Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)

عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد · AR

قسم V01/P396–V01/P397İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) (s. V01/P396–V01/P397)

ولكن يخفون ذلك في أنفسهم وإنما لم يكره أحمد ذلك كما كره القراءة خلف الإمام لأنه يسير لا يمنع الإنصات فجرى مجرى التأمين قال لأحمد فإن رفعوا أصواتهم بهذا قال أكرهه قيل فينهاهم الإمام قال لا ينهاهم قال القاضي إنما لم ينههم لأن قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الجهر بمثل ذلك في صلاة الإخفاء فإنه كان يسمعهم الآية أحيانا فصل قيل لأحمد رحمه الله إذا قرأ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى هل يقول ( سبحان ربي الأعلى ) قال إن شاء قاله فيما بينه وبين نفسه ولا يجهر به في المكتوبة وغيرها وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قرأ في الصلاة سبح اسم ربك الأعلى فقال سبحان ربي الأعلى وعن ابن عباس أنه قرأ في الصلاة أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى فقال سبحانك وبلى وعن موسى بن أبي عائشة قال كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى قال سبحانك فبلى فسألوه عن ذلك فقال سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود ولأنه ذكر ورد الشرع به فجاز التسبيح في موضعه النوع الثالث أن يقرأ القرآن يقصد به تبيه الآدمي مثل أن يقول ادخلوها بسلام يريد الاذن أو يقول رجل اسمه يحيى يا يحيى خذ الكتاب بقوة أو يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فقد روي عن أحمد أن صلاته تبطل بذلك وهو مذهب أبي حنيفة لأنه خطاب آدمي فأشبه ما لو كمله وروي عنه ما يدل على أنها لا تبطل لأنه قال فيمن قيل له مات أبوك فقال إنا لله وإنا إليه راجعون لا يعيد الصلاة واحتج بحديث علي حينى قال للخارجي فاصبر إن وعد الله حق وروي نحو هذا فقلنا كيف صنعت فقال استأذنا على عبد الله بن مسعود وهو يصلي فقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ولأنه قرأ القرآن فلم تفسد صلاته كما لو لم يقصد به التنبيه وقال القاضي إن قصد التلاوه دون التنبيه لم تفسد صلاته وإن قصد التنبيه دون التلاوه فسدت صلاته لأنه خاطب آدميا وإن قصدهما جميعا ففيه وجهان أحدهما لا تفسد صلاته وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا من الآثار والمعنى والثاني تفسد صلاته لأنه خاطب آدميا أشبه ما لو لم يقصد التلاوه فأما إن أتى بما لا يتميز به القرآن من غيره كقوله لرجل اسمه إبراهيم يا إبراهيم أو لعيسى يا عيسى ونحو ذلك فسدت صلاته لأن هذا كلام الناس ولم يتميز عن كلامهم بما يتميز به القرآن فأشبه ما لو جمع بين كلمات متفرقة في القرآن فقال يا إبراهيم خذ الكتاب الكبير فصل يكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى أو على من ليس في صلاة لأن ذلك يشغله عن صلاته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن في الصلاة لشغلا وقد سئل أحمد عن رجل جالس بين يديه المصلي يقرأ فإذا أخطأ فتح عليه المصلي فقال كيف يفتح إذا أخطأ هذا ويتعجب من هذه المسألة فإن فعل لم تبطل صلاته لأنه قرآن وإنما قصد قراءته دون خطاب الآدمي بغيره ولا بأس أن يفتح على المصلي من ليس معه في الصلاة وقد روى النجاد بإسناده قال كنت قاعدا بمكة فإذا رجل عند المقام يصلي وإذا رجل قاعد خلفه يلقنه فإذا هو عثمان رضي الله عنه فصل إذا سلم على المصلي لم يكن له رد السلام بالكلام فإن فعل بطلت صلاته روي نحو ذلك عن أبي ذر وعطاء والنخعي وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور وكان سعيد بن المسيب والحسن وقتادة لا يرون به بأسا وروي عن أبي هريرة أنه أمر بذلك وقال إسحاق إن فعله متأولا جازت صلاته ولنا ما روى جابر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فرجعت وهو يصلي على راحلته ووجهه إلى غير القبلة فسلمت عليه فلم يرد علي

قسم V01/P397–V01/P399İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) (s. V01/P397–V01/P399)

