وعند الشافعي إن اشتد قشرها تحل وإلا فلا ولو سقطت السخلة من أمها وهي مبتلة فهي نجسة حتى لو حملها الراعي فأصاب بللها الثوب أكثر من قدر الدرهم منع جواز الصلاة ولو وقعت في الماء في ذلك الوقت أفسدت الماء وإذا يبست فقد طهرت وذكر الفقيه أبو جعفر أن هذا الجواب موافق قولهما فأما في قياس قول أبي حنيفة فالبيضة طاهرة رطبة كانت أو يابسة وكذا السخلة لأنها كانت في مكانها ومعدنها كما قال في الأنفحة إذا خرجت بعد الموت أنها طاهرة جامدة كانت أو مائعة وعندهما إن كانت مائعة فنجسة وإن كانت جامدة تطهر بالغسل ولو وقع عظم الميتة في البئر فإن كان عظم الخنزير أفسده كيفما كان وأما عظم غيره فإن كان عليه لحم أو دسم يفسد الماء لأن النجاسة تشيع في الماء وإن لم يكن عليه شيء لم يفسد لأن العظم طاهر بئر وجب منها نزح عشرين دلوا فنزح الدلو الأول وصب في بئر طاهرة ينزح منها عشرون دلوا والأصل في هذا أن البئر الثانية تطهر بما تطهر به الأولى حين كان الدلو المصبوب فيها ولو صب الدلو الثاني ينزح تسعة عشر دلوا ولو صب الدلو العاشر في رواية أبي سليمان ينزح عشرة دلاء وفي رواية أبي حفص أحد عشر دلوا وهو الأصح والتوفيق بين الروايتين أن المراد من الأولى سوى المصبوب ومن الثانية مع المصبوب ولو صب الدلو الأخير ينزح دلوا واحدا لأن طهارة الأولى به ولو أخرجت الفأرة وألقيت في بئر طاهرة وصب فيها أيضا عشرون دلوا من ماء الأولى تطرح الفأرة وينزح ( ( ( وينزع ) ) ) عشرون دلوا لأن طهارة الأولى به فكذا الثانية بئران وجب من كل واحدة منهما نزح عشرين فنزح عشرون من أحدهما وصب في الأخرى ينزح عشرون ولو وجب من إحداهما نزح عشرين ومن الأخرى نزح أربعين فنزح ما وجب من إحداهما وصب في الأخرى ينزح أربعون والأصل فيه أن ينظر إلى ما وجب من النزح منها وإلى ما صب فيها فإن كانا سواء تداخلا وإن كان أحدهما أكثر دخل القليل في الكثير وعلى هذا ثلاثة آبار وجب من كل واحدة نزح عشرين فنزح الواجب من البئرين وصب في الثالثة ينزح أربعون فلو وجب من إحداهما نزح عشرين ومن الأخرى نزح أربعين فصب الواجبان في بئر طاهرة ينزح أربعون لما قلنا من الأصل ولو نزح دلو من الأربعين وصب في العشرين ينزح أربعون لأنه لو صب في بئر طاهرة نزح كذلك فكذا هذا وهذا كله قول محمد وعن أبي يوسف روايتان في رواية ينزح جميع الماء وفي رواية ينزح الواجب والمصبوب جميعا فقيل له إن محمدا روى عنك الأكثر فأنكر فأرة وقعت في حب ( ( ( جب ) ) ) ماء وماتت فيها يهراق كله ولو صب ماؤه في بئر طاهرة فعند أبي يوسف ينزح المصبوب وعشرون دلوا وعند محمد ينظر إلى ماء الحب ( ( ( الجب ) ) ) فإن كان عشرين دلوا أو أكثر نزح ذلك القدر وإن كان أقل من عشرين نزح عشرون لأن الحاصل في البئر نجاسة الفأرة فأرة ماتت في البئر وأخرجت فجاؤوا ( ( ( فجاءوا ) ) ) بدلو عظيم يسع عشرين دلوا بدلوهم فاستقوا منها دلوا واحدا أجزأهم وطهرت البئر لأن الماء النجس قدر ما جاور الفأرة فلا فرق بين أن ينزح ذلك بدلو واحد وبين أن ينزح بعشرين دلوا وكان الحسن بن زياد يقول لا يطهر إلا بنزح عشرين دلوا لأن عند تكرار النزح ينبع الماء من أسفله ويؤخذ من أعلاه فيكون في حكم الماء الجاري وهذا لا يحصل بدلو واحد وإن كان عظيما
Kâsânî — Bedâ'i'u's-Sanâi' (Hanefî)
علاء الدين الكاساني · AR
ولو صب الماء المستعمل في البئر ينزح كله عند أبي يوسف لأنه نجس عنده وعند محمد ينزح عشرون دلوا كذا ذكره القدوري في شرح مختصر الكرخي وفيه نظر لأن الماء المستعمل طاهر عند محمد والطاهر إذا اختلط بالطهور لا يغيره عن صفة الطهورية إلا إذا غلب عليه كسائر المائعات الطاهرة ويحتمل أن يقال إن طهارته غير مقطوع بها لكونه محل الاجتهاد بخلاف المائعات فينزح أدنى ما ورد الشرع به وذلك عشرون احتياطا ولو نزح ماء البئر وبقي الدلو الأخير فهذا على ثلاثة أوجه إما إن لم ينفصل عن وجه الماء أو انفصل ونحي عن رأس البئر أو انفصل ولم ينح عن رأس البئر فإن لم ينفصل عن وجه الماء لا يحكم بطهارة البئر حتى لا يجوز التوضؤ منه لأن النجس لم يتميز من الطاهر وإن انفصل عن وجه الماء ونحي عن رأس البئر طهر لأن النجس قد تميز من الطاهر وأما إذا انفصل عن وجه الماء ولم ينح عن رأس البئر والماء يتقاطر فيه لا يطهر عند أبي يوسف وعند محمد يطهر ولم يذكر في ظاهر الرواية قول أبي