Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî)

محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي أبو الوليد · AR

قسم V01/P038–V01/P039İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî) (s. V01/P038–V01/P039)

المسألة السابعة اختلف الفقهاء في المستحاضة إذا تمادى بها الدم متى يكون حكمها حكم الحائض كما اختلفوا في الحائض إذا تمادى بها الدم متى يكون حكمها حكم المستحاضة وقد تقدم ذلك فقال مالك في المستحاضة أبدا حكمها حكم الطاهرة إلى أن يتغير الدم إلى صفة الحيض وذلك إذا مضى لاستحاضتها من الأيام ما هو أكثر من أقل أيام الطهر فحينئذ تكون حائضا أعني إذا اجتمع لها هذان الشيئان تغير الدم وأن يمر لها في الاستحاضة من الأيام ما يمكن أن يكون طهرا وإلا فهي مستحاضة أبدا وقال أبو حنيفة تقعد أيام عادتها إن كانت لها عادة وإن كانت مبتدأة قعدت أكثر الحيض وذلك عنده عشرة أيام وقال الشافعي تعمل على التمييز إن كانت من أهل التمييز وإن كانت من أهل العادة عملت على العادة وإن كانت من أهلهما معا فله في ذلك قولان أحدهما تعمل على التمييز والثاني على العادة والسبب في اختلافهم أن في ذلك حديثين مختلفين أحدهما حديث عائشة عن فاطمة بنت أبي حبيش أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرها وكانت مستحاضة أن تدع الصلاة قدر أيامها التي كانت تحيض فيها قبل أن يصيبها الذي أصابها ثم تغتسل وتصلي وفي معناه أيضا حديث أم سلمة المتقدم الذي خرجه مالك والحديث الثاني ما خرجه أبو داود من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت استحيضت فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إن دم االحيضة أسود يعرف فإذا كان ذلك فامكثي عن الصلاة وإذا كان الاخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق وهذا الحديث صححه أبو محمد بن حزم فمن هؤلاء من ذهب مذهب الترجيح ومنهم من ذهب مذهب الجمع فمن ذهب مذهب ترجيح حديث أم سلمة وما ورد في معناه قال باعتبار الأيام و مالك رضي الله عنه اعتبر عدد الأيام فقط في الحائض التي تشك في الحيض أعني لا عددها ولا موضعها من الشهر إذ كان عندها ذلك معلوما والنص إنما جاء في المستحاضة التي تشك في الحيض فاعتبر الحكم في الفرع ولم يعتبره في الأصل وهذا غريب فتأمله ومن رجح حديث فاطمة بنت أبي حبيش قال باعتبار اللون ومن هؤلاء من راعى مع اعتبار لون الدم مضي ما يمكن أن يكون طهرا من أيام الاستحاضة وهو قول مالك فيما حكاه عبد الوهاب ومنهم من لم يراع ذلك ومن جمع بين الحديثين قال الحديث الأول هو في التي تعرف عدد أيامها من الشهر وموضعها والثاني في التي لا تعرف عددها ولا موضعها وتعرف لون الدم ومنهم من رأى أنها إن لم تكن من أهل التمييز ولا تعرف موضع أيامها من الشهر وتعرف عددها أو لا تعرف عددها أنها تتحرى على حديث حمنة بنت جحش صححه الترمذي وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وسيأتي الحديث بكماله عند حكم المستحاضة في الطهر فهذه هي مشهورات المسائل التي في هذا الباب وهي بالجملة واقعة في أربعة مواضع أحدها معرفة انتقال الطهر إلى الحيض والثاني معرفة انتقال الحيض إلى الطهر والثالث معرفة انتقال الحيض إلى الاستحاضة والرابع معرفة انتقال الاستحاضة إلى الحيض وهو الذي وردت فيه الأحاديث وأما الثلاثة فمسكوت عنها أعني عن تحديدها وكذلك الأمر في انتقال النفاس إلى الاستحاضة الباب الثالث وهو معرفة أحكام الحيض والاستحاضة والأصل في هذا الباب قوله تعالى ويسألونك عن المحيض الاية والأحاديث الواردة في ذلك التي سنذكرها واتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء أحدها فعل الصلاة ووجوبها أعني أنه ليس يجب على الحائض قضاؤها بخلاف الصوم والثاني أنه يمنع فعل الصوم لا قضاؤه وذلك لحديث عائشة الثابت أنها قالت كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة وإنما قال بوجوب القضاء عليها طائفة من الخوارج

قسم V01/P039–V01/P041İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî) (s. V01/P039–V01/P041)

