وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال لما كان يوم التروية توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى منى فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الصبح ( ( ( والصبح ) ) ) ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وسار إلى عرفات فإن دفع منها قبل طلوع الشمس جاز والأول أفضل لما روينا فيخرج إلى عرفات على السكينة والوقار فإذا انتهى إليها نزل بها حيث أحب إلا في بطن عرنة لما روي عنه أنه قال عرفات كلها مواقف ( ( ( موقف ) ) ) إلا بطن عرنة ويغتسل يوم عرفة وغسل يوم عرفة سنة كغسل يوم الجمعة والعيدين وعند الإحرام وذكر في الأصل إن اغتسل فحسن وهذا يشير إلى الاستحباب ثم غسل يوم عرفة لأجل يوم عرفة أو لأجل الوقوف فيجوز أن يكون على الاختلاف الذي ذكرنا في غسل يوم الجمعة في كتاب الطهارة فإذا زالت الشمس صعد الإمام المنبر فأذن المؤذنون والإمام على المنبر في ظاهر الرواية فإذا فرغوا من الأذان قام الإمام وخطب خطبتين وعن أبي يوسف ثلاث روايات روي عنه مثل قول أبي حنيفة ومحمد وروي عنه أنه يؤذن المؤذن والإمام في الفسطاط ثم يخرج بعد فراغ المؤذن من الأذان فيصعد المنبر ويخطب وروى الطحاوي عنه في باب خطب الحج أن الإمام يبدأ بالخطبة قبل الأذان فإذا مضى صدر من خطبته أذن المؤذنون ثم يتم خطبته بعد الأذان أما تقديم الخطبة على الصلاة فلأن النبي قدمها على الصلاة ولأن المقصود من هذه الخطبة تعليم أحكام المناسك فلا بد من تقديمها ليعلموا ولأنه لو أخرها يتبادر القوم إلى الوقوف ولا يستمعون فلا يحصل المقصود من هذه الخطبة ثم هذه الخطبة سنة وليست بفريضة لو جمع بين الظهر والعصر فصلاهما من غير خطبة أجزأه بخلاف خطبة الجمعة لأنه لا تجوز الجمعة بدونها والفرق أن هذه الخطبة لتعليم المناسك لا لجواز الجمع بين الصلاتين وفرضية خطبة الجمعة لقصر الصلاة وقيامها مقام البعض على ما قالت عائشة رضي الله عنها إنما قصرت الجمعة لمكان الخطبة وقصر الصلاة ترك شطرها ولا يجوز ترك الفرض إلا لأجل الفرض فكانت الخطبة فرضا ولا قصر ههنا لأن كل واحد من الفرضين يؤدي على الكمال والتمام فلم تكن الخطبة فرضا إلا أنه يكون مسيئا بترك الخطبة لأنه ترك السنة ولو خطب قبل الزوال أجزأه وقد أساء أما الجواز فلأن هذه الخطبة ليست من شطر الصلاة فلا يشترط لها الوقت وأما الإساءة فلتركه السنة إذ السنة أن تكون الخطبة بعد الزوال بخلاف خطبة يوم الجمعة فإنه إذا خطب قبل الزوال لا تجوز الجمعة لأن الخطبة هناك من فرائض الجمعة ألا ترى أنه قصرت الجمعة لمكانها ولا يترك بعض الفروض ( ( ( الفرض ) ) ) إلا لأجل الفرض وأما الكلام في وقت صعود الإمام على المنبر أنه يصعد قبل الأذان أو بعده فوجه رواية أبي يوسف أن الصلاة التي تؤدي في هذا الوقت هي صلاة الظهر والعصر فيكون الأذان فيهما قبل خروج الإمام كما في سائر الصلوات وكما في الظهر والعصر في غير هذا المكان والزمان وجه ظاهر الرواية أن هذه الخطبة لما كانت متقدمة على الصلاة كان هذا الأذان للخطبة فيكون بعد صعود الإمام على المنبر كخطبة الجمعة وقد خرج الجواب عما قاله أبو يوسف إن هذه صلاة الظهر والعصر لأنا نقول نعم لكن نقدم عليها الخطبة فيكون وقت الأذان بعد ما صعد الإمام المنبر للخطبة كما في خطبة الجمعة فإذا فرغ المؤذنون من الأذان قام الإمام وخطب خطبتين قائما يفصل بينهما بجلسة خفيفة كما يفصل في خطبة الجمعة
Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
علاء الدين الكاساني · AR
وصفة الخطبة هي أن يحمد الله تعالى ويثني عليه ويكبر ويهلل ويعظ الناس فيأمرهم بما أمرهم الله عز وجل وينهاهم عما نهاهم الله عنه ويعلمهم مناسك الحج لأن الخطبة في الأصل وضعت لما ذكرنا من الحمد والثناء والتهليل والتكبير والوعظ والتذكير ويزاد في هذه الخطبة تعليم معالم الحج لحاجة الحجاج إلى ذلك ليتعلموا الوقوف بعرفة والإفاضة منها والوقوف بمزدلفة فإذا فرغ من الخطبة أقام المؤذنون فصلى الإمام بهم صلاة الظهر ثم يقوم المؤذنون فيقيمون للعصر فيصلى بهم الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ولا يشتغل الإمام والقوم بالسنن والتطوع فيما بينهما لأن النبي جمع بينهما بعرفة يوم عرفة بأذان واحد وإقامتين ولم يتنفل قبلهما ولا بعدهما مع حرصه على النوافل فإن اشتغلوا فيما بينهما بتطوع أو غيره أعادوا الأذان للعصر لأن الأصل أن يؤذن لكل مكتوبة وإنما عرف ترك الأذان بفعل النبي وأنه لم يشتغل فيما بين الظهر والعصر بالتطوع ولا بغيره