حنيفة وذكر الحاكم قوله مع قول أبي يوسف وجه قول محمد أن النجس انفصل من الطاهر فإن الدلو الأخير تعين للنجاسة شرعا بدليل أنه إذا نحى عن رأس البئر يبقى الماء طاهرا وما ( ( ( والماء ) ) ) يتقاطر فيها من الدلو سقط اعتبار نجاسته شرعا دفعا للحرج إذ لو أعطى للقطرات حكم النجاسة لم يطهر بئر أبدا وبالناس حاجة إلى الحكم بطهارة الآبار بعد وقوع النجاسات فيها وجه قولهما أنه لا يمكن الحكم بطهارة البئر إلا بعد انفصال النجس عنها وهو ماء الدلو الأخير ولا يتحقق الانفصال إلا بعد تنحية الدلو عن البئر لأن ماءه متصل بماء البئر ولم يوجد فلا يحكم بطهارة البئر ولأنه لو جعل منفصلا لا يمكن القول بطهارة البئر لأن القطرات تقطر في البئر فإذا كان منفصلا كان له حكم النجاسة فتنجس البئر ثانيا لأن ماء البئر قليل والنجاسة وإن قلت متى لاقت ماء قليلا تنجسه فكان هذا تطهيرا للبئر أولا ثم تنجيسا له ثانيا وإنه اشتغال بما لا يفيد وسقوط اعتبار نجاسة القطرات لا يجوز إلا لضرورة والضرورة تندفع بأن يعطى لهذا الدلو حكم الانفصال بعد انعدام التقاطر بالتنحية عن رأس البئر فلا ضرورة إلى تنجيس البئر بعد الحكم بطهارتها ولو توضأ من بئر وصلى أياما ثم وجد فيها فأرة فإن علم وقت وقوعها أعاد الصلاة من ذلك الوقت لأنه تبين أنه توضأ بماء نجس وإن لم يعلم فالقياس أن لا يعيد شيئا من الصلوات ما لم يستيقن بوقت وقوعها وهو قول أبي يوسف ومحمد وفي الاستحسان إن كانت منتفخة أو منفسخة ( ( ( متفسخة ) ) ) أعاد صلاة ثلاثة أيام ولياليها وإن كانت غير منتفخة ولا منفسخة ( ( ( متفسخة ) ) ) لم يذكر في ظاهر الرواية وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يعيد صلاة يوم وليلة ولو اطلع على نجاسة في ثوبه أكثر من قدر الدرهم ولم يتيقن وقت إصابتها لا يعيد شيئا من الصلاة كذا ذكر الحاكم الشهيد وهو رواية بشر المريسي عن أبي حنيفة وروي عن أبي حنيفة أنها إن كانت طرية يعيد صلاة يوم وليلة وإن كانت يابسة يعيد صلاة ثلاثة أيام بلياليها وروى ابن رستم في نوادره عن أبي حنيفة أنه إن كان دما لا يعيد وإن كان منيا يعيد من آخر ما احتلم لأن دم غيره قد يصيبه والظاهر أن الإصابة لم تتقدم زمان وجوده فأما مني غيره فلا يصيب ثوبه فالظاهر أنه منيه فيعتبر وجوده من وقت وجود سبب خروجه حتى أن الثوب لو كان مما يلبسه هو وغيره يستوي فيه حكم الدم والمني ومشايخنا قالوا في البول يعتبر من آخر ما بال وفي الدم من آخر ما رعف وفي المني من آخر ما احتلم أو جامع
وجه القياس في المسألة أنه تيقن طهارة الماء فيما مضى وشك في نجاسته لأنه يحتمل أنها وقعت في الماء وهي حية فماتت فيه ويحتمل أنها وقعت ميتة بأن ماتت في مكان آخر ثم ألقاها بعض الطيور في البئر على ما حكي عن أبي يوسف أنه قال كان قولي مثل قول أبي حنيفة إلى أن كنت يوما جالسا في بستاني فرأيت حدأة في منقارها جيفة فطرحتها في بئر فرجعت عن قول أبي حنيفة فوقع الشك في نجاسة الماء فيما مضى فلا يحكم بنجاسته بالشك وصار كما إذا رأى في ثوبه نجاسة ولا يعلم وقت إصابتها أنه لا يعيد شيئا من الصلوات كذا هذا وجه الاستحسان أن وقوع الفأرة في البئر سبب لموتها والموت متى ظهر عقيب سبب صالح يحال به عليه كموت المجروح فإنه يحال به إلى الجرح وإن كان يتوهم موته بسبب آخر وإذا حيل بالموت إلى الوقوع في الماء فأدنى ما يتفسخ فيه الميت ثلاثة أيام ولهذا يصلي على قبر ميت لم يصل عليه إلى ثلاثة أيام وتوهم الوقوع بعد الموت إحالة بالموت إلى سبب لم يظهر وتعطيل للسبب الظاهر وهذا لا يجوز فبطل اعتبار الوهم والتحق الموت في الماء بالمتحقق إلا إذا قام دليل المعاينة بالوقوع في الماء ميتا فحينئذ يعرف بالمشاهدة أن الموت غير حاصل بهذا السبب ولا كلام فيه وأما إذا لم تكن منتفخة فلأنا إذا أحلنا بالموت إلى الوقوع في الماء ولا شك أن زمان الموت سابق على زمان الوجود خصوصا في الآبار المظلمة العميقة التي لا يعاين ما فيها ولذا يعلم يقينا أن الواقع لا يخرج بأول دلو فقدر ذلك بيوم وليلة احتياطا لأنه أدنى المقادير المعتبرة والفرق بين البئر والثوب على رواية الحاكم أن الثوب شيء ظاهر فلو كان ما أصابه سابقا على زمان الوجود لعلم به في ذلك الزمان فكان عدم العلم قبل ذلك دليل عدم الإصابة بخلاف البئر على ما مر وعلى هذا الخلاف إذا عجن بذلك