والثالث فيما أحسب الطواف لحديث عائشة الثابت حين أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفعل كل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت والرابع الجماع في الفرج لقوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض الاية واختلفوا من أحكامها في مسائل نذكر منها مشهوراتها وهي خمس المسألة الأولى اختلف الفقهاء في مباشرة الحائض وما يستباح منها فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة له منها ما فوق الإزار فقط وقال سفيان الثوري وداود الظاهري إنما يجب عليه أن يجتنب موضع الدم فقط وسبب اختلافهم ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك والاحتمال الذي في مفهوم الصلاة والسلام كان يأمر إذا كانت إحداهن حائضا أن تشد عليها إزارها ثم يباشرها وورد أيضا من حديث ثابت بن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اصنعوا كل شيء بالحائض إلا النكاح وذكر أبو داود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها وهي حائض اكشفي عن فخذك قالت فكشفت فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفىء وكان قد أوجعه البرد وأما الاحتمال الذي في آية الحيض فهو تردد قوله تعالى قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض بين أن يحمل على عمومه إلا ما خصصه الدليل أو أن يكون من باب العام أريد به الخاص بدليل قوله تعالى فيه قل هو أذى والأذى إنما يكون في موضع الدم فمن كان المفهوم منه عنده العموم أعني أنه إذا كان الواجب عنده أن يحمل هذا القول على عمومه حتى يخصصه الدليل استثنى من ذلك ما فوق الإزار بالسنة إذ المشهور جواز تخصيص الكتاب بالسنة عند الأصوليين ومن كان عنده من باب العام أريد به الخاص رجح هذه الاية على الاثار المانعة مما تحت الإزار وقوى ذلك عنده بالاثار المعارضة للاثار المانعة مما تحت الإزار الجمع بين هذه الاثار وبين مفهوم الاية على هذا المعنى الذي نبه عليه الخطاب الوارد فيها وهو كونه أذى فحمل أحاديث المنع لما تحت الإزار على الكراهية وأحاديث الإباحة ومفهوم الاية على الجواز ورجحوا تأويلهم هذا بأنه قد دلت السنة أنه ليس من جسم الحائض شيء نجس إلا موضع الدم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عائشة أن تناوله الخمرة وهي حائض فقالت إني حائض فقال عليه الصلاة والسلام إن حيضتك ليست في يدك وما ثبت أيضا من ترجيلها رأسه عليه الصلاة والسلام وهي حائض وقوله عليه الصلاة والسلام إن المؤمن لا ينجس المسألة الثانية اختلفوا في وطء الحائض في طهرها وقبل الاغتسال فذهب مالك والشافعي والجمهور إلى أن ذلك لا يجوز حتى تغتسل وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ذلك جائز إذا طهرت لأكثر أمد الحيض وهو حائض طهرت متى طهرت وبه قال أبو محمد بن حزم وسبب اختلافهم الاحتمال الذي في قوله تعالى فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله هل المراد به الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء ثم إن كان الطهر بالماء فهل المراد به طهر جميع الجسد أم طهر الفرج فإن الطهر في كلام العرب وعرف الشرع اسم مشترك يقال على هذه الثلاثة المعاني وقد رجح الجمهور مذهبهم بأن صيغة التفعل إنما تنطلق على ما يكون من فعل المكلفين لا على ما يكون من فعل غيرهم فيكون قوله تعالى فإذا تطهرن أظهر في معنى الغسل بالماء منه في الطهر الذي هو انقطاع الدم والأظهر يجب المصير إليه حتى يدل الدليل على خلافه ورجح أبو حنيفة مذهبه بأن لفظ يفعلن في قوله تعالى حتى يطهرن هو أظهر في الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض منه في التطهر بالماء والمسألة كما ترى محتملة

قسم V01/P041–V01/P042İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî) (s. V01/P041–V01/P042)

ويجب على من فهم من لفظ الطهر في قوله تعالى حتى يطهرن معنى واحدا من هذه المعاني الثلاثة أن يفهم ذلك المعنى بعينه من قوله تعالى فإذا تطهرن لأنه مما ليس يمكن أو مما يعسر أن يجمع في الاية بين معنيين من هذه المعاني مختلفين حتى يفهم من لفظة يطهرن النقاء ويفهم من لفظ تطهرن الغسل بالماء على ما جرت به عادة المالكيين في الاحتجاج لمالك فإنه ليس من عادة العرب أن يقولوا لا تعط فلانا درهما حتى يدخل الدار فإذا دخل المسجد فأعطه درهما بل إنما يقولون وإذا دخل الدار فأعطه درهما لأن الجملة الثانية هي مؤكدة لمفهوم الجملة الأولى ومن تأول قوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن على أنه النقاء وقوله فإذا تطهرن على أنه الغسل بالماء فهو بمنزلة من قال لا تعط فلانا درهما حتى يدخل الدار فإذا دخل المسجد فأعطه درهما وذلك غير مفهوم في كلام العرب إلا أن يكون هنالك محذوف ويكون تقدير الكلام ولا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله وفي تقدير هذا الحذف بعد أما ولا دليل عليه إلا أن يقول قائل ظهور لفظ التطهر في معنى الاغتسال هو الدليل عليه لكن هذا يعارضه ظهور عدم الحذف في الاية فإن الحذف مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أظهر من حمله على المجاز وكذلك فرض المجتهد هاهنا إذا انتهى بنظره إلى مثل هذا الموضع أن يوازن بين الظاهرين فما ترجح عنده منهما على صاحبه عمل عليه وأعني بالظاهرين أن يقايس بين ظهور لفظ فإذا تطهرن في الاغتسال بالماء وظهور عدم الحذف في الاية إن أحب أن يحمل لفظ يطهرن على ظاهره من النقاء فأي الظاهرين كان عنده أرجح عمل عليه أعني إما أن لا يقدر في الاية حذفا ويحمل لفظ فإذا تطهرن على الغسل بالماء أو يقايس بين ظهور لفظ فإذا تطهرن في الاغتسال وظهور لفظ يطهرن في النقاء فأي كان عنده أظهر أيضا صرف تأويل اللفظ الثاني له وعمل على أنهما يدلان في الاية على معنى واحد أعني إما على معنى النقاء وإما على معنى الاغتسال بالماء وليس في طباع النظر الفقهي أن ينتهي في هذه الأشياء إلى أكثر من هذا فتأمله وفي مثل هذه الحال يسوغ أن يقال كل مجتهد مصيب وأما اعتبار أبي حنيفة أكثر الحيض في هذه المسألة فضعيف المسألة الثالثة اختلف الفقهاء في الذي يأتي امرأته وهي حائض فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة يستغفر الله ولا شيء عليه وقال أحمد بن حنبل يتصدق بدينار أو بنصف دينار وقالت فرقة من أهل الحديث إن وطىء في الدم فعليه دينار وإن وطىء في انقطاع الدم فنصف دينار وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الأحاديث الواردة في ذلك أو وهيها وذلك أنه روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض أنه يتصدق بدينار وروي عنه بنصف دينار وكذلك روي أيضا في حديث ابن عباس هذا أنه إن وطىء في الدم فعليه دينار وإن وطىء في انقطاع الدم فنصف دينار وروي في هذا الحديث يتصدق بخمسي دينار وبه قال الأوزاعي فمن صح عنده شيء من هذه الأحاديث صار إلى العمل بها ومن لم يصح عنده شيء منها وهم الجمهور عمل على الأصل الذي هو سقوط الحكم حتى يثبت بدليل المسألة الرابعة اختلف العلماء في المستحاضة فقوم أوجبوا عليها طهرا واحدا فقط وذلك عندما ترى أنه قد انقضت حيضتها بإحدى تلك العلامات التي تقدمت على حسب مذهب هؤلاء في تلك العلامات