فبقي الأمر عند الاشتغال على الأصل ويخفي الإمام القراءة فيهما بخلاف الجمعة والعيدين فإنه يجهر فيهما بالقراءة لأن الجهر بالقراءة هناك من الشعائر والسبيل في الشعائر إشهارها في الجهر زيادة إشهار فشرعت تلك الصلاة كذلك فأما الظهر والعصر فهما على حالهما لم يتغيرا لأنهما كظهر سائر الأيام وعصر سائر الأيام والحادث ليس إلا اجتماع الناس واجتماعهم للوقوف لا للصلاة وإنما اجتماعهم في حق الصلاة حصل اتفاقا ثم إن كان الإمام مقيما من أهل مكة يتم كل واحدة من الصلاتين أربعا أربعا والقوم يتمون معه وإن كانوا مسافرين لأن المسافر إذا اقتدى بالمقيم في الوقت يلزمه الإتمام لأنه بالاقتداء بالإمام صار تابعا له في هذه الصلاة وإن كان الإمام مسافرا يصلي كل واحدة من الصلاتين ركعتين ركعتين فإذا سلم يقول لهم أتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا قوم سفر ثم لجواز الجمع أعني تقديم العصر على وقتها وأداءها في وقت الظهر شرائط بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه أما المتفق عليه فهو شرطان أحدهما أن يكون أداؤها عقيب الظهر لا يجوز تقديمها عليها لأنها شرعت مرتبة على الظهر فلا يسقط الترتيب إلا بأسباب مسقطة ولم توجد فلا تسقط فلزم مراعاة الترتيب والثاني أن تكون مرتبة على ظهر جائزة استحسانا حتى لو صلى الإمام بالناس الظهر والعصر في يوم غيم ثم استبان لهم أن الظهر وقعت قبل الزوال والعصر بعد الزوال فعليهم إعادة الظهر والعصر جميعا استحسانا والقياس أن لا يكون هذا شرطا وليس عليه إلا إعادة الظهر وجه القياس الاعتبار بسائر الأيام فإنه إذا صلى العصر في سائر الأيام على ظن أنه صلى الظهر ثم تبين أنه لم يصلها يعيد الظهر خاصة كذا ههنا والجامع أنه صلى العصر على ظن أنه ليس عليه إلا إعادة الظهر فأشبه الناسي والنسيان عذر مسقط للترتيب وجه الاستحسان أن العصر مؤداة قبل وقتها حقيقة فالأصل أن لا يجوز أداء العبادة المؤقتة قبل وقتها وإنما عرفنا جوازها بالنص مرتبة على ظهر جائزة فإذا لم تجز بقي الأمر فيها على الأصل وأما المختلف فيه فمنها أن يكون أداء الصلاتين بالجماعة عند أبي حنيفة حتى لو صلى العصر وحده أو الظهر وحده لا تجوز العصر قبل وقتها عنده وعند أبي يوسف ومحمد هذا ليس بشرط ويجوز تقديمها على وقتها وجه قولهما أن جواز التقديم لصيانة الوقوف بعرفة لأن أداء العصر في وقتها يحول بينه وبين الوقوف وهذا المعنى لا يوجب الفصل بين الوحدان والجماعة ولأبي حنيفة أن الجواز ثبت معدولا به عن الأصل لأنها عبادة مؤقتة والعبادات المؤقتة لا يجوز تقديمها على أوقاتها إلا أن جواز تقديم العصر على وقتها ثبت بالنص غير معقول المعنى فيراعى فيه عين ما ورد به النص والنص ورد بجواز أداء العصر كاملا مرتبا على ظهر كامل وهي المؤداة بالجماعة والمؤداة لا بجماعة لا تساويها في الفضيلة فلا يكون في معنى المنصوص عليه
وقولهما أن الجواز ثبت لصيانة الوقوف ممنوع ولا يجوز أن يكون معلولا به لأن الصلاة لا تنافي الوقوف لأنها في نفسها وقوف والشيء لا ينافي نفسه وإنما ثبت نصا غير معقول المعنى فيتبع فيه مورد النص وهو ما ذكرنا ولم يوجد ولو أدرك ركعة من كل واحدة من الصلاتين مع الإمام بأن أدرك ركعة من الظهر ثم قام الإمام ودخل في العصر فقام الرجل وقضى ما فاته من الظهر فلما فرغ من الظهر دخل في صلاة الإمام في العصر وأدرك شيئا من كل واحدة من الصلاتين مع الإمام جاز له تقديم العصر بلا خلاف لأنه أدرك فضيلة الجماعة فتقع العصر مرتبة على ظهر كامل ومنها أن يكون أداء الصلاتين بإمام وهو الخليفة أو نائبه في قول أبي حنيفة حتى لو صلى الظهر بجماعة لكن لا مع الإمام والعصر مع الإمام لم تجز العصر عنده وعندهما هذا ليس بشرط والصحيح قول أبي حنيفة لما ذكرنا أن جواز التقديم ثبت معدولا به عن الأصل مرتبا على ظهر كامل وهي المؤداة بالجماعة مع الإمام أو نائبه فالمؤداة بجماعة من غير إمام أو نائبه لا تكون مثلها في الفضيلة فلا تكون في معنى مورد النص ولو أحدث الإمام بعد ما خطب فأمر رجلا بالصلاة جاز له أن يصلي بهم الصلاتين جميعا سواء شهد المأمور الخطبة أو لم يشهد بخلاف الجمعة لأن الخطبة ليست هناك من شرائط جواز الجمعة وههنا الخطبة ليست بشرط لجواز الجمع بين الصلاتين والفرق ما بينا فإن لم يأمر الإمام أحدا فتقدم واحد من عرض الناس وصلى بهم الصلاتين جميعا لم يجز الجمع في قول أبي حنيفة لأن الإمام أو نائبه شرط عنده ولم يوجد وعندهما يجوز وإن كان المتقدم رجلا من ذي سلطان كالقاضي وصاحب الشرط جاز لأنه نائب