وليس غيرها في معناها لأنها أكثر قيمة ولأن الغنم لا تختلف فريضتها باختلاف سنها وما بين الفريضتين في البقر يخالف ما بين الفريضتين في الإبل فامتنع القياس فمن عدم فريضة البقر أو الغنم ووجد دونها لم يجز له إخراجها فإن وجد أعلى منها فأحب أن يدفعها متطوعا بغير جبران قبلت منه وإن لم يفعل كلف شراءها من غير ماله فصل قال الأثرم قلت لأبي عبد الله ما تفسير الأوقاص قال ما بين الفريضتين قلت له كأنه ما بين الثلاثين إلى الأربعين في البقر وما أشبه هذا قال نعم والسبق ما دون الفريضة قلت له كأنه ما دون الثلاثين من البقر وما دون الفريضة فقال نعم وقال الشعبي السبق ما بين الفريضتين أيضا قال أصحابنا الزكاة تتعلق بالنصاب دون الوقص ومعناه أنه إذا كان عنده أكثر من الفريضة مثل أن يكون عنده ثلاثون من الإبل فالزكاة تعلق بخمسة وعشرين دون الخمسة الزائدة عليها فعلى هذا لو وجبت الزكاة فيها وتلفت الخمس الزائدة قبل التمكن من أدائها وقلنا إن تلف النصاب قبل التمكن يسقط الزكاة لم يسقط ها هنا منها شيء لأن التالف لم تتعلق الزكاة به وإن تلف منها عشر سقط من الزكاة خمسها لأن الاعتبار بتلف جزء من النصاب وإنما تلف منها من النصاب خمسة وأما من قال لا تأثير لتلف النصاب في إسقاط الزكاة فلا فائدة في الخلاف عنده في هذه المسألة فيما أعلم والله تعالى أعلم باب صدقة البقر وهي واجبة بالسنة والإجماع أما السنة فما روى أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمن تنطحه بقرونها وتطؤه بأخفافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضي بين الناس متفق عليه وروى النسائي والترمذي عن مسروق أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا ومن البقر من كل ثلاثين تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة وروى الإمام أحمد بإسناده عن يحيى بن الحكم أن معاذا قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن وأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ومن أربعين مسنة قال فعرضوا علي أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فأبيت ذلك وقلت لهم حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقدمت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة ومن الستين تبيعين ومن السبعين مسنة وتبيعا ومن الثمانين مسنتين ومن التسعين ثلاثة تباع ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا ومن العشرين ومائة ثلاث مسنات أو أربعة تباع وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا آخذ فيها بين ذلك شيئا إلا إن بلغ مسنة أو جذعا يعني تبيعا وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها وأما الإجماع فلا أعلم اختلافا في وجوب الزكاة في البقر وقال أبو عبيد لا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم ولأنها أحد أصناف بهيمة الأنعام فوجبت الزكاة في سائمتها كالإبل والغنم مسألة قال ( وليس فيما دون ثلاثين من البقر سائمة صدقة ) وجملة ذلك أنه لا زكاة فيما دون الثلاثين من البقر في قول جمهور العلماء وحكي عن سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا في كل خمس شاة ولأنها عدلت بالإبل في الهدي والأضحية فكذلك في الزكاة ولنا ما تقدم من الخبر ولأن نصب الزكاة إنما ثبتت بالنص والتوقيف وليس فيما ذكراه نص ولا توقيف فلا يثبت وقياسهم فاسد فإن خمسا وثلاثين من الغنم تعدل خمسا من الإبل في الهدي ولا زكاة فيها إذا ثبت هذا فإنه لا زكاة في غير السائمة من البقر في قول الجمهور وحكي عن مالك أن في العوامل والمعلوفة صدقة كقوله في الإبل
İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد · AR
وقد تقدم الكلام معه وروي عن علي رضي الله عنه قال الراوي أحسبه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صدقة البقر قال وليس في العوامل شيء رواه أبو داود وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس في البقر العوامل صدقة وهذا مقيد يحمل عليه المطلق وروي عن علي ومعاذ وجابر أنهم قالوا لا صدقة في البقر العوامل ولأن صفة النماء معتبرة في الزكاة ولا يوجد إلا في السائمة مسألة قال ( وإذا ملك الثلاثين من البقر فأسامها أكثر السنة ففيها تبيع أو تبيعة إلى تسع وثلاثين فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة إلى تسع وخمسين فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان إلى تسع وستين