لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تحلل زمن الحديبية قضى من قابل وسميت عمرة القضية ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه القضاء كما لو فاته الحج ووجه الأولى أنه تطوع جاز التحلل منه مع صلاح الوقت له فلم يجب قضاؤه كما لو دخل في الصوم يعتقد أنه واجب فلم يكن فأما الخبر فإن الذين صدوا كانوا ألفا وأربعمائة والذين اعتمروا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا نفرا يسيرا ولم ينقل إلينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدا بالقضاء وأما تسميتها عمرة القضية فإنما يعني بها القضية التي اصطلحوا عليها واتفقوا عليها ولو أرادوا غير ذلك لقالوا عمرة القضاء ويفارق الفوات فإنه مفرط بخلاف مسألتنا فصل وإذا قدر المحصر على الهدي فليس له الحل قبل ذبحه فإن كان معه هدي قد ساقه أجزأه وإن لم يكن معه لزمه شراؤه إن أمكنه ويجزئه أدنى الهدي وهو شاة أو سبع بدنة لقوله تعالى فما استيسر من الهدي البقرة 196 وله نحوه في موضع حصره من حل أو حرم نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي إلا أن يكون قادرا على أطراف الحرم ففيه وجهان أحدهما يلزمه نحره فيه لأن الحرم كله منحر وقد قدر عليه والثاني ينحره في موضعه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه في موضعه وعن أحمد ليس للمحصر نحر هديه إلا في الحرم فيبعثه ويواطىء رجلا على نحره في وقت يتحلل فيه وهذا يروى عن ابن مسعود فيمن لدغ في الطريق وروي نحو ذلك عن الحسن والشعبي والنخعي وعطاء وهذا والله أعلم فيمن كان حصره خاصا وأما الحصر العام فلا ينبغي أن يقوله أحد لأن ذلك يفضي إلى تعذر الحل لتعذر وصول الهدي إلى محله ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا هداياهم في الحديبية وهي من الحل قال البخاري قال مالك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حلقوا وحلوا من كل شيء قبل الطواف وقبل أن يصلي الهدي إلى البيت ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدا أن يقضي شيئا ولا أن يعودوا له وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر هديه عند الشجرة التي كانت تحتها بيعة الرضوان وهي من الحل باتفاق أهل السيرة والنقل قال الله تعالى والهدي معكوفا أن يبلغ محله الفتح 25 ولأنه موضع حله فكان موضع نحره كالحرم وسائر الهدايا يجوز للمحصر نحرها في موضع تحلله فإن قيل فقد قال الله تعالى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله البقرة 196 وقال ثم محلهآ إلى البيت العتيق الحج ولأنه ذبح يتعلق بالإحرام فلم يجز في غير الحرم كدم الطيب واللباس قلنا الآية في حق غير المحصر ولا يمكن قياس المحصر عليه لأن تحلل المحصر في الحل وتحلل غيره في الحرم فكل منهما ينحر في موضع تحلله وقيل في قوله حتى يبلغ الهدي محله البقرة 196 أي حتى يذبح وذبحه في حق المحصر في موضع حله اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فصل ومتى كان المحصر محرما بعمرة فله التحلل ونحر هديه وقت حصره لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه زمن الحديبية حلوا ونحروا هداياهم بها قبل يوم النحر وإن كان مفردا أو قارنا فكذلك في إحدى الروايتين لأن الحج أحد النسكين فجاز الحل منه ونحر هديه وقت حصره كالعمرة ولأن العمرة لا تفوت وجميع الزمان وقت لها فإذا جاز الحل منها ونحر هديها من غير خشية فواتها فالحج الذي يخشى فواته أولى والرواية الثانية لا يحل ولا ينحر هديه إلى يوم النحر نص عليه في رواية الأثرم وحنبل لأن للهدي محل زمان ومحل مكان فإن عجز محل المكان فسقط بقي محل الزمان واجبا لإمكانه وإذا لم يجز له نحر الهدي قبل يوم النحر لم يجز التحلل لقوله سبحانه ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله البقرة 196
İbn Kudâme — el-Muğnî (Hanbelî)
عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي أبو محمد · AR