الإمام فإن كان الإمام سبقه الحدث في الظهر فاستخلف رجلا فإنه يصلي بهم الظهر والعصر لأنه قائم مقام الإمام فإن فرغ من العصر قبل أن يرجع الإمام فإن الإمام لا يصلي العصر إلا في وقتها لأنه لما استخلف صار كواحد من المؤتمين والمؤتم إذا صلى الظهر مع الإمام ولم يصل العصر معه لا يصلي العصر إلا في وقتها كذا هذا ومنها أن يكون محرما بالحج حال أداء الصلاتين جميعا حتى لو صلى الظهر بجماعة مع الإمام وهو حلال من أهل مكة ثم أحرم للحج لا يجوز له أن يصلي العصر إلا في وقتها كذا ذكر في نوادر الصلاة وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه يجوز وهو قول زفر والصحيح رواية النوادر لأن العصر شرعت مرتبة على ظهر كامل وهو ظهر المحرم وظهر الحلال لا يكون مثل ظهر المحرم في الفضيلة فلا يجوز ترتيب العصر على ظهر هي دون المنصوص عليه وعلى هذا إذا صلى الظهر بجماعة مع الإمام وهو محرم لكن بإحرام العمرة ثم أحرم بالحج لا يجزئه العصر إلا في وقتها وعند زفر يجوز كما في المسألة الأولى والصحيح قولنا لأن ظهر المحرم بالعمرة لا يكون مثل ظهر المحرم بالحج في الفضيلة فلا يكون أداء العصر في معنى مورد النص فلا تجوز إلا في وقتها ولو نفر الناس عن الإمام فصلى وحده الصلاتين أجزأه ودلت هذه المسألة على أن الشرط في الحقيقة هو الإمام عند أبي حنيفة لا الجماعة فإن الصلاتين جازتا للإمام ولا جماعة فتبنى المسائل عليه إذ هو أقرب إلى الصيغة ولا يلزمه على هذا ما إذا سبق الإمام الحدث في صلاة الظهر فاستخلف رجلا وذهب الإمام ليتوضأ فصلى الخليفة الظهر والعصر ثم جاء الإمام أنه لا يجوز له أن يصلي العصر إلا في وقتها لأن عدم الجواز هناك ليس لعدم الجماعة بل لعدم الإمام لأنه خرج عن أن يكون إماما فصار كواحد من المؤتمين أو يقال الجماعة شرط الجمع عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لكن في حق غير الإمام لا في حق الإمام والله تعالى الموفق
فإن مات الإمام فصلى بالناس خليفته جاز لأن موت الإمام لا يوجب بطلان ولاية خلفائه كولاية السلطنة والقضاء فإذا فرغ الإمام من الصلاة راح إلى الموقف عقيب الصلاة وراح الناس معه لأن النبي راح إليه عقيب الصلاة ويرفع الأيدي بسطا يستقبل كما يستقبل الداعي بيده ووجهه لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال رأيت رسول الله يدعو بعرفات باسطا يديه في نحره كاستطعام المسكين فيقف الإمام والناس إلى غروب الشمس يكبرون ويهللون ويحمدون الله تعالى ويثنون عليه ويصلون على النبي ويسألون الله تعالى حوائجهم ويتضرعون إليه بالدعاء لما روي عن النبي أنه قال أفضل الدعاء دعاء أهل عرفة وأفضل ما قلت وقالت الأنبياء قبلي عشية يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حيى لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير وعن على ي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أكصر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير وعن علي رضي الله عنه أن النبي قال إن أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي ( ( ( قبل ) ) ) عشية يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري وأعوذ بك من وسواس الصدور وسيآت ( ( ( وسيئات ) ) ) الأمور وفتنة الفقر اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل وشر ما تهب به الرياح وليس عن أصحابنا فيه دعاء موقت لأن الإنسان يدعو بما شاء ولأن توقيت الدعاء يذهب بالرقة لأنه يجري على لسانه من غير قصده فيبعد عن الإجابة ويلي ( ( ( ويلبي ) ) ) في موقفه ساعة بعد ساعة ولا يقطع التلبية وهذا قول عامة العلماء وقال مالك إذا وقف بعرفة يقطع التلبية والصحيح قول العامة لما روي أن رسول الله لبى حتى رمى جمرة العقبة وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لبى عشية يوم عرفة فقيل له ليس هذا موضع التلبية فقال أجهل الناس أم نسوا فوالذي بعث محمدا بالحق لقد حججت مع رسول الله فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخللها أو يخلطها بتكبير وتهليل ولأن التلبية ذكر يؤتى به في ابتداء هذه العبادة وتكرر في أثنائها فأشبه التكبير في باب الصلاة وكان ينبغي أن يؤتى به إلى آخر أركان هذه العبادة كالتكبير إلا أنا تركنا القياس فيما بعد رمي جمرة العقبة أو ما يقوم مقام الرمي في القطع بالإجماع فبقي الأمر فيما قبل ذلك على أصل القياس وسواء كان مفردا بالحج أو قارنا أو متمتعا بخلاف المفرد بالعمرة أنه يقطع التلبية إذا استلم الحجر حين يأخذ في طواف