وكذلك لا تصح هبته ولا رهنه ولا دفعه أجرة ولا ما أشبه ذلك من التصرفات المفتقرة إلى القبض لأنه غير مقبوض فلا سبيل إلى إقباضه فصل وأما التولية والشركة فيما يجوز بيعه فجائزان لأنهما نوعان من أنواع البيع وإنما اختصا بأسماء كما اختص بيع المرابحة والمواضعة بأسماء فإذا اشترى شيئا فقال له رجل أشركني في نصفه بنصف الثمن فقال أشركتك صح وصار مشتركا بينهما وإن قال ولني ما اشتريته بالثمن فقال وليتك صح إذا كان الثمن معلوما لهما فإن جهله أحدهما لم يصح كما لو باعه بالرقم ولو قال أشركني فيه أو قال الشركة فيه فقال أشركتك أو قال ولني ما اشتريت ولم يذكر الثمن صح إذا كان الثمن معلوما لأن الشركة تقتضي ابتياع جزء منه بقسطه من الثمن والتولية ابتياعه بمثل الثمن فإذا أطلق اسمه انصرف إليه كما لو قال أقلني فقال أقلتك وفي حديث عن زهرة بن معبد أنه كان يخرج به عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيتلقاه ابن عمر وابن الزبير فيقولان له أشركنا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لك بالبركة فيشركهم فربما أصاب الراحلة كما هي فيبعث بها إلى المنزل ذكره البخاري ولو اشترى شيئا فقال له رجل أشركني فأشركه انصرف إلى نصفه لأنها بإطلاقها تقتضي التسوية فإن اشترى اثنان عبدا فاشتركا فيه فقال لهما رجل أشركاني فيه فقالا أشركناك احتمل أن يكون له النصف لأن إشراكهما لو كان من كالواحد منهما منفردا كان له النصف فكذلك حال الإجتماع ويحتمل أن يكون له الثلث لأن الإشتراك يفيد التساوي ولا يحصل التساوي إلا بجعله بينهم أثلاثا وهذا أصح لأن إشراك الواحد إنما اقتضى النصف لحصول التسوية به وإن أشركه كل واحد منهما منفردا كان له النصف ولكل واحد منهما الربع وإن قال أشركاني فيه فأشركه أحدهما فعلى الوجه الأول يكون له نصف حصة الذي أشركه وهو الربع وعلى الآخر له السدس لأن طلب الشركة منهما يقتضي طلب ثلث ما في يد كل واحد منهما ليكون مساويا لهما فإذا أجابه أحدهما ثبت له الملك فيما طلب منه وإن قال له أحدهما أشركناك لتبني على تصرف الفضولي فإن قلنا يقف على الإجازة من صاحبه فأجازه فهل يثبت له الملك في نصفه أو في ثلثه على الوجهين ولو قال لأحدهما أشركني في نصف هذا العبد فأشركه فإن قلنا يقف على الإجازة من صاحبه فأجازه فله نصف العبد ولهما نصفه وإلا فله نصف حصة الذي أشركه وإن اشترى عبدا فلقيه رجل فقال أشركني في هذا العبد فقال قد أشركتك فله نصفه فإن لقيه آخر فقال أشركني في هذا العبد وكان عالما بشركة الأول فله ربع العبد وهو نصف حصة الذي شركه لأنه طلبه للإشراك رجع إلى ما ملكه المشارك وهو النصف فيكون بينهما وإن لم يعلم بشركة الأول فهو طالب لنصف العبد لإعتقاده أن العبد كله لهذا الذي طلب منه المشاركة فإذا قال له أشركتك فيه احتمل ثلاثة أوجه أحدها أن يصير له نصف العبد كله ولا يبقى للذي أشركه شيء لأنه طلب منه نصف العبد فأجابه إلى ذلك فصار كأنه قال بعني نصف هذا العبد فقال بعتك وهذا قول القاضي والثاني أن ينصرف قوله شركتك فيه إلى نصف نصيبه ونصف نصيب شريكه فينفذ في نصف نصيبه ويقف في الزائد على إجازة صاحبه على إحدى الروايتين لأن لفظ الشركة يقتضي بيع بعض نصيبه ومساواة المشتري له فلو باع جميع نصيبه لم يكن شركة ولا يستحق فيه ما طلب منه والثالث أن لا يكون للثاني إلا الربع بكل حال لأن الشركة إنما تثبت بقول البائع شركتك لأن ذلك هو الإيجاب الناقل للملك وهو عالم أنه ليس له إلا نصف العبد فينصرف إيجابه إلى نصف ملكه وعلى هذين الوجهين لطالب الشركة الخيار لأنه إنما طلب النصف فلم يحصل له جميعه إلا أن نقول بوقوفه على الإجازة في الوجه الثاني فيجيزه الآخر ويحتمل أن لا تصح الشركة أصلا لأنه طلب شراء النصف فأجيب في الربع
İbn Kudâme - el-Muğnî (Hanbelî)
