق شعر الرأس واللحية والحاجبين والشارب وأما النوع الثاني فتفويت السمع والبصر والشم والذوق والكلام والجماع والإيلاد والبطش والمشي وتغير لون السن إلى السواد والحمرة والخضرة ونحوها مع قيام المحال الذي تقوم بها هذه المعاني ويلحق بهذا الفصل إذهاب العقل وأما النوع الثالث فالشجاج أحد عشر أولها الخارصة ثم الدامعة ثم الدامية ثم الباضعة ثم المتلاحمة ثم السمحاق ثم الموضحة ثم الهاشمة ثم المنقلة ثم الآمة ثم الدامغة فالخارصة هي التي تخرص الجلد أي تشقه ولا يظهر منها الدم والدامعة هي التي يظهر منها الدم ولا يسيل كالدمع في العين والدامية هي التي يسيل منها الدم والباضعة هي التي تبضع اللحم أي تقطعه والمتلاحمة هي التي تذهب في اللحم أكثر مما تذهب الباضعة فيه هكذا روى أبو يوسف وقال محمد المتلاحمة قبل الباضعة وهي التي يتلاحم منها الدم ويسود والسمحاق اسم لتلك الجلدة إلا أن الجراحة سميت بها والموضحة التي تقطع السمحاق وتوضح العظم أي تظهره والهاشمة هي التي تهشم العظم أي تكسره والمنقلة هي التي تنقل العظم بعد الكسر أي تحوله من موضع إلى موضع والآمة هي التي تصل إلى أم الدماغ وهي جلدة تحت العظم فوق الدماغ والدامغة هي التي تخرق تلك الجلدة وتصل إلى الدماغ فهذه إحدى عشر شجة ومحمد ذكر الشجاج تسعا ولم يذكر الخارصة ولا الدامغة لأن الخارصة لا يبقى لها أثر عادة والشجة التي لا يبقى لها أثر لا حكم لها في الشرع والدامغة لا يعيش الإنسان معها عادة بل تصير نفسا ظاهرا وغالبا فتخرج من أن تكون شجة فلا معنى لبيان حكم الشجة فيها لذلك ترك محمد ذكرهما والله سبحانه وتعالى أعلم وأما النوع الرابع فالجراح نوعان جائفة وغير جائفة فالجائفة هي التي تصل إلى الجوف والمواضع التي تنفذ الجراحة منها إلى الجوف هي الصدر والظهر والبطن والجنبان وما بين الأنثيين والدبر ولا تكون في اليدين والرجلين ولا في الرقبة والحلق جائفة لأنه لا يصل إلى الجوف وروي عن أبي يوسف إن ما وصل من الرقبة إلى الموضع الذي لو وصل إليه من الشراب قطرة يكون جائفة لأنه لا يقطر إلا إذا وصل إلى الجوف ولا تكون الشجة إلا في الرأس والوجه وفي مواضع العظم مثل الجبهة والوجنتين والصدغين والذقن دون الخدين ولا تكون الآمة إلا في الرأس والوجه وفي الموضع الذي تتخلص منه إلى الدماغ ولا يثبت حكم هذه الجراحات إلا في هذه المواضع عند عامة العلماء رضي الله عنهم وقال بعض الناس يثبت حكم هذه الجراحات في كل البدن
وهذا غير سديد لأن هذا القاتل ( ( ( القائل ) ) ) إن رجع في ذلك إلى اللغة فهو غلط لأن العرب تفصل بين الشجة وبين مطلق الجراحة فتسمي ما كان في الرأس والوجه في مواضع العظم منها شجة وما كان في سائر البدن جراحة فتسمية الكل شجة يكون غلطا في اللغة وإن رجع فيه إلى المعنى فهو خطأ لأن حكم هذه الشجاج يثبت للشين الذي يلحق المشجوج ببقاء أثرها بدليل أنها لو برأت ( ( ( برئت ) ) ) ولم يبق لها أثر لم يجب بها أرش والشين إنما يلحق فيما يظهر في البدن وذلك هو الوجه والرأس وأما ما سواهما فلا يظهر بل يغطى عادة فلا يلحق الشين فيه مثل ما يلحق في الوجه والرأس والله سبحانه وتعالى الموفق فصل وأما أحكام هذه الأنواع فهذه الأنواع مختلفة الأحكام منها ما يجب فيه القصاص ومنها ما يجب فيه دية كاملة ومنها ما يجب فيه أرش مقدر ومنها ما يجب فيه أرش غير مقدر أما الذي فيه القصاص فهو الذي استجمع