والثاني العلك القوي الذي كلما مضغه صلب وقوي فهذا يكره مضغه ولا يحرم وممن كرهه الشعبي و النخعي و محمد بن علي و قتادة و الشافعي وأصحاب الرأي وذلك لأنه يحلب الفم ويجمع الريق ويورث العطش ورخصت عائشة في مضغه وبه قال عطاء لأنه لا يصل إلى الجوف فهو كالحصاة يضعها في فيه ومتى مضغه ولم يجد طعمه في حلقه لم يفطر وإن وجد طعمه في حلقه ففيه وجهان أحدهما يفطره كالكحل إذا وجد طعمه في حلقه والثاني لا يفطره لأنه لم ينزل منه شيء ومجرد الطعم لا يفطر بدليل أنه قد قيل من لطخ باطن قدمه بالحنظل وجد طعمه ولا يفطر بخلاف الكحل فإن أجزاءه تصل إلى الحلق ويشاهد إذا تنخع قال أحمد من وضع في فيه درهما أو دينارا وهو صائم ما لم يجد طعمه في حلقه فلا بأس به وما يجد طعمه فلا يعجبني وقال عبد الله سألت أبي عن الصائم يفتل الخيوط قال يعجبني أن يبزق فصل قال أحمد أحب إلي أن يجتنب ذوق الطعام فإن فعل لم يضره ولا بأس به قال ابن عباس لا بأس أن يذوق الطعام الخل والشيء يريد شراءه والحسن كان يمضع الجوز لابن ابنه وهو صائم ورخص فيه إبراهيم قال ابن عقيل ي يكره من غ غ حاجة ولولا بأس به مع الحاجة فإن فعل ف فوجد طعمهمه في حلقه أ أفطر وإلا لم يفطر ففصل قالال أحمد لالا بأس بالسوسواك للصائائائائم قال عامر بن ربيعة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك وهو صائم قال الترمذي هذا حديث حسن وقال زياد بن حدير ما رأيت أحدا كان أدوم لسواك رطب وهو صائم من عمر بن الخطاب ولكنه يكون عودا ذاويا ولم ير أهل العلم بالسواك أول النهار بأسا إذا كان العود يابسا واستحب أحمد و إسحاق ترك السواك بالعشي قال أحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك الأذفر لتلك الرائحة لا يعجبني للصائم أن يستاك بالعشي واختلفت الرواية عنه في التسوك بالعود الرطب فرويت عنه الكراهة وهو قول قتادة و الشعبي و الحكم و إسحاق و مالك في رواية لأنه مغرر بصومه لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه فيفطره وروي عنه لا يكره وبه قال الثوري و الأوزاعي و أبو حنيفة وروي ذلك عن علي و ابن عمر و عروة و مجاهد لما رويناه من حديث عمر وغيره من الصحابة فصل ومن أصبح بين أسنانه طعام لم يخل من حالين أحدهما أن يكون يسيرا لا يمكنه لفظه فازدرده فإنه لا يفطر به لأنه لا يمكن التحرز منه فأشبه الريق قال ابن المنذر أجمع على ذلك أهل العلم والثاني أن يكون كثيرا يمكن لفظه فإن لفظه فلا شيء عليه وإن ازدرده عامدا فسد صومه في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة لا يفطر لأنه لا بد أن يبقى بين أسنانه شيء مما يأكله فلا يمكن التحرز منه فأشبه ما يجري به الريق ولنا إنه بلع طعاما يمكنه لفظه باختياره ذاكرا لصومه فأفطر به كما لو اببه الريق فإنه لا يمكنه لفظه فإن قيل يمكنه أن يبصق قلنا لا يخرج جميع الريق ببصاقه وإن منع من ابتلاع ريقه كله لم يمكنه فصل فإن قطر في إحليله دهنا لم يفطر به سواء وصل إلى المثانة أو لم يصل وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يفطر لأنه أوصل الدهن إلى جوف في جسده فأفطر كما لو داوى الجائفة ولأن المني يخرج من الذكر فيفطره وما أفطر بالخارج منه جاز أن يفطر بالداخل منه كالفم ولنا إنه ليس بين باطن الذكر والجوف منفذ وإنما يخرج البول رشحا فالذي يتركه فيه لا يصل إلى الجوف فلا يفطره كالذي يتركه في فيه ولم يبتلعه الفصل الرابع إذا قبل فأمنى أو أمذى ولا يخلو المقبل من ثلاثة أحوال أحدها أن لا ينزل فلا يفسد صومه بذلك
İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد · AR
لا نعلم فيه خلافا لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم وكان أملككم لإربه رواه البخاري و مسلم ويروى بتحريك الراء وسكونها قال الخطابي معناهما واحد وهو حاجة النفس ووطرها وقيل بالتسكين العضو وبالفتح الحاجة وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما فقبلت وأنا صائم فقال أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم قلت لا بأس به قال فمه رواه أبو داود شبه القبلة بالمضمضة من حيث إنها من مقومات الشهوة وأن المضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم يفطر وإن كان معها نزوله أفطر إلا أن أحمد ضعف هذا الحديث وقال هذا ريح ليس من هذا شيء الحال الثاني أن يمني فيفطر بغير خلاف نعلمه لما ذكرناه من إيماء الخبرين ولأنه إنزال بمباشرة فأشبه الإنزال بالجماع دون الفرج الحال