الماء أنه يؤكل خبزه عندهما وعند أبي حنيفة لا يؤكل وإذا لم يؤكل ماذا يصنع به قال مشايخنا يطعم للكلاب لأن ما تنجس باختلاط النجاسة به والنجاسة معلومة لا يباح أكله ويباح الانتفاع به فيما وراء الأكل كالدهن النجس أنه ينتفع به استصباحا إذا كان الطاهر غالبا فكذا هذا وبئر الماء إذا كانت بقرب من البالوعة لا يفسد الماء ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه وقدر أبو حفص المسافة بينهما بسبعة أذرع وأبو سليمان بخمسة وذا ليس بتقدير لازم لتفاوت الأراضي في الصلابة والرخاوة ولكنه خرج على الأغلب ولهذا قال محمد بعد هذا التقدير لو كان بينهما سبعة أذرع ولكن يوجد طعمه أو ريحه لا يجوز التوضأ به فدل على أن العبرة بالخلوص وعدم الخلوص وذلك يعرف بظهور ما ذكر من الآثار وعدمه ثم الحيوان إذا مات في المائع القليل فلا يخلو إما إن كان له دم سائل أو لم يكن ولا يخلو إما أن يكون بريا أو مائيا ولا يخلو إما إن مات في الماء أو في غير الماء فإن لم يكن له دم سائل كالذباب والزنبور والعقرب والسمك والجراد ونحوها لا ينجس بالموت ولا ينجس ما يموت فيه من المائع سواء كان ماء أو غيره من المائعات كالخل واللبن والعصير وأشباه ذلك وسواء كان بريا أو مائيا كالعقرب المائي ونحوه وسواء كان السمك طافيا أو غير طاف وقال الشافعي إن كان شيئا يتولد من المائع كدود الخل أو ما يباح أكله بعد الموت كالسمك والجراد لا ينجس قولا واحدا وله في الذباب والزنبور قولان ويحتج بظاهر قوله تعالى حرمت عليكم الميتة ثم خص منه السمك والجراد بالحديث والذباب والزنبور بالضرورة ولنا ما ذكرنا أن نجاسة الميتة ليست لعين الموت فإن الموت موجود في السمك والجراد ولا يوجب التنجيس ولكن لما فيها من الدم المسفوح ولا دم في هذه الأشياء
وإن كان له دم سائل فإن كان بريا ينجس بالموت وينجس المائع الذي يموت فيه سواء كان ماء أو غيره وسواء مات في المائع أو في غيره ثم وقع فيه كسائر الحيوانات الدموية لأن الدم السائل نجس فينجس ما يجاوره إلا الآدمي إذا كان مغسولا لأنه طاهر ألا يرى أنه تجوز الصلاة عليه وإن كان مائيا كالضفدع المائي والسرطان ونحو ذلك فإن مات في الماء لا ينجسه في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف في غير رواية الأصول أنه قال لو أن حية من حيات الماء ماتت في الماء إن كانت بحال لو جرحت لم يسل منها الدم لا توجب التنجيس وإن كانت لو جرحت لسال منها الدم توجب التنجيس وجه ظاهر الرواية ما علل به محمد في كتاب الصلاة فقال لأن هذا مما يعيش في الماء ثم إن بعض المشايخ وهم مشايخ بلخ فهموا من تعليل محمد أنه لا يمكن صيانة المياه عن موت هذه الحيوانات فيها لأن معدنها الماء فلو أوجب موتها فيها التنجيس لوقع الناس في الحرج وبعضهم وهم مشايخ العراق فهموا من تعليله أنها إذا كانت تعيش في الماء لا يكون لها دم إذ الدموي لا يعيش في الماء لمخالفة بين طبيعة الماء وبين طبيعة الدم فلم تتنجس في نفسها لعدم الدم المسفوح فلا توجب تنجيس ما جاورها ضرورة وما يرى في بعضها من صورة الدم فليس بدم حقيقة ألا ترى أن السمك يحل بغير ذكاة مع أن الذكاة شرعت لإراقة الدم المسفوح ولذا إذا شمس دمه يبيض ومن طبع الدم أنه إذا شمس اسود وإن مات في غير الماء فعلى قياس العلة الأولى يوجب التنجيس لأنه يمكن صيانة سائر المائعات عن موتها فيها وعلى قياس العلة الثانية لا يوجب التنجيس لانعدام الدم المسفوح فيها وروي عن نصير بن يحيى أنه قال سألت أبا مطيع البلخي وأبا معاذ عن الضفدع يموت في العصير فقالا يصب وسألت أبا عبد الله البلخي ومحمد بن مقاتل الرازي فقالا لا يصب وعن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام أنه كان يقول يفسد وذكر الكرخي عن أصحابنا أن كل ما لا يفسد الماء لا يفسد غير الماء وهكذا روى هشام عنهم وهذا أشبه بالفقه والله أعلم ويستوي الجواب بين المتفسخ وغيره في طهارة الماء ونجاسته إلا أنه يكره شرب المائع الذي تفسخ فيه لأنه لا يخلو عن أجزاء ما يحرم أكله ثم الحد الفاصل بين المائي والبري أن المائي هو الذي لا يعيش إلا في الماء والبري هو الذي لا يعيش إلا في البر وأما الذي يعيش فيهما جميعا كالبط والأوز ونحو ذلك فلا خلاف أنه إذا مات في غير الماء يوجب التنجيس لأنه له دما سائلا والشرع لم يسقط اعتباره حتى لا يباح أكله