والثاني أنه جعل نكاح المرأة غاية الحرمة فيقتضي انتهاء الحرمة عند نكاحها نفسها وعنده لا تنتهي وقوله عز وجل فلا جناح عليهما أن يتراجعا أي يتناكحا أضاف النكاح إليهما من غير ذكر الولي وقوله عز وجل وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن الآية والاستدلال به من وجهين أحدهما أنه أضاف النكاح إليهن فيدل على جواز النكاح بعبارتهن من غير شرط الولي والثاني أنه نهى الأولياء عن المنع عن نكاحهن أنفسهن من أزواجهن إذا تراضى الزوجان والنهي يقتضي تصوير المنهي عنه وأما السنة فما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس للولي مع الثيب أمر وهذا قطع ولاية الولي عنها وروي عنه أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الأيم أحق بنفسها من وليها والأيم اسم لامرأة لا زوج لها وأما الاستدلال فهو أنها لما بلغت عن عقل وحرية فقد صارت ولية نفسها في النكاح فلا تبقى موليا عليها كالصبي العاقل إذا بلغ والجامع أن ولاية الإنكاح إنما ثبتت للأب على الصغيرة بطريق النيابة عنها شرعا لكون النكاح تصرفا نافعا متضمنا مصلحة الدين والدنيا وحاجتها إليه حالا ومآلا وكونها عاجزة عن إحراز ذلك بنفسها وكون الأب قادرا عليه بالبلوغ ( ( ( وبالبلوغ ) ) ) عن عقل زال العجز حقيقة وقدرت على التصرف في نفسها حقيقة فتزول ولاية الغير عنها وتثبت الولاية لها لأن النيابة الشرعية إنما تثبت بطريق الضرورة نظرا فتزول بزوال الضرورة مع أن الحرية منافية لثبوت الولاية للحر على الحر وثبوت الشيء مع المنافي لا يكون إلا بطريق الضرورة ولهذا المعنى زالت الولاية عن إنكاح الصغير العاقل إذا بلغ وتثبت الولاية له وهذا المعنى موجود في الفرع ولهذا زالت ولاية الأب عن التصرف في مالها وتثبت الولاية لها كذا هذا وإذا صارت ولي نفسها في النكاح لا تبقى موليا عليها بالضرورة لما فيه من الاستحالة وأما الآية فالخطاب للأولياء بالإنكاح ليس يدل على أن الولي شرط جواز الإنكاح بل على وفاق العرف والعادة بين الناس فإن النساء لا يتولين النكاح بأنفسهن عادة لما فيه من الحاجة إلى الخروج إلى محافل الرجال وفيه نسبتهن إلى الوقاحة بل الأولياء هم الذين يتولون ذلك عليهن برضاهن فخرج الخطاب بالأمر بالإنكاح مخرج العرف والعادة على الندب والاستحباب دون الحتم والإيجاب والدليل عليه ما ذكر سبحانه وتعالى عقيبه وهو قوله تعالى والصالحين من عبادكم وإمائكم ثم لم يكن الصلاح شرط الجواز ونظيره قوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا أو تحمل الآية الكريمة على إنكاح الصغار عملا بالدلائل كلها وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم لا يزوج النساء إلا الأولياء إن ذلك على الندب والاستحباب وكذا قوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بولي مع ما حكي عن بعض النقلة أن ثلاثة أحاديث لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعد من جملتها هذا ولهذا لم يخرج في الصحيحين على أنا نقول بموجب الأحاديث لكن لما قلتم إن هذا إنكاح بغير ولي بل المرأة ولية نفسها لما ذكرنا من الدلائل والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم النكاح عقد ضرر فممنوع بل هو عقد منفعة لاشتماله على مصالح الدين والدنيا من السكن والألف والمودة والتناسل والعفة عن الزنا واستيفاء المرأة بالنفقة إلا أن هذه المصالح لا تحصل إلا بضرب ملك عليها إذ لو لم تكن لا تصير ممنوعة عن الخروج والبروز والتزوج ( ( ( والتزويج ) ) ) بزوج آخر وفي الخروج والبروز فساد السكن لأن قلب الرجل لا يطمئن إليها وفي التزوج بزوج آخر فساد الفراش لأنها إذا جاءت بولد يشتبه النسب ويضيع الولد فالشرع ضرب عليها نوع ملك ضرورة حصول المصالح فكان الملك وسيلة إلى المصالح والوسيلة إلى المصلحة مصلحة وتسمية النكاح رقا بطريق التمثيل لا بطريق التحقيق لانعدام حقيقة الرق
Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
علاء الدين الكاساني · AR