شرائط الوجوب فيقع الكلام في موضعين أحدهما في بيان شرائط وجوب القصاص والثاني في بيان وقت الحكم بالقصاص أما الأول فنقول شرائط وجوب القصاص أنواع بعضها يعم النفس وما دونها وبعضها يخص ما دون النفس أما الشرائط العامة فما ذكرنا في بيان شرائط وجوب القصاص في النفس من كون الجاني عاقلا بالغا متعمدا مختارا وكون المجني عليه معصوما مطلقا لا يكون جزء الجاني ولا ملكه وكون الجناية حاصلة على طريق المباشرة لما ذكرنا من الدلائل وأما الشرائط التي تخص الجناية فيما دون النفس فمنها المماثلة بين المحلين في المنافع والفعلين وبين الأرشين لأن المماثلة فيما دون النفس معتبرة بالقدر الممكن فانعدامها يمنع وجوب القصاص والدليل على أن المماثلة فيما دون النفس معتبرة شرعا النص ( ( ( للنص ) ) ) والمعقول أما النص فقوله تبارك وتعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين إلى قوله جل شأنه والجروح قصاص فإن قيل ليس في كتاب الله تبارك وتعالى بيان حكم ما دون النفس إلا في هذه الآية الشريفة وأنه إخبار عن حكم التوراة فيكون شريعة من قبلنا وشريعة من قبلنا لا تلزمنا فالجواب أن من القراء المعروفين من ابتدأ الكلام من قوله عز شأنه والعين بالعين بالرفع إلى قوله تبارك وتعالى فمن تصدق به على ابتداء الإيجاب لا على الإخبار عما في التوراة فكان هذا شريعتنا لا شريعة من قبلنا على أن هذا إن كان إخبارا عن شريعة التوراة لكن لم يثبت نسخة بكتابنا ولا بسنة رسولنا فيصير شريعة لنبينا مبتدأة فيلزمنا العمل به على أنه شريعة رسولنا لا على أنه شريعة من قبله من الرسل على ما عرف في أصول الفقه إلا أنه لم يذكر وجوب القصاص في اليد والرجل نصا لكن الإيجاب في العين والأنف والأذن والسن إيجاب في اليد والرجل دلالة لأنه لا ينتفع بالمذكور من السمع والبصر والشم والسن إلا صاحبه ويجوز أن ينتفع باليد والرجل غير صاحبهما فكان الإيجاب في العضو المنتفع به في حقه على الخصوص إيجابا فيما هو منتفع به في حقه وفي حق غيره من طريق الأولى فكان ذكر هذه الأعضاء ذكرا لليد والرجل بطريق الدلالة له كما في التأفف مع الضرب في الشتم على أن في كتابنا حكم ما دون النفس قال الله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم قال الله تعالى عز شأنه وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وأحق ما يعمل فيه بهاتين الآيتين ما دون النفس وقال تبارك وتعالى من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ونحو ذلك من الآيات وأما المعقول فهو إن ما دون النفس له حكم الأموال لأنه خلق وقاية للنفس كالأموال ألا ترى أنه يستوفي في الحل والحرم كما يستوفي المال وكذا الوصي يلي استيفاء ما دون النفس للصغير كما يلي استيفاء ماله فتعتبر فيه المماثلة كما تعتبر في إتلاف الأموال
ومنها أن يكون المثل ممكن الاستيفاء لأن استيفاء المثل بدون إمكان استيفائه ممتنع فيمتنع وجوب الاستيفاء ضرورة ويبني ( ( ( وينبني ) ) ) على هذين الأصلين مسائل فنقول وبالله تعالى التوفيق لا يؤخذ شيء من الأصل إلا بمثله فلا تؤخذ اليد إلا باليد لأن غير اليد ليس من جنسها فلم يكن مثلا لها إذ التجانس شرط للمماثلة وكذا الرجل والأصبع والعين والأنف ونحوها لما قلنا وكذا الإبهام لا تؤخذ إلا بالإبهام ولا السبابة إلا بالسبابة ولا الوسطى إلا بالوسطى ولا البنصر إلا بالبنصر ولا الخنصر