العمرة لأن الطواف ركن في العمرة فأشبه طواف الزيارة في الحج وهناك يقطع التلبية قبل الطواف كذا ههنا والأفضل أن يكون في الموقف مستقبل القبلة لما روي عن النبي أنه قال خير المجالس ما استقبل به القبلة وروي عن جابر رضي الله عنه أنه قال ركب رسول الله حتى أتى الموقف فاستقبل به القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس فإن انحرف قليلا لم يضره لأن الوقوف ليس بصلاة وكذا لو وقف وهو محدث أو جنب لم يضره لما مر أن الوقوف عبادة لا يتعلق بالبيت فلا يشترط له الطهارة كرمي الجمار والأفضل للإمام أن يقف على راحلته لأن النبي وقف راكبا وكلما قرب في وقوفه من الإمام فهو أفضل لأن الإمام يعلم الناس ويدعو فكلما كان أقرب كان أمكن من السماع
وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة فإنه يكره الوقوف فيه لما ذكرنا في بيان مكان الوقوف فيقف إلى غروب الشمس فإذا غربت الشمس دفع الإمام والناس معه ولا يدفع أحد قبل غروب الشمس لا الإمام ولا غيره لما مر أن الوقوف إلى غروب الشمس واجب وروي عن النبي أنه خطب عشية عرفة فقال أما بعد فإن هذا يوم الحج الأكبر وإن الجاهلية كانت تدفع من ههنا والشمس على رؤوس الجبال مثل العمائم على رؤوس الرجال فخالفوهم وأمر النبي بالدفع منه بعد الغروب فإن خاف بعض القوم الزحام أو كانت به علة فيقدم قبل الإمام قليلا ولم يجاوز حد عرفة فلا بأس به لأنه إذا لم يجاوز حد عرفة فهو في مكان الوقوف وقد دفع الضرر عن نفسه وإن ثبت على مكانه حتى يدفع الإمام فهو أفضل لقوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وينبغي للناس أن يدفعوا وعليهم السكينة والوقار حتى يأتوا مزدلفة لما روي أن النبي أفاض من عرفة وعليه السكينة حتى روي أنه كان يكبح ناقته وروي أنه لما دفع من عرفات فقال أيها الناس إن البر ليس في إيجاف الخيل ولا في إبضاع الإبل بل على هينتكم ولأن هذا مشي إلى الصلاة لأنهم يأتون مزدلفة ليصلوا بها المغرب والعشاء وقد قال النبي إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون وعليكم السكينة والوقار فإن أبطأ الإمام بالدفع وتبين للناس الليل دفعوا قبل الإمام لأنه إذا تبين الليل فقد جاء أوان الدفع والإمام بالتأخير ترك السنة فلا ينبغي لهم أن يتركوها وإذا أتى مزدلفة ينزل حيث شاء عن يمين الطريق أو عن يساره ولا ينزل على قارعة الطريق ولا في وادي محسر لقول النبي مزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر وإنما لا ينزل على الطريق لأنه يمنع الناس عن الجواز فيتأذون به فإذا دخل وقت العشاء يؤذن المؤذن ويقيم فيصلي الإمام بهم صلاة المغرب في وقت صلاة العشاء ثم يصلي بهم صلاة العشاء بأذان واحد وإقامة واحدة في قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر بأذان واحد وإقامتين وقال الشافعي بأذانين وإقامة واحدة احتج زفر بما روي أن رسول الله صلى المغرب والعشاء بمزدلفة بإقامتين ولأن هذا أحد نوعي الجمع فيعتبر بالنوع الآخر وهو الجمع بعرفة والجمع هناك بأذان واحد وإقامتين كذا ههنا ولنا ما روي عن عبد الله بن عمر وخزيمة بن ثابت رضي الله عنهما أن النبي صلى المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامة واحدة وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال صليتهما مع رسول الله بأذان واحد وإقامة واحدة وما احتج به زفر محمول على الأذان والإقامة فيسمى الأذان إقامة كما يقال سنة العمرين ويراد به سنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقال بين كل أذانين صلاة لمن شاء إلا المغرب وأراد به الأذان والإقامة كذا ههنا والقياس على الجمع الآخر غير سديد لأن هناك الصلاة الثانية وهي العصر تؤدى في غير وقتها فتقع الحاجة إلى إقامة أخرى للإعلام بالشروع فيها والصلاة الثانية ههنا وهي العشاء تؤدى في وقتها فيستغني عن تجديد الإعلام كالوتر مع العشاء ولا يتشاغل بينهما بتطوع ولا بغيره لأن النبي لم يتشاغل بينهما بتطوع ولا بغيره فإن تطوع بينهما أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة للعشاء لأنها انقطعت عن الإعلام الأول فاحتاجت إلى إعلام آخر فإن صلى المغرب وحده والعشاء وحده أجزأه بخلاف الظهر والعصر بعرفة على قول أبي حنيفة أنه لا يجوز إلا بجماعة عنده والفرق له أن المغرب تؤدى فيما هو وقتها في الجملة إن لم يكن وقت أدائها فكان الجمع ههنا بتأخير المغرب عن وقت أدائها فيجوز فعلها وحده كما لو تأخرت عنه بسبب آخر فقضاه في وقت العشاء وحده والعصر هناك تؤدى فيما ليس وقتها أصلا ورأسا فلا يجوز إذ لا جواز للصلاة قبل وقتها وإنما عرفنا جوازها بالشرع وإنما ورد الشرع بها بجماعة فيتبع مورد الشرع والأفضل أن يصليهما مع الإمام بجماعة لأن الصلاة بجماعة أفضل