وقوله عقلها ناقص قلنا هذا النوع من النقصان لا يمنع العلم بمصالح النكاح فلا يسلب أهلية النكاح ولهذا لا يسلب أهلية سائر التصرفات من المعاملات والديانات حتى يصح منها التصرف في المال على طريق الاستبداد وإن كانت تجري في التصرفات المالية خيانات خفية لا تدرك إلا بالتأمل ويصح منها الإقرار بالحدود والقصاص ويؤخذ عليها الخطاب بالإيمان وسائر الشرائع فدل أن مالها من العقل كاف والدليل عليه أنه اعتبر عقلها في اختيار الأزواج حتى لو طلبت من الولي أن يزوجها من كفء يفترض عليه التزويج حتى لو امتنع يصير عاضلا وينوب القاضي منابه في التزويج وأما حديث عائشة رضي الله عنها فقد قيل إن مداره على الزهري فعرض عليه فأنكره وهذا يوجب ضعفا في الثبوت يحقق الضعف أن راوي الحديث عائشة رضي الله عنها ومن مذهبها جواز النكاح بغير ولي والدليل عليه ما روي أنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير وإذا كان مذهبها في هذا الباب هذا فكيف تروي حديثا لا تعمل به ولئن ثبت فنحمله على الأمة لأنه روي في بعض الروايات أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها دل ذكر الموالي على أن المراد من المرأة الأمة فيكون عملا بالدلائل أجمع وأما قول محمد أن للولي حقا في النكاح فنقول الحق في النكاح لها على الولي لا للولي عليها بدليل أنها تزوج على الولي إذا غاب غيبة منقطعة وإذا كان حاضرا يجبر على التزويج إذا أبى وعضل تزوج عليه والمرأة لا تجبر على النكاح إذا أبت وأراد الولي فدل أن الحق لها عليه ومن ترك حق نفسه في عقد له قبل غيره لم يوجب ذلك فساده على أنه إن كان للولي فيه ضرب حق لكن أثره في المنع من اللزوم إذا زوجت نفسها من غير كفء لا في المنع من النفاذ والجواز لأن في حق الأولياء في النكاح من حيث صيانتهم عما يلحقهم من الشين والعار بنسبة عدا الكفء إليهم بالصهرية فإن زوجت نفسها من كفء فقد حصلت الصيانة فزال المانع من اللزوم فيلزم وإن تزوجت من غير كفء ففي النفاذ إن كان ضرر بالأولياء وفي عدم النفاذ ضرر بها بإبطال أهليتها والأصل في الضررين إذا اجتمعا أن يدفعا ما أمكن وههنا أمكن دفعهما بأن نقول بنفاذ النكاح دفعا للضرر عنها وبعد ( ( ( وبعدم ) ) ) اللزوم وثبوت ولاية الاعتراض للأولياء دفعا للضرر عنهم ولهذا نظير في الشريعة فإن العبد المشترك بين اثنين إذا كاتب أحدهما نصيبه فقد دفع الضرر عنه حتى لو أدى بدل الكتابة يعتق ولكنه لم يلزمه حتى كان للشريك الآخر حق فسخ الكتابة قبل أداء البدل دفعا للضرر وكذا العبد إذا أحرم بحجة أو بعمرة صح إحرامه حتى لو أعتق يمضي في إحرامه لكنه لم يلزمه حتى أن للمولى أن يحلله دفعا للضرر عنه وكذا للشفيع حق تملك الدار بالشفعة دفعا للضرر عن نفسه ثم لو وهب المشتري الدار نفذت هبته دفعا للضرر عنه لكنها لا تلزم حتى للشفيع حق قبض الهبة والأخذ بالشفعة دفعا للضرر عن نفسه كذا هذا فصل وأما شرط التقدم فشيئان أحدهما العصوبة عند أبي حنيفة فتقدم العصبة على ذوي الرحم سواء كانت العصبة أقرب أو أبعد وعندهما هي شرط ثبوت أصل الولاية على ما مر
والثاني قرب القرابة يتقدم الأقرب على الأبعد سواء كان في العصبات أو في غيرها على أصل أبي حنيفة وعلى أصلهما هذا شرط التقدم لكن في العصبات خاصة بناء على أن العصبات شرط ثبوت أصل الولاية عندهما وعنده هي شرط التقدم على غيرهم من القرابات فما دام ثمة عصبة فالولاية لهم يتقدم الأقرب منهم على الأبعد وعند عدم العصبات تثبت الولاية لذوي الرحم الأقرب منهم يتقدم على الأبعد وإنما اعتبر الأقرب فالأقرب في الولاية لأن هذه ولاية نظر وتصرف الأقرب انظر في حق المولى عليه لأنه أشفق فكان هو أولى من الأبعد ولأن القرابة إن كانت استحقاقها بالتعصيب كما قالا فالأبعد لا يكون عصبة مع الأقرب فلا يلي معه ولئن كان استحقاقها بالوراثة كما قال أبو حنيفة فالأبعد لا يرث مع الأقرب فلا يكون وليا معه وإذا عرف هذا فنقول إذا اجتمع الأب والجد في الصغير والصغيرة والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة فالأب أولى من الجد أب الأب لوجود العصوبة والقرب والجد أب الأب وإن علا أولى من الأخ لأب وأم والأخ أولى من العم هكذا وعند أبي يوسف ومحمد الجد والأخ سواء كما في الميراث فإن الأخ لا يرث مع الجد عنده فكان بمنزلة الأجنبي وعندهما يشتركان في الميراث فكانا كالآخوين وإن اجتمع الأب والابن في المجنونة فالابن أولى عند أبي يوسف وذكر القاضي في شرحه مختصر الطحاوي قول أبي حنيفة مع قول أبي يوسف وروى المعلى عن أبي يوسف أنه قال أيهما زوج جاز وإن اجتمعا قلت للأب زوج وقال محمد الأب أولى به وجه قوله أن هذه الولاية تثبت نظرا للمولى