İbn Kudâme el-Makdisî · AR
فصار بمنزله ما لو قال بعني نصف هذا العبد قال بعتك ربعه فصل ولو اشترى قفيزا من الطعام فقبض نصفه فقال له رجل بعني نصف هذا القفيز فباعه انصرف إلى النصف المقبوض كله لأن البيع ينصرف إلى ما يجوز له بيعه وهو النصف المقبوض وإن قال أشركني في هذا القفيز بنصف الثمن ففعل لم تصح الشركة إلا فيما قبض منه فيكون النصف المقبوض بينهما لكل واحد منهما ربعه بقسطه من الثمن لأن الشركة تقتضي التسوية هكذا ذكره القاضي والصحيح إن شاء الله تعالى أنه تنصرف الشركة إلى النصف كله فيكون تابعا لما يصح بيعه وما لا يصح فيكون ذلك من صور تفريق الصفقة فلا يصح في الربع الذي ليس بمقبوض وهل يصح في المقبوض على وجهين فصل فأما الحوالة فمعناه أن يكون على مشتري الطعام طعام من سلم أو من قرض مثل الذي اشتراه فيقول لغريمه اذهب فاقبض الطعام الذي اشتريته لنفسك فلا يجوز ذلك لأنه لا يجوز أن يقبضه قبل قبضه له وقد ذكرنا تفريع هذا في الفصل الذي قبل هذه المسألة فصل إذا كان لرجل في ذمة آخر طعام من قرض لم يجز أن يبيعه من غيره قبل قبضه لأنه غير قادر على تسليمه ويجوز بيعه ممن هو في ذمته في الصحيح من المذهب لحديث ابن عمر كنا نبيع الأبعرة بالبقيع بالدراهم فنأخذ مكانها الدنانير وهذا مذهب الشافعي وروي أنه لا يصح كما لا يصح في السلم والأول أولى فإن اشتراه منه بموصوف في الذمة من غير جنسه جاز ولا يتفرقا قبل القبض لأنه يكون بيع دين بدين فإن أعطاه معينا مما يشترط فيه التقابض مثل إن أعطاه بدل الحنطة شعيرا جاز ولم يجز التفرق قبل القبض وإن أعطاه معينا لا يشترط فيه التقابض جاز التفرق قبل القبض كما لو قال بعتك هذا الشعير بمائة درهم في ذمتك ويحتمل أن لا يجوز لأن المبيع في الذمة فلم يجز التفرق قبل القبض كالسلم فصل وإذا قال رجل لغريمه بعني هذا على أن أقضيك دينك منه ففعل فالشرط باطل لأنه شرط أن لا يتصرف فيه بغير القضاء وهل يبطل البيع ينبني على الشروط الفاسدة في البيع هل تبطله على الروايتين وإن قال اقضني حقي على أن أبيعك كذا وكذا فالشرط باطل والقضاء صحيح لأنه قبضه حقه وإن قال اقضني أجود من مالي على أن أبيعك كذا وكذا فالقضاء والشرط باطلان وعليه رد ما قبضه والمطالبة بماله مسألة قال ( وليس كذلك الإقالة لأنها فسخ وعن أبي عبد الله الإقالة بيع ) اختلفت الرواية في الإقالة فعنه أنها فسخ وهو الصحيح واختيار أبي بكر وهو مذهب الشافعي والثانية أنها بيع وهي مذهب مالك لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليه منه فلما كان الأول بيعا كذلك الثاني ولأنه نقل الملك بعوض على وجه التراضي فكان بيعا كالأول وحكي عن أبي حنيفة أنها فسخ في حق المتعاقدين وبيع في حق غيرهما فلا تثبت أحكام البيع في حقهما بل تجوز في السلم وفي المبيع قبل قبضه ويثبت حكم البيع في حق الشفيع حتى يجوز له أخذ الشقص الذي تقابلا فيه بالشفعة ولنا إن الإقالة هي الدفع والإزالة يقال أقالك الله عثرتك أي أزالها قال النبي صلى الله عليه وسلم من أقال نادما بيعته أقاله الله عثرته يوم القيامة قال ابن المنذر وفي إجماعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه دليل على أن الإقامة ليست بيعا ولأنها يجوز في المسلم فيه قبل قبضه فلم تكن بيعا كالإسقاط ولأنها تتقدر بالثمن الأول ولو كانت بيعا لم تتقدر به ولأنه عاد إليه المبيع بلفظ لا ينعقد به البيع فكان فسخا كالرد بالعيب ويدل على أبي حنيفة بأن ما كان فسخا في حق المتعاقدين كان فسخا في حق غيرهما كالرد بالبيع والفسخ بالخيار ولأن حقيقة الفسخ لا تختلف بالنسبة إلى شخص دون شخص والأصل اعتبار الحقائق