إلا بالخنصر لأن منافع الأصابع مختلفة فكانت كالأجناس المختلفة وكذلك لا تؤخذ اليد اليمين إلا باليمين ولا اليسرى إلا باليسرى لأن لليمين فضلا على اليسار ولذلك سميت يمينا وكذلك الرجل وكذلك أصابع اليدين والرجلين لا تؤخذ اليمين منها ( ( ( منهما ) ) ) إلا باليمين ولا اليسرى إلا باليسرى وكذلك الأعين لما قلنا وكذلك الأسنان لا تؤخذ الثنية إلا بالثنية ولا الناب إلا بالناب ولا الضرس إلا بالضرس لاختلاف منافعها فإن بعضها قواطع وبعضها طواحن وبعضها ضواحك واختلاف المنفعة بين الشيئين يلحقهما بجنسين ولا مماثلة عند اختلاف الجنس وكذا لا يؤخذ الأعلى منها بالأسفل ولا الأسفل بالأعلى لتفاوت بين الأعلى والأسفل في المنفعة ولا يؤخذ الصحيح من الأطراف إلا بالصحيح منها فلا تقطع اليد الصحيحة ولا كاملة الأصابع بناقصة الأصابع أو مفصل من الأصابع وكذلك الرجل والأصبع وغيرها لعدم المماثلة بين الصحيح ( ( ( الصحيحين ) ) ) والمعيب وإن كان العيب في طرف الجاني فالمجني عليه بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ أرش الصحيح لأن حقه في المثل وهو السليم ولا يمكنه استيفاء حقه من كل وجه مع فوات صفة السلامة وأمكنه الاستيفاء من وجه ولا سبيل إلى إلزام الاستيفاء حتما لما فيه من إلزام استيفاء حقه ناقصا وهذا لا يجوز فيخير إن شاء رضي بقدر حقه واستوفاه ناقصا وإن شاء عدل إلى بدل حقه وهو كمال الأرش كما ( ( ( كمن ) ) ) أتلف على إنسان شيئا له مثل والمتلف جيد فانقطع عن أيدي الناس ولم يبق منه إلا الرديء أن صاحب الحق يكون بالخيار إن شاء أخذ الموجود ناقصا وإن شاء عدل إلى قيمة الجيد لما قلنا كذا هذا ولو أراد المجني عليه أن يأخذه ويضمنه النقصان هل له ذلك قال أصحابنا رحمهم الله تعالى ليس له ذلك وقال الشافعي له ذلك وجه قوله أن حقه في المثل ولا يمكنه استيفاؤه من هذه اليد من كل وجه فيستوفي حقه منها بقدر ما يمكن ويضمنه الباقي كما لو أتلف على آخر شيئا من المثليات فانقطع عن أيدي الناس إلا قدر بعض حقه أنه يأخذ القدر الموجود من المتلف ويضمنه الباقي كذا هذا ولنا أنه قادر على استيفاء أصل حقه وإنما الفائت هو الوصف وهو صفة السلامة فإذا رضي بإستيفاء أصل حقه ناقصا كان ذلك رضا منه بسقوط حقه عن الصفة كما لو أتلف شيئا من ذوات الأمثال وهو جيد فانقطع عن أيدي الناس نوع الجيد ولا يوجد إلا الرديء منه أنه ليس له إلا أن يأخذه أو قيمة الجيد كذلك هذا بخلاف ما ذكره من المسألة لأن هناك حق المتلف عليه متعلق بمثل المتلف بكل جزء من أجزائه صورة ومعنى فكان له أن يستوفي الموجود ويأخذ قيمة الباقي وههنا حق المجني عليه لم يتعلق إلا بالقطع من المفصل دون الأصابع بدليل أنه لو أراد أن يقطع الأصابع ويبرأ عن الكف ليس له ذلك فلم تكن الأصابع عين حقه إن كان البعض قطع الأصابع بأن كانت جارية مجرى الصفة كالجودة في المكيل فلا يكون له أن يطالب بشيء آخر كما في تلك المسألة ولو ذهبت الجارحة المعينة قبل أن يختار المجني عليه أخذها أو قطعها قاطع بطل حق المجني عليه في القصاص لفوات محله