عليه وتصرف الأب انظر لها لأنه أشفق عليها من الابن ولهذا كان هو أولى بالتصرف في مالها ولأن الأب من قومها والابن ليس منهم ألا ترى أنه ينسب إلى أبيه فكان إثبات الولاية عليها لقرابتها أولى وجه قول أبي يوسف أن ولاية التزويج مبنية على العصوبة والأب مع الابن إذا اجتمعا فالابن هو العصبة والأب صاحب فرض فكان كالأخ لأم مع الأخ لأب وأم وجه رواية المعلى أنه وجد في كل واحد منهما ما هو سبب التقدم أما الأب فلأنه من قومها وهو أشفق عليها وأما الابن فلأنه يرثها بالتعصيب وكل واحد من هذين سبب التقدم فأيهما زوج جاز وعند الاجتماع يقدم الأب تعظيما واحتراما له وكذلك إذا اجتمع الأب وابن الابن وإن سفل فهو على هذا الخلاف والأفضل في المسألتين أن يفوض الابن الإنكاح إلى الأب احتراما للأب واحترازا عن موضع الخلاف وعلى هذا الخلاف إذا اجتمع الجد والابن قال أبو يوسف الابن أولى وقال محمد الجد أولى والوجه من الجانبين على نحو ما ذكرنا فأما الأخ والجد فهو على الخلاف الذي ذكرنا بين أبي حنيفة وصاحبيه وأما من غير العصبات فكل من يرث يزوج عند أبي حنيفة ومن لا فلا وبيان من يرث منهم ومن لا يرث يعرف في كتاب الفرائض ثم إنما يتقدم الأقرب على الأبعد إذا كان الأقرب حاضرا أو غائبا غيبة غير منقطعة فأما إذا كان غائبا غيبة منقطعة فللأبعد أن يزوج في قول أصحابنا الثلاثة وعند زفر لا ولاية للأبعد مع قيام الأقرب بحال وقال الشافعي يزوجها السلطان واختلف مشايخنا في ولاية الأقرب أنها تزول بالغيبة أو تبقى قال بعضهم أنها باقية إلا أن حدثت للأبعد ولاية لغيبة الأقرب فيصير كأن لها وليين مستويين في الدرجة كالأخوين والعمين وقال بعضهم تزول ولايته وتنتقل إلى الأبعد وهو الأصح وجه قول زفر أن ولاية الأقرب قائمة لقيام سبب ثبوت الولاية وهو القرابة القريبة ولهذا لو زوجها حيث هو يجوز فقيام ولايته تمنع الانتقال إلى غيره والشافعي يقول إن ولاية الأقرب باقية كما قال زفر إلا أنه امتنع دفع حاجتها من قبل الأقرب مع قيام ولايته عليها بسبب الغيبة فتثبت الولاية للسلطان كما إذا خطبها كفء وامتنع الولي من تزويجها منه إن للقاضي أن يزوجها والجامع بينهما دفع الضرر عن الصغيرة
ولنا أن ثبوت الولاية للأبعد زيادة نظر في حق العاجز فتثبت له الولاية كما في الأب مع الجد إذا كانا حاضرين ودلالة ما قلنا إن الأبعد أقدر على تحصيل النظر للعاجز لأن مصالح النكاح مضمنة تحت الكفاءة والمهر ولا شك أن الأبعد متمكن من إحراز الكفء الحاضر بحيث لا يفوته غالبا والأقرب الغائب غيبة منقطعة لا يقدر على إحرازه غالبا لأن الكفء الحاضر لا ينتظر حضوره واستطلاع رأيه غالبا وكذا الكفء المطلق لأن المرأة تخطب حيث هي عادة فكان الأبعد أقدر على إحراز الكفء من الأقرب فكان أقدر على إحراز النظر فكان أولى بثبوت الولاية له إذ المرجوح في مقابلة الراجح ملحق بالعدم في الأحكام كما في الأب مع الجد وأما قوله إن ولاية الأقرب قائمة فممنوع ولا نسلم أنه يجوز انكاحه بل لا يجوز فولايته منقطعة بواحدة وقد روي عن أصحابنا ما يدل على هذا فإنهم قالوا إن الأقرب إذا كتب كتابا إلى الأبعد ليقدم رجلا في الصلاة على جنازة الصغير فإن للأبعد أن يمتنع عن ذلك ولو كانت ولاية الأقرب قائمة لما كان له الامتناع كما إذا كان الأقرب حاضرا فقدم رجلا ليس للأبعد ولاية المنع والمعقول يدل عليه وهو أن ثبوت الولاية لحاجة المولى عليه ولا مدفع لحاجته برأي الأقرب لخروجه من أن يكون منتفعا به بالغيبة فكان ملحقا بالعدم فصار كأنه جن أو مات إذ الموجود الذي لا ينتفع به والعدم الأصلي سواء ولأن القول بثبوت الولاية للأبعد مع ولاية الأقرب يؤدي إلى الفساد لأن الأقرب ربما يزوجها من إنسان حيث هو ولا يعلم الأبعد بذلك فيزوجها من غيره فيطؤها الزوج الثاني ويجيء بالأولاد ثم يظهر أنها زوجة الأول وفيه من الفساد ما لا يخفى ثم إن سلمنا على قول بعض المشايخ فلا تنافي بين الولايتين فأيهما زوج جاز كما إذا كان لها أخوان أو عمان في درجة واحدة وفيه كمال النظر في حق العاجز لأن الكفء إن اتفق حيث الأبعد زوجها منه وإن اتفق حيث الأقرب زوجها منه فيكمل النظر إلا أن في حال الحضرة يرجح الأقرب باعتبار زيادة الشفقة لزيادة القرابة وبه تبين أن نقل الولاية إلى السلطان باطل لأن السلطان ولي من لا ولي له وههنا لها ولي أو وليان