قسم V01/P042–V01/P043İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî) (s. V01/P042–V01/P043)

وهؤلاء الذين أوجبوا عليها طهرا واحدا انقسموا قسمين فقوم أوجبوا عليها أن تتوضأ لكل صلاة وقوم استحبوا ذلك لها ولم يوجبوه عليها والذين أوجبوا عليها طهرا واحدا فقط هم مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وأكثر فقهاء الأمصار وأكثر هؤلاء أوجبوا عليهاأن تتوضأ لكل صلاة وبعضهم لم يوجب عليها إلا اسنحباباوهو مذهب مالك وقوم آخرون غير هؤلاء رأوا أن على المستحاضة أن تتطهر لكل صلاة وقوم رأوا أن الواجب أن تؤخر الظهر إلى أول العصر ثم تتطهر وتجمع بين الصلاتين وكذلك تؤخر المغرب إلى آخر وقتها وأول وقت العشاء وتتطهر طهرا ثانيا وتجمع بينهما ثم تتطهر طهرا ثالثا لصلاة الصبح فأوجبوا عليها ثلاثة أطهار في اليوم والليلة وقوم رأوا أن عليها طهرا واحدا في اليوم والليلة ومن هؤلاء من لم يحد له وقتا وهو مروي عن علي ومنهم من رأى أن تتطهر من طهر إلى طهر فيتحصل في المسألة بالجملة أربعة أقوال قول إنه ليس عليها إلا طهر واحد فقط عند انقطاع دم الحيض وقول إن عليها الطهر لكل صلاة وقول إن عليها ثلاثة أطهار في اليوم والليلة وقول إن عليها طهرا واحدا في اليوم والليلة والسبب في اختلافهم في هذه المسألة هو اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك وذلك أن الوارد في ذلك من الأحاديث المشهورة أربعة أحاديث واحد منها متفق على صحته وثلاثة مختلف فيها أما المتفق على صحته فحديث عائشة قالت جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة فقال لها عليه الصلاة والسلام لا إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي وفي بعض روايات هذا الحديث وتوضئي لكل صلاة وهذه الزيادة لم يخرجها البخاري ولا مسلم وخرجها أبو داود وصححها قوم من أهل الحديث والحديث الثاني حديث عائشة عن أم حبيبة بنت جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف أنها استحاضت فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكل صلاة أسنده إسحاق عن الزهري وأما سائر أصحاب الزهري فإنما رووا عنه أنها استحيضت فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها إنما هو عرق وليست بالحيضة وأمرها أن تغتسل وتصلي فكانت تغتسل لكل صلاة على أن ذلك هو الذي فهمت منه لا أن ذلك منقول عن لفظه عليه الصلاة والسلام ومن هذا الطريق خرجه البخاري وأما الثالث فحديث أسماء بنت عميس أنها قالت يا رسول الله إن فاطمة ابنة أبي حبيش استحيضت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتغسل للظهر والعصر غسلا واحدا وللمغرب والغشاء غسلا واحدا وتغتسل للفجر وتتوضأ فيما بين ذلك خرجه أبو داود وصححه أبو محمد بن حزم وأما الرابع فحديث حمنة ابنة جحش وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرها بين أن تصلي الصلوات بطهر واحد عندما ترى أنه قد انقطع دم الحيض وبين أن تغتسل في اليوم والليلة ثلاث مرات على حديث أسماء بنت عميس إلا أن هنالك ظاهره على الوجوب وهنا على التخيير فلما اختلفت ظواهر هذه الأحاديث ذهب الفقهاء في تأويلها أربعة مذاهب مذهب النسخ ومذهب الترجيح ومذهب الجمع ومذهب البناء والفرق بين الجمع والبناء أن الباني ليس يرى أن هنالك تعارضا فيجمع بين الحديثين وأما الجامع فهو يرى أن هنالك تعارضا في الظاهر فتأمل هذا فإنه فرق بين