فصل فإن قلنا هي فسخ جازت قبل القبض وبعده وقال أبو بكر لا بد فيها من كل ثان ويقوم الفسخ مقام البيع في إيجاب كيل ثان كقيام فسخ النكاح مقام الطلاق في العدة ولنا إنه فسخ للبيع فجاز قبل القبض كالرد بالعيب والتدليس والفسخ بالخيار أو اختلاف المتبايعين وفارق العدة فإنها اعتبرت للاستبراء والحاجة داعية إليه في كل فرقة بعد الدخول بخلاف مسألتنا فإن قلنا هي بيع لم يجز قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض لأن بيعه من بائعه قبل قبضه لا يجوز كما لا يجوز من غيره ولا يستحق بها الشفعة إن كانت فسخا لأنها رفع للعقد وإزالة له وليست بمعاوضة فأشبهت سائر الفسوخ ومن حلف لا يبيع فأقال لم يحنث ولو كانت بيعا استحقت بها الشفعة وحنث الحالف على ترك البيع بفعلها كسائر أنواع البيع ولا تجوز إلا بمثل الثمن سواء قلنا هي فسخ أو بيع لأنها خصت بمثل الثمن كالتولية وفيه وجه آخر أنها تجوز بأكثر من الثمن الأول وأقل منه إذا قلنا إنها بيع كسائر البياعات فإن قلنا لا تجوز إلا بمثل الثمن الأول فأقال بأقل منه أو أكثر لم تصح الإقالة وكان الملك باقيا للمشتري وبهذا قال الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أنها تصح بالثمن الأول ويبطل الشرط لأن لفظ الإقالة اقتضى مثل الثمن والشرط ينافيه فبطل وبقي الفسخ على مقتضاه كسائر الفسوخ ولنا إنه شرط التفاضل فيما يعتبر فيه التماثل فبطل كبيع درهم بدرهمين ولأن القصد بالإقالة رد كل حق إلى صحابه فإذا شرط زيادة أو نقصانا أخرج العقد عن مقصوده فبطل كما لو باعه بشرط أن لا يسلم ويفارق سائر الفسخ لأنه لا يعتبر فيه الرضا منهما بل يستقل به أحدهما فإذا شرط عليه شيء لم يلزمه لتمكنه من الفسخ بدونه وإن شرط لنفسه شيئا لم يلزمه أيضا لأنه لا يستحق أكثر من الفسخ وفي مسألتنا لا تجوز الإقالة إلا برضاهما وإنما رضي بها أحدهما مع الزيادة أو النقص فإذا أبطلنا شرطه فات رضاه فتبطل الإقالة لعدم رضاه بها مسألة قال ( ومن اشترى صبرة طعام لم يبعها حتى ينقلها هذه المسألة تدل على حكمين أحدهما إباحة بيع الصبرة جزافا مع جهل البائع والمشتري بقدرها وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه خلافا وقد نص عليه أحمد ودل عليه قول ابن عمر كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه متفق عليه ولأنه معلوم بالرؤية فصح بيعه كالثياب والحيوان ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة فإن ذلك يشق لكون الحب بعضه على بعض ولا يمكن بسطها حبة حبة ولأن الحب تتساوى أجزاؤه في الظاهر فاكتفى برؤية ظاهرة بخلاف الثوب فإن نشره لا يشق ولم تختلف أجزاؤه ولا يحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة لأنه علم ما اشترى بأبلغ الطرق وهو الرؤية وكذلك لو قال بعتك نصف هذه الصبرة أو ثلثها أو جزءا منها معلوما جاز لأن ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه كالحيوان ولأن جملتها معلومة بالمشاهدة فكذلك جزؤها قال ابن عقيل ولا يصح هذا إلا أن تكون الصبرة متساوية الأجزاء فإن كانت مختلفة مثل صبرة بقال القرية لم يصح ويحتمل أن يصح لأنه يشتري منها جزءا مشاعا فيستحق من جيدها ورديئها بقسطه ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافا وقال مالك لا يجوز في الأثمان لأن لها خطرا ولا يشق وزنها ولا عددها فأشبه الرقيق والثياب ولنا إنه معلوم بالمشاهدة فأشبه المثمنات والنقرة والحلي ويبطل بذلك ما قاله أما الرقيق فإنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم ولم يعدهم وكذلك الثياب إذا نشرها ورأى جميع أجزائها الحكم الثاني أنه إذا اشترى الصبرة جزافا لم يجز له بيعها حتى ينقلها نص عليه أحمد في رواية الأثرم وعنه رواية أخرى له بيعها قبل نقلها اختارها القاضي وهو مذهب مالك لأنه مبيع متعين لا يحتاج إلى حق توفية فأشبه الثوب الحاضر