ولو صلى المغرب بعد غروب الشمس قبل أن يأتي مزدلفة فإن كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل طلوع الفجر لم تجز صلاته وعليه إعادتها ( ( ( إعادته ) ) ) ما لم يطلع الفجر في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن وقال أبو يوسف تجزئه وقد أساء وعلى هذا الخلاف إذا صلى العشاء في الطريق بعد دخول وقتها وجه قوله أنه أدى المغرب والعشاء في وقتيهما لأنه ثبت كون هذا الوقت وقتا لهما بالكتاب العزيز والسنن المشهورة المطلقة عن المكان على ما ذكرنا في كتاب الصلاة فيجوز كما لو أداها في غير ليلة المزدلفة إلا أن التأخير سنة وترك السنة لا يسلب الجواز بل يوجب الإساءة ولهما ما روي أن رسول الله لما دفع من عرفات وكان أسامة بن زيد رضي الله عنه رديف رسول الله قال فلما بلغ الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا فقلت الصلاة يا رسول الله فقال الصلاة أمامك وروي أنه قال المصلى أمامك فجاء مزدلفة فتوضأ فأسبغ الوضوء فدل الحديث على اختصاص جوازها في حال الاختيار والإمكان بزمان ومكان وهو وقت العشاء بمزدلفه ولم يوجد فلا يجوز ويؤمر بالإعادة في وقتها ومكانها ما دام الوقت قائما فإن لم يعد حتى طلع الفجر أعاد إلى الجواز عندهما أيضا لأن الكتاب الكريم والسنن المشهورة تقتضي الجواز لأنها تقتضي كون الوقت وقتا لها وإنها مطلقة عن المكان وحديث أسامة رضي الله عنه يقتضي عدم الجواز وأنه من أخبار الآحاد ولا يجوز العمل بخبر الواحد على وجه يتضمن بطلان العمل بالكتاب والسنن المشهورة فيجمع بينهما فيعمل بخبر الواحد فيما قبل طلوع الفجر ويؤمر بالإعادة ويعمل بالكتاب العزيز والسنن المشهورة فيما بعد طلوعه فلا نأمره بالإعادة عملا بالدلائل بقدر الإمكان هذا إذا كان يمكنه أن يأتي مزدلفة قبل طلوع الفجر فأما إذا خشيء ( ( ( خشي ) ) ) أن يطلع الفجر قبل أن يصل إلى مزدلفة لأجل ضيق الوقت بأن كان في آخر الليل بحيث يطلع الفجر قبل أن يأتي مزدلفة فإنه يجوز بلا خلاف هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة لأن بطلوع الفجر يفوت وقت الجمع فكان في تقديم الصلاة صيانتها عن الفوات فإن كان لا يخشى الفوات لأجل ضيق الوقت ولكنه ضل عن الطريق لا يصلي بل يؤخر إلى أن يخاف طلوع الفجر لو لم يصل فعند ذلك يصلي لما ذكرنا والله الموفق ويبيت ليلة المزدلفة بمزدلفه لأن رسول الله بات بها فإن مر بها مارا بعد طلوع الفجر من غير أن يبيت بها فلا شيء عليه ويكون مسيئا وإنما لا يلزمه شيء لأنه أتى بالركن وهو كينونته بمزدلفه بعد طلوع الفجر لكنه يكون مسيئا لتركه السنة وهي البيتوتة بها فإذا طلع الفجر صلى الإمام بهم صلاة الفجر بغلس لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال ما رأيت رسول الله صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاة العصر بعرفة وصلاة المغرب بجمع وصلاة الفجر يومئذ فإنه صلاها قبل وقتها بغلس أي صلاها قبل وقتها المستحب بغلس ولأن الفائت بالتغليس فضيلة الإسفار وإنها ممكن الاستدراك في كل يوم فأما فضيلة الوقوف فلا تستدرك في غير ذلك اليوم فإذا صلى الإمام بهم وقف بالناس ووقفوا وراءه أو معه والأفضل أن يكون موقفهم على الجبل الذي يقال له قزح وهو تأويل ابن عباس للمشعر الحرام أنه الجبل وما حوله وعند عامة أهل التأويل المشعر الحرام هو مزدلفة فيقفون إلى أن يسفر جدا يدعون الله تعالى ويكبرون ويهللون ويحمدون الله تعالى ويثنون عليه ويصلون على النبي ويسألون حوائجهم ثم يدفع منها إلى منى قبل طلوع الشمس لما روي عن النبي أنه قال إن الجاهلية كانت تنفر من هذا المقام والشمس على رؤوس الجبال فخالفوهم فأفاض قبل طلوع الشمس وقد كانت الجاهلية تقول بمزدلفة أشرق ثبير كيما نغير وهو جبل عال تطلع عليه الشمس قبل كل موضع فخالفهم رسول الله فدفع قبل طلوع الشمس