قسم V01/P043–V01/P044İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî) (s. V01/P043–V01/P044)

أما من ذهب مذهب الترجيح فمن أخذ بحديث فاطمة ابنة أبي حبيش لمكان الاتفاق على صحته عمل على ظاهره أعني من أنه لم يأمرها صلى الله عليه وسلم أن تغتسل لكل صلاة ولا أن تجمع بين الصلوات بغسل واحد ولا بشيء من تلك المذاهب وإلى هذا ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحاب هؤلاء وهم الجمهور ومن صحت عنه من هؤلاء الزيادة الواردة فيه وهو الأمر بالوضوء لكل صلاة أوجب ذلك عليها ومن لم تصح عنده لم يوجب ذلك عليها وأما من ذهب مذهب البناء فقال إنه ليس بين حديث فاطمة وحديث أم حبيبة الذي من رواته ابن إسحاق تعارض أصلا وأن الذي في حديث أم حبيبة من ذلك زيادة على ما في حديث فاطمة فإن حديث فاطمة إنما وقع الجواب فيه عن السؤال هل ذلك الدم حيض يمنع الصلاة أم لا فأخبرها عليه الصلاة والسلام أنها ليست بحيضة تمنع الصلاة ولم يخبرها بوجوب الطهر أصلا لكل صلاة إلا عند انقطاع دم الحيض وفي حديث أم حبيبة أمرها بشيء واحد وهو التطهر لكل صلاة لكن للجمهور أن يقولوا إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فلو كان واجبا عليها الطهر لكل صلاة لأخبرها بذلك ويبعد أن يدعي مدع أنها كانت تعرف ذلك مع أنها كانت تجهل الفرق بين الاستحاضة والحيض وأما تركه عليه الصلاة والسلام إعلامها بالطهر الواجب عليها عند انقطاع دم الحيض فمضمن في قوله إنها ليست بالحيضة لأنه كان معلوما من سنته عليه الصلاة والسلام أن انقطاع الحيض يوجب الغسل فإذا إنما لم يخبرها بذلك لأنها كانت عالمة به وليس الأمر كذلك في وجوب الطهر لكل صلاة إلا أن يدعي مدع أن هذه الزيادة لم تكن قبل ثابتة وتثبت بعد فيتطرق إلى ذلك المسألة المشهورة هل الزيادة نسخ أم لا وقد روي في بعض طرق حديث فاطمة أمره عليه الصلاة والسلام لها بالغسل فهذا هو حال من ذهب مذهب الترجيح ومذهب البناء وأما من ذهب مذهب النسخ فقال إن حديث أسماء بنت عميس ناسخ لحديث أم حبيبة واستدل على ذلك بما روي عن عائشة أن سهلة بنت سهيل استحيضت وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر في غسل واحد والمغرب والعشاء في غسل واحد وتغتسل ثالثا للصبح وأما الذين ذهبوا مذهب الجمع فقالوا إن حديث فاطمة ابنة أبي حبيش محمول على التي تعرف أيام الحيض من أيام الاستحاضة وحديث أم حبيبة محمول على التي لا تعرف ذلك فأمرت بالطهر في كل وقت احتياطا للصلاة وذلك أن هذه إذا قامت إلى الصلاة يحتمل أن تكون طهرت فيجب عليها أن تغتسل لكل صلاة وأما حديث أسماء ها أيام الحيض من أيام الاستحاضة إلا أنه قد ينقطع عنها في أوقات فهذه إذا انقطع عنها الدم وجب عليها أن تغتسل وتصلي بذلك الغسل صلاتين وهنا قوم ذهبوا مذهب التخيير بين حديثي أم حبيبة وأسماء واحتجوا لذلك بحديث حمنة بنت جحش وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرها وهؤلاء منهم من قال إن المخيرة هي التي لا تعرف أيام حيضتها ومنهم من قال بل هي المستحاضة على الإطلاق عارفة كانت أو غير عارفة وهذا هو قول خامس في المسألة إلا أن الذي في حديث حمنة ابنة جحش إنما هو التخيير بين أن تصلي الصلوات كلها بطهر واحد وبين أن تتطهر في اليوم والليلة ثلاث مرات وأما من ذهب إلى أن الواجب أن تطهر في كل يوم مرة واحدة فلعله إنما أوجب ذلك عليها لمكان الشك ولست أعلم في ذلك أثرا المسألة الخامسة اختلف العلماء في جواز وطء المستحاضة على ثلاثة أقوال فقال قوم يجوز وطؤها وهو الذي عليه فقهاء الأمصار وهو مروي عن ابن عباس و سعيد بن المسيب وجماعة من التابعين وقال قوم ليس يجوز وطؤها وهو مروي عن عائشة وبه قالالنخعي والحكم وقال قوم لا يأتيها زوجها إلا أن يطول ذلك بها