فإذا بلغت سبعين ففيها تبيع ومسنة وإذا زادت في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة ) التبيع الذي له سنة ودخل في الثانية وقيل له ذلك لأنه يتبع أمه والمسنة التي لها سنتان وهي الثنية ولا فرض في البقر غيرهما وبما ذكر الخرقي ها هنا قال أكثر أهل العلم منهم الشعبي والنخعي والحسن ومالك والليث والثوري وابن الماجشون والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأبو ثور وقال أبو حنيفة في بعض الروايات عنه فيما زاد على الأربعين بحسابه في كل بقرة ربع عشر مسنة فرارا من جعل الوقص تسعة عشر وهو مخالف لجميع أوقاصها فإن جميع أوقاصها عشرة عشرة ولنا حديث يحيى بن الحكم الذي رويناه وهو صريح في محل النزاع وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة يدل على أن الاعتبار بهذين العددين ولأن البقر أحد بهيمة الأنعام ولا يجوز في زكاتها كسر كسائر الأنواع ولا ينقل من فرض فيها إلى فرض بغير وقص كسائر الفروض ولأن هذه زيادة لا يتم بها أحد العددين فلا يجب فيها شيء كما بين الثلاثين والأربعين وما بين الستين والسبعين ومخالفة قولهم للأصول أشد من الوجوه التي ذكرناها وعلى أن أوقاص الإبل والغنم مختلفة فجاز الاختلاف ها هنا فصل وإذا رضي رب المال بإعطاء المسنة عن التبيع والتبعين عن المسنة أو أخرج أكثر منها سنا عنها جاز ولا مدخل للجبران فيها كما قدمناه في زكاة الإبل فصل ولا يخرج الذكر في الزكاة أصلا إلا في البقر فإن ابن اللبون ليس بأصل إنما هو بدل عن ابنة مخاض ولهذا لا يجزىء مع وجودها وإنما يجزىء الذكر في البقر عن الثلاثين وما تكرر منها كالستين والسبعين وما تركب من الثلاثين وغيرهما كالسبعين فيها تبيع ومسنة والمائة فيها مسنة وتبيعان وإن شاء أخرج مكان الذكور إناثا لأن النص ورد بهما جميعا فأما الأربعون وما تكرر منها كالثمانين فلا يجزىء في فرضها إلا الإناث إلا أن يخرج عن المسنة تبيعين فيجوز وإذا بلغت البقر مائة وعشرين اتفق الفرضان جميعا فيخبر رب المال بين إخراج ثلاث مسنات أو أربع أتبعه والواجب أحدهما أيهما شاء على ما نطق به الخبر المذكور والخيرة في الإخراج إلى رب المال كما ذكرنا في زكاة الإبل وهذا التفصيل فيما إذا كان فيها إناث فإن كانت كلها ذكورا أجزأ الذكر فيها بكل حال لأن الزكاة مواساة فلا يكلف المواساة من غير ماله ويحتمل أنه لا يجزئه إلا إناث في الأربعينيات لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على المسنات فيجب اتباع مورده فيكلف شراءها فإذا لم تكن في ماشيته كما لو لم يجد إلا دونها في السن والأول أولى لأننا أخرنا الذكر في الغنم مع أنه لا مدخل له في زكاتها مع وجود الإناث فالبقر التي للذكر فيها مدخل أولى لأن للذكر فيها مدخلا مسألة قال ( والجواميس كغيرها من البقر ) لا خلاف في هذا نعلمه وقال ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على هذا
ولأن الجواميس من أنواع البقر كما أن البخاتي من أنواع الإبل فإذا اتفق في المال جواميس وصنف آخر من البقر أو بخاتي وعراب أو معز وضأن كمل نصاب أحدهما بالآخر وأخذ الفرض من أحدهما على قدر المالين على ما سنذكره إن شاء الله تعالى فصل واختلفت الرواية في بقر الوحش فروي أن فيها الزكاة اختاره أبو بكر لأن اسم البقر يشملها فيدخل في مطلق الخبر وعنه لا زكاة فيها وهي أصح وهذا قول أكثر أهل العلم لأن اسم البقر عند الإطلاق لا ينصرف إليها ولا يفهم منه إذا كانت لا تسمى بقرا بدون الإضافة فيقال بقر الوحش ولأن وجود نصاب منها موصوفا بصفة السوم حولا لا وجود له ولأنها حيوان لا يجزىء نوعه في الأضحية والهدي فلا تجب فيه الزكاة كالظباء ولأنها ليست من بهيمة الأنعام فلا تجب فيها الزكاة كسائر الوحوش وسر ذلك أن الزكاة إنما وجبت في بهيمة الأنعام دون غيرها لكثرة النماء فيها من درها ونسلها وكثرة الانتفاع بها لكثرتها وخفة مؤونتها وهذا المعنى يختص بها فاختصت الزكاة بها دون غيرها ولا تجب الزكاة في الظباء رواية واحدة لعدم تناول اسم الغنم لها فصل قال أصحابنا تجب الزكاة في المتولد بين الوحشي والأهلي سواء كانت الوحشية الفحول أو الأمهات وقال مالك وأبو حنيفة إن كانت الأمهات أهلية وجبت الزكاة فيها وإلا فلا لأن ولد البهيمة يتبع أمه وقال الشافعي لا زكاة فيها لأنها متولدة من وحشي أشبه المتولد من وحشيين واحتج أصحابنا بأنها متولدة بين ما تجب فيه الزكاة وما لا تجب فيه فوجبت فيها الزكاة كالمتولدة بين سائمة