ولنا قول ابن عمر إن كنا لنشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه وعموم قوله عليه السلام من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه مع ما ذكرنا من الأخبار وروى الأثرم بإسناده عن عبيد بن حنين قال قدم زيد من الشام فاشتريت منه أبعرة وفرغت من شرائها فقام إلي رجل فأربحني فيها ربحا فبسطت يدي لأبايعه فإذا رجل يأخذني من خلفي فنظرت فإذا زيد بن ثابت فقال لا تبعه حتى تنقله إلى رحلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك فإذا تقرر هذا فإن قبضها نقلها كما جاء في الخبر ولأن القبض لو لم يعين في الشرع لوجب رده إلى العرف كما قلنا في الإحياء والإحراز والعادة في قبض الصبرة النقل فصل ولا يحل لبائع الصبرة أن يغشها بأن يجعلها على دكة أو ربوة أو حجر ينقصها أو يجعل الرديء في باطنها أو المبلول ونحو ذلك لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبرة من طعام فأدخل يده فنالت أصابعه بللا فقال يا صاحب الطعام ما هذا قال أصابته السماء يا رسول الله قال أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ثم قال من غشنا فليس منا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح فإذا وجد ذلك ولم يكن المشتري علم به فله الخيار بين الفسخ وأخذ تفاوت ما بينهما لأنه عيب وإن بان تحتها حفرة أو بان باطنها خيرا من ظاهرها فلا خيار للمشتري لأنه زيادة له وإن علم البائع ذلك فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة به وإن لم يكن علم فله الفسخ كما لو باع بعشرين درهما فوزنها بصنجة ثم وجد الصنجة زائدة كان له الرجوع وكذلك لو باع بمكيال ثم وجده زائدا ويحتمل أنه لا خيار له لأن الظاهر أنه باع ما يعلم فلا يثبت له الفسخ بالإحتمال مسألة قال ( ومن عرف مبلغ شيء لم يبعه صبرة ) نص أحمد على هذا في مواضع وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد وعكرمة وبه قال مالك وإسحاق وروي ذلك عن طاوس قال مالك لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك وعن أحمد أن هذا مكروه غير محرم فإن بكر بن محمد روى عن أبيه أنه سأله عن الرجل يبيع الطعام جزافا وقد عرف كيله وقلت له إن مالكا يقول إذا باع الطعام ولم يعلم المشتري فإن أحب أن يرد رده قال هذا تغليظ شديد ولكن لا يعجبني إذا عرف كيله إلا أن يخبره فإن باعه فهو جائز عليه وقد أساء ولم ير أبو حنيفة والشافعي بذلك بأسا لأنه إذا جاز البيع مع جهلهما بمقداره فمع العلم من أحدهما أولى ووجه الأول ما روى الأوزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من عرف مبلغ شيء فلا يبعه جزافا حتى يبينه قال القاضي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام مجازفة وهو يعلم كيله والنهي يقتضي التحريم وأيضا الإجماع الذي نقله عن مالك ولأن الظاهر أن البائع لا يعدل إلى البيع جزافا مع علمه بقدر الكيل إلا للتغرير بالمشتري والغش له ولذلك أثر في عدم لزوم العقد وقد قال عليه السلام من غشنا فليس منا فصار كما لو دلس العيب فإن باع ما علم كيله صبرة فظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم أن البيع صحيح لازم وهو قول مالك والشافعي لأن المبيع معلوم لهما ولا تغرير من أحدهما فأشبه ما لو علما كيله أو جهلاه ولم يثبت ما روي من النهي فيه وإنما كرهه أحمد كراهة تنزيه لإختلاف العلماء فيه ولأن استواءهما في العلم والجهل أبعد من التغرير وقال القاضي وأصحابه هذا بمنزلة التدليس والغش إن علم به المشتري فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة فهو كما لو اشترى مصراة يعلم تصريتها وإن لم يعلم أن البائع كان عالما بذلك فله الخيار في الفسخ والإمضاء وهذا قول مالك