وإذا قلنا بجواز التحلل قبل يوم النحر فالمستحب له مع ذلك الإقامة مع إحرامه رجاء زوال الحصر فمتى زال قبل تحلله فعليه المضي لإتمام نسكه بغير خلاف نعلمه قال ابن المنذر قال كل من أحفظ عنه من أهل العلم إن من يئس أن يصل إلى البيت فجاز أن يحل فلم يفعل حتى خلي سبيله إن عليه أن يقضي مناسكه وإن زال الحصر بعد فوات الحج تحلل بعمل عمرة فإن فات الحج قبل زوال الحصر تحلل بهدي وقيل عليه ها هنا هديان هدي للفوات وهدي للإحصار ولم يذكر أحمد في رواية الأثرم هديا ثانيا في حق من لا يتحلل إلى يوم النحر فصل فإن أحصر عن البيت بعد الوقوف بعرفة فله التحلل لأن الحصر يفيده التحلل من جميعه فأفاد التحلل من بعضه وإن كان ما حصر عنه ليس من أركان الحج كالرمي وطواف الوداع والمبيت بمزدلفة أو بمنى في لياليها فليس له التحلل لأن صحة الحج لا تقف على ذلك ويكون عليه دم لتركه ذلك وحجه صحيح كما لو تركه من غير حصر وإن أحصر عن طواف الإفاضة وبعد رمي الجمرة فليس له أن يتحلل أيضا لأن إحرامه إنما هو عن النساء والشرع إنما ورد بالتحلل من الإحرام التام الذي يحرم جميع محظوراته فلا يثبت بما ليس مثله ومتى زال الحصر أتى بالطواف وقد تم حجه فصل فأما من يتمكن من البيت ويصد عن عرفة فله أن يفسخ نية الحج ويجعله عمرة ولا هدي عليه لأننا أبحنا له ذلك من غير حصر فمع الحصر أولى فإن كان قد طاف وسعى للقدوم ثم أحصر أو مرض حتى فاته الحج يحلل بطواف وسعي آخر لأن الأول لم يقصد به طوال العمرة ولا سعيها وليس عليه أن يجدد إحراما وبهذا قال الشافعي وأبو ثور وقال الزهري لا بد أن يقف بعرفة وقال محمد بن الحسن لا يكون محصرا بمكة وروي ذلك عن أحمد فإن فاته الحج فحكمه حكم من فاته بغير حصر وقال مالك يخرج إلى الحل ويفعل ما يفعل المعتمر فإن أحب أن يستنيب من يتمم عنه أفعال الحج جاز في التطوع لأنه جاز أن يستنيب في جملته فجاز في بعضه ولا يجوز في حج الفرض إلا أن يئس من القدرة عليه في جميع العمر كما في الحج كله فصل وإذا تحلل المحصر من الحج فزال الحصر وأمكنه الحج لزمه ذلك إن كانت حجة الإسلام أو قلنا بوجوب القضاء أو كانت الحجة واجبة في الجملة لأن الحج يجب على الفور وإن لم تكن الحجة واجبة ولا قلنا بوجوب القضاء فلا شيء عليه كمن لم يحرم فصل وإن أحصر في حج فاسد فله التحلل لأنه إذا أبيح له التحلل في الحج الصحيح فالفاسد أولى فإن حل ثم زال الحصر وفي الوقت سعة فله أن يقضي في ذلك العام وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد الحج فيه في غير هذه المسألة مسألة قال ( فإن لم يكن معه هدي ولا يقدر عليه صام عشرة أيام ثم حل ) وجملة ذلك أن المحصر إذا عجز عن الهدي انتقل إلى صوم عشرة أيام ثم حل وبهذا قال الشافعي في أحد قوليه وقال مالك وأبو حنيفة ليس له بدل لأنه لم يذكر في القرآن ولنا إنه دم واجب للإحرام فكان له بدل كدم التمتع والطيب واللباس وترك النص عليه لا يمنع قياسه على غيره في ذلك ويتعين الانتقال إلى صيام عشرة أيام كبدل هدي التمتع وليس له أن يتحلل إلا بعد الصيام كما لا يتحلل واجد الهدي إلا بنحره وهل يلزمه الحلق أو التقصير مع ذبح الهدي أو الصيام ظاهر كلام الخرقي أنه لا يلزمه لأنه لم يذكره وهو إحدى الروايتين عن أحمد لأن الله تعالى ذكر الهدي وحده ولم يشرط سواه والثانية عليه الحلق أو التقصير لأن النبي صلى الله عليه وسلم حلق يوم الحديبية وفعله في النسك دل على الوجوب
ولعل هذا ينبني على أن الحلاق نسك أو إطلاق من محظور على ما يذكر في موضعه إن شاء الله فصل ولا يتحلل إلا بالنية مع ما ذكرنا فيحصل الحل بشيئين النحر أو الصوم والنية إن قلنا الحلاق ليس بنسك وإن قلنا هو نسك حصل بثلاثة أشياء الحلاق مع ما ذكرنا فإن قيل فلم اعتبرتم النية ها هنا وهي في غير المحصر غير معتبرة قلنا لأن من أتى بأفعال النسك فقد أتى بما عليه فيحل منها بإكمالها فلم يحتج إلى نية بخلاف المحصور فإنه يريد الخروج من العبادة قبل إكمالها فافتقر إلى قصده لأن الذبح قد يكون لغير الحل فلم يتخصص إلا بقصده بخلاف الرمي فإنه لا يكون إلا للنسك فلم يحتج إلى قصده فصل فإن نوى التحلل قبل الهدي أو الصيام لم يتحلل وكان على إحرامه حتى ينحر الهدي أو يصوم لأنهما أقيما مقام أفعال الحج فلم يحل قبلهما كما لا يتحلل القادر على أفعال الحج قبلها وليس عليه في نية الحل فدية لأنها لم تؤثر في العبادة فإن فعل شيئا من محظورات الإحرام قبل ذلك فعليه فديته كما لو فعل القادر قبل أفعال الحج فصل وإذا كان العدو الذي حصر الحج مسلمين فأمكن الانصراف كان أولى من قتالهم لأن في قتالهم مخاطرة بالنفس والمال وقتل مسلم فكان تركه أولى ويجوز قتالهم لأنهم تعدوا على المسلمين بمنعهم طريقهم فأشبهوا سائر قطاع الطريق وإن كانوا مشركين لم يجب قتالهم لأنه إنما يجب أحد أمرين إذا بدؤوا بالقتال أو وقع النفير فاحتيج إلى مدد وليس ها هنا واحد منهما لكن إن غلب على ظن المسلمين الظفر بهم استحب قتالهم لما فيه من الجهاد وحصول النصر وإتمام النسك وإن غلب على ظنهم ظفر الكفار فالأولى الانصراف لئلا يغرروا بالمسلمين ومتى احتاجوا في القتال إلى لبس ما تجب فيه الفدية كالدرع والمغفر فعلوا وعليهم الفدية