وإن دفع بعد طلوع الشمس قبل أن يصلي الناس الفجر فقد أساء ولا شيء عليه أما الإساءة فلأن السنة أن يصلي الفجر ويقف ثم يفيض فإذا لم يفعل فقد ترك السنة فيكون مسيئا وأما عدم لزوم شيء فلأنه وجد منه الركن وهو الوقوف ولو ساعة وإذا أفاض من جمع دفع على هينته لأن النبي كذا فعل ويأخذ حصا ( ( ( حصى ) ) ) الجمار من مزدلفة أو من الطريق لما روي أن النبي أمر ابن عباس رضي الله عنهما أن يأخذ الحصى من مزدلفة وعليه فعل المسلمين وهو أحد نوعي الإجماع وإن رمى بحصاة أخذها من الجمرة أجزأه وقد أساء وقال مالك لا تجزئه لأنها حصى مستعملة ولنا قوله ارم ولا حرج مطلقا وتعليل مالك لا يستقيم على أصله لأن الماء المستعمل عنده طاهر وطهور حتى يجوز الوضوء به فالحجارة المستعملة أولى وإنما كره ذلك عندنا لما روي أنه سئل ابن عباس فقيل له إن من عهد إبراهيم إلى يومنا هذا في الجاهلية والإسلام يرمي الناس وليس ههنا إلا هذا القدر فقال كل حصاة تقبل فإنها ترفع وما لا يقبل فإنه يبقى ومثل هذا لا يعرف إلا سماعا من رسول الله فيكره أن يرمى بحصاة لم تقبل فيأتي منى فيرمي جمرة العقبة سبع حصيات لما روي أن رسول الله أتى منى لم يعرج على شيء حتى رمى جمرة العقبة سبع حصيات ويقطع ( ( ( يقطع ) ) ) التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة لما روى أسامة بن زيد والفضل بن عباس أن النبي قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمر ( ( ( جمرة ) ) ) العقبة وكان أسامة رديف رسول الله من عرفات إلى مزدلفة والفضل كان رديفه من مزدلفة إلى منى وروي أن ابن عباس سئل عن ذلك فقال أخبرني أخي الفضل أن النبي قطع التلبية عند أول حصاة رمى بها جمرة العقبة وكان رديف رسول الله وسواء كان في الحج الصحيح أو في الحج الفاسد إنه يقطع التلبية مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة لأن أعمالها لا تختلف فلا يختلف وقت قطع التلبية وسواء كان مفردا بالحج أو قارنا أو متمتعا لأن القارن والمتمتع كل واحد منهما محرم بالحج فكان كالمفرد به ولا يقطع القارن التلبية إذا أخذ في طواف العمرة لأنه محرم بإحرام الحج وإنما يقطع عندما يقطع المفرد بالحجة لأنه بعد إتيانه بالعمرة كالمفرد بالحج فأما المحرم بالعمرة المفردة فإنه يقطع التلبية إذا استلم الحجر وأخذ في طواف العمرة والفرق بين المحرم بالحج وبين المحرم بالعمرة المفردة ذكرناه فيما تقدم وقال مالك في المفرد بالعمرة يقطع التلبية إذا رأى البيت وهذا غير سديد لأن قطع التلبية يتعلق بفعل هو نسك كالرمي في حق المحرم بالحج ورؤية البيت ليس بنسك فلا يقطع عندنا فأما استلام الحجر فنسك كالرمي فيقطع عنده لا عند الرؤية قال محمد إن فائت الحج إذا تحلل بالعمرة يقطع التلبية حين ( ( ( حيث ) ) ) يأخذ في الطواف كذا هذا والقارن إذا فاته الحج يقطع التلبية في الطواف الثاني ( ( ( والثاني ) ) ) الذي يتحلل به من حجته لأن العمرة ما فاتته إذ ليس لها وقت معين فيأتي بها فيطوف ويسعى كما كان يفعل لو لم يفته الحج وإنما فاته الحج فيفعل ما يفعله فائت الحج وهو أن يتحلل بأفعال العمرة وهي الطواف والسعي كالمقيم فيقطع التلبية إذا أخذ في طواف الحج والمحصر يقطع التلبية إذا ذبح عنه هديه لأنه إذا ذبح هديه فقد تحلل ولا تلبية بعد التحلل فإن حلق الحاج قبل أن يرمي جمرة العقبة يقطع التلبية لأنه بالحلق تحلل من الإحرام لما روينا عن النبي أنه قال لمن حلق قبل الرمي ارم ولا حرج فثبت أن التحلل من الإحرام يحصل بالحلق قبل الرمي ولا تلبية بعد التحلل فإن زار البيت قبل أن يرمي ويحلق ويذبح قطع التلبية في قول أبي حنيفة
وروي عن أبي يوسف إنه يلبي ما لم يحلق أو تزول الشمس من يوم النحر وعن محمد ثلاث روايات في رواية مثل قول أبي حنيفة وروى هشام عنه وروى ابن سماعة عنه أن من لم يرم قطع التلبية إذا غربت الشمس من يوم النحر وروى هشام عنه رواية أخرى أنه يقطع التلبية إذا مضت أيام النحر فظاهر روايته مع أبي حنيفة وجه قول أبي يوسف أنه وإن طاف فإحرامه قائم لم يتحلل بهذا الطواف إذا لم يحلق بدليل أنه لا يباح له الطيب واللبس فالتحق الطواف بالعدم وصار كأنه لم يطف فلا يقطع التلبية إلا إذا زالت الشمس لأن من أصله أن هذا الرمي مؤقت بالزوال فإذا زالت الشمس يفوت وقته ويفعل بعده قضاء فصار فواته عن وقته بمنزلة فعله في وقته وعند فعله في وقته يقطع التلبية كذا عند فواته عن وقته بخلاف ما إذا حلق قبل الرمي لأنه تحلل بالحلق وخرج عن إحرامه حتى يباح له الطيب واللبس لذلك افترقا ولهما أن الطواف وإن كان قبل الرمي والحلق والذبح فقد وقع التحلل به في حق النساء بدليل أنه لو جامع بعده لا يلزمه بدنة فكان التحلل بالطواف كالتحلل بالحلق فيقطع التلبية به كما يقطع بالحلق وقد خرج الجواب عن قوله أن إحرامه قائم بعد الطواف لأنا نقول نعم لكن في حق الطيب واللبس لا في حق النساء فلم يكن قائما مطلقا والتلبية لم تشرع إلا في الإحرام المطلق ولو ذبح قبل الرمي يقطع التلبية في قول أبي حنيفة إذا كان قارنا أو متمتعا