بدون الزكاة ( ( ( الذكاة ) ) ) بخلاف السمك وإن مات في الماء روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يفسد هذا الذي ذكرنا حكم وقوع النجاسة في المائع فأما إذا أصاب الثوب أو البدن أو مكان الصلاة أما حكم الثوب والبدن فنقول وبالله التوفيق النجاسة لا تخلو إما إن كانت غليظة أو خفيفة قليلة أو كثيرة أما النجاسة القليلة فإنها لا تمنع جواز الصلاة سواء كانت خفيفة أو غليظة استحسانا والقياس أن تمنع وهو قول زفر والشافعي إلا إذا كانت لا تأخذها العين أو ما لا يمكن الاحتراز عنه وجه القياس أن الطهارة عن النجاسة الحقيقية ( ( ( الحقيقة ) ) ) شرط جواز الصلاة كما أن الطهارة عن النجاسة الحكمية وهي الحدث شرط ثم هذا الشرط ينعدم بالقليل من الحدث بأن بقي على جسده لمعة فكذا بالقليل من النجاسة الحقيقية
ولنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن القليل من النجاسة في الثوب فقال إذا كان مثل ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة ولأن القليل من النجاسة مما لا يمكن الاحتراز عنه فإن الذباب يقعن على النجاسة ثم يقعن على ثياب المصلي ولا بد وأن يكون على أجنحتهن وأرجلهن نجاسة قليلة فلو لم يجعل عفوا لوقع الناس في الحرج ومثل هذه البلوى في الحدث منعدمة ولأنا أجمعنا على جواز الصلاة بدون الاستنجاء بالماء ومعلوم أن الاستنجاء بالأحجار لا يستأصل النجاسة حتى لو جلس في الماء القليل أفسده فهو دليل ظاهر على أن القليل من النجاسة عفو ولهذا قدرنا بالدرهم على سبيل الكناية عن موضع خروج الحدث كذا قاله إبراهيم النخعي إنهم استقبحوا ذكر المقاعد في مجالسهم فكنوا عنه بالدرهم تحسينا للعبارة وأخذا بصالح الأدب وأما النجاسة الكثيرة فتمنع جواز الصلاة واختلفوا في الحد الفاصل بين القليل والكثير من النجاسة قال إبراهيم النخعي إذا بلغ مقدار الدرهم فهو كثير وقال الشعبي لا يمنع حتى يكون أكثر من قدر الدرهم الكبير وهو قول عامة العلماء وهو الصحيح لما روينا عن عمر رضي الله عنه أنه عد مقدار ظفره ( ( ( ظفر ) ) ) من النجاسة قليلا حيث لم يجعله مانعا من جواز الصلاة وظفره كان قريبا من كفنا فعلم أن قدر الدرهم عفو ولأن أثر النجاسة في موضع الاستنجاء عفو وذلك يبلغ قدر الدرهم خصوصا في حق المبطون ولأن في ديننا سعة وما قلناه أوسع فكان أليق بالحنيفية السمحة ثم لم يذكر في ظاهر الرواية صريحا أن المراد من الدرهم الكبير من حيث العرض والمساحة أو من حيث الوزن وذكر في النوادر الدرهم الكبير ما يكون عرض الكف وهذا موافق لما روينا من حديث عمر رضي الله عنه لأن ظفره كان كعرض كف أحدنا وذكر الكرخي مقدار مساحة الدرهم الكبير وذكر في كتاب الصلاة الدرهم الكبير المثقال فهذا يشير إلى الوزن وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني لما اختلفت عبارات محمد في هذا فنوفق ونقول أراد بذكر العرض تقدير المائع كالبول والخمر ونحوهما وبذكر الوزن تقدير المستجسد كالعذرة ونحوها فإن كانت أكثر من مثقال ذهب وزنا تمنع وإلا فلا وهو المختار عند مشايخنا بما وراء النهر وأما حد الكثير من النجاسة الخفيفة فهو الكثير الفاحش في ظاهر الرواية وروي عن أبي يوسف أنه قال سألت أبا حنيفة عن الكثير الفاحش فكره أن يحد له حدا وقال الكثير الفاحش ما يستفحشه الناس ويستكثرونه وروى الحسن عنه أنه قال شبر في شبر وهو المروي عن أبي يوسف أيضا وروي عنه ذراع في ذراع وروى أكثر من نصف الثوب وروي نصف الثوب ثم في رواية نصف كل الثوب وفي رواية نصف طرف منه أما التقدير بأكثر من النصف فلأن الكثرة والقلة من الأسماء الإضافية لا يكون الشيء قليلا إلا أن يكون بمقابلته كثير وكذا لا يكون كثيرا إلا وأن يكون بمقابلته قليل والنصف ليس بكثير لأنه ليس في مقابلته قليل فكان الكثير أكثر من النصف لأن بمقابلته ما هو أقل منه وأما التقدير بالنصف فلأن العفو هو القليل والنصف ليس بقليل إذ ليس بمقابلته ما هو أقل منه وأما التقدير بالشبر فلأن أكثر الضرورة تقع لباطن الخفاف وباطن الخفين شبر في شبر وأما التقدير بالذراع فلأن الضرورة في ظاهر الخفين وباطنهما وذلك ذراع في ذراع