لأن لبسهم لأجل أنفسهم فأشبه ما لو لبسوا للاستدفاء من دفع برد فصل فإن أذن لهم العدو في العبور فلم يثقوا بهم فلهم الانصراف لأنهم خائفون على أنفسهم فكأنهم لم يأمنوهم وإن وثقوا بأمانهم وكانوا معروفين بالوفاء لزمهم المضي على إحرامهم لأنه قد زال حصرهم وإن طلب العدو خفارة على تخلية الطريق وكان ممن لا يوثق بأمانه لم يلزمهم بذله لأن الخوف باق مع البذل وإن كان موثوقا بأمانه والخفارة كثيرة لم يجب بذله بل يكره إن كان العدو كافرا لأن فيه صغارا وتقوية للكفار وإن كانت يسيرة فقياس المذهب وجوب بذله كالزيادة في ثمن الماء للوضوء وقال بعض أصحابنا لا يجب بذل خفارة بحال وله التحلل كما أنه في ابتداء الحج لا يلزمه إذا لم يجد طريقا آمنا من غير خفارة مسألة قال ( وإن منع من الوصول إلى البيت بمرض أو ذهاب نفقة بعث بهدي إن كان معه ليذبحه بمكة وكان على إحرامه حتى يقدر على البيت ) المشهور في المذهب أن من يتعذر عليه الوصول إلى البيت بغير حصر العدو من مرض أو عرج أو ذهاب نفقة ونحوه أنه لا يجوز له التحلل بذلك روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس ومروان وبه قال مالك والشافعي وإسحاق وعن أحمد رواية أخرى له التحلل بذلك روي نحوه عن ابن مسعود وهو قول عطاء والنخعي والثوي وأصحاب الرأي وأبي ثور لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى رواه النسائي ولأنه محصر يدخل في عموم قوله تعالى فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي البقرة 196 يحققه أن لفظ الإحصار إنما هو للمرض ونحوه يقال أحصره المرض إحصارا فهو محصر وحصره العدو حصرا فهو محصور فيكون اللفظ صريحا في محل النزاع وحصر العدو مقيس عليه ولأنه مصدود عن البيت أشبه من صده عدو ووجه الأولى أنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حاله ولا التخلص من الأذى الذي به بخلاف حصر العدو ولأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت الزبير فقالت إني أريد الحج وأنا شاكية
فقال حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني فلو كان المرض يبيح الحل ما احتاجت إلى شرط وحديثهم متروك الظاهر فإن مجرد الكسر والعرج لا يصير بها حلالا فإن حملوه على أنه يبيح التحلل حملناه على ما إذا اشترط الحل بذلك على أن في حديثهم كلاما فإنه يرويه ابن عباس ومذهبه خلافه فإن قلنا يتحلل فحكمه حكم من أحصر بعدو على ما مضى وإن قلنا لا يتحلل فإنه يقيم على إحرامه ويبعث ما معه من الهدى ليذبح بمكة وليس له نحره في مكانه لأنه لم يتحلل فإن فاته الحج تحلل بعمرة كغير المريض فصل وإن شرط في ابتداء إحرامه أن يحل متى مرض أو ضاعت نفقته أو نفدت أو نحوه أو قال إن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني فله الحل متى وجد ذلك ولا شيء عليه لا هدي ولا قضاء ولا غيره فإن للشرط تأثيرا في العبادات بدليل أنه لو قال إن شفى الله مريض صمت شهرا متتابعا أو متفرقا كان على ما شرطه وإنما لم يلزمه الهدي والقضاء لأنه إذا شرط شرطا كان إحرامه الذي فعله حين وجود الشرط فصار بمنزلة من أكمل أفعال الحج ثم ينظر في صيغة الشرط فإن قيل إن مرضت فلي أن أحل وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبسني فإذا حبس كان بالخيار بين الحل وبين البقاء على الإحرام وإن قال إن مرضت فأنا حلال فمتى وجد الشرط حل وجوده لأنه شرط صحيح فكان على ما شرط مسألة قال ( فإن قال أنا أرفض إحرامي وأحل فلبس الثياب وذبح الصيد وعمل ما يعمله الحلال كان عليه في كل فعل فعله دم وإن كان وطىء فعليه للوطء بدنة مع ما يجب عليه من الدماء ) وجملة ذلك أن التحلل من الحج لا يحصل إلا بأحد ثلاثة أشياء كمال أفعاله أو التحلل عند الحصر أو بالعذر إذا شرط وما عدا هذا فليس له أن يتحلل به فإن نوى التحلل لم يحل ولا يفسد الإحرام برفضه لأنه عبادة لا يخرج منها بالفساد فلا يخرج منها برفضها بخلاف سائر العبادات ويكون الإحرام باقيا في حقه تلزمه أحكامه ويلزمه جزاء كل جناية جناها عليه وإن وطىء أفسد حجه وعليه لذلك بدنة مع ما وجب عليه من الدماء سواء كان الوطء قبل الجنايات أو بعدها فإن الجناية على الإحرام الفاسد توجب الجزاء كالجناية على الصحيح وليس عليه لرفضه الإحرام شيء لأنه مجرد نية لم تؤثر شيئا مسألة قال ( ويمضي في الحج الفاسد ويحج من قابل ) وجملة ذلك أن الحج لا يفسد إلا بالجماع فإذا فسد فعليه إتمامه وليس له الخروج منه وروي ذلك عن عمر وعلي وأبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال الحسن ومالك يجعل الحجة عمرة ولا يقيم على