فلا تثبت الولاية للسلطان إلا عند العضل من الولي ولم يوجد والله الموفق واختلفت الأقاويل في تحديد الغيبة المنقطعة وعن أبي يوسف روايتان في رواية قال ما بين بغداد والري وفي رواية مسيرة شهر فصاعدا وما دونه ليس بغيبة منقطعة وعن محمد روايتان أيضا روي عنه ما بين الكوفة إلى الري وروي عنه من الرقة إلى البصرة وذكر ابن شجاع إذا كان غائبا في موضع لا تصل إليه القوافل والرسل في السنة إلا مرة واحدة فهو غيبة منقطعة وإذا كانت القوافل تصل إليه في السنة غير مرة فليست بمنقطعة وعن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري أنه قال إن كان الأقرب في موضع يفوت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه فهو غيبة منقطعة وإن كان لا يفوت فليست بمنقطعة وهذا أقرب إلى الفقه لأن التعويل في الولاية على تحصيل النظر للمولى عليه ودفع الضرر عنه وذلك فيما قاله هذا إذا اجتمع في الصغير والصغيرة والمجنون الكبير والمجنونة الكبيرة وليان أحدهما أقرب والآخر أبعد فأما إذا كانا في الدرجة سواء كالأخوين والعمين ونحو ذلك فلكل واحد منهما على حياله أن يزوج رضي الآخر أو سخط بعد أن كان التزويج من كفء بمهر وافر وهذا قول عامة العلماء وقال مالك ليس لأحد الأولياء ولاية الانكاح ما لم يجتمعوا بناء على أن هذه الولاية ولاية شركة عنده وعندنا وعند العامة ولاية استبداد وجه قوله أن سبب هذه الولاية هو القرابة وإنها مشتركة بينهم فكانت الولاية مشتركة لأن الحكم يثبت على وفق العلة وصار كولاية الملك فإن الجارية بين إثنين إذا زوجها أحدهما لا يجوز من غير رضا الآخر لما قلنا كذا هذا
ولنا أن الولاية لا تتجزأ لأنها ثبتت بسبب لا يتجزأ وهو القرابة وما لا يتجزأ إذا ثبت بجماعة سبب لا يتجزأ يثبت لكل واحد منهم على الكمال كأنه ليس معه غيره كولاية الأمان بخلاف ولاية الملك لأن سببها الملك وأنه متجزىء فيتقدر بقدر الملك فإن زوجها كل واحد من الوليين رجلا على حدة فإن وقع العقدان معا بطلا جميعا لأنه لا سبيل إلى الجمع بينهما وليس أحدهما أولى من الآخر وإن وقعا مرتبا فإن كان لا يدري السابق فكذلك لما قلنا ولأنه لو جاز لجاز بالتجزيء ( ( ( بالتجزي ) ) ) ولا يجوز العمل بالتجزيء في الفروج وإن علم السابق منهما من اللاحق جاز الأول ولم يجز الآخر وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا نكح الوليان فالأول أحق وأما إذا زوج أحد الأولياء الحرة البالغة العاقلة برضاها من غير كفء بغير رضا الباقين فحكمه يذكر إن شاء الله تعالى في شرائط اللزوم فصل وأما ولاية الولاء فسبب ثبوتها الولاء قال النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لحمة كلحمة النسب ثم النسب سبب لثبوت الولاية كذا الولاء والولاء نوعان ولاء عتاقة وولاء موالاة أما ولاء العتاقة فولاية ولاء العتاقة نوعان ولاية حتم وإيجاب وولاية ندب واستحباب عند أبي حنيفة وعند محمد ولاية استبداد وولاية شركة على ما بينا في ولاية القرابة وشرط ثبوت هذه الولاية ما هو شرط ثبوت تلك الولاية إلا أن هذه الولاية اختصت بشرط وهو أن لا يكون للمعتق عصبة من جهة القرابة فإن كان فلا ولاية للمعتق لأنه لا ولاء له لأن مولى العتاقة آخر العصبات وإن لم يكن ثمة عصبة من جهة القرابة ( ( ( القربة ) ) ) فله أن يزوج سواء كان المعتق ذكرا أو أنثى وأما مولى الموالاة فله ولاية التزويج في قول أبي حنيفة عند استجماع سائر الشرائط وانعدام سائر الورثة لأنه آخر الورثة وعند أبي يوسف ومحمد ليس له ولاية التزويج أصلا ورأسا لأن العصوبة شرط عندهما ولم توجد فصل وأما ولاية الإمامة فسببها الإمامة وولاية الإمامة نوعان أيضا كولاية القرابة وشرطها ما هو شرط تلك الولاية في النوعين جميعا ولها شرطان آخران أحدهما يعم النوعين جميعا وهو أن لا يكون هناك ولي أصلا لقوله صلى الله عليه وسلم السلطان ولي من لا ولي له والثاني يخص أحدهما وهو ولاية الندب والاستحباب أو ولاية الشركة على اختلاف الأصل وهو لعضل من الولي لأن الحرة البالغة العاقلة إذا طلبت الإنكاح من كفء وجب عليه التزويج منه لأنه منهى عن العضل والنهي عن الشيء أمر بضده فإذا امتنع فقد أضر بها والإمام نصب لدفع الضرر فتنتقل الولاية إليه وليس للوصي ولاية الإنكاح لأنه يتصرف بالأمر فلا يعدو موضع الأمر كالوكيل وإن كان الميت