لأنه غش وغدر من البائع فصح العقد معه ويثبت للمشتري الخيار وذهب قوم من أصحابنا إلى أن البيع فاسد لأنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد فصل وإن أخبره البائع بكيله ثم باعه بذلك الكيل فالبيع صحيح فإن قبضه باكتياله تم البيع والقبض وإن قبضه بغير كيل كان بمنزلة قبضه جزافا فإن كان المبيع باقيا لحاله عليه فإن كان قدر حقه الذي أخبره به فقد استوفاه وإن كان زائدا رد الفضل وإن كان ناقصا أخذ النقص وإن كان قد تلف فالقول قول القابض في قدره مع يمينه سواء كان النقص قليلا أو كثيرا لأن الأصل عدم القبض وبقاء الحق وليس للمشتري التصرف في الجميع قبل كيله لأن للبائع فيه علقة فإنه لو زاد كانت الزيادة له ولا يتصرف في أقل من حقه بغير كيل لأن ذلك يمنعه من معرفة كيله وإن تصرف فيما يتحقق أنه مستحق له مثل أن يكون حقه قفيزا فتصرف في ذلك أو في أقل منه بالكيل ففيه وجهان أحدهما له ذلك لأنه تصرف في حقه بعد قبضه فجاز كما لو كيل له والثاني لا يجوز لأنه لا يجوز له التصرف في الجميع فلم يجز له التصرف في البعض كما قبل القبض وإن قبضه بالوزن فهو كما لو قبضه جزافا فأما إن أعلمه بكيله ثم باعه إياه مجازفة على أنه له بذلك الثمن سواء كان زائدا أو ناقصا لم يجز لما روى الأثرم بإسناده عن الحكم قال قدم طعام لعثمان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهبوا بنا إلى عثمان نعينه على طعامه فقام إلى جنبة فقال عثمان في هذه الغرارة كذا وكذا وابتعتها بكذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سميت الكيل فكل قال أحمد إذا أخبره البائع أن في كل قارورة منا فأخذ بذلك ولا يكتاله فلا يعجبني لقوله لعثمان إذا سميت الكيل فكل قيل له إنهم يقولون إذا فتح فسد قال فلم لا تفتحون واحدا وتزنون الباقي فصل ولو كال طعاما وآخر ينظر إليه فهل لمن شاهد الكيل شراؤه بغير كيل ثان على روايتين نص عليهما إحداهما لا يحتاج إلى كيل لأنه شاهد كيله فأشبه ما لو كيل له والثانية يحتاج إلى كيل لأنه بيع فاحتاج إلى كيل للأخبار والقياس على البيع الأول ولو كاله البائع للمشتري ثم اشتراه منه فكذلك لما ذكرنا في التي قبلها ولو اشترى اثنان طعاما فاكتالاه ثم ابتاع أحدهما حصة شريكه قبل تفرقهما فقال أحمد في رواية حرب إذا اشتريا غلة أو نحوها وحضراها جميعا وعرفا كيلها فقال أحدهما لشريكه يعني نصيبك وأريحك فهو جائز وإن لم يحضر هذا المشتري الكيل فلا يجوز إلا بكيل قال ابن أبي موسى وفيه رواية أخرى لا بد من كيله ووجهها بما تقدم قال القاضي ومعنى الكيل في هذه المسائل أنه يرجع في قدره إلى قول القابض إذا كان النقص يسيرا يقع مثله في الكيل فالقول قوله مع يمينه وإن كان لا يقع مثله في الكيل لم يقبل قوله لأنا نتحقق كذبه بخلاف مسائل الفصل الذي قبله لأنه لم يكمل بحضرته والظاهر أنه أراد بالكيل حقيقته دون ما ذكره القاضي وفائدة اعتبار الكيل ما ذكره القاضي وأنه لا يجوز للمشتري التصرف فيه إلا ما ذكرنا في الفصل الذي قبله وإن باعه للثاني في هذه المواضع على أنه صبرة جاز ولم يفتقر إلى كيل ثان والقبض فيه بنقله كسائر الصبر فصل قال أحمد في رجل يشتري الجوز فيعد في مكتل ألف جوزة ثم يأخذ الجوز كله على ذلك المعيار قال لا يجوز وقال في رجل ابتاع أعكاما كيلا وقال للبائع كل لي عكمانها واحدا واحدا وما بقي على هذا الكيل أكره هذا حتى يكيلها كلها وقال الثوري كان أصحابنا يكرهون هذا وذلك لأن ما في العكوم يختلف فيكون في بعضها أكثر من بعض فلا يعلم ما في بعضها بكيل البعض والجوز يختلف عدده فيكون في أحد المكتلين أكثر من الآخر