الثالث أن يمذي فيفطر عند إمامنا و مالك وقال أبو حنيفة و الشافعي لا يفطر وروي ذلك عن الحسن و الشعبي و الأوزاعي لأنه خرج لا يوجب الغسل أشبه البول ولنا إنه خارج تخلله الشهوة خرج بالمباشرة فأفسد الصوم كالمني وفارق البول بهذا واللمس لشهوة كالقبلة في هذا إذا ثبت هذا فإن المقبل إذا كان ذا شهوة مفرطة بحيث يغلب على ظنه أنه إذا قبل أنزل لم تحل له القبلة لأنها مفسدة لصومه فحرمت كالأكل وإن كان ذا شهوة لكنه لا يغلب على ظنه ذلك كره له التقبيل لأنه يعرض صومه للفطر ولا يأمن عليه الفساد وقد روي عن عمر أنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأعرض عني فقلت له ما لي فقال إنك تقبل وأنت صائم ولأن العبادة إذا منعت الوطء منعت القبلة كالإحرام ولا تحرم القبلة في هذه الحال لما روي أن رجلا قبل وهو صائم فأرسل امرأته فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبل وهو صائم فقال الرجل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مثلنا قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال إني لأخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي رواه مسلم بمعناه ولأن إفضاءه إلى إفساد الصوم مشكوك فيه ولا يثبت التحريم بالشك فأما إن كان ممن لا تحرك القبلة شهوته كالشيخ الهرم ففيه روايتان إحداهما لا يكره له ذلك وهو مذهب أبي حنيفة و الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم لما كان مالكا لإربه وغير ذي الشهوة في معناه وقد روى أبو هريرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له فأتاه آخر فسأله فنهاه فإذا رخص له شيخ وإذا الذي نهاه شاب أخرجه أبو داود ولأنها مباشرة لغير شهوة فأشبهت لمس اليد لحاجة والثانية يكره لأنه لا يأمن حدوث الشهوة ولأن الصوم عبادة تمنع الوطء فاستوى في القبلة فيها من تحرك شهوته وغيره كالإحرام فأما اللمس لغير شهوة كلمس يدها ليعرف مرضها فليس بمكروه بحال لأن ذلك لا يكره في الإحرام فلا يكره في الصيام كلمس ثوبها فصل ولو استمنى بيده فقد فعل محرما ولا يفسد صومه به إلا أن ينزل فإن أنزل فسد صومه لأنه في معنى القبلة في إثارة الشهوة فأما إن نزل لغير شهوة كالذي يخرج منه المني أو المذي لمرض فلا شيء عليه لأنه خارج لغير شهوة أشبه البول ولأنه يخرج من غير اختيار منه ولا تسبب إليه فأشبه الاحتلام ولو احتلم لم يفسد صومه لأنه عن غير اختيار منه فأشبه ما لو دخل حلقه شيء وهو نائم ولو جامع في الليل فأنزل بعد ما أصبح لم يفطر لأنه لم يتسبب إليه في النهار فأشبه ما لو أكل شيئا في الليل فذرعه القيء في النهار
الفصل الخامس إذا كرر النظر فأنزل ولتكرار النظر أيضا ثلاثة أحوال أحدها أن لا يقترن به إنزال فلا يفسد الصوم بغير اختلاف الثاني أن يقترن به إنزال المني فيفسد الصوم في قول إمامنا و عطاء و الحسن البصري و مالك و الحسن بن صالح وقال جابر بن زيد و الثوري و أبو حنيفة و الشافعي و ابن المنذر لا يفسد لأنه إنزال عن غير مباشرة أشبه الإنزال بالفكر ولنا إنه إنزال بفعل يتلذذ به ويمكن التحرز منه فأفسد الصوم كالإنزال باللمس والكفر لا يمكن التحرز منه بخلاف تكرار النظر الثالث مذي بتكرار النظر فظاهر كلام أحمد أنه لا يفطر به لأنه لا نص في الفطر ولا يمكن فياسه على إنزال المني لمخالفته إياه في الأحكام فيبقى على الأصل فأما إن نظر فصرف بصره لم يفسد صومه سواء أنزل أو لم ينزل وقال مالك إن أنزل فسد صومه لأنه أنزل بالنظر أشبه ما لو كرره ولنا إن النظرة الأولى لا يمكن التحرز منها فلا يفسد الصوم ما أفضت إليه كالفكرة وعليه يخرج التكرار فإذا ثبت هذا فإن تكرار النظر مكروه لمن يحرك شهوته غير مكروه لمن لا يحرك شهوته كالقبلة ويحتمل أن لا يكره بحال لأن إفضاءه إلى الإنزال المفطر بعيد جدا بخلاف القبلة فإن حصول المذي بها ليس ببعيد فصل فإن فكر فأنزل لم يفسد صومه وحكي عن أبي حفص البرمكي أنه يفسد واختاره ابن عقيل لأن الفكرة تستحضر فتدخل تحت الاختيار بدليل تأثم صاحبها في مساكنها في بدعة وكفر ومدح الله سبحانه الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في ذات الله وأمر بالتفكر في آلائه ولو كانت غير مقدور عليها لم يتعلق ذلك بها كالاحتلام فأما إن خطر بقلبه صورة الفعل فأنزل لم يفسد صومه لأن الخاطر لا يمكن دفعه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم ولأنه لا نص في الفطر به ولا إجماع ولا يمكن قياسه على المباشرة ولا تكرار النظر