قسم V01/P044–V01/P046İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî) (s. V01/P044–V01/P046)

وبهذا القول قال أحمد بن حنبل وسبب اختلافهم هل إباحة الصلاة لها هي رخصة لمكان تأكيد وجوب الصلاة أم إنما أبيحت لها الصلاة لأن حكمها حكم الطاهر فمن رأى أن ذلك رخصة لم يجز لزوجها أن يطأها ومن رأى أن ذلك لأن حكمها حكم الطاهر أباح لها ذلك وهي بالجملة مسألة مسكوت عنها وأما التفريق بين الطول ولا طول فاستحسان كتاب التيمم والقول المحيط بأصول هذا الكتاب يشتمل بالجملة على سبعة أبواب الباب الأول في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها الثاني معرفة من تجوز له هذه الطهارة الثالث في معرفة شروط جواز هذه الطهارة الرابع في صفة هذه الطهارة الخامس فيما تصنع به هذه الطهارة السادس في نواقض هذه الطهارة السابع في الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها أو في استباحتها الباب الأول في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها اتفق العلماء على أن هذه الطهارة هي بدل من هذه الطهارة الصغرى واختلفوا في الكبرى فروي عن عمر وابن مسعود أنهما كانا لا يريانها بدلا من الكبرى وكان علي وغيره من الصحابة يرون أن التيمم يكون بدلا من الطهارة الكبرى وبه قال عامة الفقهاء والسبب في اختلافهم الاحتمال الوارد في آية التيمم وأنه لم تصح عندهم الاثار الواردة بالتيمم للجنب أما الاحتمال الوارد في الاية فلأن قوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا يحتمل أن يعود الضمير الذي فيه على المحدث حدثا أصغر فقط ويحتمل أن يعود عليهما معا لكن من كانت الملامسة عنده في الاية الجماع فالأظهر أنه عائد عليهما معا ومن كانت الملامسة عنده هي اللمس باليد أعني في قوله تعالى أو لامستم النساء فالأظهر أنه إنما يعود الضمير عنده على المحدث حدثا أصغر فقط إذ كانت الضمائر إنما يحمل أبدا عودها على أقرب مذكور إلا أن يقدر في الاية تقديما وتأخيرا حتى يكون تقديرها هكذا يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا نبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ومثل هذا ليس ينبغي أن يصار إليه إلا بدليل فإن التقديم والتأخير مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز وقد يظن أن في الاية شيئا يقتضي تقديما وتأخيرا وهو أن حملها على ترتيبها يوجب أن المرض والسفر حدثان لكن هذا لا يحتاج إليه إذا قدرت أو هاهنا بمعنى الواو وذلك موجود في كلام العرب في مثل قول الشاعر وكان سيان أن لا يسرحوا نعما أو يسرحوه بها واغبرت السرح فإنه إنما يقال سيان زيد وعمرو وهذا هو أحد الأسباب التي أوجبت الخلاف في هذه المسألة وأما ارتيابهم في الاثار التي وردت في هذا المعنى فبين مما خرجه البخاري ومسلم أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال أجنبت فلم أجد الماء فقال لا تصل فقال عمار أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد الماء فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك فقال عمر اتق الله يا عمار فقال إن شئت لم أحدث به وفي بعض الروايات أنه قال له عمر نوليك ما توليت

قسم V01/P046–V01/P047İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî) (s. V01/P046–V01/P047)