ومعلوفة وزعم بعضهم أن غنم مكة متولدة من الظباء والغنم وفيها الزكاة بالاتفاق فعلى هذا القول تضم إلى جنسها من الأهلي في وجوب الزكاة وتكمل بها نصابه وتكون كأحد أنواعه والقول بانتفاء الزكاة فيها أصح لأن الأصل انتفاء الوجوب وإنما ثبت بنص أو إجماع أو قياس ولا نص في هذه ولا إجماع إنما هو في بهيمة الأنعام من الأزواج الثمانية وليست هذه داخلة في أجناسها ولا حكمها ولا حقيقتها ولا معناها فإن المتولد بين شيئين ينفرد باسمه وجنسه وحكمه عنهما كالبغل المتولد بين الفرس والحمار والسبع المتولد بين الذئب والضبع والعسار المتولد بين الضبعان والذئبة فكذلك المتولد بين الظباء والمعز ليس بمعز ولا ظبي ولا يتناوله نصوص الشارع ولا يمكن قياسه عليها لتباعد ما بينهما واختلاف حكمهما في كونه لا يجزىء في هدي ولا أضحية ولا دية ولو أسلم في الغنم لم يتناوله العقد ولو وكل وكيلا في شراء شاة لم يدخل في الوكالة ولا يحصل منه ما يحصل من الشاة من الدر وكثرة النسل بل الظاهر أنه لا ينسل له أصلا فإن المتولد بين ثنتين لا نسل له كالبغال وما لا نسل له لا در فيه فامتنع القياس ولم يدخل في نص ولا إجماع فإيجاب الزكاة فيها تحكم بالرأي وإذا قيل تجب الزكاة احتياطا وتغليبا للإيجاب كما أثبتنا التحريم فيها في الحرم والإحرام احتياطا لم يصح لأن الواجبات لا تثبت احتياطا بالشك ولهذا لا تجب الطهارة على من تيقنها وشك في الحدث ولا غيرها من الواجبات وأما السوم والعلف فالاعتبار فيه بما تجب فيه الزكاة لا بأصله الذي تولد منه بدليل أنه لو علف المتولد من السائمة لم تجب زكاته ولو أسام أولاد المعلوفة لوجبت زكاتها وقول من زعم أن غنم مكة متولدة من الغنم والظباء لا يصح لأنها لو كانت كذلك لحرمت في الحرم والإحرام ووجب فيها الجزاء كسائر المتولد بين الوحشي والأهلي ولأنها لو كانت كذلك متولدة من جنسين لما كان لها نسل كالسبع والبغال باب صدقة الغنم
وهي واجبة بالسنة والإجماع أما السنة فما روى أنس في كتاب أبي بكر الذي ذكرنا أوله قال وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيسا إلا ما شاء المصدق واختار سوى هذا كثير وأجمع العلماء على وجوب الزكاة فيها مسألة قال أبو القاسم ( وليس فيما دون أربعين من الغنم سائمة صدقة ) فإذا ملك أربعين من الغنم فأسامها أكثر السنة ففيها شاة إلى عشرين ومائة فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه وهذا كله مجمع عليه قاله ابن المنذر إلا المعلوفة في أقل من نصف الحول على ما ذكرنا من الخلاف فيه وحكي عنمعاذ رضي الله عنه أن الفرض لا يتغير بعد المائة وإحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين واثنين وأربعين ليكون مثلي مائة وإحدى وعشرين ولا يثبت عنه وروى سعيد عن خالد بن مغيرة عن الشعبي عن معاذ قال كان إذا بلغت الشياه مائتين لم يغيرها حتى تبلغ أربعين ومائتين فأخذ منها ثلاث شياه فإذا بلغت ثلاثمائة لم يغيرها حتى تبلغ أربعين وثلاثمائة فيأخذ منها أربعا ولفظ الحديث الذي ذكرناه دليل عليه والإجماع على خلاف هذا القول دليل على فساده والشعبي لم يلق معاذا مسألة قال ( فإذا زدت ففي كل مائة شاة شاة ) ظاهر هذا القول أن الفرض لا يتغير بعد المائتين وواحدة حتى يبلغ أربعمائة فيجب في كل مائة شاة ويكون الوقص ما بين المائتين وواحدة إلى أربعمائة وذلك مائة وتسعة وتسعون وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وقول أكثر الفقهاء وعن أحمد رواية أخرى أنها إذا زادت على ثلاثمائة وواحدة ففيها أربع شياه ثم لا يتغير الفرض حتى تبلغ خمسمائة فيكون في كل مائة شاة ويكون الوقص الكبير بين ثلاثمائة وواحدة إلى خمسمائة وهو أيضا مائة وتسعة وتسعون وهذا اختيار أبي بكر وحكي عن النخعي والحسن بن صالح لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الثلاثمائة حدا للوقص وغاية له فيجب أن يتعقبه تغير النصاب كالمائتين ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم فإذا زادت ففي كل مائة شاة وهذا يقتضي أن لا يجب في دون المائة شيء وفي كتاب الصدقات الذي كان عند آل عمر بن الخطاب فإذا زادت على ثلاثمائة وواحدة فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة شاة ففيها أربع شياه وهذا نص لا يجوز خلافه إلا بمثله أو أقوى منه وتحديد النصاب لاستقرار الفريضة لا للغاية والله أعلم مسألة قال ( ولا يؤخذ في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عوار ) ذات العور