لأنه دونهما في استدعاء الشهوة وإفضائه إلى الإنزال ويخالفهما في التحريم إذا تعلق ذلك بأجنبية أو الكراهة إن كان في زوجة فيبقى على الأصل الفصل السادس أن المفسد للصوم من هذا كله ما كان عن عمد وقصد فأما ما حصل منه عن غير قصد كالغبار الذي يدخل حلقه من الطريق ونخل الدقيق والذبابة التي تدخل حلقه أو يرش عليه الماء فيدخل مسامعه أو أنفه أو حلقه أو يلقى في ماء فيصل إلى جوفه أو يسبق إلى حلقه من ماء المضمضة أو يصب في حلقه أو أنفه كرها أو تداوى مأمومته أو جائفته بغير اختياره أو يحجم كرها أو تقبله امرأة بغير اختياره فينزل أو ما أشبه هذا فلا يفسد صومه لا نعلم فيه خلافا لأنه لا فعل له فلا يفطر كالاحتلام وأما إن أكره على شيء من ذلك بالوعيد ففعله فقال ابن عقيل قال أصحابنا لا يفطر به أيضا لقول النبي صلى الله عليه وسلم عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه قال ويحتمل عندي أن يفطر لأنه فعل المفطر لدفع الضرر عن نفسه فأشبه المريض يفطر لدفع المرض ومن يشرب لدفع العطش ويفارق الملجأ لأنه خرج بذلك عن حيز الفعل ولذلك لا يضاف إليه ولذلك افترقا فيما لو أكره على قتل آدمي وألقي عليه الفصل السابع أنه متى أفطر بشيء فعليه القضاء لا نعلم في ذلك خلافا
لأن الصوم كان ثابتا في الذمة فلا تبرأ منه إلا بأدائه ولم يؤده فيبقى على ما كان عليه ولا كفارة في شيء مما ذكرناه في ظاهر المذهب وهو قول سعيد بن جبير و النخعي و ابن سيرين و حماد و الشافعي وعن أحمد أن الكفارة تجب على من أنزل بلمس أو قبلة أو تكرار نظر لأنه إنزال عن مباشرة أشبه الإنزال بالجماع وعنه في المحتجم إن كان عالما بالنهي فعليه الكفارة وقال عطاء في المحتجم عليه الكفارة وقال مالك تجب الكفارة بكل ما كان هتكا للصوم إلا الردة لأنه إفطار في رمضان أشبه الجماع وحكي عن عطاء والحسن والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق أن الفطر بالأكل والشرب يوجب ما يوجبه الجماع وبه قال أبو حنيفة إلا أنه اعتبر ما يتغذى به أو يتداوى به فلو ابتلع حصاة أو نواة أو فستقة بقشرها فلا كفارة عليه واحتجوا بأنه أفطر بأعلى ما في الباب من جنسه فوجبت عليه الكفارة كالمجامع ولنا إنه أفطر بغير جماع فلم توجب الكفارة كبلع الحصاة أو التراب أو كالردة عند مالك ولأنه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا ولا إجماع ولا يصح قياسه على الجماع لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمس والحكم في التعدي به آكد ولهذا يجب به الحد إذا كان محرما ويختص بإفساد الحج دون سائر محظوراته ووجوب البدنة ولأنه في الغالب يفسد صوم اثنين بخلاف غيره فصل والواجب في القضاء عن كل يوم يوم في قول عامة الفقهاء وقال أحمد قال إبراهيم و وكيع يصوم ثلاثة آلاف يوم وعجب أحمد من قولهما وقال سعيد بن المسيب من أفطر يوما متعمدا يصوم شهرا وحكي عن ربيعة أنه قال يجب مكان كل يوم اثنا عشر يوما لأن رمضان يجزىء عن جميع السنة وهي اثنا عشر شهرا ولنا قول الله تعالى فعدة من أيام أخر البقرة 184 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المجامع صم يوما مكانه رواه أبو داود ولأن القضاء يكون على حسب الأداء بدليل سائر العبادات ولأن القضاء لا يختلف بالعذر وعدمه بدليل الصلاة والحج وما ذكروه تحكم لا دليل عليه والتقدير لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع وليس معهم واحد منهما وقول ربيعة يبطل بالمعذور وذكر لأحمد حديث أبي هريرة من أفطر يوما من رمضان متعمدا لم يقضه ولو صام الدهر فقال ليس يصح هذا الحديث مسألة قال ( وإن فعل ذلك ناسيا فهو على صومه ولا قضاء عليه ) وجملته أن جميع ما ذكره الخرقي في هذه المسألة لا يفطر الصائم بفعله ناسيا وروي عن علي رضي الله عنه لا شيء على من أكل ناسيا وهو قول أبي هريرة و ابن عمر و عطاء و طاوس و ابن أبي ذئب و الأوزاعي و الثوري و الشافعي و أبي حنيفة و إسحاق وقال ربيعة و مالك يفطر لأن ما لا يصح الصوم مع شيء من جنسه عمدا لا يجوز مع سهوه كالجماع وترك النية ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أحدكم أو شرب ناسيا فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه متفق عليه وفي لفظ من أكل أو شرب ناسيا فلا يفطر فإنما هو رزق رزقه الله ولأنها عبادة ذات تحليل وتحريم فكان في محظوراتها ما يختلف عمده وسهوه كالصلاة والحج وأما النية فليس تركها فعلا ولأنها شرط والشروط لا تسقط بالسهو بخلاف المبطلات والجماع حكمه أغلظ ويمكن التحرز عنه فصل فإن فعل شيئا من ذلك وهو نائم لم يفسد صومه لأنه لا قصد له ولا علم بالصوم فهو أعذر من الناسي وذكر أبو الخطاب أن من فعل من هذا شيئا جاهلا بتحريمه لم يفطر ولم أره عن غيره