وهل يجب الأرش على الجاني فالكلام فيه كالكلام فيما إذا قطع يدا صحيحة وهو على التفصيل الذي ذكرنا فيما تقدم أنها إن سقطت بآفة سماوية أو قطعت ظلما لا شيء عليه ولو قطعت بحق من قصاص أو سرقة فعليه أرش اليد المقطوعة وعند الشافعي رحمه الله عليه الأرش في الوجهين والكلام فيه راجع إلى أصل وقد تقدم ذكره وهو أن موجب العمد القصاص عينا عندنا في النفس وما دونه وعنده أحدهما غير عين في قول وفي قول القصاص عينا لكن مع حق العدول إلى المال وقد ذكرنا هذا الأصل بفروعه في بيان حكم الجناية على النفس إلا أنه إذا كان القطع بحق يجب الأرش لأنه قضى بالطرف حقا مستحقا عليه فصار كأنه قائم وتعذر استيفاء القصاص لعذر الخطأ وغيره على ما مر ذكره وإذا ثبت هذا في الصحيحة فنقول حق المجني عليه كان متعلقا باليد المعينة بعينها وإنما ينتقل عنها إلى الأرش عند اختياره فإذا لم يختر حتى هلكت بقي حقه متعلقا باليد فإن قيل أليس أنه مخيرا بين القصاص والأرش فإذا فات أحدهما تعين الآخر قيل لا بل حقه كان في اليد على التعيين إلا أن له أن يعدل عنه إلى بدله عند الاختيار فإذا هلك قبل الاختيار بقي حقه في اليد فإذا هلكت فقد بطل محل الحق فبطل الحق أصلا ورأسا والله تعالى عز وجل الموفق ولو كانت يد القطع ( ( ( القاطع ) ) ) صحيحة وقت القطع ثم شلت بعده فلا حق للمقطوع في الأرش لأن حقه ثبت في اليد عينا بالقطع فلا ينتقل إلى الأرش بالنقصان كما إذا ذهب الكل بآفة سماوية أنه يسقط حقه أصلا ولا ينتقل إلى الأرش لما قلنا كذا هذا ولا قصاص إلا فيما يقطع من المفاصل مفصل الزند أو مفصل المرفق أو مفصل الكتف في اليد أو مفصل الكعب أو مفصل الركبة أو مفصل الورك في الرجل وما كان من غير المفاصل فلا قصاص فيه كما إذا قطع من الساعد أو العضد أو الساق أو الفخذ لأنه يمكن استيفاء المثل من المفاصل ولا يمكن من غيرها وليس في لحم الساعد والعضد والساق والفخذ ولا في الألية قصاص ولا في لحم الخدين ولحم الظهر والبطن ولا في جلدة الرأس وجلدة اليدين إذا قطعت لتعذر استيفاء المثل ولا في اللطمة والوكزة والوجأة والدقة لما قلنا ولا يؤخذ العدد بالعدد فيما دون النفس مما يجب على أحدهما فيه القصاص لو انفرد كالاثنين إذا قطعا يد رجل أو رجله أو أصبعه أو أذهبا سمعه أو بصره أو قلعا سنا له أو نحو ذلك من الجوارح التي على الواحد منهما فيها القصاص لو انفرد به فلا قصاص عليهما وعليهما الأرش نصفان وكذلك ما زاد على الثلاث من العدد فهو بمنزلة الاثنين ولا قصاص عليهم وعليهم الأرش على عددهم بالسواء وهذا عندنا وعند الشافعي يجب القصاص عليهم وإن كثروا كما في النفس واحتج بما روي أن رجلين شهدا بين يدي سيدنا علي رضي الله تعالى عنه على رجل بالسرقة فأمر بقطع يده ثم جاءا بآخر وقالا أوهمنا إنما السارق هذا يا أمير المؤمنين فقال سيدنا علي رضي الله عنه لا أصدقكما على هذا وأغرمكما دية الأول ولو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما فقد اعتقد سيدنا علي رضي الله عنه قطع اليدين بيد واحدة وإنما قال ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينقل أنه أنكر عليه أحد منهم فيكون إجماعا ولأن اليد تابعة للنفس ثم الأنفس تقتل بنفس واحدة فكذا الأيدي تقطع بيد واحدة لأن حكم التبع حكم الأصل ولنا أن المماثلة فيما دون النفس معتبرة لما ذكرنا من الدلائل ولا مماثلة بين الأيدي ويد واحدة لا في الذات ولا في المنفعة ولا في الفعل