حجة فاسدة وقال داود يخرج بالإفساد من الحج والعمرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ولنا عموم قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله البقرة 196 ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفا ولأنه معنى يجب به القضاء فلم يخرج به منه كالفوات والخبر لا يلزمنا لأن المضي فيه بأمر الله وإنما وجب القضاء لأنه لم يأت به على الوجه الذي يلزمه بالإحرام ونخص مالكا بأنها حجة لا يمكنه الخروج منها بالإخراج فلا يخرج منها إلى عمرة كالصحيحة إذا ثبت هذا فإنه لا يحل من الفاسد بل يجب عليه أن يفعل بعد الإفساد كل ما يفعله قبله ولا يسقط عنه توابع الوقوف من المبيت بمزدلفة والرمي ويجتنب بعد الفساد كل ما يجتنبه قبله من الوطء ثانيا وقتل الصيد والطيب واللباس ونحوه وعليه الفدية في الجناية على الإحرام الفاسد كالفدية في الجناية على الإحرام الصحيح فأما الحج من قابل فيلزمه بكل حال لكن إن كانت الحجة التي أفسدها واجبة بأصل الشرع أو بالنذر أو قضاء كانت الحجة من قابل مجزئة
لأن الفاسد إذا انضم إليه القضاء أجزأه عما يجزىء عنه الأول لو لم يفسده وإن كانت الفاسدة تطوعا وجب قضاؤها لأنه بالدخول في الإحرام صار الحج عليه واجبا فإذا أفسده وجب قضاؤه كالمنذور ويكون القضاء على الفور ولا نعلم فيه مخالفا لأن الحج الأصلي واجب على الفور فهذا أولى لأنه قد تعين بالدخول فيه والواجب بأصل الشرع لم يتعين بذلك فصل ويحرم بالقضاء من أبعد الموضعين الميقات أو موضع إحرامه الأول لأنه إن كان الميقات أبعد فلا يجوز له تجاوز الميقات بغير إحرام وإن كان موضع إحرامه أبعد فعليه الإحرام بالقضاء منه نص عليه أحمد وروي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن المسيب والشافعي وإسحاق واختاره ابن المنذر وقال النخعي يحرم من موضع الجماع لأنه موضع الإفساد ولنا إنها عبادة فكان قضاؤها على حسب أدائها كالصلاة فصل وإذا قضيا تفرقا من موضع الجماع حتى يقضيا حجهما وروي هذا عن عمر وابن عباص وروى سعيد والأثرم بإسناديهما عن عمر أنه سئل عن رجل وقع بامرأته وهما محرمان فقال أتما حجكما فإذا كان عام قابل فحجا وأهديا حتى إذا بلغتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا حتى تحلا ورويا عن ابن عباس مثل ذلك وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والنخعي والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وروي عن أحمد أنهما يتفرقان من حيث يحرمان حتى يحلا ورواه مالك في الموطأ عن علي رضي الله عنه وروي عن ابن عباس وهو قول مالك لأن التفريق بينهما خوفا من معاودة المحظور وهو يوجد في جميع إحرامهما ووجه الأول أن ما قبل موضع الإفساد كان إحرامهما فيه صحيحا فلم يجب التفرق فيه كالذي لم يفسد وإنما اختص التفريق بموضع الجماع لأنه ربما يذكره برؤية مكانه فيدعوه ذلك إلى فعله ومعنى التفرق أن لا يركب معها في محمل ولا ينزل معها في فسطاط ونحوه قال أحمد يتفرقان في النزول وفي المحمل والفسطاط ولكن يكون بقربها وهل يجب التفريق أو يستحب فيه وجهان أحدهما لا يجب وهو قول أبي حنيفة لأنه لا يجب التفرق في قضاء رمضان إذا أفسداه كذلك الحج والثاني يجب لأنه روي عمن سمينا من الصحابة الأمر به ولم نعرف لهم مخالفا ولأن الاجتماع في ذلك الموضع يذكر الجماع فيكون من دواعيه والأول أولى لأن حكمة التفريق الصيانة عما يتوهم من معاودة الوقاع عند تذكره برؤية مكانه وهذا وهم بعيد لا يقتضي الإيجاب فصل والعمرة فيما ذكرناه كالحج فإن كان المعتمر مكيا أحرم بها من الحل أحرم للقضاء من الحل وإن كان أحرم بها من الحرم أحرم للقضاء من الحل ولا فرق بين المكي ومن بها من المجاورين وإن أفسد المتمتع عمرته ومضى في فاسدها فأتمها فقال أحمد يخرج إلى الميقات فيحرم منه للحج فإن خشي الفوات أحرم من مكة وعليه دم فإذا فرغ من حجه خرج إلى الميقات فأحرم منه بعمرة مكان التي أفسدها وعليه هدي يذبحه إذا قدم مكة لما أفسد من عمرته ولو أفسد الحاج حجته وأتمها فله الإحرام بالعمرة من أدنى الحل كالمكيين فصل وإذا أفسد القضاء لم يجب عليه قضاؤه وإنما يقضي عن الحج الأول كما لو أفسد قضاء الصلاة والصيام وجب القضاء للأصل دون القضاء كذا هاهنا وذلك لأن الواجب لا يزداد بفواته وإنما يبقى ما كان واجبا في الذمة على ما كان عليه فيؤديه القضاء باب ذكر الحج ودخول مكة يستحب الاغتسال لدخول مكة لأن عبد الله بن عمر كان يغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله متفق عليه وللبخاري أن ابن عمر كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى ثم يصلي الصبح ويغتسل
ويحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك ولأن مكة مجمع أهل النسك فإذا قصدها استحب له الاغتسال كالخارج إلى الجمعة والمرأة كالرجل وإن كانت حائضا أو نفساء لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد حاضت افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولأن الغسل يراد للتنظيف وهذا يحصل مع الحيض فاستحب لها ذلك وهذا مذهب الشافعي وفعله عروة والأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون والحارث بن سويد فصل ويستحب أن يدخل مكة من أعلاها لما روي ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها متفق عليهما ولا بأس أن يدخلها ليلا أو نهارا لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ليلا ونهارا رواهما النسائي مسألة قال أبو القاسم رحمه الله ( فإذا دخل المسجد فالاستحباب له أن يدخل من باب بني شيبة فإذا رأى البيت رفع يديه وكبر ) إنما استحب دخول المسجد من باب بني شيبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل منه وفي حديث جابر الذي رواه مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة ارتفاع الضحى وأناخ راحلته عند باب بني شيبة ودخل المسجد ويستحب رفع اليدين عند رؤية البيت روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وبه قال الثوري وابن المبارك والشافعي وإسحاق وكان مالك لا يرى رفع اليدين لما روي عن المهاجر المكي قال سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت أيرفع يديه قال ما كنت أظن أحدا يفعل هذا إلا اليهود حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن يفعله رواه النسائي ولنا ما روى أبو بكر بن المنذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن افتتاح الصلاة واستقبال البيت وعلى الصفا والمروة وعلى الموقفين والجمرتين وهذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم وذلك من قول جابر وخبره عن ظنه وفعله وقد خالفه ابن عمر وابن عباس ولأن الدعاء مستحب عند رؤية البيت وقد أمر برفع اليدين عند الدعاء فصل ويستحب أن يدعو عند رؤية البيت فيقول اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام اللهم زد هذا البيت تعظيما وتشريفا وتكريما ومهابة وبرا وزد من عظمه وشرفه ممن حجه واعتمره تعظيما وتشريفا وتكريما ومهابة وبرا الحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله الحمد لله الذي بلغني بيته ورآني لذلك أهلا والحمد لله على كل حال اللهم إنك دعوت إلى حج بيتك الحرام وقد جئتك لذلك اللهم تقبل مني واعف عني واصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت قال الشافعي في مسنده أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتكريما وتعظيما ومهابة وبرا وزد من شرفه ممن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا وروى بإسناده عن سعيد بن المسيب أنه كان حين ينظر إلى البيت يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام قال بعض أصحابنا يرفع صوته بذلك فصل وإذا دخل المسجد فذكر فريضة أو فائتة أو أقيمت الصلاة المكتوبة قدمهما على الطواف لأن ذلك فرض والطواف تحية ولأنه لو أقيمت الصلاة في أثناء طوافه قطعة لأجلها فلأن يبدأ بها أولى وإن خاف فوت ركعتي الفجر أو الوتر أو أحضرت جنازة قدمها لأنه سنة يخاف فوتها والطواف لا يفوت مسألة قال ( ثم أتى الحجر الأسود إن كان فاستلمه إن استطاع وقبله ) معنى استلمه أي مسحه بيده أي مأخوذ من السلام وهي الحجارة فإذا مسح الحجر قيل استلم أي مس السلام قاله ابن قتيبة
والمستحب لمن دخل المسجد أن لا يعرج على شيء قبل الطواف بالبيت اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان يفعل ذلك قال جابر في حديثه الصحيح حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا وعن عروة بن الزبير عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة توضأ ثم طاف بالبيت متفق عليه وروى ذلك عروة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن عمر ومعاوية وابن الزبير والمهاجرين وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر ولأن الطواف تحية المسجد الحرام فاستحب البداءة به كما استحب لداخل غيره من المساجد أن يصلي ركعتين ويبتدىء الطواف بالحجر الأسود فيستلمه وهو أن يمسحه بيده ويقبله قال أسلم رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل الحجر وقال إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك متفق عليه وروى ابن ماجة عن ابن عمر قال استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب رضي الله عنه يبكي فقال يا عمر هاهنا تسكب العبرات وقول الخرقي إن كان يعني إن كان الحجر في موضعة لم يذهب به كما ذهب به القرامطة مرة حين ظهروا على مكة فإن كان ذلك والعياذ بالله فإنه يقف مقابلا لمكانه ويستلم الركن وإن كان الحجر موجودا في موضعه استلمه وقبله فإن لم يمكنه استلامه وتقبيله قام حياله أي بحذائه واستقبله بوجهه فكبر وهلل وهكذا إن كان راكبا فقد روى البخاري عن ابن عباس قال طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير كلما أتى الحجر أشار إليه بشيء في يده وكبر وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر إنك لرجل شديد تؤذي الضعيف إذا طفت بالبيت فإذا رأيت خلوة من الحجر فأدن منه وإلا فكبر ثم امض فإن أمكنه استلام الحجر بشيء في يده كالعصا ونحوها فعل فقد روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن وهذا كله مستحب ويقول عند استلام الحجر باسم الله والله أكبر إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم رواه عبد الله بن السائب عن النبي صلى الله عليه وسلم فصل ويحاذى الحجر بجميع بدنه فإن حاذاه ببعضه احتمل أن يجزئه لأنه حكم يتعلق بالبدن فأجزأ فيه بعضه كالحد ويحتمل أن لا يجزئه لأن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر واستلمه وظاهر هذا أنه استقبله بجميع بدنه ولأن ما لزمه استقباله لزمه بجميع بدنه كالقبلة فإذا قلنا بوجوب ذلك فلم يفعله أو بدأ بالطواف من دون الركن كالباب ونحوه لم يحتسب له بذلك الشوط ويحتسب بالشوط الثاني وما بعده ويصير الثاني أوله لأنه قد حاذى فيه الحجر بجميع بدنه وأتى على جميعه فإذا أكمل سبعة أشواط غير الأول صح طوافه وإلا لم يصح فصل والمرأة كالرجل إلا أنها إذا قدمت مكة نهارا فأمنت الحيض والنفاس استحب لها تأخير الطواف إلى الليل ليكون أستر لها ولا يستحب لها مزاحمة الرجال لاستلام الحجر لكن تشير بيدها إليه كالذي لا يمكنه الوصول إليه كما روى عطاء قال كانت عائشة تطوف حجزة من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت انطلقي عني وأبت وإن خافت حيضا أو نفاسا استحب لها تعجيل الطواف كي لا يفوتها مسألة قال ( ويضطبع بردائه ) معنى الاضطباع أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى ويرد طرفيه على كتفه اليسرى ويبقي كتفه اليمنى مكشوفة وهو مأخوذ من الضبع وهو عضد الإنسان افتعال منه وكان أصله اضتبع فقلبوا التاء طاء لأن التاء متى وضعت بعد ضاد أو صاد أو طاء ساكنة قلبت طاء ويستحب الاضطباع في طواف القدوم
لما روى أبو داود وابن ماجة عن يعلى بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف مضطبعا ورويا أيضا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى وبهذا قال الشافعي وكثير من أهل العلم وقال مالك ليس الاضطباع بسنة وقال لم أسمع أحدا من أهل العلم ببلدنا يذكر أن الاضطباع سنة وقد ثبت بما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوه وقد أمر الله تعالى باتباعه وقال لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقد روى أسلم عن عمر بن الخطاب أنه اضطبع ورمل وقال ففيم الرمل ولم نبد مناكبنا وقد نفى الله المشركين بلى لن ندع شيئا فعلناه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود وإذا فرغ من الطواف سوى رداءه لأن الاضطباع غير مستحب في الصلاة وقال الأثرم إذا فرغ من الأشواط التي يرمل فيها سوى رداءه والأول أولى لأن قوله طاف النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعا ينصرف إلى جميعه ولا يضطبع في غير هذا الطواف ولا يضطبع في السعي وقال الشافعي يضطبع فيه لأنه أحد الطوافين فأشبه الطواف بالبيت ولنا إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضطبع فيه والسنة في الاقتداء به قال أحمد ما سمعنا فيه شيئا والقياس لا يصح إلا فيما عقل معناه وهذا تعبد محض مسألة قال ( ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة كل ذلك من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود ) معنى الرمل إسراع المشي مع مقاربة الخطو من غير وثب وهو سنة في الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم ولا نعلم فيه بين أهل العلم خلافا وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثا ومشى أربعا رواه جابر وابن عباس وابن عمر وأحاديثهم متفق عليه فإن قيل إنما رمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لإظهار الجلد للمشركين ولم يبق ذلك المعنى إذ قد نفى الله المشركين فلم قلتم إن الحكم يبقى بعد زوال علته قلنا قد رمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واضطبع في حجة الوداع بعد الفتح فثبت أنها سنة ثابتة وقال ابن عباس رمل النبي صلى الله عليه وسلم في عمره كلها وفي حجه وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده رواه أحمد في المسند وقد ذكرنا حديث عمر إذا ثبت هذا فإن الرمل سنة في الأشواط الثلاثة بكمالها يرمل من الحجر إلى أن يعود إليه لا يمشي في شيء منها روي ذلك عن عمر وابن عمر وابن مسعود وابن الزبير رضي الله عنهم وبه قال عروة والنخعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي وقال طاوس وعطاء والحسن وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله يمشي ما بين الركنين لما روى ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم الحمى فقال المشركون إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرا فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا فلما قدموا قعد المشركون مما يلي الحجر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم فلما رأوهم رملوا قال المشركون هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم هؤلاء أحد منا قال ابن عباس ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم متفق عليه ولنا ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر إلى الحجر وفي مسلم عن جابر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر حتى انتهى إليه وهذا يقدم على حديث ابن عباس لوجوه منها أن هذا إثبات ومنها أن رواية ابن عباس إخبار عن عمرة القضية وهذا إخبار عن فعل في حجة الوداع فيكون متأخرا فيجب العمل به وتقديمه
الثالث أن ابن عباس كان في تلك الحال صغيرا لا يضبط مثل جابر وابن عمر فإنهما كانا رجلين يتبعان أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ويحرصان على حفظها فهما أعلم ولأن جلة الصحابة عملوا بما ذكرنا ولو علموا من النبي صلى الله عليه وسلم ما قال ابن عباس ما عدلوا عنه إلى غيره ويحتمل أن يكون ما رواه ابن عباس اختص بالذين كانوا في عمرة القضية لضعفهم والإبقاء عليهم وما رويناه سنة في سائر الناس فصل يستحب الدنو من البيت لأنه هو المقصود فإن كان قرب البيت زحام فظن أنه إذا وقف لم يؤذ أحدا وتمكن من الرمل وقف ليجمع بين الرمل والدنو من البيت وإن لم يظن ذلك وظن أنه إذا كان في حاشية الناس تمكن من الرمل فعل وكان أولى من الدنو وإن كان لا يتمكن من الرمل أيضا أو يختلط بالنساء فالدنو أولى ويطوف كيفما أمكنه وإذا وجد فرجة رمل فيها وإن تباعد من البيت في الطواف أجزأه ما لم يخرج من المسجد سواء حال بينه وبين البيت حائل من فيه أو غيره أو لم يحل لأن الحائل في المسجد لا يضر كما لو صلى في المسجد مؤتما بالإمام من وراء حائل وقد روت أم سلمة قالت شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة قالت فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ يصلي إلى جنب البيت مسألة قال ( ولا يرمل في جميع طوافه إلا هذا ) وجملة ذلك أن الرمل لا يسن في غير الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم أو طواف العمرة فإن ترك الرمل فيها لم يقضه في الأربعة الباقية لأنها هيئة فات موضعها فسقطت كالجهر في الركعتين الأولتين ولأن المشي هيئة في الأربعة كما أن الرمل هيئة في الثلاثة فإذا رمل في الأربعة الأخيرة كان تاركا للهيئة في جميع طوافه كتارك الجهر في الركعتين الأولتين من العشاء إذا جهر في الآخرتين ولا يسن الرمل والاضطباع في طواف سوى ما ذكرناه لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا في ذلك وذكر القاضي أن من ترك الرمل والاضطباع في طواف القدوم أتى بهما في طواف الزيارة لأنهما سنة أمكن قضاؤها فتقضى كسنن الصلاة وهذا لا يصح لما ذكرنا فيمن تركه في الثلاثة الأول لا يقضيه في الأربعة وكذلك من ترك الجهر في صلاة الجهر لا يقضيه في صلاة الظهر ولا يقتضي القياس أن تقضى هيئة عبادة في عبادة أخرى قال القاضي ولو طاف فرمل واضطبع ولم يسع بين الصفا والمروة فإذا طاف بعد ذلك للزيارة رمل في طوافه لأنه يرمل في السعي بعده وهو تبع للطواف فلو قلنا لا يرمل في الطواف أفضى إلى أن يكون التبع أكمل من المتبوع وهذا قول مجاهد والشافعي وهذا لا يثبت بمثل هذا الرأي الضعيف فإن المتبوع لا تتغير هيئته تبعا لتبعه ولو كانا متلازمين