فلما انصرف قال أما إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كنت إصلي وقول ابن مسسعود قلنا يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا قال إن في الصلاة لشغلا رواهما مسلم ولأنه كلامك آدمي فأشبه تشميت العاطس إذا ثبت هذا فإنه يرد السلام بالإشارة وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي ثور وعن ابن عباس أنه سلم عليه موسى بن جميل وهو يصلي فقبض ابن عباس على ذراعه فكان ذلك ردا من ابن عباس عليه وإن رد عليه بعد فراغه من الصلاة فحسن روي هذا عن أبي ذر وعطاء والنخعي وداود لما روي عن ابن مسعود قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد السلام فأخذني ما قدم وما حدث فلما قض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال إن الله يحدث من أمره ما يشاء وإن الله قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة فرد علي السلام وقد روى صهيب قال مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه وكلمته فرد إشارة قال بعض الرواة ولا أعلمه إلا قال إشارة بأصبعه وعن ابن عمر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء فصلى فيه قال فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي قال فقلت لبلال كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي قال يعقوب هكذا وبسط يعني كفه وجعل بطنه أسفل وظهره إلى فوق قال الترمذي كلا الحديثين صحيح رواهما أبو داود والأثرم وقد ذكرنا ذلك فيما مضى فصل وإذا دخل قوم على قوم وهم يصلون فسئل أحمد عن الرجل يدخل على القوم وهم يصلون أيسلم عليهم قال نعم وروى ابن المنذر عن أحمد أنه سلم على مصل فعل ذلك ابن عمر وكرهه عطاء وأبو مجلز والشعبي وإسحاق لأنه ربما غلط المصلي فرد عليه السلام وقد روى مالك في موطئه أن ابن عمر سلم على رجل وهو يصلي فرد عليه السلام فرجع إليه ابن عمر فنهاه عن ذلك ومن ذهب إلى تجويزه احتج بقول الله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم أي على أهل دينكم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حين سلم أصحابه عليه رد عليهم إشارة ولم ينكر ذلك عليهم فصل إذا أكل أو شرب في الفريضة عامدا بطلت صلاته رواية واحدة ولا نعلم فيه خلافا قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن المصلي ممنوع من الأكل والشرب وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أكل أو شرب في صلاة الفرض عامدا أن عليه الإعادة وأن ذلك يفسد الصوم الذي لا يفسد بالأفعال فالصلاة أولى فإن فعل ذلك في التطوع أبطله في الصحيح من المذهب وهو قول أكثر الفقهاء لأن ما أبطل الفرض أبطل التطوع كسائر مبطلاته وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يبطلها ويروى عنابن الزبير وسعيد بن جبير أنهما شربا في التطوع وعن طاوس أنه لا بأس به وكذلك قال اسحاق لأنه عمل يسير فأشبه غير الأكل فأما إن كثر فلا خلاف في أنه يفسدها لأن غير الأكل من الأعمال يفسد إذا كثر فالأكل والشرب أولى وإن أكل أو شرب في فريضة أو تطوع ناسيا لم يفسد وبهذا قال عطاء والشافعي وقال الأوزاعي تفسد صلاته لأنه فعل مبطل من غير جنس الصلاة فاستوى عمده وسهوه كالعمل الكثير ولنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطاء والنسيان ولأنه يسوي بين قليله وكثيره حال العمد ويعفى عنه في الصلاة كالعمل من جنسها ويشرع لذلك سجود السهو وهذا قول الشافعي فإن ما يبطل عمده الصلاة إذا عفي عنه لأجل السهو شرع له السجود كالزيادة من جنس الصلاة ومتى كثر ذلك أبطل الصلاة بغير خلاف لأن الأفعال المعفو عن يسيرها إذا كثرت أبطلت فهذا أولى فصل إذا ترك في فيه ما يذوب كالسكر فذاب منه شيء فابتلعه أفسد صلاته

قسم V01/P399–V01/P401İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) (s. V01/P399–V01/P401)

لأنه أكل وإن بقي بين أسنانه أو في فيه من بقايا الطعام يسير يجري به الريق فابتلعه لم تفسد صلاته لأنه لا يمكن الاحتراز منه وإن ترك في فيه لقمة ولم يبتلعها كره لأنه يشتغله عن خشوع الصلاة والذكر والقراءة فيها ولا يبطلها لأن عمل يسير فأشبه ما لو أمسك شيئا في يده والله أعلم باب الصلاة بالنجاسة وغير ذلك مسألة قال ( وإذا لم تكن ثيابه طاهرة وموضع صلاته طاهرا أعاد ) وجملة ذلك أن الطهارة من النجاسة في بدن المصلي وثوبه شرط لصحة الصلاة في قول أكثر أهل العلم منهم ابن عباس وسعيد بن المسيب وقتادة ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ويروى عن ابن عباس أنه قال ليس على ثوب جنابة ونحوه عن أبي مجلز وسعيد بن جبير والنخعي وقال الحارث العكلي وابن أبي ليلى ليس في ثوب إعادة ورأى طاوس دما كثيرا في ثوبه وهو في الصلاة فلم يباله وسئل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى فقال اقرأ علي الآية التي فيها غسل الثياب ولنا قول الله تعالى وثيابك فطهر قال ابن سيرين هو الغسل بالماء وعن أسماء ابنة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يكون في الثوب قال اقرصيه وصل فيه وفي لفظ قالت سمعت امرأة تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تصنع إحدانا بثوبها إذا رأت الطهر أتصلي فيه قال تنظر فيه فإن رأت فيه دما فلتقرصه بشيء من ماء وتنضح ما لم تر ولتصل فيه رواه أبو داود وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنهما يعذبان وما يعذبان في كثير أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله متفق عليه وفي رواية لا يستنزه من بوله ولأنها إحدى الطهارتين فكانت شرطا للصلاة كالطهارة من الحدث فصل وطهارة موضع الصلاة شرط أيضا وهو الموضع الذي تقع عليه أعضاءه وتلاقيه ثيابه التي عليه فلو كان على رأسه طرف عمامة وطرفها الآخر يسقط على نجاسة لم تصح صلاته وذكر ابن عقيل احتمالا فيما تقع عليه ثيابه خاصة أنه لا يشترط طهارته لأنه يباشرها بما هو منفصل عن ذاته أشبه ما لو صلى إلى جانبه إنسان نجس الثوب فالتصق ثوبه به والأول المذهب لأن سترته تابعة له فهي كأعضاء سجوده فأما إذا كان ثوبه يمس شيئا نجسا كثوب من يصلي إلى جانبه أو حائط لا يستند إليه فقال ابن عقيل لا تفسد صلاته بذلك لأنه ليس بمحل لبدنه ولا سترته ويحتمل أن يفسد لأن سترته ملاقية لنجاسة أشبه ما لو وقعت عليها وإن كانت النجاسة محاذية لجسمه في حال سجوده بحيث لا يلتصق بها شيء من بدنه ولا أعضائه لم يمنع صحة صلاته لأنه لم يباشر النجاسة فأشبه ما لو خرجت عن محازته فصل وإذا صلى ثم رأى عليه نجاسة في بدنه أو ثيابه لا يعلم هل كانت عليه في الصلاة أو لا فصلاته صحيحة لأن الأصل عدمها في الصلاة وإن علم أنها كانت في الصلاة لكن جهلها حتى فرغ من الصلاة ففيه روايتان إحداهما لا تفسد صلاته هذا قول ابن عمر وعطاء وسعيد بن المسيب وسالم ومجاهد والشعبي والنخعي والزهري ويحيى والأنصاري وإسحاق وابن المنذر والثانية يعيد وهو قول أبي قلابة والشافعي لأنها طهارة مشترطة للصلاة فلم تسقط بجهلها كطهارة الحدث وقالربيعة ومالك يعيد ما كان في الوقت ولا يعيد بعده ووجه الرواية الأولى ما روى أبو سعيد قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره فخلع الناس نعالهم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قال ما حملكم على إلقائكم نعالكم قالوا رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا قال إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا رواه أبو داود ولو كانت الطهارة شرطا مع عدم العلم بها لزمه استئناف الصلاة وتفارق طهارة الحدث