وذكر الحاكم في مختصره عن أبي حنيفة ومحمد الربع وهو الأصح لأن للربع حكم الكل في أحكام الشرع في موضع الاحتياط ولا عبرة بالكثرة والقلة حقيقة ألا ترى أن الدرهم جعل حدا فاصلا بين القليل والكثير شرعا مع انعدام ما ذكر إلا أنه لا يمكن التقدير بالدرهم في بعض النجاسات لانحطاط رتبتها عن المنصوص عليها فقدر بما هو كثير في الشرع في موضع الاحتياط وهو الربع واختلف المشايخ في تفسير الربع قيل ربع جميع الثوب لأنهما قدراه بربع الثوب والثوب اسم للكل وقيل ربع كل عضو وطرف إصابته النجاسة من اليد والرجل والذيل والكم والدخريص لأن كل قطعة منها قبل الخياطة كان ثوبا على حدة فكذا بعد الخياطة وهو الأصح ثم لم يذكر في ظاهر الرواية تفسير النجاسة الغليظة والخفيفة وذكر الكرخي أن النجاسة الغليظة عند أبي حنيفة ما ورد نص على نجاسته ولم يرد نص على طهارته معارضا له وإن اختلف العلماء فيه والخفيفة ما تعارض نصان في طهارته ونجاسته وعند أبي يوسف ومحمد الغليظة ما وقع الاتفاق على نجاسته والخفيفة ما اختلف العلماء في نجاسته وطهارته إذا عرف هذا الأصل فالأرواث كلها نجسة نجاسة غليظة عند أبي حنيفة لأنه ورد نص يدل على نجاستها وهو ما روينا عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي طلب منه ليلة الجن أحجار الاستنجاء فأتي بحجرين وروثة فأخذ الحجرين ورمى بالروثة وقال إنها رجس أو ركس أي نجس وليس له نص معارض وإنما قال بعض العلماء بطهارتها بالرأي والاجتهاد والاجتهاد لا يعارض النص فكانت نجاستها غليظة وعلى قولهما نجاستها خفيفة لأن العلماء اختلفوا فيها وبول ما لا يؤكل لحمه نجس نجاسة غليظة بالإجماع على اختلاف الأصلين أما عنده فلانعدام نص معارض لنص النجاسة وأما عندهما فلوقوع الاتفاق على نجاسته وبول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة بالاتفاق أما عنده فلتعارض النصين وهما حديث العرنيين مع حديث عمار وغيره في البول مطلقا وأما عندهما فلاختلاف العلماء فيه وأما العذرات وخرء الدجاج والبط فنجاستها غليظة بالإجماع على اختلاف الأصلين هذا على وجه البناء على الأصل الذي ذكره الكرخي وأما الكلام في الأرواث على طريقة الابتداء فوجه قولهما أن في الأرواث ضرورة وعموم البلية لكثرتها في الطرقات فتتعذر صيانة الخفاف والنعال عنها وما عمت بليته خفت قضيته بخلاف خرء الدجاج والعذرة لأن ذلك قلما يكون في الطرق فلا تعم البلوى بإصابته وبخلاف بول ما يؤكل لحمه لأن ذلك تنشفه الأرض ويجف بها فلا تكثر إصابته الخفاف والنعال وروي عن محمد في الروث أنه لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرا فاحشا وقيل إن هذا آخر أقاويله حين كان بالري وكان الخليفة بها فرأى الطرق والخانات مملوءة من الأرواث وللناس فيها بلوى عظيمة فعلى هذا القياس قال بعض مشايخنا بما وراء النهر إن طين بخارى إذا أصاب الثوب لا يمنع جواز الصلاة وإن كان كثيرا فاحشا لبلوى الناس فيه لكثرة العذرات في الطرق وأبو حنيفة احتج بقوله تعالى من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين جمع بين الفرث والدم لكونهما نجسين ثم بين الأعجوبة للخلق في إخراج ما هو نهاية في الطهارة وهو اللبن من بين شيئين نجسين مع كون الكل مائعا في نفسه ليعرف به كمال قدرته والحكيم إنما يذكر ما هو النهاية في النجاسة ليكون إخراجه ما هو النهاية في الطهارة من بين ما هو النهاية في النجاسة نهاية في الأعجوبة وآية لكمال القدرة ولأنها مستخبثة طبعا ولا ضرورة في إسقاط اعتبار نجاستها لأنها وإن كثرت في الطرقات فالعيون تدركها فيمكن صيانة الخفاف والنعال كما في بول ما لا يؤكل لحمه والأرض وإن كانت تنشف الأبوال فالهواء يجفف الأرواث فلا تلتزق بالمكاعب والخفاف على أنا اعتبرنا معنى الضرورة بالعفو عن القليل منها وهو الدرهم فما دونه فلا ضرورة في الترقية بالتقدير بالكثير الفاحش والله أعلم