لكان ترك الرمل في السعى تبعا لعدمه في الطواف أولى من الرمل في الطواف تبعا للسعي فصل فإن ترك الرمل في شوط من الثلاثة الأول أتى به في الاثنين الباقيين وإن تركه في اثنين أتى به في الثالث كذلك قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وإن تركه في الثلاثة سقط لأن تركه للهيئة في بعض محلها لا يسقطها في بقية محلها كتارك الجهر في إحدى الركعتين الأولتين لا يسقطه في الثانية مسألة قال ( وليس على أهل مكة رمل ) وهذا قول ابن عباس وابن عمر رحمة الله عليهما وكان ابن عمر إذا أحرم من مكة لم يرمل وهذا لأن الرمل إنما شرع في الأصل لإظهار الجلد والقوة لأهل البلد وهذا المعنى معدوم في أهل البلد والحكم فيمن أحرم من مكة حكم أهل مكة لما ذكرنا عن ابن عمر ولأنه أحرم من مكة أشبه أهل البلد والمتمتع إذا أحرم بالحج من مكة ثم عاد وقلنا يشرع في حقه طواف القدوم لم يرمل فيه
قال أحمد ليس على أهل مكة رمل عند البيت ولا بين الصفا والمروة مسألة قال ( ومن نسي الرمل فلا إعادة عليه ) إنما كان كذلك لأن الرمل هيئة فلا يجب بتركه إعادة ولا شيء كهيئات الصلاة وكالاضطباع في الطواف ولو تركه عمدا لم يلزمه شيء أيضا وهذا قول عامة الفقهاء إلا ما حكي عن الحسن والثوري وعبد الملك الماجشون أن عليه دما لأنه نسك وقد جاء في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من ترك نسكا فعليه دم ولنا إنه هيئة غير واجبة فلم يجب بتركها شيء كالاضطباع والخبر إنما يصح عن ابن عباس وقد قال ابن عباس من ترك الرمل فلا شيء عليه ثم هو مخصوص بما ذكرنا ولأن طواف القدوم لا يجب بتركه شيء فترك صفة فيه أولى أن لا يجب بها لأن ذلك لا يزيد على تركه مسألة قال ( ويكون طاهرا في ثياب طاهرة ) يعني في الطواف وذلك لأن الطهارة من الحدث والنجاسة والستارة شرائط لصحة الطواف في المشهور عن أحمد وهو قول مالك والشافعي وعن أحمد أن الطهارة ليست شرطا فمتى طاف للزيارة غير متطهر أعاد ما كان بمكة فإن خرج إلى بلده جبره بدم وكذلك يخرج في الطهارة من النجس والستارة وعنه فيمن طاف للزيارة وهو ناس للطهارة لا شيء عليه وقال أبو حنيفة ليس شيء من ذلك شرطا واختلف أصحابه فقال بعضهم هو واجب وقال بعضهم هو سنة لأن الطواف ركن للحج فلم يشترط له الطهارة كالوقوف ولنا ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الطواف بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه رواه الترمذي والأثرم وعن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر يؤذن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة والستارة فيها شرطا كالصلاة وعكس ذلك الوقوف فصل ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف وبذلك قال عطاء ومجاهد والثوري وابن المبارك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعن أحمد أنه يكره وروى ذلك عن عروة والحسن ومالك ولنا إن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في طوافه ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وكان عمر وعبد الرحمن بن عوف يقولان ذلك في الطواف وهو قرآن ولأن الطواف صلاة ولا تكره القراءة في الصلاة قال ابن المبارك ليس شيء أفضل من قراءة القرآن ويستحب الدعاء في الطواف والإكثار من ذكر الله تعالى لأن ذلك مستحب في جميع الأحوال ففي حال تلبسه بهذه العبادة أولى ويستحب أن يدع الحديث إلا ذكر الله تعالى أو قراءة القرآن أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر أو ما لا بد منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم الطواف بالبيت صلاة فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير ولا بأس بالشرب في الطواف لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرب في الطواف رواه ابن المنذر وقال لا أعلم أحدا منع منه فصل إذا شك في الطهارة وهو في الطواف لم يصح طوافه ذلك لأنه شك في شرط العبادة قبل الفراغ منها فأشبه ما لو شك في الطهارة في الصلاة وهو فيها وإن شك بعد الفراغ منه لم يلزمه شيء لأن الشك في شرط العبادة بعد فراغها لا يؤثر فيها وإن شك في عدد الطواف بنى على اليقين قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك ولأنها عبادة فمتى شك فيها وهو فيها بنى على اليقين كالصلاة وإن أخبره ثقة من عدد طوافه رجع إليه إذا كان عدلا وإن شك في ذلك بعد فراغه من الطواف لم يلتفت إليه كما لو شك في عدد الركعات بعد فراغ الصلاة قال أحمد إذا كان رجلان يطوفان فاختلفا في الطواف بنيا على اليقين وهذا محمول على أنهما شكا