وخرج مسلم عن شقيق قال كنت جالسا مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى فقال أبو موسى يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا كيف يصنع بالصلاة فقال عبد الله لأبي موسى لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرا فقال أبو موسى فكيف بهذه الاية في سورة المائدة فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فقال عبد الله لو رخص لهم في هذه الاية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد فقال أبو موسى لعبد الله ألم تسمع لقول عمار وذكر له الحديث المتقدم فقال له عبدالله ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار لكن الجمهور رأوا أن ذلك قد ثبت من حديث عمار وعمران بن الحصين خرجهما البخاري وإن نسيان عمر ليس مؤثرا في وجوب العمل بحديث عمار وأيضا فإنهم استدلوا بجواز التيمم للجنب والحائض بعموم قوله عليخ الصلاة والسلامجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأما حديث عمران بن الحصين فهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال يا فلان أما يكفيك أن تصلي مع القوم فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليه الصلاة والسلام عليك بالصعيد فإنه يكفيك ولموضع هذا الاحتمال اختلفوا هل لمن ليس عنده ماء أن يطأ أهله أم لا يطؤها أعني من يجوز للجنب التيمم الباب الثاني في معرفة من تجوز له هذه الطهارة وأما من تجوز له هذه الطهارة فأجمع العلماء أنها تجوز لاثنين للمريض وللمسافر إذا عدما الماء واختلفوا في أربع المريض يجد الماء ويخاف من استعماله وفي الحاضر يعدم الماء وفي الصحيح المسافر يجد الماء فيمنعه من الوصول إليه خوف وفي الذي يخاف من استعماله من شدة البرد فأما المريض الذي يجد الماء ويخاف من استعماله فقال الجمهور يجوز التيمم له وكذلك الصحيح الذي يخاف الهلاك أو المرض الشديد من برد الماء وكذلك الذي يخاف من الخروج إلى الماء إلا أن معظمهم أوجب عليه الإعادة إذا وجد الماء وقال عطاء لا يتيمم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء وأما الحاضر الصحيح الذي يعدم الماء فذهب مالك والشافعي إلى جواز التيمم له وقال أبو حنيفة لا يجوز التيمم للحاضر الصحيح وإن عدم الماء وسبب اختلافهم في هذه المسائل الأربع التي هي قواعد هذا الباب أما في المريض الذي يخاف من استعمال الماء فهو اختلافهم هل في الاية محذوف مقدر في قوله تعالى وإن كنتم مرضى أو على سفر فمن رأى أن في الاية حذفا وأن تقدير الكلام وإن كنتم مرضى لا تقدرون على استعمال الماء وأن الضمير في قوله تعالى فلم تجدوا ماء إنما يعود على المسافر فقط أجاز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء ومن رأى أن الضمير في فلم تجدوا ماء يعود على المريض والمسافر معا وأنه ليس في الاية حذف لم يجز للمريض إذا وجد الماء التيمم وأما سبب اختلافهم في الحاضر الذي يعدم الماء فاحتمال الضمير الذي في قوله تعالى فلم تجدوا ماء أن يعود على أصناف المحدثين أعني الحاضرين والمسافرين أو على المسافرين فقط فمن رآه عائدا على جميع أصناف المحدثين أجاز التيمم للحاضرين ومن رآه عائدا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يجز التيمم للحاضر الذي عدم الماء وأما سبب اختلافهم في الخائف من الخروج إلى الماء فاختلافهم في قياسه على من عدم الماء وكذلك اختلافهم في الصحيح يخاف من برد الماء السبب فيه اختلافهم في قياسه على المريض الذي يخاف من استعمال الماء وقد رجح مذهبهم القائلون بجواز التيمم للمريض بحديث جابر في المجروح الذي اغتسل فمات فأجاز عليه الصلاة والسلام المسح له وقال قتلوه قتلهم الله وكذلك رجحوا أيضا قياس الصحيح الذي يخاف من برد الماء على المريض بما روى أيضا في ذلك عن عمرو ابن العاص أنه أجنب في ليلة باردة فتيمم وتلا قول الله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فلم يعنف

قسم V01/P047–V01/P049İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî) (s. V01/P047–V01/P049)

الباب الثالث في معرفة شروط جواز هذه الطهارة وأما معرفة شروط هذه الطهارة فيتعلق بها ثلاث مسائل قواعد إحداها هل النية من شرط هذه الطهارة أم لا والثانية هل الطلب شرط في جواز التيمم عند عدم الماء أم لا والثالثة هل دخول الوقت شرط في جواز التيمم أم لا أما المسألة الأولى فالجمهور على أن النية فيها شرط لكونها عبادة غير معقولة المعنى وشذ زفر فقال إن النية ليست بشرط فيها وأنها لا تحتاج إلى نية وقد روي ذلك أيضا عن الأوزاعي والحسن بن حي وهو ضعيف وأما المسألة الثانية فإن مالكا رضي الله عنه اشترط الطلب وكذلك الشافعي ولم يشترطه أبو حنيفة وسبب اختلافهم في هذا هو هل يسمى من لم يجد الماء دون طلب غير واجد للماء أم ليس يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب الماء فلم يجده لكن الحق في هذا أن يعتقد أن المتيقن لعدم الماء إما بطلب متقدم وإما بغير ذلك هو عادم للماء وأما الظان فليس بعادم للماء ولذلك يضعف القول بتكرر الطلب الذي في المذهب في المكان الواحد بعينه ويقوى اشتراطه ابتداء إذا لم يكن هنالك علم قطعي بعدم الماء الباب الرابع في صفة هذه الطهارة وأما صفة هذه الطهارة فيتعلق بها ثلاث مسائل هي قواعد هذا الباب المسألة الأولى اختلف الفقهاء في حد الأيدي التي أمر الله بمسحها في التيمم في قوله فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه على أربعة أقوال القول الأول أن الحد الواجب في ذلك هو الحد الواجب بعينه في الوضوء وهو إلى المرافق وهو مشهور المذهب وبه قال فقهاء الأمصار والقول الثاني أن الفرض هو مسح الكف فقط وبه قال أهل الظاهر وأهل الحديث والقول الثالث الاستحباب إلى المرفقين والفرض الكفان وهو مروي عن مالك والقول الرابع أن الفرض إلى المناكب وهو شاذ روي عن الزهري ومحمد بن مسلمة والسبب في اختلافهم اشتراك اسم اليد في لسان العرب وذلك أن اليد في كلام العرب يقال على ثلاثة معان على الكف فقط وهو أظهرها استعمالا ويقال على الكف والذراع ويقال على الكف والساعد والعضد والسبب الثاني اختلاف الاثار في ذلك وذلك أن حديث عمار المشهور فيه من طرقه الثابتة إنما يكفيك أن تضرب بيدك ثم تنفخ فيها ثم تمسح بها وجهك وكفيك وورد في بعض طرقه أنه قال له عليه الصلاة والسلام وأن تمسح بيديك إلى المرفقين وروي أيضا عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وروي أيضا من طريق ابن عباس ومن طريق غيره فذهب الجمهور إلى ترجيح هذه الأحاديث على حديث عمار الثابت من جهة عضد القياس لها أعني من جهة قياس التيمم على الوضوء وهو بعينه حملهم على أن عدلوا بلفظ اسم اليد عن الكف الذي هو فيه أظهر إلى الكف والساعد ومن زعم أنه ينطلق عليهما بالسواء وأنه ليس في أحدهما أظهر منه في الثاني فقد أخطأ فإن اليد وإن كانت اسما مشتركا فهي في الكف حقيقة وفيما فوق الكف مجاز وليس كل اسم مشترك هو مجمل وإنما المشترك المجمل الذي وضع من أول أمره مشتركا وفي هذا قال الفقهاء إنه لا يصح الاستدلال به ولذلك ما نقول إن الصواب هو أن يعتقد أن الفرض إنما هو الكفان فقط وذلك أن اسم اليد لا يخلو أن يكون في الكف أظهر منه في سائر الأجزاء أو يكون دلالته على سائر أجزاء الذراع والعضد بالسواء فإن كان أظهر فيجب المصير إليه على ما يجب المصير إلى الأخذ بالظاهر وإن لم يكن أظهر فيجب المصير إلى الأخذ بالأثر الثابت فأما أن يغلب القياس هاهنا على الأثر فلا معنى له ولا أن ترجح به أيضا أحاديث لم تثبت بعد فالقول في هذه المسألة بين من الكتاب والسنة فتأمله