فلا يصح تقديره بالكيل كما لا يصح تقدير المكيل بالوزن ولا الموزون بالكيل مسألة قال ( وإذا اشترى صبرة على أن كل مكيلة منها بشيء معلوم جاز ) وجملة ذلك أنه إذا قال بعتك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم صح وإن لم يعلما مقدار ذلك حال العقد وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يصح في قفيز واحد ويبطل فيما سواه لأن جملة الثمن مجهولة فلم يصح كبيع المبتاع برقمه ولنا إن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين وهو أن تكال الصبرة ويقسط الثمن على قدر قفزانها فيعلم مبلغه فجاز كما لو باع ما رأس ماله اثنان وسبعون مرابحة لكل ثلاثة عشر درهما درهم فإنه لا يعلم في الحال وإنما يعلم بالحساب كذا هاهنا ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم قدر ما يقابل كل جزء من المبيع فصح كالأصل المذكور وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه آجر نفسه كل دلو تمرة وجاء النبي صلى الله عليه وسلم بالتمر فصل ولو قال بعتك من هذه الصبرة قفيزا أو قال عشرة أقفزة وهما يعلمان أنها أكثر من ذلك صح وحكي عن داود أنه لا يصح لأنه غير مشاهد ولا موصوف ولنا إن المبيع مقدر معلوم من جملة يصح بيعها أشبه إذا باع نصفها وما ذكره قياس وهو لا يحتج بالقياس ثم لا يصح فإنه إذا شاهد الجملة فقد شاهد المبيع لأنه بعضها فصل وإن قال بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح لأن من للتبعيض وكل للعدد فيكون ذلك العدد منها مجهولا ويحتمل أن يصح البيع كما يصح في الإجارة كل دلو بتمرة وكل شهر بدرهم وإن قال بعتك هذه الصبرة الأخرى بعشرة دراهم على أن أزيدك قفيزا أو أنقصك قفيزا لم يصح لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه ولو قال على أن أزيدك قفيزا لم يجز لأن القفيز مجهول ولو قال أزيدك قفيزا من هذه الصبرة الأخرى أو وصفه بصفة يعلم بها صح لأن معناه بعتك هذه وقفيزا من هذه الأخرى بعشرة دراهم وإن قال على أن أنقصك قفيزا لم يصح لأن معناه بعتك هذه الصبرة إلا قفيزا كل قفيز بدرهم وشيء مجهول ولو قال بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة الأخرى لم يصح لإفضائه إلى جهالة الثمن في التفصيل لأنه يصير قفيزا وشيئا بدرهم والشيء لا يعرفانه لعدم معرفتهما بكمية ما في الصبرة من القفزان ولو قصد أني أحط ثمن قفيز من الصبرة لا أحتسب به لم يصح للجهالة التي ذكرناها وإن كانت الصبرة معلوما قدر قفزانها لهما أو قال هذه عشرة أقفزة بعتكها كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزا من هذه الصبرة أو وصفه بصفة يعلم بها صح لأن معناه بعتك كل قفيز وعشر قفيز بدرهم وإن لم يعلم القفيز أو جعله هبة لم يصح وإن أراد أني لا أحسب عليك بثمن قفيز منها صح أيضا لأنهما لما علما جملة الصبرة علما ما ينقص من الثمن ولو قال على أن أنقصك قفيزا صح لأن معناه بعتك تسعة أقفزة بعشرة دراهم وكل قفيز بدرهم وتسع وحكي عن أبي بكر أنه يصح في جميع المسائل على قياس قول أحمد لأنه يجيز الشرط الواحد ولا يصح هذا لأن المبيع مجهول فلا يصح بيعه بخلاف الشرط الذي يفضي إلى جهالة فصل ولو باع ما لا تتساوى أجزاؤه كالأرض والثوب والقطيع من الغنم ففيه نحو من مسائل الصبر وإن قال بعتك هذه الأرض أو هذه الدار أو هذا الثوب أو هذا القطيع بألف صح إذا كان مشاهدا أو قال بعتك نصفه أو ثلثه أو ربعه بكذا صح أيضا فإن قال بعتكه كل ذراع بدرهم أو كل شاة بدرهم صح وإن لم يعلما قدر ذلك حال العقد لما ذكرنا في الصبرة وإن قال بعتك من الثوب كل ذراع بدرهم أو من القطيع كل شاة بدرهم لم يصح