المعيبة وهذه الثلاث لا تؤخذ لدناءتها فإن الله تعالى قال ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون البقرة 267 وقال النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق وقد قيل لا يؤخذ تيس الغنم وهو فحلها لفضيلته وكان أبو عبيد يروي الحديث إلا ما شاء المصدق ويفتح الدال يعني صاحب المال فعلى هذا يكون الاستثناء في الحديث راجعا إلى التيس وحده وذكر الخطابي أن جميع الرواة يخالفونه في هذا فيروونه المصدق بكسر الدال أي العامل وقال التيس لا يؤخذ لنقصه وفساد لحمه وكونه ذكرا وعلى هذا لا يؤخذ المصدق وهو الساعي أحد هذه الثلاثة إلا أن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنسه فيكون له أن يأخذ من جنس المال فيأخذ هرمة وهي الكبيرة من الهرمات وذات عوار من أمثالها وتيسا من التيوس
وقال مالك والشافعي إن رأى المصدق أن أخذ هذه الثلاثة خير له وأنفع للفقراء فله أخذه لظاهر الاستثناء ولا يختلف المذهب أنه ليس له أخذ الذكر في شيء من الزكاة إذا كان في النصاب إناث في غير أتبعة البقر وابن اللبون بدلا عن بنت مخاض إذا عدمها وقال أبو حنيفة يجوز إخراج الذكر من الغنم الإناث لقوله صلى الله عليه وسلم في أربعين شاة شاة ولفظ الشاة يقع على الذكر والأنثى ولأن الشاة إذا أمر بها مطلقا أجزأ فيها الذكر كالأضحية والهدي ولنا إنه حيوان تجب الزكاة في عينه فكانت الأنوثة معتبر في فرضه كالإبل والمطلق يتقيد بالقياس على سائر النصب والأضحية غير معتبرة بالمال بخلاف مسألتنا فإن قيل فما فائدة تخصيص التيس بالنهي إذا قلنا لأنه لا يؤخذ عن الذكور أيضا فلو ملك أربعين ذكرا وفيها تيس معد للضراب لم يجز أخذه إما لفضيلته فإنه لا يعد للضراب إلا أفضل الغنم وأعظمها وإما لذاته لفساد لحمه ويجوز أن يمنع من أخذه للمعنيين جميعا وإن كان النصاب كله ذكورا جاز إخراج الذكر في الغنم وجها واحدا وفي البقر في أصح الوجهين وفي الإبل وجهان والفرق بين النصب الثلاثة أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الأنثى فرائض الإبل والبقر وأطلق الشاة الواجبة وقال في الإبل من لم يجد بنت مخاض أخرج ابن لبون ذكرا ومن حيث المعنى أن الإبل يتغير فرضها بزيادة السن فإذا جوزنا إخراج الذكر أفضى إلى التسوية بين الفريضتين لأنه يخرج ابن لبون عن خمس وعشرين ويخرجه عن ستة وثلاثين وهذا المعنى يختص الإبل فإن قيل فالبقر أيضا يأخذ منها تبيعا عن ثلاثين وتبيعا عن أربعين إذا كانت أتبعه كلها وقلنا تؤخذ الصغيرة عن الصغار قلنا هذا لا يلزم مثله في إخراج الأنثى فلا فرق ومن جوز إخراج الذكر في الكل قال يأخذ ابن لبون من خمس وعشرين قيمته دون قيمة ابن لبون يأخذه من ستة وثلاثين ويكون بينهما في القيمة كما بينهما في العدد ويكون الفرض بصفة المال وإذا اعتبرنا القيمة لم يؤد إلى التسوية كما قلنا في الغنم فصل ولا يجوز إخراج المعيبة عن الصحاح وإن كثرت قيمتها لما نهى عن أخذها ولما فيه من الإضرار بالفقراء ولهذا يستحق ردها في البيع وإن كثرت قيمتها وإن كان في النصاب صحاح ومراض أخرج صحيحة على قدر قيمة المالين فإن كان النصاب كله مراضا إلا مقدار الفرض فهو مخير بين إخراجه وبين شراء مرضة قليلة القيمة فيخرجها ولو كانت الصحيحة غير الفريضة بعدد الفريضة مثل من وجب عليه ابنتا لبون وعنده حواران صحيحان كان عليه شراء صحيحتين فيخرجهما وإن وجبت عليه حقتان وعنده ابنتا لبون صحيحتان خير بين إخراجهما مع الجبران وبين شراء حقتين صحيحتين على قدر قيمة المال وإن كان عنده جذعتان صحيحتان فله إخراجهما مع أخذ الجبران وإن كانت عليه حقتان ونصف ماله صحيح ونصفه مريض فقال ابن عقيل له إخراج حقة صحيحة وحقة مريضة لأن النصف الذي يجب فيه إحدى الحقتين مريض كله والصحيح في المذهب خلاف هذا لأن في ماله صحيحا ومريضا فلم يملك إخراج مريضة كما كان لو نصابا واحدا ولم يتغير النصف الذي وجبت فيه الحقة في المراض وكذلك لو كان لشريكين لم يتعين حق أحدهما في المراض دون الآخر وإن كان النصاب مراضا كله فالصحيح في المذهب جواز إخراج الفرض منه ويكون وسطا في القيمة والاعتبار بقلة العيب وكثرته لأن القيمة تأتي على ذلك وهو قول الشافعي وأبي يوسف ومحمد وقال مالك إن كانت كلها جرباء أخرج جرباء وإن كانت كلها هتماء كلف شراء صحيحة وقالأبو بكر لا تجزىء إلا صحيحة لأن أحمد قال لا يؤخذ إلا ما يجوز في الأضاحي وللنهي عن أخذ ذات العوار فعلى هذا يكلف شراء صحيحة بقدر قيمة المريضة