أوصى إليه لا يملك أيضا لأنه أراد بالوصاية إليه نقل ولاية الإنكاح وأنها لا تحتمل النقل حال الحياة كذا بعد الموت وكذا الفضولي لانعدام سبب ثبوت الولاية في حقه أصلا ولو أنكح ينعقد موقوفا على الإجازة عندنا وعند الشافعي لا ينعقد أصلا والمسألة ستأتي في كتاب البيوع فصل ومنها الشهادة وهي حضور الشهود والكلام في هذا الشرط في ثلاث مواضع أحدها في بيان أن أصل الشهادة شرط جواز النكاح أم لا والثاني في بيان صفات الشاهد الذي ينعقد النكاح بحضوره والثالث في بيان وقت الشهادة أما الأول فقد اختلف أهل العلم فيه قال عامة العلماء إن الشهادة شرط جواز النكاح
وقال مالك ليست بشرط وإنما الشرط هو الإعلان حتى لو عقد النكاح وشرط الإعلان جاز وإن لم يحضره شهود ولو حضرته شهود وشرط عليهم الكتمان لم يجز ولا خلاف في أن الإشهاد في سائر العقود ليس بشرط ولكنه مندوب إليه ومستحب قال الله تعالى في باب المداينة يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه والكتابة لا تكون لنفسها بل للاشهاد ونص عليه في قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم وقال عز وجل في باب الرجعة وأشهدوا ذوي عدل منكم وجه قول مالك أن النكاح إنما يمتاز عن السفاح بالإعلان فإن الزنا يكون سرا فيجب أن يكون النكاح علانية وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن نكاح السر والنهي عن السر يكون أمرا بالاعلان لأن النهي عن الشيء أمر بضده وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال أعلنوا النكاح ولو بالدف ولنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بشهود وروي لا نكاح إلا بشاهدين وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الزانية التي تنكح نفسها بغير بينة ولو لم تكن الشهادة شرطا لم تكن زانية بدونها ولأن الحاجة مست إلى دفع تهمة الزنا عنها ولا تندفع إلا بالشهود لأنها لا تندفع إلا بظهور النكاح واشتهاره ولا يشتهر إلا بقول الشهود وبه تبين أن الشهادة في النكاح ما شرطت إلا في النكاح للحاجة إلى دفع الجحود والإنكار لأن ذلك يندفع بالظهور والاشتهار لكثرة الشهود على النكاح بالسماع من العاقدين وبالتسامع وبهذا فارق سائر العقود فإن الحاجة إلى الشهادة هناك لدفع احتمال الشهود النسيان أو الجحود والإنكار في الثاني إذ ليس بعدها ما يشهرها ليندفع به الجحود فتقع الحاجة إلى الدفع بالشهادة فندب إليها وما روي أنه نهى عن نكاح السر فنقول بموجبه لكن نكاح السر ما لم يحضره شاهدان فأما ما حضره شاهدان فهو نكاح علانية لا نكاح سر إذ السر إذا جاوز اثنين خرج من أن يكون سرا قال الشاعر وسرك ما كان عند امرىء وسر الثلاثة غير الخفي وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم أعلنوا النكاح لأنهما إذا أحضراه شاهدين فقد أعلناه وقوله صلى الله عليه وسلم ولو بالدف ندب إلى زيادة إعلانه ( ( ( علانة ) ) ) وهو مندوب إليه والله عز وجل الموفق فصل وأما صفات الشاهد الذي ينعقد به النكاح وهي شرائط تحمل الشهادة للنكاح فمنها العقل ومنها البلوغ ومنها الحرية فلا ينعقد النكاح بحضرة المجانين والصبيان والمماليك قنا كان المملوك أو مدبرا أو مكاتبا من مشايخنا من أصل في هذا أصلا فقال كل من صلح أن يكون وليا في النكاح بولاية نفسه يصلح شاهدا فيه وإلا فلا وهذا الاعتبار صحيح لأن الشهادة من باب الولاية لأنها تنفيذ القول على الغير والولاية هي نفاذ المشيئة وهؤلاء ليس لهم ولاية الانكاح لأنه لا ولاية لهم على أنفسهم فكيف يكون لهم ولاية على غيرهم إلا المكاتب فإنه يزوج أمته لكن لا بولاية نفسه بل بولاية مولاه بتسليطه على ذلك بعقد الكتابة وكان التزويج من المولى من حيث المعنى فلا يصلح شاهدا ومنهم من قال كل من يملك قبول عقد بنفسه ينعقد ذلك العقد بحضوره ومن لا فلا وهذا الاعتبار صحيح أيضا لأن الشهادة من شرائط ركن العقد وركنه وهو الإيجاب والقبول ولا وجود للركن بدون القبول فكما لا وجود للركن بدون القبول حقيقة لا وجود له شرعا بدون الشهادة وهؤلاء لا يملكون قبول العقد بأنفسهم فلا ينعقد النكاح بحضورهم والدليل على أنهم ليسوا من أهل الشهادة أن قاضيا لو قضى بشهادتهم ينفسخ قضاؤه عليه