لأنه مجهول وإن باعه شاة من القطيع لم يصح لأن شياه القطيع غير متساوية القيم فيفضي ذلك إلى التنازع بخلاف القفيز من الصبرة فإنه يصح لأن أجزاءها متساوية وإن باعه ذراعا من الدار أو عشرة أذرع منها يريدان بذلك قدرا غير مشاع لم يصح كذلك وإن أراد مشاعا منها وهما يعلمان عدد ذرعانها صح وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح لأن الذراع عبارة عن بقعة بعينها وموضعه مجهول ولنا إن عشرة من مائة عشرها ولو قال بعتك عشرها صح فكذلك إذا قال بعتك عشرة من مائة وما ذكروه غير مسلم بل هو عبارة عن قدر كما أن المكيال عبارة عن قدر فإذا أضافه إلى جملة كان ذلك جزءا منها وإن اتفقا على أنهما أرادا قدرا منها غير مشاع لم يصح البيع وإن كان لا يعلمان ذرعان الدار لم يصح لأن الجملة غير معلومة وأجزاء الأرض مختلفة فلا يمكن أن تكون معينة ولا مشاعة وإن قال بعتك من الدار من هاهنا إلى هاهنا جاز لأنه معلوم وإن قال عشرة أذرع ابتداؤها من هاهنا إلى هاهنا إلى حيث ينتهي الذرع لم يصح لأن الذرع يختلف والموضع الذي ينتهي إليه لا يعلم حال العقد ولو قال بعتك نصيبي من هذه الدار ولا يعلم قدر نصيبه منها أو قال نصيبا منها أو سهما لم يصح لأنه مجهول وإن علما ذلك صح وإن قال بعتك نصف داري مما يلي دارك لم يصح نص عليه لأنه لا يدري إلى أين ينتهي فيكون مجهولا فصل ولو باعه عبدا من عبدين أو أكثر لم يصح وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا باعه عبدا من عبدين أو من ثلاثة بشرط الخيار له صح لأن الحاجة تدعو إليه وإن كانوا أكثر لم يصح لأنه كثير الغرر ولنا إن ما تختلف أجزاؤه وقيمته لا يجوز شراء بعضه غير معين ولا مشاعا كالأربعة وما لا يصح بغير شرط الخيار لا يصح بشرطه كالأربعة ولا حاجة إلى هذا فإن الإختيار يمكن قبل العقد ثم ما قالوا يبطل بالأربعة فصل وحكم الثوب حكم الأرض إلا أنه إذا قال بعتك من هذا الثوب من هذا الموضع إلى هذا الموضع صح فإن كان مما لا ينقصه القطع قطعاه وإن كان مما ينقصه القطع وشرط البائع أن يقطعه له أو رضي بقطعه هو والمشتري جاز وإن تشاحا في ذلك كانا شريكين فيه كما يشتركان في الأرض وقال القاضي لا يصح لأنه لا يقدر على التسليم إلا بضرر فأشبه ما لو باعه نصفا معينا من الحيوان ولنا إن التسليم ممكن ولحوق الضرر لا يمنع التسليم إذا رضيه البائع كما لو باعه نصفا من الحيوان مشاعا وفارق نصف الحيوان المعين فإنه لا يمكنه تسليمه مفردا إلا بإتلافه وإخراجه عن المالية فصل إذا قال بعتك هذه الأرض أو هذا الثوب على أنه عشرة أذرع فبان أحد عشر ففيه روايتان إحداهما البيع باطل لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة وإنما باع عشرة ولا المشتري على أخذ البعض وإنما اشترى الكل وعليه ضرر في الشركة أيضا والثانية البيع صحيح والزيادة للبائع لأن ذلك نقص على المشتري فلا يمنع صحة البيع كالعيب ثم يخير البائع بين تسليم المبيع زائدا وبين تسليم العشرة فإن رضي بتسليم الجميع فلا خيار للمشتري لأنه زاده خيرا وإن أبى تسليمه زائدا فللمشتري الخيار بين الفسخ والأخذ بجميع الثمن المسمى وقسط الزائد فإن رضي بالأخذ أخذ العشرة والبائع شريك له بالذراع وهل للبائع خيار الفسخ على وجهين أحدهما له الفسخ لأن عليه ضررا في المشاركة والثاني لا خيار له لأنه رضي ببيع الجميع بهذا الثمن فإذا وصل إليه الثمن مع بقاء جزء له فيه كان زيادة فلا يستحق بها الفسخ ولأن هذا الضرر حصل بتغريره وإخباره بخلاف غيره فلا ينبغي أن يتسلط به على فسخ عقد المشتري فإن بذلها البائع للمشتري بثمن أو طلبها المشتري بثمن لم يلزم الآخر القبول لأنها معاوضة يعتبر فيها التراضي منهما فلا يجبر واحد منهما عليه