قسم V01/P049–V01/P051İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî) (s. V01/P049–V01/P051)

وأما من ذهب إلى الاباط فإنما ذهب إلى ذلك لأنه قد روي في بعض طرق حديث عمار أنه قال تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب ومن ذهب إلى أن يحمل تلك الأحاديث على الندب وحديث عمار على الوجوب فهو مذهب حسن إذا كان الجمع أولى من الترجيح عند أهل الكلام الفقهي إلا أن هذا إنما ينبغي أن يصار إليه إن صحت تلك الأحاديث المسألة الثانية اختلف العلماء في عدد الضربات على الصعيد للتيمم فمنهم من قال واحدة ومنهم من قال اثنتين والذين قالوا اثنتين منهم من قال ضربة للوجه وضربة لليدين وهم الجمهور وإذا قلت الجمهور فالفقهاء الثلاثة معدودون فيهم أعني مالكا والشافعي وأبا حنيفة ومنهم من قال ضربتان لكل واحد منهما أعني لليد ضربتان وللوجه ضربتان والسبب في اختلافهم أن الاية مجملة في ذلك والأحاديث متعارضة وقياس التيمم على الوضوء في جميع أحواله غير متفق عليه والذي في حديث عمار الثابت من ذلك إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفين معا لكن ها هنا أحاديث فيها ضربتان فرجح الجمهور هذه الأحاديث لمكان قياس التيمم على الوضوء المسألة الثالثة اختلف الشافعي مع مالك وأبي حنيفة وغيرهما في وجوب توصيل التراب إلى أعضاء التيمم فلم ير ذلك أبو حنيفة واجبا ولا مالك ورأى ذلك الشافعي واجبا وسبب اختلافهم الاشتراك الذي في حرف من في قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه وذلك أن من ترد للتبعيض وقد ترد لتمييز الجنس فمن ذهب إلى أنها هنا للتبعيض أوجب نقل التراب إلى أعضاء التيمم ومن رأى أنها لتمييز الجنس قال ليس النقل واجبا و الشافعي إنما رجح حملها على التبعيض من جهة قياس التيمم على الوضوء لكن يعارضه حديث عمار المتقدم لأن فيه ثم تنفخ فيها وتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحائط وينبغي أن تعلم أن الاختلاف في وجوب الترتيب في التيمم ووجوب الفور فيه هو بعينه اختلافهم في ذلك في الوضوء وأسباب الخلاف هنالك هي أسبابه هنا فلا معنى لإعادته الباب الخامس فيما تصنع به هذه الطهارة وفيه مسألة واحدة وذلك أنهم اتفقوا على جوازها بتراب الحرث الطيب واختلفوا في جواز فعلها بما عدا التراب من أجزاء الأرض المتولدة عنها كالحجارة فذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص وذهب مالك وأصحابه إلى أنه يجوز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها في المشهور عنه الحصا والرمل والتراب وزاد أبو حنيفة فقال وبكل ما يتولد من الأرض من الحجارة مثل النورة والزرنيخ والجص والطين والرخام ومنهم من شرط أن يكون التراب على وجه الأرض وهم الجمهور وقال أحمد بن حنبل يتيمم بغبار الثوب واللبد والسبب في اختلافهم شيئان أحدهما اشتراك اسم الصعيد في لسان العرب فإنه مرة يطلق على التراب الخالص ومرة يطلق على جميع أجزاء الأرض الظاهرة حتى أن مالكا وأصحابه حملهم دلالة اشتقاق هذا الاسم أعني الصعيد أن يجيزوا في إحدى الروايات عنهم التيمم على الحشيش وعلى الثلج قالوا لأنه يسمى صعيدا في أصل التسمية أعني من جهة صعوده على الأرض وهذا ضعيف والسبب الثاني إطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض روايات الحديث المشهور وتقييدها بالتراب في بعضها وهو قوله عليه الصلاة والسلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فإن في بعض رواياته جعلت لي الأرض مسجدا وطهوراوفي بعضها جعلت لي الأرض مسجدا وجعلت لي تربتها طهورا وقد اختلف أهل الكلام الفقهي هل يقضى بالمطلق على المقيد أو بالمقيد على المطلق والمشهور عندهم أن يقضى بالمقيد على المطلق وفيه نظر ومذهب أبي محمد بن حزم أن يقضى بالمطلق على المقيد لأن المطلق فيه زيادة معنى فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق وحمل اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز التيمم إلا بالتراب ومن قضى بالمطلق على المقيد وحمل اسم الصعيد على كل ما على وجه الأرض من أجزائها أجاز التيمم بالرمل والحصى