قسم V01/P401–V01/P402İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) (s. V01/P401–V01/P402)

لأنها آكد لأنها لا يعفى عن يسيرها وتخص البدن وإن كان قد علم بالنجاسة ثم نسيها وصلى فقالالقاضي حكى أصحابنا في المسألتين روايتين وذكر هو في مسألة النسيان أن الصلاة باطلة لأنه منسوب إلى التفريط بخلاف الجاهل بها قال الآمدي يعيد إذا كان قد توانى رواية واحدة الصحيح التسوية بينهما لأن ما عذر فيه بالجهل عذر فيه بالنسيان بل النسيان أولى لورود النص بالعفو فيه بقول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وإن علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فإن قلنا لا يعذر بالجهل والنسيان فصلاته باطلة ويلزمه استئنافها وإن قلنا يعذر فصلاته صحيحة ثم إن أمكنه طرح النجاسة من غير زمن طويل ولا عمل كثير ألقاها وبنى كما خلع النبي صلى الله عليه وسلم نعليه حين أخبره جبريل بالقذر فيهما وإن احتاج إلى أحد هذين بطلت صلاته لأنه يفضي إلى أحد أمرين إما استصحاب النجاسة مع العلم بها زمنا طويلا أو يعمل في الصلاة عملا كثيرا فتبطل به الصلاة فصار كالعريان يجد السترة بعيدة منه فصل وإذا سقطت عليه نجاسة ثم زالت عنه أو أزالها في الحال لم تبطل صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم بالنجاسة في نعليه خلعهما وأتم صلاته ولأن النجاسة يعفى عن يسيرها فعفى عن يسير زمنها ككشف العورة وهذا مذهب الشافعي فصل وإذا صلى على منديل طرفه نجس أو كان تحت قدمه حبل مشدود في نجاسة وما يصلي عليه طاهر فصلاته صحيحة سواء تحرك النجس بحركته أو لم يتحرك لأنه ليس بحامل للنجاسة ولا بمصل عليها وإنما اتصل مصلاه بها أشبه ما لو صلى على أرض طاهرة متصلة بأرض نجسة وقال بعض أصحابنا إذا كان النجس يتحرك بحركته لم تصح صلاته والمعول على ما ذكرنا فأمان إن كان الحبل أو المنديل متعلقا به بحيث ينجو معه إذا مشى لم تصح صلاته لأنه مستتبع لها فهو كحاملها ولو كان في يده أو وسطه حبل مشدود في نجاسة أو حيوان نجس أو سفينة صغيرة فيها نجاسة تنجر معه إذا مشى لم تصح صلاته لأنه مستتبع لها فهو كحاملها وإن كانت السفينة كبيرة لا يمكنه جرها أو الحيوان كبيرا لا يقدر على جره إذا استعصى عليه لم تفسد صلاته لأنه ليس بمستتبع لها قالالقاضي هذا إذا كان الشد في موضع طاهر فإن كان مشدودا في موضع نجس فسدت صلاته لأنه حامل لما هو ملاق للنجاسة والأولى أن صلاته لا تفسد لأنه لا يقدر على استتباع ما هو ملاق للنجاسة فأشبه ما لو أمسك سفينة عظيمة فيها نجاسة أو غصنا من شجرة عليها نجاسة فصل وإذا حمل في الصلاة حيوانا طاهرا أو صبيا لم تبطل صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامه ابنة أبي العاص متفق عليه وركب الحسن والحسين على ظهره وهو ساجد ولأن ما في الحيوان من النجاسة في معدته فهي كالنجاسة في معدة المصلي ولو حمل قارورة فيها نجاسة مسدودة لم تصح صلاته وقال بعض أصحاب الشافعي لا تفسد صلاته لأن النجاسة لا تجرج منها فهي كالحيون وليس بصحيح لأنه حامل لنجاسة غير معفو عنها في غير معدنها فأشبه ما لو حملها في كمه مسألة قال ( وكذلك إن صلى في المقبرة أو الحش أو الحمام أو في أعطان الإبل أعاد ) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في الصلاة في هذه المواضع فروي أن الصلاة لا تصح فيها بحال وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر وممن رأى أن يصلي في مرابط الغنم ولا يصلي في مبارك الإبل ابن عمر وجابر بن سمرة والحسن ومالك وإسحاق وأبو ثور وعن أحمد رواية أخرى أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة

قسم V01/P402–V01/P403İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) (s. V01/P402–V01/P403)

وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي لقوله عليه السلام جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وفي لفظ فحيثما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد وفي لفظ أينما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد متفق عليها ولأنه موضع طاهر فصحت الصلاة فيه كالصحراء ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم الأرض كلها مسجد إلا الحمام والمقبرة رواه أبو داود وهذا خاص مقدم على عموم ما رووه وعن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنصلي في مرابض الغنم قال قال نعم أنصلي في مبارك الإبل قال لا رواه مسلم وعن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين رواه أبو داود وعن أسيد بن حضير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في مبارك الإبل رواه الإمام أحمد في مسنده والنهي يقتضي التحريم وهذا خاص يقدم على عموم ما رووه وروي هذا الحديث عن ابن عمر وأبي هريرة وعبدالله بن مغفل رواهن الأثرم فأما الحش فإن الحكم يثبت فيه بالتنبيه لأنه إذا منع من الصلاة في هذه المواضع لكونها مظان للنجاسة فالحش معد للنجاسة ومقصود لها فهو أولى بالمنع فيه وقال بعض أصحابنا إن كان المصلي عالما بالنهي في هذه المواضع لم تصح صلاته فيها لأنه عاص بصلاته فيها والمعصية لا تكون قربه ولا طاعة وإن لم يكن عالما فيها فهل تصح صلاته على روايتين إحداهما لا تصح لأنه صلى فيما لا تصح الصلاة فيه مع العلم فلا تصح مع الجهل كالصلاة في محل نجس والثانية تصح لأنه معذور فصل وذكر بعض أصحابنا مع هذه المواضع المزبلة والمجزرة ومحجة الطريق وظهر بيت الله الحرام والمواضع المغصوب لما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة ظهر بيت الله والمقبرة والمزبلة والمجزرة والحمام وعطن الإبن ومحجة الطريق رواه ابن ماجة وعن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى في سبعة مواطن وذكرها وقال وقارعة الطريق ومعاطن الإبل وفوق الكعبة وقال الحكم في هذه المواضع السبعة كالحكم في الأربعة سواء ولأن هذه المواضع مظنة النجاسات فعلق الحكم عليها دون حقيقتها كما يثبت حكم نقض الطهارة بالنوم ووجوب الغسل بالتقاء الختانين فصل قال القاضي المنع من هذه المواضع تعبدي لا لعلة معقولة فعلى هذا يتناول النهي كل ما وقع عليه الاسم فلا فرق في المقبرة بين القديمة والحديثة وما تقلبت أتربتها أو لم تتقلب لتناول الاسم لها فإن كان في الموضع قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة فيها لأنها لا يتناولها اسم المقبرة وإن نقلت القبور منها جازت الصلاة فيها لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت فيه قبور المشركين فنبشت متفق عليه ولا فرق في الحمام بين مكان الغسل وصب الماء وبين بيت المسلخ الذي ينزع فيه الثياب والأتون وكل ما يغلق عليه باب الحمام لتناول الاسم له وأما المعاطن فقال أحمد هي التي تقيم فيها الإبل وتأوي إليها وقيل هي المواضع التي تناخ فيها إذا وردت والأول أجود لأنه جعلها مقابلة مراح الغنم والحش المكان الذي يتخذ للغائط والبول فيمنع من الصلاة فيما هو داخل بابه ولا أعلم في منع الصلاة فيه إلا أنه قد منع من ذكر الله تعالى فيه والكلام فمنع الصلاة فيه أولى ولأنه إذا منع الصلاة في هذه المواضع لكونها مظان للنجاسات فهذا أولى فإنه بني لها ويحتمل أن المنع في هذه المواضع معلل بأنها مظان للنجاسات فإن المقبرة تنبش ويظهر التراب الذي فيه صديد الموتى ودماؤهم ولحومهم ومعاطن الإبل يبال فيها فإن البعير البارك كالجدار يمكن أن يستتر به ويبول كما روي عن ابن عمر أنه أناخ بعيره مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليه ولا يتحقق هذا في حيوان سواها لأنه في حال ربضه لا يستر وفي حال قيامه لا يثبت ولا يستر

قسم V01/P403–V01/P404İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) (s. V01/P403–V01/P404)