وقول النبي صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم في حق الرجلين اللذين رآهما يحجم أحدهما صاحبه مع جهلهما بتحريمه يدل على أن الجهل لا يعذر به ولأنه نوع جهل فلم يمنع الفطر كالجهل بالوقت في حق من يأكل يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع مسألة قال ( ومن استقاء فعليه القضاء ومن ذرعه القيء فلا شيء عليه ) معنى استقاء تقيأ مستدعيا للقيء وذرعه خروج من اختيار منه فمن استقاء فعليه القضاء لأن صومه يفسد به ومن ذرعه فلا شيء عليه وهذا قول عامة أهل العلم قال الخطابي لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافا وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدا وحكي عن ابن مسعود وابن عباس أن القيء لا يفطر وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث لا يفطرن الصائم الحجامة والقيء والاحتلام ولأن الفطر بما يدخل لا بما يخرج ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عامدا فليقض قال الترمذي هذا حديث حسن غريب ورواه أبو داود وحديثهم غير محفوظ يرويه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف في الحديث قاله الترمذي والمعنى الذي ذكر لهم يبطل بالحيض والمني فصل وقليل القيء وكثيره سواء في ظاهر قول الخرقي وهو إحدى الروايات عن أحمد والرواية الثانية لا يفطر إلا بملء الفم لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ولكن دسعة تملأ الفم ولأن اليسير لا ينقض الوضوء فلا يفطر كالبلغم والثالثة نصف الفم لأنه ينقض الوضوء فأفطر به كالكثير والأولى أولى لظاهر الحديث الذي رويناه ولأن سائر المفطرات لا فرق بين قليلها وكثيرها وحديث الرواية الثانية لا نعرف له أصلا ولا فرق بين كون القيء طعاما أو مرارا أو بلغما أو دما أو غيره لأن الجميع داخل تحت عموم الحديث والمعنى والله تعالى أعلم بالصواب مسألة قال ( ومن ارتد عن الإسلام فقد أفطر ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن من ارتد عن الإسلام في أثناء الصوم أنه يفسد صومه وعليه قضاء ذلك اليوم إذا عاد إلى الإسلام سواء أسلم في أثناء اليوم أو بعد انقضائه وسواء كانت ردته باعتقاده ما يكفر به أو شكه فيما يكفر بالشك فيه أو بالنطق بكلمة الكفر مستهزئا أو غير مستهزىء قال الله تعالى ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم التوبة 65 وذلك لأن الصوم عبادة من شرطها النية فأبطلتها الردة كالصلاة والحج ولأنه عبادة محضة فنافاها الكفر كالصلاة مسألة قال ( ومن نوى الإفطاء فقد أفطر ) هذا الظاهر من المذهب وهو قول الشافعي و أبي ثور وأصحاب الرأي إلا أن أصحاب الرأي قالوا إن عاد فنوى قبل أن ينتصف النهار أجزأه بناء على أصلهم أن الصوم يجزىء بنية من النهار وحكي عن ابن حامد أن الصوم لا يفسد بذلك لأنها عبادة يلزم المضي في فاسدها فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج ولنا إنها عبادة من شرطها النية ففسدت بنية الخروج منها كالصلاة ولأن الأصل اعتبار النية في جميع أجزاء العبادة ولكن لما شق اعتبار حقيقتها اعتبر بقاء حكمها وهو أن لا ينوي قطعها فإذا نواه زالت حقيقة وحكما ففسد الصوم لزوال شرطه وما ذكره ابن حامد لا يطرد في غير رمضان ولا يصح القياس على الحج فإنه يصح النية المطلقة والمبهمة وبالنية عن غيره إذا لم يكن حج عن نفسه فافترقا فصل فأما صوم النافلة فإن نوى الفطر ثم لم ينو الصوم بعد ذلك لم يصح صومه لأن النية انقطعت ولم توجد نية غيرها فأشبه من لم ينو أصلا وإن عاد فنوى الصوم صح صومه كما لو أصبح غير ناو للصوم