وعن أبي يوسف رحمه الله أنه أصل فيه أصلا وقال كل من جاز الحكم بشهادته في قول بعض الفقهاء ينعقد النكاح بحضوره ومن لا يجوز الحكم بشهادته عند أحد لا يجوز بحضوره وهذا الاعتبار صحيح أيضا لأن الحضور لفائدة الحكم بها عند الأداء فإذا جاز الحكم بها في الجملة كان الحضور مفيدا ولا يجوز الحكم بشهادة هؤلاء عند البعض من الفقهاء ألا ترى أن قاضيا لو قضى بشهادتهم ينفسخ عليه قضاؤه فصل ومنها الإسلام في نكاح المسلم المسلمة فلا ينعقد نكاح المسلم المسلمة بشهادة الكفار لأن الكافر ليس من أهل الولاية على المسلم قال الله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وكذا لا يملك الكافر قبول نكاح المسلم ولو قضى قاض بشهادته على المسلم ينقض قضاؤه وأما المسلم إذا تزوج ذمية بشهادة ذميين فإنه يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف سواء كانا موافقين لها في الملة أو مخالفين وقال محمد وزفر والشافعي لا يجوز نكاح المسلم الذمية بشهادة الذميين أما الكلام مع الشافعي فهو مبني على أن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة على أصلنا وعلى أصله غير مقبولة وأما الكلام مع محمد وزفر فانهما احتجا بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل والمراد منه عدالة الدين لا عدالة التعاطي لإجماعنا على أن فسق التعاطي لا يمنع انعقاد النكاح ولأن الإشهاد شرط جواز العقد والعقد يتعلق وجوده بالطرفين طرف الزوج وطرف المرأة ولم يوجد الإشهاد على الطرفين لأن شهادة الكافر حجة في حق الكافر ليست بحجة في حق المسلم فكانت شهادته في حقه ملحقة بالعدم فلم يوجد الإشهاد في جانب الزوج فصار كأنهما سمعا كلام المرأة دون كلام الرجل ولو كان كذلك لم يكن النكاح كذا هدا ولهما عمومات النكاح من الكتاب والسنة نحو قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء وقوله وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم وقول النبي صلى الله عليه وسلم تزوجوا ولا تطلقوا وقوله صلى الله عليه وسلم تناكحوا وغير ذلك مطلقا عن غير شرط إلا أن أهل الشهادة وإسلام الشاهد صار شرطا في نكاح الزوجين المسلمين بالإجماع فمن ادعى كونه شرطا في نكاح المسلم الذمية فعليه الدليل وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بشهود وروي لا نكاح إلا بشاهدين والاستثناء من النفي إثبات ظاهر وهذا نكاح بشهود لأن الشهادة في اللغة عبارة عن الإعلام والبيان والكافر من أهل الإعلام والبيان لأن ذلك يقف على العقل واللسان والعلم بالمشهود به وقد وجد إلا أن شهادته على المسلم خصت من عموم الحديث فبقيت شهادته للمسلم داخلة تحته ولأن الشهادة من باب الولاية لما بينا والكافر الشاهد يصلح وليا في هذا العقد بولاية نفسه ويصلح قابلا لهذا العقد بنفسه فيه صلح شاهدا وكذا يجوز للقاضي الحكم بشهادته هذه للمسلم لأنه محل الاجتهاد على ما نذكر ولو قضى لا ينفذ قضاؤه فينفذ النكاح بحضوره وأما الحديث فقد قيل أنه ضعيف ولئن ثبت فنحمله على نفي الندب والاستحباب توفيقا بين الدلائل
وأما قوله العقد خلا عن الإشهاد في جانب الزوج لأن شهادة الكافر ليست بحجة في حق المسلم فنقول شهادة الكافر إن لم تصلح حجة للكافر على المسلم فتصلح حجة للمسلم على الكافر لأنها إنما لا تصلح حجة على المسلم لأنها من باب الولاية وفي جعلها حجة على المسلم إثبات الولاية للكافر على المسلم وهذا لا يجوز وهذا المعنى لم يوجد ههنا لأنا إذا جعلناها حجة للمسلم ما كان فيه إثبات الولاية للكافر وهذا جائز على أنا إن سلمنا قوله ليس بحجة في حق المسلم لكن حضوره على أن قوله حجة ليس بشرط لانعقاد النكاح فإنه ينعقد بحضور من لا تقبل شهادته عليه على ما نذكر إن شاء الله تعالى وهل يظهر نكاح المسلم الذمية بشهادة ذميين عند الدعوى ينظر في ذلك إن كانت المرأة هي المدعية للنكاح على المسلم والمسلم منكر لا يظهر بالإجماع لأن هذه شهادة الكافر على المسلم وإنها غير مقبولة وإن كان الزوج هو المدعي والمرأة منكرة فعلى أصل أبي حنيفة وأبي يوسف يظهر سواء قال الشاهدان كان معنا عند العقد رجلان مسلمان أو لم يقولا ذلك واختلف المشايخ على أصل محمد قال بعضهم يظهر كما قالا وقال بعضهم لا يظهر سواء قالا كان معنا رجلان مسلمان أو لم يقولا ذلك وهو الصحيح من مذهبه ووجهه أن هذه شهادة قامت على نكاح فاسد وعلى إثبات فعل المسلم لأنهما إن شهدا على نكاح حضراه فقط لا تقبل شهادتهما لأن هذه شهادة على