والحمام موضع الأوساخ والبول فنهي عن الصلاة فيها لذلك وتعلق الحكم بها وإن كانت طاهرة لأن المظنة يتعلق الحكم بها وإن خفيت الحكمة فيها ومتى أمكن تعليل الحكم تعين تعليله وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكم يدل على صحة هذا تعدية الحكم إلى الحش المسكوت عنه بالتنبيه من وجود معنى المنطوق فيه وإلا لم يكن ذلك تنبيها فعلى هذا يمكن قصر الحكم على ما هو مظنة منها فلا يثبت حكم المنع في موضع المسلخ من الحمام ولا وسطه لعدم المظنة فيه وكذلك ما أشبه والله أعلم فصل وزاد أصحابنا المجزرة والمزبلة ومحجة الطريق وظهر الكعبة لأنها في خبر عمر وابنه وقالوا لا يجوز فيها الصلاة ولم يذكرها الخرقي فيحتمل أنه جوز الصلاة فيها وهو قول أكثر أهل العلم لعموم قوله عليه الصلاة والسلام جعلت لي الأرض مسجدا وهو صحيح متفق عليه واستثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل بأحاديث صحيحة خاصة ففيما عدا ذلك يبقى على العموم وحديث عمر وابنه يرويهما العمري وزيد بن جبير وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما فلا يترك الحديث الصحيح بحديثهما وهذا أصح وأكثر أصحابنا فيما علمت عملوا بخبر عمر وابنه في المنع من الصلاة في المواضع السبعة ومعنى محجة الطريق الجادة المسلوكة التي تسلكها السابلة وقارعة الطريق يعني التي تقرعها الأقدام فاعلة بمعنى مفعولة مثل الأسواق والمشارع والجادة للسفر ولا بأس بالصلاة فيما علا منها يمنة ويسرة ولم يكثر قرع الأقدام فيه وكذلك لا بأس بالصلاة في الطريق التي يقل سالكوها كطريق الأبيات اليسيرة والمجزرة الموضع الذي يذبح القصابون فيه البهائم وشبههم معروف بذلك معدا والمزبلة الموضع الذي يجمع فيه الزبل ولا فرق في هذه المواضع بين ما كان منها طاهرا أو نجسا ولا بين كون الطريق فيها سالكا أو لم يكن ولا في المعاطن بين أن يكون فيها إبل في الوقت أو لم يكن وأما المواضع التي تبيت فيها الإبل في مسيرها أو تناخ فيها لعلفها ووردها فلا تمنع الصلاة فيها قال الأثرم سمعت أبا عبدالله يسأل عن موضع فيه أبعار الإبل يصلى فيه فرخص فيه ثم قال إذا لم يكن من معاطن الإبل التي نهي عن الصلاة فيها التي تأوي إليها الإبل فصل ويكره أن يصلى إلى هذه المواضع فإن فعل صحت صلاته نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة إلى المقبرة والحمام والحش قال لا ينبغي أن يكون في القبلة قبر ولا حش ولا حمام فإن كان يجزئه وقال أبو بكر يتوجه في الإعادة قولان أحدهما يعيد لموضع النهي وبه أقول والثاني يصح لأنه لم يصل في شيء من المواضع المنهي عنها وقال أبو عبدالله بن حامد إن صلى إلى المقبرة والحش فحكمه حكم المصلي فيهما إذا لم يكن بينه وبينهما حائل لما روى أبو مرثد الغنوي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها متفق عليه وقالالأثرم ذكر أحمد حديث أبي مرثد ثم قال إسناده جيد وقال أنس رآني عمر وأنا أصلي إلى قبر فجعل يسير إلي القبر القبر قال القاضي وفي هذا تنبيه على نظائره من المواضع التي نهى عن الصلاة فيها والصحيح أنه لا بأس بالصلاة إلى شيء من هذه المواضع إلا المقبرة لآن قوله صلى الله عليه وسلم جعلت الأرض مسجدا يتناول الموضع الذي يصلي فيه من هي في قبلته وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح لأن النهي إن كان تعبدا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه وإن كان لمعنى مختص بها وهو اتخاذ القبور مسجدا والتشبه بمن يعظمها ويصلي إليها فلا يتعداها الحكم لعدم وجود المعنى في غيرها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجدا إني أنهاكم عن ذلك وقال لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد

قسم V01/P404–V01/P406İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) (s. V01/P404–V01/P406)