وهو إحدى الروايتين عن محمد وإن كان مفردا بالحج لا يقطع لأن الذبح من القارن والمتمتع محلل كالحلق ولا تلبية بعد التحلل فأما المفرد فتحلله لا يقف على ذبحه ألا ترى أنه ليس بواجب عليه فلا يقطع عنده التلبية وروى ابن سماعة عن محمد أنه لا يقطع التلبية والتحلل لا يقع بالذبح على هذه الرواية عنده وإنما يقع بالرمي أو بالحلق ويرمي سبع حصيات مثل حصى الخزف لما روي عن النبي أنه قال لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما ائتني بسبع حصيات مثل حصى الخزف فأتاه بهن فجعل يقلبهن بيده ويقول مثلهن بمثلهن لا تغلو ( ( ( تغلوا ) ) ) فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين وقد قالوا لا يزيد على ذلك لما روي عن معاذ رضي الله عنه أنه قال خطبنا رسول الله بمنى وعلمنا المناسك وقال ارموا سبع حصيات مثل حصى الخزف ووضع إحدى سبابتيه على الأخرى كأنه يخذف ولأنه لو كان أكبر من ذلك فلا يؤمن أن يصيب غيره لازدحام الناس فيتأذى به ويرمي من بطن الوادي ويكبر مع كل حصاة يرميها لما روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه رمى جمرة العقبة سبع حصيات من بطن الوادي يكبر مع كل حصاة يرميها فقيل له أن ناسا يرمون من فوقها فقال عبد الله رضي الله عنه هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة وكذا روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرمي جمرة العقبة بسبع حصيات يتبع كل حصاة بتكبيرة ويقول أن النبي كان يفعل ذلك وعن ابنه سالم بن عبد الله أنه استبطن الوادي فرمى الجمرة سبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا وعملا مشكورا وقال حدثني أبي أن النبي كان يرمي جمرة العقبة من هذا المكان ويقول كلما رمى بحصاة مثل ما قلت وإن رمى من فوق العقبة أجزأه لكن السنة ما ذكرنا وكذا لو جعل بدل التكبير تسبيحا أو تهليلا جاز ولا يكون مسيأ ( ( ( مسيئا ) ) ) وقد قالوا إذا رمى للعقبة يجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه ويقوم فيها حيث يرى موقع حصاه لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه لما انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه
وبأي شيء أجزأه حجرا كان أو طينا أو غيرهما مما هو من جنس الأرض وهذا عندنا وقال الشافعي لا يجوز إلا بالحجر وجه قوله أن هذا أمر يعرف بالتوقيف والتوقيف ورد بالحصى والحصى هي الأحجار الصغار ولنا ما روينا عن النبي أنه قال ارم ولا حرج وروي عن النبي أنه قال أول نسكنا في يومنا هذا الرمي ثم الذبح ثم الحلق وروي عنه أنه قال من رمى وذبح وحلق فقد حل له كل شيء إلا النساء مطلقا عن صفة الرمي والرمي بالحصى من النبي وأصحابه رضي الله عنهم محمول على الأفضلية لا الجواز توفيقا بين الدلائل لما صح من مذهب أصحابنا أن المطلق لا يحمل على المقيد بل يجري المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده ما أمكن وههنا أمكن بأن يحمل المطلق على أصل الجواز والمقيد على الأفضلية ولا يقف عند هذه الجمرة للدعاء بل ينصرف إلى رحله والأصل أن كل رمي ليس بعده رمي في ذلك اليوم لا يقف عنده وكل رمي بعده رمي في ذلك اليوم يقف عنده لأن النبي لم يقف عند جمرة العقبة ووقف عند الجمرتين ثم الرمي ماشيا أفضل أو راكبا فقد روي عن أبي يوسف أنه فصل في ذلك تفصيلا فإنه حكى أن إبراهيم بن الجراح دخل على أبي يوسف وهو مريض في المرض الذي مات فيه فسأله أبو يوسف فقال أيهما أفضل الرمي ماشيا أو راكبا فقال ماشيا فقال أخطأت ثم قال راكبا فقال أخطأت وقال كل رمي بعده رمى فالماشي أفضل وكل رمي لا رمي بعده فالراكب أفضل قال فخرجت من عنده فسمعت الناعي بموته قبل أن أبلغ الباب ذكرنا هذه الحكاية ليعلم أنه بلغ حرصه في التعليم حتى لم يسكت عنه في رمقه فيقتدى به في التحريض على التعليم وهذا لما ذكرنا أن كل رمي بعده رمي فالسنة فيه هو الوقوف للدعاء والماشي أمكن للوقوف والدعاء وكل رمي لا رمي بعده فالسنة فيه هو الانصراف لا الوقوف والراكب أمكن من الانصراف فإن قيل أليس أنه روي عن النبي أنه رمى راكبا وقال خذوا عني مناسككم لا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا فالجواب أن ذلك محمول على رمي لا رمي بعده أو على التعليم ليراه الناس فيتعلموا منه مناسك الحج فإن رمى إحدى الجمار بسبع حصيات جميعا دفعة واحدة فهي عن واحدة ويرمي ستة أخرى لأن التوقيف ورد بتفريق الرميات فوجب اعتباره وهذا بخلاف الاستنجاء أنه إذا استنجى بحجر واحد وأنقاه كفاه ولا يراعي فيه العدد عندنا