نكاح فاسد عنده وإن شهدا على أنهما حضراه ومعهما رجلان مسلمان لا تقبل أيضا لأن هذه إن كانت شهادة الكافر على الكافر لكن فيها إثبات فعل المسلم فيكون شهادة على مسلم فلا تقبل كمسلم ادعى عبدا في يد ذمي فجحد الذمي دعوى المسلم وزعم أن العبد عبده فأقام المسلم شاهدين ( ( ( بشاهدين ) ) ) ذميين على أن العبد عبده وقضى له به على هذا الذمي قاض فلا تقبل شهادتهما وإن كان هذا شهادة الكافر على الكافر لكن لما كان فيها إثبات فعل المسلم بشهادة الكافر وهو قضاء القاضي لم تقبل كذا هذا وجه الكلام لأبي حنيفة وأبي يوسف على نحو ما ذكرنا في جانب الاعتقاد أن الشهادة من باب الولاية وللكافر ولاية على الكافر ولو كان الشاهدان وقت التحمل كافرين ووقت الأداء مسلمين فشهدا للزوج فعلى أصلهما لا يشكل أنه تقبل شهادتهما لأنهما لو كانا في الوقتين جميعا كافرين تقبل فههنا أولى واختلف المشايخ على أصل محمد قال بعضهم تقبل وقال بعضهم لا تقبل فمن قال تقبل نظر إلى وقت الأداء ومن قال لا تقبل نظر إلى وقت التحمل فصل ومنها سماع الشاهدين كلام المتعاقدين جميعا حتى لو سمعا كلام أحدهما دون الآخر أو سمع أحدهما كلام أحدهما والآخر كلام الآخر لا يجوز النكاح لأن الشهادة أعني حضور الشهود شرط ركن العقد وركن العقد هو الإيجاب والقبول فيما لم يسمعا كلامهما لا تتحقق الشهادة عند الركن فلا يوجد شرط الركن والله أعلم فصل ومنها العدد فلا ينعقد النكاح بشاهد واحد لقوله صلى الله عليه وسلم لا نكاح إلا بشهود وقوله لا نكاح إلا بشاهدين وأما عدالة الشاهد فليست بشرط لانعقاد النكاح عندنا فينعقد بحضور الفاسقين وعند الشافعي شرط ولا ينعقد إلا بحضور من ظاهره العدالة واحتج بما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ولأن الشهادة خبر يرجح فيه جانب الصدق على جانب الكذب والرجحان إنما يثبت بالعدالة
ولنا أن عمومات النكاح مطلقة عن شرط ثم اشتراط أصل الشهادة بصفاتها المجمع عليها ثبتت بالدليل فمن ادعى شرط العدالة فعليه البيان ولأن الفسق لا يقدح في ولاية الإنكاح بنفسه لما ذكرنا في شرائط الولاية وكذا يجوز للحاكم الحكم بشهادته في الجملة ولو حكم لا ينقض حكمه لأنه محل الاجتهاد فكان من أهل تحمل الشهادة والفسق لا يقدح في أهلية التحمل وإنما يقدح في الأداء فيظهر أثره في الأداء لا في الانعقاد وقد ظهر حتى لا يجب على القاضي القضاء بشهادته ولا يجوز أيضا إلا إذا تحرى القاضي الصدق في شهادته وكذا كون الشاهد غير محدود في القذف ليس بشرط لانعقاد النكاح فينعقد بحضور المحدود في القذف غير أنه إن كان قد تاب بعدما حد ينعقد النكاح بالإجماع وإن كان لم يتب لا تقبل شهادته عندنا على التأبيد خلافا للشافعي لأن كونه مردود الشهادة على التأبيد يقدح في الأداء لا في التحمل ولأنه يصلح وليا في النكاح بولاية نفسه ويصح القبول منه بنفسه ويجوز القضاء بشهادته في الجملة فينعقد النكاح بحضوره وإن حد ولم يتب أو لم يتب ولم يحد ينعقد عندنا خلافا للشافعي وهي مسألة شهادة الفاسق وكذا بصر الشاهد ليس بشرط فينعقد النكاح بحضور الأعمى لما ذكرنا ولأن العمى لا يقدح إلا في الأداء لتعذر التمييز بين المشهود عليه وبين المشهود له ألا ترى أنه لا يقدح في ولاية الإنكاح ولا في قبول النكاح بنفسه ولا في المنع من جواز القضاء بشهادته في الجملة فكان من أهل أن ينعقد النكاح بحضوره وكذا ذكورة الشاهدين ليست بشرط عندنا وينعقد النكاح بحضور رجل وامرأتين عندنا وعند الشافعي شرط ولا ينعقد إلا بحضور رجلين ونذكر المسألة في كتاب الشهادات وكذا إسلام الشاهدين ليس بشرط في نكاح الكافرين فينعقد نكاح الزوجين الكافرين بشهادة كافرين وكذا تقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض سواء اتفقت مللهم أو اختلفت وهذا عندنا وعند الشافعي إسلام الشاهد شرط لأنه ينعقد نكاح الكافر بشهادة الكافر ولا تقبل شهادتهم أيضا والكلام في القبول نذكره في كتاب الشهادات ونتكلم ههنا في انعقاد النكاح بشهادته واحتج الشافعي بالمروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ولا عدالة مع الكفر لأن الكفر أعظم الظلم وأفحشه فلا يكون الكافر عدلا فلا ينعقد النكاح بحضوره ولنا قوله عليه الصلاة والسلام لا نكاح إلا بشهود وقوله لا نكاح إلا بشاهدين والاستثناء من النفي إثبات من حيث الظاهر