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم إياك وكرائم أموالهم وقال إن الله تعالى لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره رواه أبو داود ولأن مبنى الزكاة على المواساة وتكليف الصحيحة عن المراض إخلال بالمواساة ولهذا يأخذ من الرديء من الحبوب والثمار من جنسه ويأخذ من اللئام والهزال من المواشي من جنسه كذا ها هنا وقد ذكرنا أن الاستثناء في الحديث يدل على جواز إخراج المعيبة في بعض الأحوال أو نحمله على ما إذا كان فيه صحيح فإن الغالب الصحة وإن كان جميع النصاب مريضا إلا بعض الفريضة أخرج الصحيحة وتمم الفريضة من المراض على قدر المال ولا فرق في هذا بين الإبل والبقر والغنم والحكم في الهرمة كالحكم في المعيبة سواء مسألة قال ( ولا الربي ولا الماخض ولا الأكولة ) قالأحمد الربي التي وضعت وهي تربي ولدها يعني قريبة العهد بالولادة وتقول العرب في ربابها كما تقول في نفاسها قال الشاعر حنين أم البو في ربابها قال أحمد والماخض التي قد حان ولادها فإن كان في بطنها ولد ولم يحن ولادها فهي خلفة وهذه الثلاث لا تأخذ لحق رب المال قال عمر لساعيه لا تأخذ الربي ولا الماخض ولا الأكولة ولا فحل الغنم وإن تطوع رب المال بإخراجها جاز أخذها وله ثواب الفضل على ما ذكرنا في حديث أبي بن كعب إذا ثبت هذا وأنه منع من أخذ الرديء من أجل الفقراء ومن أخذ كرائم الأموال من أجل أربابه ثبت أن الحق في الوسط من المال قال الزهري إذا جاء المصدق قسم الشياه أثلاثا ثلث خيار وثلث أوساط وثلث شرار وأخذ المصدق من الوسط وروي نحو هذا عن عمر رضي الله عن وقاله إمامنا وذهب إليه والأحاديث تدل على هذا فروى أبو داود والنسائي بإسنادهما عن سعد بن دليم قال كنت في غنم لي فجاءني رجلان على بعير فقالا إنا رسولا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك لتؤدي إلينا صدقة غنمك قلت وما علي فيها قالا شاة فاعمد إلى شاة قد عرفت مكانها ممتلئة مخضا وشحما فأخرجها إليهما فقالا هذه شافع وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نأخذ شاة شافعا والشافع الحامل سميت بذلك لأن ولدها قد شفعها والمخض اللبن وقال سويد بن غفلة سرت أو أخبرني من سار مع مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نأخذ من راضع لبن قال فكان يأتي المياه حين ترد الغنم فيقول أدوا صدقات أموالكم قال فعمد رجل منهم إلى ناقة كوماء وهي العظيمة السنام فأبى أن يقبلها رواه أبو داود والنسائي وروى أبو داود بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره رافدة يعني معيبة والدرنة الجرباء والشرط رزالة المال مسألة قال ( وتعد عليهم السخلة ولا تؤخذ منهم ) السخلة بفتح السين وكسرها الصغيرة من أولاد المعز وجملته أنه متى كان عند نصاب كامل فنتجت منه سخال في أثناء الحول وجبت الزكاة في الجميع عند تمام حول الأمهات في قول أكثر أهل العلم وحكي عن الحسن والنخعي لا زكاة في السخال حتى يحول عليها الحول ولقوله عليه السلام لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ولنا ما روي عن عمر أنه قال لساعيه اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها منهم وهو مذهب علي ولا نعرف لهما في عصرهما مخالفا فكان إجماعا ولأنه نماء نصاب فيجب أن يضم إليه في الحول كأموال التجارة والخبر مخصوص بمال التجارة فنقيس عليه فأما إن لم يكمل النصاب إلا بالسخال احتسب الحول من حين كمل النصاب في الصحيح من المذهب
وهو قول الشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى أنه يعتبر حول الجميع من حين ملك الأمهات وهو قول مالك لأن الاعتبار بحول الأمهات دون السخال فيما إذا كانت نصابا وكذلك إذا لم تكن نصابا ولنا إنه لم يحل الحول على نصاب فلم تجب الزكاة فيها كما لو كملت بغير سخالها أو كمال التجارة فإنه لا تختلف الرواية فيه وإن نتجت السخال بعد الحول ضمت إلى أمهاتها في الحول الثاني وحده والحكم في فصلان الإبل وعجوز البقر كالحكم في السخال إذا ثبت هذا فإن السحالة لا تؤخذ في الزكاة لما قدمنا من قول عمر ولما سنذكره في المسألة التي تلي هذه ولا نعلم فيه خلافا إلا أن يكون النصاب كله صغارا فيجوز أخذ الصغيرة في الصحيح من المذهب وإنما يتصور ذلك بأن يبدل كبارا بصغار في أثناء الحول أو يكون عنده نصاب من الكبار فوالد نصاب من الصغار ثم تموت الأمهات ويحول الحول على الصغار وقال أبو بكر لا يؤخذ أيضا إلا كبيرة تجزىء في الأضحية وهو قول مالك لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما حقنا في الجذعة أو الثنية ولأن زيادة السن في المال لا يزيد به الواجب كذلك نقصانه لا ينقص به ولنا قول الصديق رضي الله عنه والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليها فدل على أنهم كانوا يؤدون العناق ولأنه مال تجب فيه الزكاة من غير اعتبار قيمته فيجب أن يأخذ من عينه كسائر الأموال والحديث محمول على ما فيه كبار وأما زيادة السن فليست تمنع الرفق بالمالك في الموضعين كما أن ما دون النصاب عفو وما فوقه عفو فظاهر قول أصحابنا أن الحكم في الفصلان والعجول كالحكم في السخال لما ذكرنا في الغنم ويكون التعديل بالقيمة مكان زيادة السن كما قلنا في إخراج الذكر من الذكور ويحتمل أن لا يجوز إخراج الفصلان والعجول وهو قول الشافعي كيلا يفضي إلى التسوية بين الفروض فإنه يفضي إلى إخراج ابنة المخاض عن خمس وعشرين وست وثلاثين وست وأربعين وإحدى وستين ويخرج ابنتي اللبون عن ست وسبعين وإحدى وتسعين ومائة وعشرين ويفضي إلى الانتقال من ابنة اللبون الواحدة من إحدى وستين إلى اثنتين في ست وسبعين مع تقارب الوقص بينهما وبينهما في الأصل أربعون والخبر ورد في السخال فيمتنع قياس الفصلان والعجول عليهما لما بينهما من الفرق فصل وإن ملك نصابا من الصغار انعقد عليه حول الزكاة من حين ملكه وعن أحمد لا ينعقد عليه الحول حتى يبلغ سنا يجزىء مثله في الزكاة وهو قول أبي حنيفة وحكي ذلك عن الشعبي لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ليس في السخال زكاة وقال لا تأخذ من واضع لبن ولأن السن معنى يتغير به الفرض فكان لنقصانه تأثير في الزكاة كالعدد ولنا إن السخال تعد مع غيرها فتعد منفردة كالأمهات والخبر يرويه جابر الجعفي وهو ضعيف عن الشعبي مرسلا ثم هو محمول على أنه لا تجب فيها قبل حول الحول والعدد تزيد الزكاة بزيادته بخلاف السن فإذا قلنا بهذه الرواية فإذا ماتت الأمهات إلا واحدة لم ينقطع الحول وإن ماتت كلها انقطع الحول مسألة قال ( ويؤخذ من المعز الثني ومن الضأن الجذع ) وجملته أنه لا يجزىء في صدقة الغنم إلا الجذع من الضأن وهو ما له ستة أشهر والثني من المعز وهو ما له سنة فإن تطوع المالك بأفضل منها في السن جاز فإن كان الفرض في النصاب أخذه وإن كان كله فوق الفرض خير المالك بين دفع واحدة منه وبين شراء الفرض فيخرجه وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه لا يجزىء إلا الثنية منهما جميعا لأنهما نوعا جنس فكان الفرض منهما واحدا كأنواع الإبل والبقر وقال مالك تجزىء الجذعة منهما لذلك ولقول النبي صلى الله عليه وسلم إنما حقنا في الجذعة والثنية ولنا على جواز إخراج الجذعة من الضأن مع هذا الخبر
قول سعد بن دليم أتاني رجلان على بعير فقالا إنا رسولا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك لتؤدي صدقة غنمك قلت وأي شيء تأخذان قالا عناق جذعة أو ثنية أخرجه أبو داود ولنا ما روى مالك عن سويد بن غفلة قال أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أمرنا أن نأخذ الجذعة من الضأن والثنية من المعز وهذا صريح وفيه بيان المطلق في الحديثين قبله ولأن جذعة الضأن تجزىء في الأضحية بخلاف جذعة المعز بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار في جذعة المعز تجزئك ولا تجزىء عن أحد بعدك قال إبراهيم الحربي إنما أجزأ الجذع من الضأن لأنه يلقح والمعز لا يلقح إذا كان ثنيا مسألة قال ( فإن كانت عشرين ضأنا وعشرين معزا أخذ من أحدهما ما يكون قيمته نصف شاة ضأن ونصف معز ) لا نعلم خلافا بين أهل العلمم في ضم أنواع الأجناس بعضها إلى بعض في إيجاب الزكاة وقال ابن المنذر أجمع من نحفظ عنه من أهل العلم على ضم الضأن إلى المعز إذا ثبت هذا فإنه يخرج الزكاة من أي الأنواع أحب سواء دعت الحاجة إلى ذلك بأن يكون الواجب واحدا أو لا يكون أحد النوعين موجبا لواحد أو لم يدع بأن يكون كل واحد من لنوعين يجب فيه فريضة كاملة وقال عكرمة ومالك وإسحاق يخرج من أكثر العددين فإن استويا أخرج من أيهما شاء وقال الشافعي القياس أن يأخذ من كل نوع ما يخصه اختاره ابن المنذر لأنها أنواع تجب فيها الزكاة فتجب زكاة كل نوع منه كأنواع الثمرة والحبوب ولنا إنهما نوعا جنس من الماشية فجاز الإخراج من أيهما شاء كما لو استوى العددان وكالسمان والمهازيل وما ذكره الشافعي يفضي إلى تشقيص الفرض وقد عدل إلى غير الجنس فيما دون خمس وعشرين من أجله فالعدول إلى