ولو أن ثوبا أصابته النجاسة وهي كثيرة فجفت وذهب أثرها وخفي مكانها غسل جميع الثوب وكذا لو أصابت أحد الكمين ولا يدري أيهما هو غسلهما جميعا وكذا إذا راثت البقرة أو بالت في الكديس ولا يدري مكانه غسل الكل احتياطا وقيل إذا غسل موضعا من الثوب كالدخريص ونحوه وأحد الكمين وبعضا من الكديس يحكم بطهارة الباقي وهذا غير سديد لأن موضع النجاسة غير معلوم وليس البعض أولى من البعض ولو كان الثوب طاهرا فشك في نجاسته جاز له أن يصلي فيه لأن الشك لا يرفع اليقين وكذا إذا كان عنده ماء طاهر فشك في وقوع النجاسة فيه ولا بأس بلبس ثياب أهل الذمة والصلاة فيها إلا الإزار والسراويل فإنه تكره الصلاة فيهما وتجوز أما الجواز فلأن الأصل في الثياب هو الطهارة فلا تثبت النجاسة بالشك ولأن التوارث جار فيما بين المسلمين بالصلاة في الثياب المغنومة من الكفرة قبل الغسل وأما الكراهة في الإزار والسراويل فلقربهما من موضع الحدث وعسى لا يستنزهون من البول فصار شبيه يد المستيقظ ومنقار الدجاجة المخلاة وذكر في بعض المواضع في الكراهة خلافا على قول أبي حنيفة ومحمد يكره وعلى قول أبي يوسف لا يكره وروي عن رسول الله أنه سئل عن الشراب في أواني المجوس فقال إن لم تجدوا منها بدا فاغسلوها ثم اشربوا فيها وإنما أمر بالغسل لأن ذبائحهم ميتة وأوانيهم قلما تخلوا ( ( ( تخلو ) ) ) عن دسومة منها قال بعض مشايخنا وكذلك الجواب في ثياب الفسقة من المسلمين لأن الظاهر أنهم لا يتوقون إصابة الخمر ثيابهم في حال الشرب وقالوا في الديباج الذي ينسجه أهل فارس أنه لا تجوز الصلاة فيه لأنهم يستعملون فيه البول عند النسج يزعمون أنه يزيد في بريقه ثم لا يغسلونه لأن الغسل يفسده فإن صح إنهم يفعلون ذلك فلا شك إنه لا تجوز الصلاة معه وأما حكم مكان الصلاة فالمصلي لا يخلو إما إن كان يصلي على الأرض أو على غيرها من البساط ونحوه ولا يخلو إما إن كانت النجاسة في مكان الصلاة أو في غيره بقرب منه ولا يخلو إما إن كانت قليلة أو كثيرة فإن كان يصلي على الأرض والنجاسة بقرب من مكان الصلاة جازت صلاته قليلة كانت أو كثيرة لأن شرط الجواز طهارة مكان الصلاة وقد وجد لكن المستحب أن يبعد عن موضع النجاسة تعظيما لأمر الصلاة وإن كانت النجاسة في مكان الصلاة فإن كانت قليلة تجوز على أي موضع كانت لأن قليل النجاسة عفو في حق جواز الصلاة عندنا على ما مر وإن كانت كثيرة فإن كانت في موضع اليدين والركبتين تجوز عند أصحابنا الثلاثة وعند زفر والشافعي لا تجوز وجه قولهما أنه أدى ركنا من أركان الصلاة مع النجاسة فلا يجوز كما لو كانت النجاسة على الثوب أو البدن أو في موضع القيام ولنا أن وضع اليدين والركبتين ليس بركن ولهذا لو أمكنه السجود بدون الوضع يجزئه فيجعل كأنه لم يضع أصلا ولو ترك الوضع جازت صلاته فههنا أولى وهكذا نقول فيما إذا كانت النجاسة على موضع القيام أن ذلك ملحق بالعدم غير أن القيام ركن من أركان الصلاة فلا يثبت الجواز بدونه بخلاف الثوب لأن لابس الثوب صار حاملا للنجاسة مستعملا لها لأنها تتحرك بتحركه وتمشي بمشيه لكونها تبعا للثوب أما ههنا بخلافه وإن كانت النجاسة في موضع القدمين فإن قام عليها وافتتح الصلاة لم تجز لأن القيام ركن فلا يصح بدون الطهارة كما لو افتتحها مع الثوب النجس أو البدن النجس
وإن قام على مكان طاهر وافتتح الصلاة ثم تحول إلى موضع النجاسة وقام عليها أو قعد فإن مكث قليلا لا تفسد صلاته وإن أطال القيام فسدت لأن القيام من أفعال الصلاة مقصودا لأنه ركن فلا يصح بدون الطهارة فيخرج من أن يكون فعل الصلاة لعدم الطهارة وما ليس من أفعال الصلاة إذا دخل في الصلاة إن كان قليلا يكون عفوا وإلا فلا بخلاف ما إذا كانت النجاسة على موضع اليدين والركبتين حيث لا تفسد صلاته وان أطال الوضع لأن الوضع ليس من أفعال الصلاة مقصودا بل من توابعها فلا يخرج من أن يكون فعل الصلاة تبعا لعدم الطهارة لوجود الطهارة في الأصل وإن كانت النجاسة في موضع السجود لم يجز في قول أبي يوسف ومحمد وعن أبي حنيفة روايتان روى عنه محمد أنه لا يجوز وهو الظاهر من مذهبه وروى أبو يوسف عنه أنه يجوز وجه قولهما أن الفرض هو السجود على الجبهة وقدر الجبهة أكثر من قدر الدرهم فلا يكون عفوا وجه رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة أن فرض السجود يتأدى بمقدار أرنبة الأنف عنده وذلك أقل من قدر الدرهم فيجوز والصحيح رواية محمد لأن الفرض وإن كان يتأدى بمقدار الأرنبة عنده ولكن إذا وضع الجبهة مع الأرنبة يقع الكل فرضا كما إذا طول القراءة زيادة على ما يتعلق به جواز الصلاة ومقدار الجبهة والأنف يزيد على قدر الدرهم فلا يكون عفوا ثم قوله إذا سجد على موضع نجس لم تجز أي صلاته كذا ذكر في ظاهر الرواية وهو قول زفر وروي عن أبي يوسف أنه لم يجز سجوده فأما الصلاة فلا تفسد حتى لو أعاد السجود على موضع طاهر جازت صلاته ووجهه أن السجود على موضع نجس ملحق بالعدم لانعدام شرط الجواز وهو الطهارة فصار كأنه لم يسجد عليه