لأن نية الفطر إنما أبطلت الفرض لما فيه من قطع النية المشترطة في جميع النهار حكما وخلو بعض أجزاء النهار عنها والنفل مخالف للفرض في ذلك فلم تمنع صحته نية الفطر في زمن لا يشترط وجود نية الصوم فيه ولأن نية الفطر لا تزيد على عدم النية في ذلك الوقت وعدمها لا يمنع صحة الصوم إذا نوى بعد ذلك فكذلك إذا نوى الفطر ثم نوى الصوم بعده بخلاف الواجب فإنه لا يصح بنية من النهار وقد روي عن أحمد أنه قال إذا أصبح صائما ثم عزم على الفطر فلم يفطر حتى بدا له ثم قال لا بل أتم صومي من الواجب لم يجزئه حتى يكون عازما على صوم يومه كله ولو كان تطوعا كان أسهل وظاهر هذا موافق لما ذكرناه وقد دل على صحته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل أهله هل من غداء فإن قالوا لا قال إني صائم فصل وإن نوى أنه سيفطر ساعة أخرى فقال ابن عقيل هو كنية الفطر في وقته وإن تردد في الفطر فعلى وجهين كما ذكرنا في الصلاة وإن نوى أنني إن وجدت طعاما أفطرت وإن لم أجد أتممت صومي خرج فيه وجهان أحدهما يفطر لأنه لم يبق جازما بنية الصوم وكذلك لا يصح ابتداء النية بمثل هذا والثاني لا يفطر لأنه لم ينو الفطر بنية صحيحة فإن النية لا يصح تعليقها على شرط ولذلك لا ينعقد الصوم بمثل هذه النية مسألة قال ( ومن جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل عامدا أو ساهيا فعليه القضاء والكفارة إذا كان في شهر رمضان ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل أنه يفسد صومه إذا كان عامدا وقد دلت الأخبار الصحيحة على ذلك وهذه المسألة فيها مسائل أربع المسألة الأولى أن من أفسد صوما واجبا بجماع فعليه القضاء سواء كان في رمضان أو غيره وهذا قول أكثر الفقهاء وقال الشافعي في أحد قوليه من لزمته الكفارة لا قضاء عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعرابي بالقضاء وحكي عن الأوزاعي أنه قال إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه لأنه صيام شهرين متتابعين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمجامع وصم يوما مكانه رواه أبو داود بإسناده و ابن ماجة و الأثرم ولأنه أفسد يوما من رمضان فلزمه قضاؤه كما لو أفسده بالأكل أو أفسد صومه الواجب بالإجماع فلزمه قضاؤه كغير رمضان المسألة الثانية أن الكفارة تلزم من جامع في الفرج في رمضان عامدا أنزل أو لم ينزل في قول عامة أهل العلم وحكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير لا كفارة عليه لأن الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها فلا تجب في أدائها كالصلاة ولنا ما روى الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل فقال يا رسول الله هلكت قال ما لك قال وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل تجد إطعام ستين مسكينا قال لا قال فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر والعرق المكتل فقال أين السائل فقال أنا قال خذ هذا فتصدق به فقال الرجل على أفقر مني يا رسول الله فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال أطعمه أهلك متفق عليه ولا يجوز اعتبار الأداء في ذلك بالقضاء لأن الأداء يتعلق بزمن مخصوص يتعين به والقضاء محله الذمة والصلاة لا يدخل في جبرانها المال بخلاف مسألتنا المسألة الثالثة أن الجماع دون الفرج إذا اقترن به الإنزال فيه عن أحمد روايتان
إحداهما عليه الكفارة وهذا قول مالك و عطاء و الحسن و ابن المبارك و إسحاق لأنه فطر بجماع فأوجب الكفارة كالجماع في الفرج والثانية لا كفارة فيه وهو مذهب الشافعي و أبي حنيفة لأنه فطر بغير جماع تام فأشبه القبلة ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة ولا نص في وجوبها ولا إجماع ولا قياس ولا يصح القياس على الجماع في الفرج لأنه أبلغ بدليل أنه يوجبها من غير إنزال ويجب به الحد إذا كان محرما ويتعلق به اثنا عشر حكما ولأن العلة في الأصل الجماع بدون الإنزال والجماع هاهنا غير موجب فلم يصح اعتباره به المسألة الرابعة أنه إذا جامع ناسيا فظاهر المذهب أنه كالعامد نص عليه أحمد وهو قول عطاء و ابن الماجشون وروى أبو داود عن أحمد أنه توقف عن الجواب وقال أجبن أن أقول فيه شيئا وأن أقول ليس عليه شيء قال سمعته غير مرة لا ينفذ له فيه قول ونقل أحمد بن القاسم عنه كل أمر غلب عليه الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره قال أبو الخطاب هذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان وهو قول الحسن و مجاهد و الثوري و الشافعي وأصحاب الرأي لأنه معنى حرمه الصوم فإذا وجد منه مكرها أو ناسيا لم يفسده كالأكل وكان مالك و الأوزاعي و الليث يوجبون القضاء دون الكفارة لأن الكفارة لرفع الإثم وهو محطوط عن الناسي ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي قال وقعت على امرأتي بالكفارة ولم يسأله عن العمد ولو افترق الحال لسأل واستفصل ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ السائل وهو الوقوع على المرأة في الصوم ولأن السؤال كالمعاد في الجواب فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من