يحذر ما صنعوا متفق عليهما فعلى هذا لا تصح الصلاة إلى القبور للنهي عنها ويصح إلى غيرها لبقائها في عموم الإباحة وامتناع قياسها على ما ورد النهي فيه والله أعلم فصل وإن صلى على سطح الحش أو الحمام أو عطن الإبل أو غيرها فذكر القاضي أن حكمه حكم المصلى فيها لأن الهواء تابع للقرار فيثبت فيه حكمه ولذلك لو حلف لا يدخل دارا فدخل سطحها حنث ولو خرج المعتكف إلى سطح المسجد كان له ذلك لأن حكمه حكم المسجد والصحيح إن شاء الله قصر النهي على ما تناوله ولأنه لا يعدى إلى غيره لأن الحكم إن كان تعبديا فالقياس فيه ممتنع وإن علل فإنما يعلل بكونه للنجاسة ولا يتخيل هذا في سطحها فأما إن بنى على طريق ساباطا أو أخرج عليه خروجا فعلى قول القاضي حكمه حكم الطريق لما ذكره فيما تقدم وعلى قولنا إن كان الساباط مباحا له مثل أن يكون في درب غير نافذ بإذن أهله أو مستحقا له أو حدث الطريق بعده فلا بأس بالصلاة عليه وإن كان على طريق نافذ فليس ذلك له فيكون المصلى فيه كالمصلي في الموضع المغصوب على ما سنذكره إن شاء الله تعالى وإن كان الساباط على نهر تجري فيه السفن فهو كالساباط على الطريق في القولين جميعا وهذا مما يدل على ما ذكرناه لأنه لو كانت العلة كونه تابعا للقرار لجارت الصلاة ها هنا لكون القرار غير ممنوع من الصلاة فيه بدليل ما لو صلى عليه في سفينة أو لو جمد ماؤه فصلى عليه صح ولأنه لو كانت العلة ما ذكره لصحت صلاة على ما حاذى ميمنة الطريق وميسرتها وما لا تقرعه الأقدام منها وهذا فيما إذا كان السطح جاريا على موضع النهي فإن كان المسجد سابقا وجعل تحته طريق أو عطن أو غيرها من مواضع النهي أو كان في غير مقبرة فحدثت المقبرة حوله لم تمتنع الصلاة فيه بغير خلاف لأنه لم يتبع ما حدث بعده والله أعلم فصل وإن بنى مسجدا في المقبرة فحكمه حكمها لأنه لا يخرج بذلك عن أن يكون في المقبرة وقد روى قتادة أن أنسا مر على مقبرة وهم يبنون فيها مسجدا فقال أنس كان يكره أن يبنى مسجد في وسط القبور فصل ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها وجوزه الشافعي وأبو حنيفة لأنه مسجد ولأنه محل لصلاة النفل فكان محلا للفرض كخارجها ولنا قول الله تعالى وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره والمصلى فيها أو على ظهرها غير مستقبل لجهتها والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صلاتها قاعدا وإلى غير القبلة في السفر على الراحلة فصل وتصح النافلة في الكعبة وعلى ظهرها لا نعلم فيه خلافا لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين إلا أنه إن صلى تلقاء الباب أو على ظهرها وكان بين يديه شيء من بناء الكعبة متصل بها صحت صلاته فإن لم يكن بين يديه شيء شاخص أو كان بين يديه آجر معبى غير مبني أو خشب غير مسمور فيها فقال أصحابنا لا تصح صلاته لأنه غير مستقبل لشيء منها وإن كان الخشب مسمورا والآخر مبنيا صحت صلاته لأن ذلك تابع لها والأولى أنه لا يشترط كون شيء منها بين يديه لأن الواجب استقبال موضعها وهوائها دون حيطانها بدليل ما لو انهدمت الكعبة صحت الصلاة إلى موضعها ولو صلى على جبل عال يخرج عن مسامتتها صحت صلاته إلى هوائها كذا ها هنا فصل وفي الصلاة في الموضع المغصوب روايتان إحداهما لا تصح وهو أحد قولي الشافعي والثانية تصح وهو قول أبي حنيفة ومالك والقول الثاني للشافعي لأن النهي لا يعود إلى الصلاة فلم يمنع صحتها كما لو صلى وهو يرى غريقا يمكنه إنقاذه فلم ينقذه أو حريقا يقدر على إطفائه فلم يطفئه أو مطل غريمه الذي يمكن إيفاؤه وصلى ولنا إن الصلاة عبادة أتى بها على الوجه المنهي عنه فلم تصح كصلاة الحائض وصومها

قسم V01/P406–V01/P407İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) (s. V01/P406–V01/P407)

وذلك لأن النهي يقتضي تحريم الفعل واجتنابه والتأثيم بفعله فكيف يكون مطيعا بما هو عاص به ممتثلا بما هو محرم عليه متقربا بما يبعد به فإن حركاته وسكناته من القيام والركوع والسجود أفعال اختيارية هو عاص بها منهي عنها فأما من رأى الحريق فليس بمنهي عن الصلاة إنما هو مأمور بإطفاء الحريق وإنقاذ الغريق وبالصلاة إلا أن أحدهما آكد من الآخر أما في مسألتنا فإن أفعال الصلاة في نفسها منهي عنها إذا ثبت هذا فلا فرق بين غضبه لرقبة الأرض بأخذها أو دعواه ملكيتها وبين غضبه منافعها بأن يدعي إجارتها ظالما أو يضع يده عليها ليسكنها مدة أو يخرج روشنا أو ساباطا في موضع لا يحل له أو يغضب راحلة ويصلي عليها أو سفينة ويصلي فيها أو لوحا فيجعله في سفينة ويصلي عليه كل ذلك حكمه في الصلاة حكم الدار على ما بيناه فصل قال أحمد رحمه الله تصلى الجمعة في موضع الغضب يعني لو كان الجامع أو موضع منه مغصوبا صحت صلاة فيه لأن الجمعة تختص ببقعة فإذا صلاها الإمام في الموضع المغصوب فامتنع الناس من الصلاة فيه فاتتهم الجمعة وإن امتنع بعضهم فاتته الجمعة ولذلك أبيحت خلف الخوارج والمبتدعة وكذلك تصح في الطرق ورحاب المسجد لدعاء الحاجة إلى فعلها في هذه المواضع وكذلك في الأعياد والجنازة فصل قال أحمد رحمه الله أكره الصلاة في أرض الخسف وذلك لأنها موضع مسخوط عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم مرورا بالحجر لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابكم متفق عليه فصل ولا بأس بالصلاة في الكنيسة النظيفة رخص فيها الحسن وعمر بن عبد العزيز والشعبي والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وروي أيضا عن عمر وأبي موسى وكره ابن عباس ومالك الكنائس من أجل الصور ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة وفيها صور ثم داخلة في قوله عليه السلام فأينما أدركتك الصلاة فصل فإنه مسجد فصل وإذا كانت الأرض نجسة وطيها بطاهر أو بسط عليها شيئا طاهرا صحت الصلاة مع الكراهة في ظاهر كلامأحمد رحمه الله وهو قول طاوس ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وذكر أصحابنا في المسألة روايتين إحداهما لا تصح لأنها مدفن النجاسة أشبهت المقبرة ولنا إن الطهارة إنما تشترط في بدن المصلي وثوبه وموضع صلاته وقد وجد ذلك كله ولا نسلم العلة في 408 الأصل فإنه لو صلى بين القبور لم تصح صلاته وإن لم يكن مدفنا للنجاسة وقد قيل إن الحكم غير معلل فلا يقاس عليه فصل ويكره تطيين المسجد بطين نجس أو تطبيقه بطوابق نجسة أو بناؤه بلبن نجس أو آخر نجس فإن فعل وباشر المصلي أرضه النجاسة ببدنه أو ثيابه لم تصح صلاته وأما الآخر المعجون بالنجاسة فهو نجس لأن النار لا تطهره فإن غسل طهر ظاهره لأن النار أكلت أجزاء النجاسة الظاهرة وبقي أثرها فتطهر بالغسل كالأرض النجسة وبقي باطنها نجسا لأن الماء لم يصل إليه فإن صلى عليه بعد الغسل فهو كما لو صلى على بساط طاهر مفروش على أرض نجسة وكذلك الحكم في البساط الذي باطنه نجس وظاهره طاهر ومتى انكسر من الآجر النجس قطعة فظهر بعض باطنه فهو نجس لا تصح الصلاة عليه فصل ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعير والوبر والثياب من القطن والكتان وسائر الطاهرات وصلى عمر على عبقري وابن عباس على طنفسة وزيد بن ثابت وجابر على حصير وعلي وابن عباس وابن مسعود وأنس على المنسوج وهو قول عوام أهل العلم إلا ما روي عن جابر أنه كره الصلاة على كل شيء من الحيوان واستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض ونحوه قال مالك إلا أنه قال في بساط الصوف والشعر إذا كان سجوده على الأرض لم أر بالقيام عليه بأسا والصحيح أنه لا بأس بالصلاة على شيء من ذلك وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم على حصير في بيت عتبان بن مالك وأنس متفق عليهما