لأن وجوب الاستنجاء ثبت معقولا بمعنى التطهير فإذا حصلت الطهارة بواحد اكتفى به فأما الرمي فإنما وجب تعبدا محضا فيراعي فيه مورد التعبد وأنه ورد بالتفريق فيقتصر عليه فإن رمى أكثر من سبع حصيات لم تضره الزيادة لأنه أتى بالواجب وزيادة والسنة أن يرمي بعد طلوع الشمس من يوم النحر قبل الزوال لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي لم يرم يوم النحر ضحى ورمى بعد ذلك بعد الزوال ولو رمى قبل طلوع الشمس بعد انفجار الصبح أجزأه خلافا لسفيان والمسألة ذكرناها فيما تقدم ولا يرمي يومئذ غيرها لما روي أن النبي لم يرم يوم النحر إلا جمرة العقبة فإذا فرغ من هذا الرمي لا يقف وينصرف إلى رحله فإن كان منفردا بالحج يحلق أو يقصر والحلق أفضل لما ذكرنا فيما تقدم ولا ذبح عليه وإن كان قارنا أو متمتعا يجب عليه أن يذبح ويحلق ويقدم الذبح على الحلق لقوله تعالى ويذكروا ( ( ( ليذكروا ) ) ) اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم رتب قضاء التفث وهو الحلق على الذبح
وروي عن النبي أنه قال أول نسكنا في يومنا هذا الرمي ثم الذبح ثم الحلق وروي عنه أنه رمى ثم ذبح ثم دعا بالحلاق فإن حلق قبل الذبح من غير إحصار فعليه لحلقه قبل الذبح دم في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد وجماعة من أهل العلم أنه لا شيء عليه وأجمعوا على أن المحصر إذا حلق قبل الذبح أنه تجب عليه الفدية احتج من خالفه بما روي عن النبي أنه سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح فقال إذبح ولا حرج ولو كان الترتيب واجبا لكان في تركه حرج ولأبي حنيفة الاستدلال بالمحصر إذا حلق قبل الذبح لأذى في رأسه أنه تلزمه الفدية بالنص فالذي يحلق رأسه بغير أذى به أولى ولهذا قال أبو حنيفة بزيادة التغليظ في حق من حلق رأسه قبل الذبح بغير أذى حيث قال لا يجزئه غير الدم وصاحب الأذى مخير بين الدم والطعام والصيام كما خيره الله تعالى وهذا هو المعقول لأن الضرورة سبب لتخفيف الحكم وتيسيره فالمعقول أن يجب في حال الاختيار بذلك السبب زيادة غلظ لم يكن في حال العذر فأما أن يسقط من الأصل في غير حالة العذر ويجب في حالة العذر فممتنع ولا حجة لهم في الحديث لأن قوله لا حرج المراد منه الإثم لا الكفارة وليس من ضرورة انتفاء الإثم انتفاء الكفارة ألا ترى أن الكفارة تجب على من حلق رأسه لأذى به ولا إثم عليه وكذا يجب على الخاطىء فإذا حلق الحاج أو قصر حل له كل شيء حظر عليه الإحرام إلا النساء عند عامة العلماء لما ذكرنا فيما تقدم ثم يزور البيت من يومه ذلك أو من الغد أو بعد الغد ولا يؤخرها عنها وأفضلها أولها لما روي أن النبي طاف في أول أيام النحر فيطوف أسبوعا لأن النبي هكذا طاف وعليه عمل المسلمين ولا يرمل في هذا الطواف لأنه لا سعى عقيبه لأنه قد طاف طواف اللقاء وسعى عقيبه حتى لو لم يكن طاف طواف اللقاء ولا سعى فإنه يرمل في طواف الزيارة ويسعى بين الصفا والمروة عقيب طواف الزيارة ولو أخره عن أيام النحر فعليه دم في قول أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد لا شيء عليه والمسألة قد مضت فإذا طاف طواف الزيارة كله أو أكثره حل له النساء أيضا لأنه قد خرج من العبادة وما بقي عليه شيء من أركانها والأصل أن في الحج إحلالين الإحلال الأول بالحلق أو بالتقصير ويحل به كل شيء إلا النساء والإحلال الثاني بطواف الزيارة ويحل به النساء أيضا ثم يرجع إلى منى ولا يبيت بمكة ولا في الطريق هو السنة لأن النبي هكذا فعل ويكره أن يبيت في غير منى في أيام منى فإن فعل لا شيء عليه ويكون مسيأ ( ( ( مسيئا ) ) ) لأن البيتوتة بها ليست بواجبة بل هي سنة وعند الشافعي يجب عليه الدم لأنها واجبة عنده واحتج بفعل النبي وأفعاله على الوجوب في الأصل ولنا ما روي أن رسول الله أرخص للعباس أن يبيت بمكة للسقاية ولو كان ذلك واجبا لم يكن العباس يترك الواجب لأجل السقاية ولا كان النبي يرخص له في ذلك وفعل النبي محمول على السنة توفيقا بين الدليلين وإذا بات بمنى فإذا كان من الغد وهو اليوم الأول من أيام التشريق والثاني من أيام الرمي فإنه يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في ثلاث مواضع أحدها المسمى بالجمرة الأولى وهي التي تلي مسجد الخيف وهو مسجد إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيرمي عندها سبع حصيات مثل حصى الخزف يكبر مع كل حصاة فإذا فرغ منها يقف عندها فيكبر ويهلل ويحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي ويسأل الله تعالى حوائحه ( ( ( حوائجه ) ) )