النوع أولى فإذا ثبت هذا فإنه يخرج من أحد النوعين ما قيمته كقيمة المخرج من النوعية فإذا كان النوعان سواء وقيمة المخرج من أحدهما اثنا عشر وقيمة المخرج من الآخر خمسة عشر أخرج من أحدهما ما قيمته ثلاثة عشر ونصف وإن كان الثلث معزا والثلثان ضأنا أخرج ما قيمته أربعة عشر وإن كان الثلث ضأنا والثلثان معزا أخرج ما قيمته ثلاثة وهكذا لو كان في إبله عشر بخاتي وعشر مهرية وعشر عرابية وقيمة ابنة المخاض البختية ثلاثون وقيمة المهرية أربعة وعشرون وقيمة العرابية اثنا عشر أخرج ابنة مخاض قيمتها ثلث قيمة ابنة مخاض بختية وهو عشرة وثلث قيمة مهرية ثمانية وثلث قيمة اعرابية أربعة فصار الجميع اثنين وعشرين وهذا الحكم في أنواع البقر كذلك الحكم في السمان مع المهازيل والكرام مع اللئام فأما الحاح مع المراض والذكور مع الإناث والكبار مع الصغار فيتعين عليه صحيحة وكبيرة أنثى على قدر قيمة المالين إلا أن يتطوع رب المال بالفضل وقد ذكر هذا فصل فإن أخرج عن النصاب من غير نوعه مما ليس في ماله منه شيء ففيه وجهان أحدهما يجزىء لأنه أخرج عنه من جنسه فجاز كما لو كان المال نوعين فأخرج من أحدهما عنهما والثاني لا يجزىء لأنه أخرج من غير نوع ماله أشبه ما لو أخرج من غير الجنس وفارق ما إذا أخرج من أحد نوعي ماله لأنه جاز فرارا من تشقيص الفرض وقد جوز الشارع الإخراج من غير الجنس في قليل الإبل وشاة الجبران لذلك بخلاف مسألتنا مسألة قال ( وإن اختلط جماعة في خمس من الإبل أو ثلاثين من البقر أو أربعين من الغنم وكان مرعاهم ومسرحهم ومبيتهم ومحلبهم وفحلهم واحدا أخذت منهم الصدقة )
وجملته أن الخلطة في السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد في الزكاة سواء كانت خلطة أعيان وهي أن تكون الماشية مشتركة بينهما لكل واحد منهما منه نصيب مشاع مثل أن يرثا نصابا أو يشترياه أو يوهب لهما فيبقياه بحاله أو خلطة أوصاف وهي أن يكون مال كل واحد منهما مميزا فخلطاه واشتركا في الأوصاف التي نذكرها وسواء تساويا في الشركة أو اختلفا مثل أن يكون لرجل شاة ولآخر تسع وثلاثون أو يكون لأربعين رجلا أربعون شاة لكل واحد منهم شاة نص عليهما أحمد وهذا قول عطاء والأوزاعي والشافعي والليث وإسحاق وقال مالك إنما تؤثر الخلطة إذا كان لكل واحد من الشركاء نصاب وحكي ذلك عن الثوري وأبي ثور واختاره ابن المنذر وقال أبو حنيفة لا أثر لها بحال لأن ملك كل واحد دون النصاب فلم يجب عليه زكاة كما لو لم يختلط بغيره ولأبي حنيفة فيما إذا اختلطا في نصابين أن كل واحد منهما يملك أربعين من الغنم فوجبت عليه شاة لقوله عليه السلام في أربعين شاة شاة ولنا ما روى البخاري في حديث أنس الذي ذكرنا أوله لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ولا يجىء التراجع إلا على قولنا في خلطة الأوصاف وقوله لا يجمع بين متفرق إنما يكون هذا إذا كان لجماعة فإذا الواحد يضم ماله بعضه إلى بعض وإن كان في أماكن وهذا لا يفرق بين مجتمع ولأن للخلطة تأثيرا في تخفيف المؤنة فجاز أن تؤثر في الزكاة كالسوم والسقي وقياسهم مع مخالفة النص غير مسموع إذا ثبت هذا فإن خلطة الأوصاف يعتبر فيها اشتراكهم في خمسة أوصاف المسرح والمبيت والمحلب والمشرب والفحل قال أحمد الخليطان أن يكون راعيهما واحدا ومراحهما واحدا وشربهما واحدا وقد ذكر أحمد في كلامه شرطا سادسا وهو الراعي قال الخرقي وكان مرعاهم ومسرحهم واحدا فيحتمل أنه أراد بالمرعى الراعي ليكون موافقا لقول أحمد ولكون المرعى هو المسرح قال ابن حامد الراعي والمسرح شرط واحد وإنما ذكر أحمد المسرح ليكون فيه راع واحد والأصل في هذا ما روى الدارقطني في سننه بإسناده عن سعد بن أبي وقاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي وروي المرعى وبنحو من هذا قال الشافعي وقال بعض أصحاب مالك لا يعتبر في الخلطة إلا شرطان الراعي والمرعى لقوله عليه السلام لا يفرق بين مجتمع ولا يجتمع بين متفرق والاجتماع يحصل بذلك ويسمى خلطة فاكتفي به ولنا قوله صلى الله عليه وسلم والخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل فإن قيل فلم اعتبرتم زيادة على هذا قلنا هذا تنبيه على بقية الشرائط وإلغاء لما ذكروه ولأن لكل واحد من هذه الأصناف تأثيرا فاعتبر كالمرعى إذا ثبت هذا فالمبيت معروف وهو المراح الذي تروح إليه الماشية قال الله تعالى حين تريحون وحين تسرحون النحل 6 والمسرح والمرعى واحد وهو الذي ترعى فيه الماشية يقال سرحت الغنم إذا مضت إلى