والكفر لا يمنع كونه شاهدا لما ذكرنا وكذا لا يمنع أن يكون وليا في النكاح بولاية نفسه ولا قابلا للعقد بنفسه ولا جواز للقضاء بشهادته في الجملة وكذا كون شاهد النكاح مقبول الشهادة عليه ليس بشرط لانعقاد النكاح بحضوره وينعقد النكاح بحضور من لا تقبل شهادته عليه أصلا كما إذا تزوج امرأة بشهادة ابنيه منها وهذا عندنا وعند الشافعي لا ينعقد وجه قوله أن الشهادة في باب النكاح للحاجة إلى صيانته عن الجحود والإنكار والصيانة لا تحصل إلا بالقبول فإذا لم يكن مقبول الشهادة لا تحصل الصيانة ولنا أن الاشتهار في النكاح لدفع تهمة الزنا لا لصيانة العقد عن الجحود والإنكار والتهمة تندفع بالحضور من غير قبول على أن معنى الصيانة يحصل بسبب حضورهما وإن كان لا تقبل شهادتهما لأن النكاح يظهر ويشتهر بحضورهما فإذا ظهور ( ( ( ظهر ) ) ) واشتهر تقبل الشهادة فيه بالتسامع فتحصل الصيانة
وكذا إذا تزوج امرأة بشهادة ابنيه لا منها أو ابنيها لا منه يجوز لما قلنا ثم عند وقوع الحجر والإنكار ينظر إن وقعت شهادتهما لواحد من الأبوين لا تقبل وإن وقعت عليه تقبل لأن شهادة الابن لأبويه غير مقبولة وشهادتهما عليه مقبولة ولو زوج الأب ابنته من رجل بشهادة ابنيه وهما أخوا المرأة فلا يشك أنه يجوز النكاح وإذا وقع الجحود بين الزوجين فإن كان الأب مع الجاحد منهما أيهما كان تقبل شهادتهما لأن هذه شهادة على الأب فتقبل وإن كان الأب مع المدعي منهما أيهما كان لا تقبل شهادتهما عند أبي يوسف وعند محمد تقبل فأبو يوسف نظر إلى الدعوى والإنكار فقال إذا كان الأب مع المنكر فشهادتهما تقع على الأب فتقبل وإذا كان مع المدعي فشهادتهما تقع للأب لأن التزويج كان من الأب فلا تقبل ومحمد نظر إلى المنفعة وعدم المنفعة فقال إن كان للأب منفعة لا تقبل سواء كان مدعيا أو منكرا وإن لم يكن له منفعة تقبل وههنا لا منفعة للأب فتقبل والصحيح نظر محمد لأن المانع من القبول هو التهمة وإنها تنشأ عن النفع وكذلك هذا الاختلاف فيما إذا قال رجل لعبده إن كلمك زيد فأنت حر ثم قال العبد كلمني زيد وأنكر المولى فشهد للعبد ابنا زيد أن أباهما قد كلمه والمولى ينكر تقبل شهادتهما في قول محمد سواء كان زيد يدعي الكلام أو لا يدعي لأنه لا منفعة لزيد في الكلام وعند أبي يوسف إن كان زيد يدعي الكلام لا تقبل وإن كان لا يدعي تقبل وكذلك هذا الاختلاف فيمن توكل عن غيره في عقد ثم شهد ابنا الوكيل على العقد فإن كان حقوق العقد لا ترجع إلى العاقد تقبل شهادتهما عند محمد سواء ادعى الوكيل أو لم يدع لأنه ليس فيه منفعة وعند أبي يوسف إن كان يدعي لا تقبل وإن كان منكرا تقبل فصل وأما بيان وقت هذه الشهادة وهي حضور الشهود فوقتها وقت وجود ركن العقد وهو الإيجاب والقبول لا وقت وجود الإجازة حتى لو كان العقد موقوفا على الإجازة فحضروا عقد الإجازة ولم يحضروا عند العقد لم تجز لأن الشهادة شرط ركن العقد فيشترط وجودها عند الركن والإجازة ليست بركن بل هي شرط النفاذ في العقد الموقوف وعند وجود الإجازة يثبت الحكم بالعقد من حين وجوده فتعتبر الشهادة في ذلك الوقت والله تعالى الموفق فصل ومنها أن تكون المرأة محللة وهي أن لا تكون محرمة على التأبيد فإن كانت محرمة على التأبيد فلا يجوز نكاحها لأن الإنكاح إحلال وإحلال المحرم على التأبيد محال والمحرمات على التأبيد ثلاثة أنواع محرمات بالقرابة ومحرمات بالمصاهرة ومحرمات بالرضاع أما النوع الأول فالمحرمات بالقرابة سبع فرق الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت قال الله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم الآية أخبر الله تعالى عن تحريم هذه المذكورات فإما أن يعمل بحقيقة هذا الكلام حقيقة ويقال بحرمة الأعيان كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وهي منع الله تعالى الأعيان عن تصرفنا فيها بإخراجها من أن تكون محلا لذلك شرعا وهو التصرف الذي يعتاد إيقاعه في جنسها وهو الاستمتاع والنكاح وأما أن يضمر فيه الفعل وهو الاستمتاع والنكاح في تحريم كل منهما تحريم الآخر لأنه إذا حرم الاستمتاع وهو المقصود بالنكاح لم يكن النكاح مفيدا لخلوه عن العاقبة الحميدة فكان تحريم الاستمتاع تحريما للنكاح وإذا حرم النكاح وأنه شرع وسيلة إلى الاستمتاع والاستمتاع هو المقصود فكان تحريم الوسيلة تحريما للمقصود بالطريق الأولى