قسم V01/P407–V01/P408İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) (s. V01/P407–V01/P408)

وروى عنه المغيرة بن شعبة أنه كان يصلي على الحصير والفروة المدبوغة وفيما رواه ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ملتفا بكساء يضع يده عليه إذا سجد ولأن ما لم تكره الصلاة فيه لم تكره الصلاة عليه كالكتان والخوص وتصح الصلاة على ظهر الحيوان إذا أمكنه استيفاء الأركان عليه والنافلة في السفر وإن كان الحيوان نجسا أو عليه بساط طاهر صحت الصلاة عليه فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمار وفعله أنس وتصح الصلاة على العجلة وهي خشب على بكرات إذا أمكنه ذلك لأنها محل تستقر عليه أعضاؤه فهي كغيرها مسألة قال ( وإن صلى وفي ثوبه نجاسة وإن قلت أعاد ) قد ذكرنا أن الطهارة من النجاسة شرط لصحة الصلاة ولا فرق بين كثيرها وقليلها إلا فيما نذكره بعد إن شاء الله تعالى وممن قال لا يعفى عن يسير البول مثل رؤوس الإبر مالك والشافعي وأبو ثور وقالأبو حنيفة يعفى يسير جميع النجاسات لأنه يتحرى فيها بالمسح في محل الاستنجاء ولو لم يعف عنها لم يكف فيها المسح كالكثير ولأنه يشق التحرز منه فعفي عنه كالدم ولنا عموم قوله تعالى وثيابك فطهر وقول النبي صلى الله عليه وسلم تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ولأنها نجاسة لا تشق إزالتها فوجب إزالتها كالكثير وأما الدم فإنه يشق التحرز منه فإن الإنسان لا يكاد يخلو من بثرة أو حكة أو دمل ويخرج من أنفه وفيه وغيرهما فيشق التحرز من يسيره أكثر من كثيره ولهذا فرق في الوضوء بين قليله وكثيره مسألة قال ( إلا أن يكون ذلك دما أو قيحا يسيرا مما لا يفحش في القلب ) أكثر أهل العلم يرون العفو عن يسير الدم والقيح وممن روي عنه ابن عباس وأبو هريرة وجابر وابن أبي أوفى وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد وعروة ومحمد بن كنانة والنخعي وقتادة والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأصحاب الرأي وكانابن عمر ينصرف من قليله وكثيره وقال الحسن كثيره وقليله سواء ونحوه عن سليمان التيمي لأنه نجاسة فأشبه البول ولنا ما روي عنعائشة قالت قد كان يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض وفيه تصيبها الجنابة ثم ترى فيه قطرة من دم فتقصعه بريقها وفي لفظ ما كان لأحدانا إلا ثوب فيه تحيض فإن أصابه شيء من دمها بلته بريقها ثم قصعته بظفرها رواه أبو داود وهذا يدل على العفو عنه لأن الريق لا يطهر به ويتنجس به ظفرها وهو إخبار عن دوام الفعل ومثل هذا لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصدر إلا عن أمره ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولا مخالف لهم في عصرهم فيكون إجماعا وما حكي عنابن عمر فقد روي عنه خلافه فروى الأثرم بإسناده عن نافع أنابن عمر كان يسجد فيخرج يديه فيضعهما بالأرض وهما يقطران دما من شقاق كان في يديه وعصر بثرة فخرج منها شيء من دم وقيح فمسحه بيده وصلى ولم يتوضأ وانصرافه منه في بعض الحالات لا ينافي ما رويناه عنه فقد يتورع الإنسان عن بعض ما يروى جوازه ولأنه يشق التحرز منه فعفى عنه كأثر الاستنجاء فصل وظاهر مذهب أحمد أن اليسير ما لا يفحش في القلب وهو قول ابن عباس قال إلا إذا كان فاحشا أعاد وروي ذلك عن سعيد بن المسيب وروي عن أحمد أنه سئل عن الكثير قال شبر في شبر وفي موضع قال قدر الكف فاحش وظاهر مذهبه أنه ما فحش في قلب من عليه الدم وقال ابن عباس ما فحش في قلبك قال الخلال والذي استقر عليه قوله في الفاحش إنه على قدر ما يستفحشه كل إنسان في نفسه وقال ابن عقيل إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس وقال قتادة في موضع الدرهم فاحش ونحوه عن النخعي وسعيد بن جبير وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي وأصحاب الرأي لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم

قسم V01/P408–V01/P410İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî) (s. V01/P408–V01/P410)

ولنا إنه لا حد في الشرع فرجع فيه إلى العرف كالتفرق والإحراز وما رووه لا يصح فإن الحافظ أبا الفضل المقدسي قال هو موضوع ولأنه إنما يدل على محل النزاع بدليل خطابه وأصحاب الرأي لا يرونه حجة فصل والقيح والصديد وما تولد من الدم بمنزلته إلا أن أحمد قال هو أسهل من الدم وروي عن ابن عمر والحسن أنهما لم يرياه كالدم وقال أبو مجلز في الصديد إنما ذكر الله الدم المسفوح وقال أمي بن ربيعة رأيت طاوسا كأن إزاره نطع من قروح كانت برجليه وقالإسماعيل السراج رأيت حاشية إزار مجاهد قد ثبتت من الصديد والدم من قروح كانت بساقيه وقال إبراهيم في الذي يكون به الحبون يصلي ولا يغسله فإذا برىء غسله وقال عروة ومحمد بن كنانة مثل ذلك فعلى هذا يعفى منه عن أكثر مما يعفى عن مثله من الدم لأنه لا يفحش منه إلا أكثر من الدم ولأن هذا لا نص فيه وإنما ثبتت النجاسة فيه لأنه مستحيل من الدم إلى حال مستقذرة فصل ولا فرق بين كون الدم مجتمعا أو متفرقا بحيث إذا جمع بلغ هذا القدر ولو كانت النجاسة في شيء صفيق قد نفذت من الجانبين فاتصل ظاهره بباطنه فهو نجاسة واحدة وإن لم يتصلا بل كان بينهما شيء لم يصبه الدم فهما نجاستان إذا بلغا لو جمعا قدرا لا يعفى عنه لم يعف عنهما كما لو كانا في جانبي الثوب فصل ويعفى عن يسير دم الحيض لما ذكرنا من حديث عائشة رضي الله عنها وعن سائر دماء الحيوانات الطاهرة فأما دم الكلب والخنزير فلا يعفى عن يسيره لأن رطوباته الطاهرة من غيره لا يعفى عن شيء منها فدمه أولى ولأنه أصاب جسم الكلب فلم يعف عنه كالماء إذا أصابه وهكذا كل دم أصاب نجاسة غير معفو عنها لم يعف عن شيء منه لذلك فصل ودم ما لا نفس له سائلة كالبق والبراغيث والذباب ونحوه فيه روايتان إحداهما أنه طاهر وممن رخص في دم البراغيث عطاء وطاوس والحسن والشعبي والحاكم وحبيب بن أبي ثابت وحماد والشافعي وإسحاق لأنه لو كان نجسا لنجس الماء اليسير إذا مات فيه فإنه إذا مكث في الماء لا يسلم من خروج فضلة منه فيه ولأنه ليس بدم مسفوح وإنما حرم الله الدم المسفوح والرواية الثانية عن أحمد قال في دم البراغيث إذا كثر إني لأقرع منه وقال النخعي اغسل ما استطعت وقال مالك في دم البراغيث إذا كثر وانتشر فإني أرى أن يغسل والأول أظهر وقول أحمد إني لأفزع منه ليس بصريح في نجاسته وإنما هو دليل على توقفه فيه وليس المنسوب إلى البراغيث دم إنما هو بولها في الظاهر وبول هذه الحشرات ليس بنجس والله أعلم وقال أبو الخطاب دم السمك طاهر لأن إباحته لا تقف على سفحه ولو كان نجسا لوقفت الإباحة على إراقته بالذبح كحيوان البر ولأنه إذا ترك استحال فصار ماء وقال أبو ثور هو نجس لأنه دم مسفوح فيدخل في عموم قوله تعالى أو دما مسفوحا فصل واختلفت الرواية في العفو عن يسير القيء فروي عن أحمد أنه قال هو عندي بمنزلة الدم وذلك لأنه خارج من الإنسان نجس من غير السبيل فأشبه الدم وروي عنه في المذي أنه قال يغسل ما أصاب الثوب منه إلا أن يكون يسيرا وروى الخلال بإسناده قال سئل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن المذي يخرج فكلهم قال إنه بمنزلة القرحة فما علمت منه فاغسله وما غلبك منه فدعه ولأنه يخرج من الشباب كثيرا فيشق التحرز منه فعفي عن يسيره كالدم وكذلك المني إذا قلنا بنجاسته وروي عنه في الودي مثل ذلك إلا أن الظاهر عنه أن حكمه حكم البول لأنه من مخرجه وروي عن أحمد أيضا أنه يعفى عن ريق البغل والحمار وعرقهما إذا كان يسيرا

%0
10 Bölüm

الأسئلة