وسجد على مكان ظاهر ( ( ( طاهر ) ) ) وجه ظاهر الرواية أن السجدة أو ركن ( ( ( ركنا ) ) ) آخر لما لم يجز على موضع نجس صار فعلا كثيرا ليس من أفعال الصلاة وذا يوجب فساد الصلاة ولو كانت النجاسة في موضع إحدى القدمين على قياس رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة يجوز لأن أدنى القيام هو القيام بإحدى القدمين وإحداهما طاهرة فيتأدى به الفرض فكان وضع الأخرى فضلا بمنزلة وضع اليدين والركبتين وعلى قياس رواية محمد عنه لا يجوز وهو الصحيح لأنه إذا وضعهما جميعا يتأدى الفرض بهما كما في القراءة على ما مر والله أعلم هذا إذا كان يصلي على الأرض فأما إذا كان يصلي على بساط فإن كانت النجاسة في مكان الصلاة وهي كثيرة فحكمه حكم الأرض على ما مر وإن كانت على طرف من أطرافه اختلف المشايخ فيه قال بعضهم إن كان البساط كبيرا بحيث لو رفع طرف منه لا يتحرك الطرف الآخر يجوز وإلا فلا كما إذا تعمم بثوب وأحد طرفيه ملقى على الأرض وهو نجس أنه إن كان بحال لا يتحرك بتحركه جاز وإن كان يتحرك بحركته لا يجوز والصحيح أنه يجوز صغيرا كان أو كبيرا بخلاف العمامة والفرق أن الطرف النجس من العمامة إذا كان يتحرك بتحركه صار حاملا للنجاسة مستعملا لها وهذا لا يتحقق في البساط ألا ترى أنه لو وضع يديه أو ركبتيه على الموضع النجس منه يجوز ولو صار حاملا لما جاز ولو صلى على ثوب مبطن ظهارته طاهرة وبطانته نجسة روي عن محمد أنه يجوز وكذا ذكر في نوادر الصلاة وروي عن أبي يوسف أنه لا يجوز ومن المشايخ من وفق بين الروايتين فقال جواب محمد فيما إذا كان مخيطا غير مضرب فيكون بمنزلة ثوبين والأعلى منهما طاهر وجواب أبي يوسف فيما إذا كان مخيطا مضربا فيكون بمنزلة ثوب واحد ظاهره طاهر وباطنه نجس ومنهم من حقق فيه الاختلاف فقال على قول محمد يجوز كيفما ما كان وعلى قول أبي يوسف لا يجوز كيفما ما كان
وعلى هذا إذا صلى على حجر الرحا أو على باب أو بساط غليظ أو على مكعب ظاهره طاهر وباطنه نجس يجوز عند محمد وبه كان يفتي الشيخ أبو بكر الإسكاف وعند أبي يوسف لا يجوز وبه كان يفتي الشيخ أبو حفص الكبير فأبو يوسف نظر إلى اتحاد المحل فقال المحل محل واحد فاستوى ظاهره وباطنه كالثوب الصفيق ومحمد اعتبر الوجه الذي يصلي عليه فقال إنه صلى في موضع طاهر وليس هو حاملا للنجاسة فتجوز كما إذا صلى على ثوب تحته ثوب نجس بخلاف الثوب الصفيق لأن الثوب وإن كان صفيقا فالظاهر نفاذ الرطوبات إلى الوجه الآخر إلا أنه ربما لا تدركه العين لتسارع الجفاف إليه ولو أن بساطا غليظا أو ثوبا مبطنا مضربا وعلى كلي ( ( ( كلا ) ) ) وجهيه نجاسة أقل من قدر الدرهم في موضعين مختلفين لكنهما لو جمعا يزيد على قدر الدرهم على قياس رواية أبي يوسف يجمع ولا تجوز صلاته لأنه ثوب واحد ونجاسة واحدة وعلى قياس رواية محمد لا يجمع وتجوز صلاته لأن النجاسة في الوجه الذي يصلي فيه أقل من قدر الدرهم ولو كان ثوبا صفيقا والمسألة بحالها لا يجوز بالإجماع لما ذكرنا أن الظاهر هو النفاذ إلى الجانب الآخر وإن كان لا يدركه الحس فاجتمع في وجه واحد نجاستان لو جمعنا ( ( ( جمعتا ) ) ) يزيد على قدر الدرهم فيمنع الجواز ولو أن ثوبا أو بساطا أصابه ( ( ( أصابته ) ) ) النجاسة ونفذت إلى الوجه الآخر وإذا جمعا يزيد على قدر الدرهم لا يجمع بالإجماع أما على قياس رواية أبي يوسف فلأنه ثوب واحد ونجاسة واحدة وأما على قياس رواية محمد فلأن النجاسة في الوجه الذي يصلي عليه أقل من قدر الدرهم وكذا إذا كان الثوب مبطنا مضربا والمسألة بحالها لا يجمع بالإجماع لما قلنا فصل وأما بيان ما يقع به التطهير فالكلام في هذا الفصل يقع في ثلاثة مواضع أحدها في بيان ما يقع به التطهير والثاني في بيان طريق التطهير بالغسل والثالث في بيان شرائط التطهير أما الأول فما يحصل به التطهير أنواع منها الماء المطلق ولا خلاف في أنه يحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية جميعا لأن الله تعالى سمى الماء طهورا بقوله وأنزلنا من السماء ماء طهورا وكذا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه والطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره وكذا جعل الله تعالى الوضوء والاغتسال بالماء طهورا بقوله في آخر آية الوضوء ولكن يريد ليطهركم وقوله وإن كنتم جنبا فاطهروا ويستوي العذب والملح