قسم V01/P051–V01/P052İbn Rüşd — Bidâyetü'l-Müctehid (Mâlikî) (s. V01/P051–V01/P052)

وأما إجازة التيمم بما يتولد منها فضعيف إذ كان لا يتناوله اسم الصعيد فإن أعم دلالة اسم الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الأرض لا أن يدل على الزرنيخ والنورة ولا على الثلج والحشيش والله الموفق للصواب والاشتراك الذي في اسم الطيب أيضا من أحد دواعي الخلاف الباب السادس في نواقض هذه الطهارة وأما نواقض هذه الطهارة فإنهم اتفقوا على أنه ينقضها ما ينقض الأصل الذي هو الوضوء أو الطهر واختلفوا من ذلك في مسألتين إحداهما هل ينقضها إرادة صلاة أخرى مفروضة غير المفروضة التي تيمم لها والمسألة الثانية هل ينقضها وجود الماء أم لا أما المسألة الأولى فذهب مالك فيها إلى أن إرادة الصلاة الثانية تنقض طهارة الأولى ومذهب غيره خلاف ذلك وأصل هذا الخلاف يدور على شيئين أحدهما هل في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة محذوف مقدر أعني إذا قمتم من النوم أو قمتم محدثين أم ليس هنالك محذوف أصلا فمن رأى أن لا محذوف هنالك قال ظاهر الاية وجوب الوضوء أو التيمم عند القيام لكل صلاة لكن خصصت السنة من ذلك الوضوء فبقي التيمم على أصله لكن لا ينبغي أن يحتج بهذا لمالك فإن مالكا يرى أن في الاية محذوفا على ما رواه عن زيد بن أسلم في موطأه وأما السبب الثاني فهو تكرار الطلب عند دخول وقت كل صلاة وهذا هو ألزم لأصول مالك أعني أن يحتج له بهذا وقد تقدم القول في هذه المسألة ومن لم يتكرر عنده الطلب وقدر في الاية محذوفا لم ير إرادة الصلاة الثانية مما ينقض التيمم وأما المسألة الثانية فإن الجمهور ذهبوا إلى أن وجود الماء ينقضها وذهب قوم إلى أن الناقض لها هو الحدث وأصل هذا الخلاف هل وجود الماء يرفع استصحاب الطهارة التي كانت بالتراب أو يرفع ابتداء الطهارة به فمن رأى أنه يرفع ابتداء الطهارة به قال لا ينقضها إلا الحدث ومن رأى أنه يرفع استصحاب الطهارة قال إنه ينقضها فإن حد الناقض هو الرافع للاستصحاب وقد احتج الجمهور لمذهبهم بالحديث الثابت وهو قوله عليه الصلاة والسلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ما لم يجد الماء والحديث محتمل فإنه يمكن أن يقال إن قوله عليه الصلاة والسلام ما لم يجد الماء يمكن أن يفهم منه فإذا وجد الماء انقطعت هذه الطهارة وارتفعت ويمكن أن يفهم منه فإذا وجد الماء لم تصح ابتداء هذه الطهارة والأقوى في عضد الجمهور هو حديث أبي سعيد الخدري وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن الأمر محمول عند جمهور المتكلمين على الفور وإن كان أيضا قد يتطرق إليه الاحتمال المتقدم فتأمل هذا وقد حمل الشافعي تسليمه أن وجود الماء يرفع هذه الطهارة أن قال إن التيمم ليس رافعا للحدث أي ليس مفيدا للمتيمم الطهارة الرافعة للحدث وإنما هو مبيح للصلاة فقط مع بقاء الحدث وهذا لا معنى له فإن الله قد سماه طهارة وقد ذهب قوم من أصحاب مالك هذا المذهب فقالوا إن التيمم لا يرفع الحدث لأنه لو رفعه لم ينقضه إلا الحدث والجواب أن هذه الطهارة وجود الماء في حقها هو حدث خاص بها على القول بأن الماء ينقضهما واتفق القائلون بأن وجود الماء ينقضها على أنه ينقضها قبل الشروع في الصلاة وبعد الصلاة واختلفوا هل ينقضها طروه في الصلاة فذهب مالك والشافعي وداود إلى أنه لا ينقض الطهارة في الصلاة وذهب أبو حنيفة وأحمد وغيرهما إلى أنه ينقض الطهارة في الصلاة وهم أحفظ للأصل لأنه أمر غير مناسب للشرع أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة وينقضها في غير الصلاة وبمثل هذا شنعوا على مذهب أبي حنيفة فيما يراه من أن الضحك في الصلاة ينقض الوضوء مع أنه مستند في ذلك إلى الأثر

%0
10 Bölüm