المرعى وسرحتها أي بالتخفيف والتثقيل ومنه قوله تعالى وحين تسرحون والمحلب الموضع الذي تحلب فيه الماشية يشترط أن يكون واحدا ولا يفرد كل واحد منهما لحلب ماشيته موضعا وليس المراد منه خلط اللبن في إناء واحد لأن هذا ليس بمرفق بل مشقة لما فيه من الحاجة إلى قسمة اللبن ومعنى كون الفحل واحدا أن لا تكون فحولة أحد المالين لا تطرق غيره وكذلك الراعي هو أن لا يكون لكل مال راع ينفرد برعايته دون الآخر ويشترط أن يكون الخليطان من أهل الزكاة فإن كان أحدهما ذميا أو مكاتبا لم يعتد بخلطته ولا تشترط نية الخلطة وحكي عن القاضي أنه اشترطها ولنا قوله عليه السلام والخليطان ما اجتمعا في الحوض والراعي والفحل ولأن النية لا تؤثر في الخلطة فلا تؤثر في حكمها ولأن المقصود بالخلطة من الارتفاق يحصل بدونها
فلم يتغير وجودها معه كما لا تتغير نية السوم في الإسامة ولا نية السقي في الزرع والثمار ولا نية مضي الحول فيما يشترط الحول فيه فصل فإن كان بعض مال الرجل مختلطا وبعضه منفردا أو مختلطا مع مال لرجل آخر فقال أصحابنا يصير ماله كله كالمختلط بشرط أن يكون مال الخلطة نصابا فإن كان دون النصاب لم يثبت حكمها فلو كان لرجل ستون شاة منها عشرون مختلطة مع عشرين لرجل آخر وجب عليهما شاة واحدة ربعها على صاحب العشرين وباقيها على صاحب الستين لأننا لما ضممنا ملك صاحب الستين صار صاحب العشرين كالمخالط لستين فيكون الجميع ثمانين عليها شاة بالحصص ولو كان لصاحب الستين ثلاثة خلطاء كل واحد منهم بعشرين وجب على الجميع شاة نصفها على صاحب الستين ونصفها على الخلطاء على كل واحد منهم سدس شاة ولو كان رجلان لكل واحد منهما ستون فخالط كل واحد منهما صاحبه بعشرين فقط وجب عليهما شاة واحدة بينهما نصفين فإن اختلطا في أقل من ذلك لم يثبت لهما حكم الخلطة ووجب على كل واحد منهما شاة كاملة وإن اختلطا في أربعين لواحد منهما عشرة وللآخر ثلاثون ثبت لهما حكم الخلطة لوجودها في نصاب كامل فصل ويعتبر اختلاطهم في جميع الحول وإن ثبت لهم حكم الانفراد في بعضه زكوا زكاة المنفردين وبهذا قال الشافعي في الجديد وقال مالك لا يعتبر اختلاطهم في أول الحول لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع يعني في وقت أخذ الزكاة ولنا إن هذا مال ثبت له حكم الانفراد فكانت زكاته زكاة المنفرد كما لو انفرد في آخر الحول والحديث محمول على المجتمع في جميع الحول إذا تقرر هذا فمتى كان الرجلين ثمانون شاة بينهما نصفين وكانا منفردين فاختلطا في أثناء الحول فعلى كل واحد منهما عند تمام حوله شاة وفيم بعد ذلك من السنين يزكيان زكاة الخلطة وإن اتفق حولاهما أخرجا شاة عند تمام حول على كل واحد منهما نصفها وإن اختلف حولاهما فعلى الأول منهما عند تمام حوله نصف شاة فإذا تم حول الثاني فإن كان الأول أخرجها من غير المال فعلى الثاني نصف شاة أيضا وإن أخرجها من النصاب نظرت فإن أخرج الشاة جميعها عن ملكه فعلى الثاني أربعون جزءا من تسعة وسبعين جزءا من شاة وإن أخرج نصف شاة فعلى الثاني أربعون جزءا من تسعة وسبعين ونصف جزء من شاة فصل وإن ثبت لأحدهما حكم الانفراد دون صاحبه ويتصور ذلك بأن يملك رجلان نصابين فيخلطاهما ثم يبيع أحدهما نصيبه أجنبيا أو يكون لأحدهما نصاب منفرد فيشتري آخر نصابا ويخلطه به في الحال إذا قلنا اليسير معفو عنه فإنه لا بد أن تكون عقيب ملكها منفردة في جزء وإن قل أو يكون لأحدهما نصاب وللآخر دون النصاب فاختلطا في أثناء الحول فإذا تم حول الأول فعليه شاة فإذا تم حول الثاني فعليه زكاة الخلطة على التفصيل الذي ذكرناه ويزكيان فيما بعد ذلك زكاة الخلطة كلما تم حول أحدهما فعليه من زكاة الجميع بقدر ماله منه فإذا كان المالان جميعا ثمانين شاة فأخرج الأول منها شاة زكاة الأربعين التي يملكها فعلى الثاني أربعون جزءا من تسعة وسبعين جزءا فإن أخرج الشاة كلها من ملكه وحال الحول الثاني فعلى الأول نصف شاة زكاة خلطة فإن أخرجه وحده فعلى الثاني تسعة وثلاثون جزءا من سبعة وسبعين جزءا ونصف جزء من شاة وإن توالدت شيئا حسب معها فصل وإن كان بينهما ثمانون شاة مختلطة مضى عليها بعض الحول فتبايعاها باع كل واحد منهما غنمة صاحبه مختلطة وبعثاها على الخلطة لم يقطع حولهم ولم تزل خلطتهما وكذلك لو باع بعض غنمه من غير إفراد قل المبيع أو كثر فأما إن أفردها ثم تبايعاها ثم خلطاها وتطاول زمن الافراد بطل حكم الخلطة وإن خلطاها عقيب البيع ففيه وجهان أحدهما لا ينقطع لأن هذا زمن يسير يعفى