وقع على أهله في رمضان فليعتق رقبة فإن قيل ففي الحديث ما يدل على العمد وهو قوله هلكت وروي احترقت قلنا يجوز أن يخبر عن هلكته لما يعتقده في الجماع مع النسيان من إفساد الصوم وخوفه من غير ذلك ولأن الصوم عبادة تحرم الوطء فاستوى فيها عمده وسهوه كالحج ولأن إفساد الصوم ووجوب الكفارة حكمان يتعلقان بالجماع لا تسقطهما الشبهة فاستوى فيها العمد والسهو كسائر أحكامه فصل ولا فرق بين كون الفرج قبلا أو دبرا من ذكر أو أنثى وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة في أشهر الروايتين عنه لا كفارة في الوطء في الدبر لأنه لا يحصل به الإحلال ولا الإحصان فلا يوجب الكفارة كالوطء دون الفرج ولنا إنه أفسد صوم رمضان بجماع فأوجب الكفارة كالوطء وأما الوطء دون الفرج فلنا فيه منع وإن سلمنا فلأن الجماع دون الفرج لا يفسد الصوم بمجرده بخلاف الوطء في الدبر فصل فأما الوطء في فرج البهيمة فذكر القاضي أنه موجب للكفارة لأنه وطء في فرج موجب للغسل مفسد للصوم فأشبه وطء الآدمية وفيه وجه آخر لا تجب به الكفارة وذكر أبو الخطاب لأنه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص عليه فإنه مخالف لوطء الآدمية في إيجاب الحد على إحدى الروايتين وفي كثير من أحكامه ولا فرق بين كون الموطوءة زوجة أو أجنبية أو كبير أو صغيرة لأنه إذا وجب بوطء الزوجة فبوطء الأجنبية أولى فصل ويفسد صوم المرأة بالجماع بغير خلاف نعلمه في المذهب لأنه نوع من المفطرات فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل وهل يلزمها الكفارة على روايتين إحداهما يلزمها وهو اختيار أبي بكر وقول مالك و أبي حنيفة و أبي ثور و ابن المنذر ولأنها هتكت صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل والثانية لا كفارة عليها قال أبو داود سئل أحمد عمن أتى أهله في رمضان أعليها كفارة قال ما سمعنا أن على امرأة كفارة وهذا قول الحسن و الشافعي قولان كالروايتين ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الواطىء في رمضان أن يعتق رقبة ولم يأمر في المرأة بشيء مع علمه بوجد ذلك منها ولأنه حق مال يتعلق بالوطء من بين جنسه فكان على الرجل كالمهر فصل وإن أكرهت المرأة على الجماع
فلا كفاة عليها رواية واحدة وعليها القضاء قال مهنا سألت أحمد عن امرأة غصبها رجل نفسها فجامعها أعليها القضاء قال نعم قلت وعليها كفارة قال لا وهذا قول الحسن ونحو ذلك قول الثوري و الأوزاعي وأصحاب الرأي وعلى قياس ذلك إذا وطئها نائمة وقال مالك في النائمة عليها القضاء بلا كفارة والمكرهة عليها القضاء والكفارة وقال الشافعي و أبو ثور و ابن المنذر إن كان الإكراه بوعيد حتى فعلت فكقولنا وإن كان إلجاء لم تفطر وكذلك إن وطئها وهي نائمة ويخج من قول أحمد في رواية ابن القاسم كل أمر غلب عليه الصائم ليس عليه قضاء ولا غيره أنه لا قضاء عليها إذا كانت ملجأة أو نائمة لأنها لم يوجد منها يوجد منها فعل فلم تفطر كما لو صب في حلقها ماء بغير اختيارها ووجه الأول أنه جماع في الفرج فأفسد الصوم كما لو أكرهت بالوعيد ولأن الصوم عبادة يفسدها الوطء ففسدت به على كل حال كالصلاة والحج ويفارق الأكل فإنه يعذر فيه بالنسيان بخلاف الجماع فصل فإن تساحقت امرأتان فلم ينزلا فلا شيء عليهما وإن أنزلتا فسد صومهما وهل يكون حكمهما حكم المجامع دون الفرج إذا أنزل أو لا يلزمهما كفارة بحال فيه وجهان مبنيان على أن الجماع من المرأة هل يوجب الكفارة على روايتين وأصح الوجهين أنهما لا كفارة عليهما لأن ذلك ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص عليه فيبقى على الأصل وإن ساحق المجبوب فأنزل فحكمه حكم من جامع دون الفرج فأنزل فصل وإن جامعت المرأة ناسية للصوم فقال أبو الخطاب حكم النسيان حكم الإكراه ولا كفارة عليها فيهما وعليها القضاء لأن الجماع يحصل به الفطر في حق الرجل مع النسيان فكذلك في حق المرأة ويحتمل أن لا يلزمها القضاء لأنه مفسد لا يوجب الكفارة فأشبه الأكل فصل وإن أكره الرجل على الجماع فسد صومه لأنه إذا أفسد صوم المرأة فصوم الرجل أولى وأما الكفارة فقال القاضي عليه الكفارة لأن الإكراه على الوطء لا يمكن لأنه لا يطأ حتى ينتشر ولا ينتشر إلا عن شهوة فكان كغير المكره وقال أبو الخطاب فيه روايتان إحداهما لا كفارة عليه وهو مذهب الشافعي لأن الكفارة إما أن تكون عقوبة أو ماحية للذنب ولا حاجة إليها مع الإكراه لعدم الإثم فيه ولقول النبي صلى الله عليه وسلم عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأن الشرع لم يرد بوجوب الكفارة فيه ولا يصح قياسه على ما ورد الشرع فيه لاختلافهما في وجود العذر وعدمه فأما إن كان نائما مثل أن كان عضوه منتشرا في حال نومه فاستدخلته امرأته فقال ابن عقيل لا قضاء عليه ولا كفارة وكذلك إن كان إلجاء مثل غلبته في حال يقظته على نفسه وهذا مذهب الشافعي لأنه معنى حرمه الصوم حصل بغير اختياره فلم يفطر به كما لو أطارت الريح إلى حلقه ذبابة وظاهر كلام أحمد أن عليه القضاء لأنه قال في المرأة إذا غصبها رجل نفسها فجامعها عليها القضاء فالرجل أولى ولأن الصوم عبادة يفسدها الجماع فاستوى في ذلك حالة الاختيار والإكراه كالحج ولا يصح قياس الجماع على غيره في عدم الإفساد لتأكده بإيجاب الكفارة وإفساده للحج من بين سائر محظوراته وإيجاب الحد به إذا كان زنا فصل ولا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء وقال قتادة تجب على من وطىء في قضاء رمضان لأنه عبادة تجب الكفارة في أدائها فوجبت في قضائها كالحج ولنا إنه جامع في غير رمضان فلم تلزمه كفارة كما لو جامع في صيام الكفارة ويفارق القضاء الأداء لأنه متعين بزمان محترم فالجماع فيه هتك له بخلاف القضاء فصل وإذا جامع في أول النهار ثم مرض أو جن أو كانت امرأة فحاضت أو نفست في أثناء النهار لم تسقط الكفارة وبه قال مالك والليث وابن الماجشون وإسحاق وقال أصحاب الرأي لا كفارة عليهم وللشافعي قولان كالمذهبين
واحتجوا بأن صوم هذا اليوم خرج عن كونه مستحقا فلم يجب بالوطء فيه كفارة كصوم المسافر أو كما لو قامت البينة أنه من شوال ولنا إنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة فلم يسقطها كالسفر ولأنه أفسد صوما واجبا في رمضان بجماع تام فاستقرت الكفارة عليه كما لو لم يطرأ عذر والوطء في صوم المسافر ممنوع وإن سلم فالوطء ثم لم يوجب أصلا لأنه وطء مباح في سفر أبيح الفطر فيه بخلاف مسألتنا وكذا إذا تبين أنه من شوال فإن الوطء غير موجب لأنا تبينا أن الوطء لم يصادف رمضان والموجب إنما هو الوطء المفسد لصوم رضمان فصل إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع فعليه القضاء والكفارة وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يجب القضاء دون الكفارة لأن وطأه لم يصادف صوما صحيحا فلم يوجب الكفارة كما لو ترك النية وجامع ولنا أنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم فوجبت به الكفارة كما لو وطىء بعد طلوع الفجر وعكسه إذا لم ينو فإنه يتركه لترك النية لا الجماع ولنا فيه منع أيضا وأما إن نزع في الحال مع أول طلوع الفجر فقال ابن حامد والقاضي عليه الكفارة أيضا لأن النزع جماع يلتذ به فتعلق به ما يتعلق بالاستدامة كالإيلاج وقال أبو حفص لا قضاء عليه ولا كفارة وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه ترك للجماع فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع كما لو حلف لا يدخل دارا وهو فيها فخرج منها كذلك ها هنا وقال مالك يبطل صومه ولا كفارة عليه لأنه لا يقدر على أكثر مما فعله في ترك الجماع فأشبه المكره وهذه المسألة تقرب من الاستحالة إذ لا يكاد يعلم أول طلوع الفجر على وجه يتعقب النزع من غير أن يكون قبله شيء من الجماع فلا حاجة إلى فرضها والكلام فيها فصل ومن جامع يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه كان قد طلع فعليه القضاء والكفارة وقال أصحاب الشافعي لا كفارة عليه ولو علم في أثناء الوطء فاستدام فلا كفارة عليه أيضا لأنه إذا لم يعلم لم يأثم فلا يجب به كفارة كوطء الناسي وإن علم فاستدام فقد حصل الوطء الذي يأثم به في غير صوم ولنا حديث المجامع إذ أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتكفير من غير تفريق ولا تفصيل ولأنه أفسد صوم رمضان بجماع تام فوجبت عليه الكفارة كما لو علم ووطء الناسي ممنوع ثم لا يحصل به الفطر على الرواية الأخرى بخلاف مسألتنا مسألة قال ( والكفارة عتق رقبة فإن لم يمكنه فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ) المشهور من مذهب أبي عبد الله أن كفارة الوطء في رمضان ككفارة الظهار في الترتيب يلزمه العتق إن أمكنه فإن عجز عنه انتقل إلى الصيام فإن عجز انتقل إلى إطعام ستين مسكينا وهذا قول جمهور العلماء وبه يقول الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وعن أحمد رواية أخرى أنها على التخيير بين العتق والصيام والإطعام وبأيها كفر أجزأه وهو رواية عن مالك لما روى مالك وابن جريج عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا رواه مسلم و أو حرف تخيير ولأنها تجب بالمخالفة فكانت على التخيير ككفارة اليمين وروي عن مالك أنه قال الذي نأخذ به في الذي يصيب أهله في شهر رمضان إطعام ستين مسكينا أو صيام ذلك اليوم وليس التحرير والصيام من كفارة رمضان في شيء وهذا القول ليس بشيء لمخالفته الحديث الصحيح مع أنه ليس له أصل يعتمد عليه ولا شيء يستند إليه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع
وأما الدليل على وجوب الترتيب فالحديث الصحيح رواه معمر ويونس والأوزاعي والليث وموسى بن عقبة وعبيد الله بن عمر وعراك بن مالك وإسماعيل بن أمية ومحمد بن أبي عتيق وغيرهم عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للواقع على أهله هل تجد رقبة تعتقها قال لا قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين قال لا قال فهل تجد إطعام ستين مسكينا قال لا وذكر سائر الحديث وهذا لفظ الترتيب والأخذ بهذا أولى من رواية مالك لأن أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا سوى مالك وابن جريج فيما علمنا واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه ولأن الترتيب زيادة والأخذ بالزيادة متعين ولأن حديثنا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وحديثهم لفظ الراوي ويحتمل أنه رواه لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكانت على الترتيب ككفارة الظهار والقتل فصل فإذا عدم الرقبة انتقل إلى صيام شهرين متتابعين ولا نعلم خلافا في دخول الصيام في كفارة الوطء إلا شذوذ لا يعرج عليه لمخالفة السنة الثابتة ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان للخبر أيضا فإن لم يشرع في الصيام حتى وجد الرقبة لزمه العتق لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل المواقع عما يقدر عليه حين أخبره بالعتق ولم يسأله عما كان يقدر عليه حال المواقعة وهي حال الوجوب ولأنه وجد المبدل قبل التلبس بالبدل فلزمه كما لو كان واجدا له حال الوجوب وإن شرع في الصوم قبل القدرة على الإعتاق ثم قدر عليه لم يلزمه الخروج إليه إلا أن يشاء العتق فيجزئه ويكون قد فعل الأولى وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يلزمه الخروج لأنه قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل فبطل حكم المبدل كالمتيمم يرى الماء ولنا إنه شرع في الكفارة الواجبة عليه فأجزأته كما لو استمر العجز إلى فراغها وفارق العتق التيمم لوجهين أحدهما أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستره فإذا وجد الماء ظهر حكمه بخلاف الصوم فإنه يرفع حكم الجماع بالكلية الثاني أن الصيام تطول مدته فيشق إلزامه الجمع بينه وبين العتق بخلاف الوضوء والتيمم مسألة قال ( فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير ) لا نعلم بين أهل العلم خلافا في دخول الإطعام في كفارة الوطء في رمضان في الجملة وهو مذكور في الخبر والواجب فيه إطعام ستين مسكينا في قول عامتهم وهو في الخبر أيضا ولأنه إطعام في كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكان إطعام ستين مسكينا ككفارة الظهار واختلفوا في قدر ما يطعم كل مسكين فذهب أحمد إلى أن لكل مسكين مدبر وذلك خمسة عشر صاعا أو نصف صاع من تمر أو شعير فيكون الجميع ثلاثين صاعا وقال أبو حنيفة من البر لكل مسكين نصف صاع ومن غيره صاع لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن صخر فأطعم وسقا من تمر رواه أبو داود وقال أبو هريرة يطعم مد من أي الأنواع شاء وبهذا قال عطاء والأوزاعي والشافعي لما روى أبو هريرة في حديث المجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بمكتل من تمر قدره خمسة عشر صاعا فقال خذ هذا فأطعمه عنك رواه أبو داود ولنا ما روى أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن أبي زيد المدني قال جاءت امرأة من بني بياضة بنصف بنصف وسق شعير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمظاهر أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر ولأن فدية الأذى نصف صاع من التمر والشعير بلا خلاف فكذا هذا والمد من البر يقوم مقام نصف صاع من غيره بدليل حديثنا ولأن الإجزاء بمد منه قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وزيد ولا مخالف لهم في الصحابة وأما حديث سلمة بن صخر فقد اختلف فيه