لإطلاق النصوص وأما ما سوى الماء من المائعات الطاهرة فلا خلاف في أنه لا تحصل بها الطهارة الحكمية وهي زوال الحدث وهل تحصل بها الطهارة الحقيقة ( ( ( الحقيقية ) ) ) وهي زوال النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن اختلف فيه فقال أبو حنيفة وأبو يوسف تحصل وقال محمد وزفر والشافعي لا تحصل وروي عن أبي يوسف أنه فرق بين الثوب والبدن فقال في الثوب تحصل وفي البدن لا تحصل إلا بالماء وجه قولهم إن طهورية الماء عرفت شرعا بخلاف القياس لأنه بأول ملاقاته النجس صار نجسا والتطهير بالنجس لا يتحقق كما إذا غسل بماء نجس أو بالخمر إلا أن الشرع أسقط اعتبار نجاسة الماء حالة الاستعمال وبقاؤه طهورا على خلاف القياس فلا يلحق به غيره ولهذا لم يلحق به في إزالة الحدث ولهما أن الواجب هو التطهير وهذه المائعات تشارك الماء في التطهير لأن الماء إنما كان مطهرا لكونه مائعا رقيقا يداخل أثناء الثوب فيجاور أجزاء النجاسة فيرققها إن كانت كثيفة فيستخرجها بواسطة العصر وهذه المائعات في المداخلة والمجاورة والترقيق مثل الماء فكانت مثله في إفادة الطهارة بل أولى فإن الخل يعمل في إزالة بعض ألوان لا تزول بالماء فكان في معنى التطهير أبلغ
وأما قولهم أن الماء بأول ملاقاة النجس صار نجسا ممنوع والماء قط لا يصير نجسا وإنما يجاور النجس فكان طاهرا في ذاته فصلح مطهرا ولو تصور تنجس الماء فذلك بعد مزايلته المحل النجس لأن الشرع أمرنا بالتطهير ولو تنجس بأول الملاقاة لما تصور التطهير فيقع التكليف بالتطهير عبثا تعالى الله عن ذلك فهكذا نقول في الحدث إلا أن الشرع ورد بالتطهير بالماء هناك تعبدا غير معقول المعنى فيقتصر على مورد التعبد وهذا إذا كان مائعا ينعصر بالعصر فإن كان لا ينعصر مثل العسل والسمن والدهن ونحوها لا تحصل به الطهارة أصلا لانعدام المعاني التي يقف عليها زوال النجاسة على ما بينا ومنها الفرك والحت بعد الجفاف في بعض الأنجاس في بعض المحال وبيان هذه الجملة إذا أصاب المني الثوب وجف وفرك طهر استحسانا والقياس أن لا يطهر إلا بالغسل وإن كان رطبا لا يطهر إلا بالغسل والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها إذا رأيت المني في ثوبك إن كان رطبا فاغسليه وإن كان يابسا فافركيه ولأنه شيء غليظ لزج لا يتشرب في الثوب إلا رطوبته ثم تنجذب تلك الرطوبة بعد الجفاف فلا يبقى إلا عينه وأنها تزول بالفرك بخلاف الرطب لأن العين وإن زالت بالحت فأجزاؤها المتشربة في الثوب قائمة فبقيت النجاسة وإن أصاب البدن فإن كان رطبا لا يطهر إلا بالغسل لما بينا وإن جف فهل يطهر بالحت روى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يطهر وذكر الكرخي أنه يطهر وجه رواية الحسن أن القياس أن لا يطهر في الثوب إلا بالغسل وإنما عرفناه بالحديث وأنه ورد في الثوب بالفرك فبقي البدن مع أنه لا يحتمل الفرك على أصل القياس وجه قول الكرخي أن النص الوارد في الثوب يكون واردا في البدن من طريق الأولى لأن البدن أقل تشربا من الثوب والحت في البدن يعمل عمل الفرك في الثوب في إزالة العين وأما سائر النجاسات إذا أصابت الثوب أو البدن ونحوهما فإنها لا تزول إلا بالغسل سواء كانت رطبة أو يابسة وسواء كانت سائلة أو لها جرم ولو أصاب ثوبه خمر فألقي عليها الملح ومضى عليه من المدة مقدار ما يتخلل فيها لم يحكم بطهارته حتى يغسله ولو أصابه عصير فمضى عليه من المدة مقدار ما يتخمر العصير فيها لا يحكم بنجاسته وإن أصاب الخف أو النعل ونحوهما فإن كانت رطبة لا تزول إلا بالغسل كيفما كانت وروي عن أبي يوسف أنه يطهر بالمسح على التراب كيفما كانت مستجسدة أو مائعة وإن كانت يابسة فإن لم يكن لها جرم كثيف كالبول والخمر والماء النجس لا يطهر إلا بالغسل وإن كان لها جرم كثيف فإن كان منيا فإنه يطهر بالحت بالإجماع وإن كان غيره كالعذرة والدم الغليظ والروث يطهر بالحت عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا يطهر إلا بالغسل وهو أحد قولي الشافعي وما قالاه استحسان وما قاله قياس وجه القياس أن غير الماء لا أثر له في الإزالة وكذا القياس في الماء لما بينا فيما تقدم إلا أنه يجعل طهورا للضرورة والضرورة ترتفع بالماء فلا ضرورة في غيره ولهذا لم يؤثر في إزالة الرطب واليابس والسائل وفي الثوب وهذا هو القياس في المني إلا أنا عرفناه بالنص