أما في الذات فلا شك فيه لأنه لا مماثلة بين العدد بين الفرد من حيث الذات يحققه أنه لا تقطع الصحيحة بالشلاء والفائت هو المماثلة من حيث الوصف فقط ففوات المماثلة في الوصف لما منع جريان القصاص ففواتها في الذات أولى وأما في المنفعة فلأن من المنافع ما لا يتأتى إلا باليدين كالكتابة والخياطة ونحو ذلك وكذا منفعة اليدين أكثر من منفعة يد واحدة عادة وأما في الفعل فلأن الموجود من كل واحد منهما قطع بعض اليد كأنه وضع أحدهما السكين من جانب والآخر من جانب آخر والجزاء قطع كل واحد من كل واحد منهما وقطع كل اليد أكثر من قطع بعض اليد وانعدام المماثلة من وجه تكفي لجريان القصاص كيف وقد انعدمت من وجوه وأما قول سيدنا علي رضي الله عنه فلا حجة له فيه لأنه إنما قال ذلك على سبيل السياسة بدليل أنه أضاف القطع إلى نفسه وذا لا يكون إلا بطريق السياسة والله سبحانه وتعالى أعلم ولو قطع رجل يميني ( ( ( يمينا ) ) ) رجلين تقطع يمينه ثم إن حضرا جميعا فلهما أن يقطعا يمينه ويأخذا منه دية يد بينهما نصفين وهذا قول أصحابنا رحمهم الله وقال الشافعي رحمه الله إذا كان على التعاقب يقطع الأول ( ( ( للأول ) ) ) ويغرم الدية للثاني كما في القتل وإن كان على الاجتماع يقرع بينهما فيقطع لمن خرجت قرعته ويغرم للآخر الدية كما قال في النفس وجه قوله أنه إذا قطع على الترتيب صارت يده حقا للأول فلا تصير حقا للثاني فتجب الدية للثاني وإذا قطع اليدين على الاجتماع فقد صارت يده حقا لأحدهما غير عين وتتعين بالقرعة ولنا أنهما استويا في سبب استحقاق القصاص فيستويان في الاستحقاق ودليل الوصف أن سبب الاستحقاق قطع اليد وقد وجد قطع اليد في حق كل واحد منهما فيستحق كل واحد منهما قطع يده ولا يحصل من كل واحد منهما في يد واحدة الأقطع بعضها فلم يستوف كل واحد منهما بالقطع إلا بعض حقه فيستوفي الباقي من الأرش ولأن كل واحد منهما لما استوفى بعض حقه بقطع اليد صار القاطع قاضيا ببعض يده حقا مستحقا عليه فيجعل كأن يده قائمة وتعذر استيفاء القصاص لعذر فتجب الدية وقوله صارت يده حقا لمن له القصاص ممنوع فإن ملك القصاص ليس ملك المحل بل هو ملك الفعل وهو إطلاق الاستيفاء لأن حرية من عليه تمنع ثبوت الملك لأنها تنبىء عن الخلوص والملك في المحل بثبوت فيه فينافيه الخلوص والدليل عليه أنه لو قطعت يده بغير حق ثابت كانت الدية له ولو صارت يده مملوكة لمن له القصاص لكانت الدية له دل أن ملك القصاص ليس هو ملك المحل بل ملك الفعل وهو إطلاق الاستيفاء ولا تنافي فيه فإطلاق الاستيفاء للأول لا يمنع إطلاق استيفاء الثاني وهذا بخلاف النفس لأن الواحد يقتل بالجماعة اكتفاء لأن هناك كل واحد منهم استوفى حقه على الكمال لأن حقه في القتل وكل واحد منهم استوفى القتل بكماله لما ذكرنا في الجناية على النفس فيما تقدم وإن حضر أحدهما والآخر غائب فللحاضر أن يقتص ولا ينتظر الغائب لما ذكرنا أن حق كل واحد منهما ثابت في كل اليد وإنما التمانع في استيفاء الكل بحكم التزاحم بحكم المشاركة في الاستيفاء فإذا كان أحدهما غائبا فلا يزاحم الحاضر فكان له أن يستوفي كأحد الشفيعين إذا حضر يقضي له بالشفعة في كل المبيع ولأن حق الحاضر إذا كان ثابتا في كل اليد وأراد الاستيفاء والغائب قد يحضر وقد لا يحضر وقد يطالب بعد ( ( ( بعض ) ) ) الحضور وقد يعفو فلا يجوز تأخير حق الحاضر في الاستيفاء والمنع منه للحال بعد طلبه لأمر محتمل ولهذا قضي بالشفعة لأحد الشفيعين إذا حضر وطلب ولا ينتظر حضور الغائب كذا هذا وللآخر دية يده على القاطع لأنه تعذر استيفاء حقه بعد ثبوته فيصار إلى البدل ولأن القاطع قضى به حقا مستحقا عليه فيلزمه الدية