وإن تراضيا على ذلك جاز فإن بان تسعة ففيه روايتان إحداهما يبطل البيع لما تقدم والثانية البيع صحيح والمشتري بالخيار بين الفسخ والإمساك بتسعة أعشار الثمن وقال أصحاب الشافعي ليس له إمساكه إلا بكل الثمن أو الفسخ بناء على قولهم إن المعيب ليس لمشتريه إلا الفسخ أو إمساكه بكل الثمن ولنا إنه وجد المبيع ناقصا في القدر فكان له إمساكه بقسطه من الثمن كالصبرة إذا اشتراها على أنها مائة فبانت خمسين وسنبين أن المعيب له إمساكه وأخذ أرشه فإن أخذها بقسطها من الثمن فللبائع الخيار بين الرضا بذلك وبين الفسخ لأنه إنما رضي ببيعها بهذا الثمن كله وإذا لم يصل إليه كان له الفسخ فإن بذل له المشتري جميع الثمن لم يملك الفسخ لأنه وصل إليه الثمن الذي رضيه فأشبه ما لو اشترى معيبا فرضيه بجميع الثمن فصل وإن اشترى صبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت أحد عشرة رد الزائد ولا خيار له هاهنا لأنه ضرر في الزيادة وإن بانت تسعة أخذها بقسطها من الثمن وقد ذكرنا فيما تقدم أنه متى سمى الكيل في الصبرة لا يكون قبضها إلا بالكيل فإذا كالها فوجدها قدر حقه أخذها وإن كانت زائدة رد الزيادة وإن كانت ناقصة أخذها بقسطها من الثمن وهل له الفسخ إذا وجها ناقصة على وجهين أحدهما له الخيار وهو مذهب الشافعي لأنه وجد المبيع ناقصا فكان له الفسخ كغير الصبرة وكنقصان الصفة الثاني لا خيار له لأن نقصان القدر ليس بعيب في الباقي من الكيل بخلاف غيره فصل إذا باع الأدهان في ظروفها جملة وقد شاهدها جاز لأن أجزاءها لا تختلف فهو كالصبرة وكذلك الحكم في العسل والدبس والخل وسائر المائعات التي لا تختلف وإن باعه كل رطل بدرهم أو باعه رطلا منهما أو أرطالا معلومة يعلم أن فيها أكثر منها أو باعه جزءا مشاعا أو أجزاء أو باعه إياه مع الظرف بعشرة دراهم أو بثمن معلوم جاز وإن باعه السمن والظرف كل رطل بدرهم وهما يعلمان مبلغ كل واحد منهما صح لأنه قد علم المبيع والثمن فإن لم يعلما ذلك جاز أيضا لأنه قد رضي أن يشتري الظرف كل رطل بدرهم وما فيه كذلك فأشبه ما لو اشترى ظرفين في أحدهما سمن وفي الآخر زيت كل رطل بدرهم وقال القاضي لا يصح لأن وزن الظرف يزيد وينقص فيدخل على غرر والأول أصح لأن بيع كل واحد منهما منفردا يصح لذلك فكذلك إذا جمعهما كالأرض المختلفة الأجزاء والثياب وغيرها وأما إن باعه كل رطل بدرهم على أن يزن الظرف فيحتسب عليه بوزنه ولا يكون مبيعا وهما يعلمان زنة كل واحد منهما صح لأنه إذا علم أن الدهن عشرة والظرف رطلا كان معناه بعتك عشرة أرطال باثني عشر درهما وإن كانا لا يعلمان زنة الظرف والدهن لم يصح لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن في الحال وسواء جهلا زنتهما جميعا أو زنة أحدهما لذلك فصل وإن وجد في ظرف السمن ربا فقال ابن المنذر قال أحمد وإسحاق إن كان سمانا وعنده سمن أعطاه بوزنه سمنا وإن لم يكن عنده سمن أعطاه بقدر الرب من الثمن وألزمه شريح بقدر الرب سمنا بكل حال وقال الثوري إن شاء أخذ الذي وجده ولا يكلف أن يعطيه بقدر الرب سمنا ولنا إنه وجد المبيع المكيل ناقصا فأشبه ما لو اشترى صبرة فوجد تحتها ربوة أو اشتراها على أنها عشرة أقفزة فبانت تسعة وقد بينا أنه يأخذ الموجود بقسطه من الثمن كذا هاهنا فعلى هذا إنما يأخذ الموجود من السمن بقسطه من الثمن ولا يلزم البائع أن يعطيه سمنا سواء كان موجودا عنده أو لم يكن فإن تراضيا على إعطائه سمنا جاز والله أعلم باب المصراة وغير ذلك التصرية جمع اللبن في الضرع يقال صرى الشاة وصرى اللبن في ضرع الشاة بالتشديد والتخفيف
ويقال صرى الماء في الحوض وصرى الطعام في فيه وصرى الماء في ظهره إذا ترك الجماع وأنشده أبو عبيدة رأيت غلاما قد صرى في فقرته ماء الشباب عنفوان شرته وماء صري وصر إذا طال استنفاعه قال البخاري أصل التصرية حبس الماء يقال صريت الماء ويقال للمصراة المحفلة وهو من الجمع أيضا ومنه سميت مجامع الناس محافل والتصرية حرام إذا أراد بذلك التدليس على المشتري لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تصروا وقوله من غشنا فليس منا وروى ابن ماجة في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بيع المحفلات خلابة ولا تحل الخلابة لمسلم رواه ابن عبد البر ولا يحل خلابة لمسلم مسألة قال ( وإذا اشتري مصراة وهو لا يعلم فهو بالخيار بين أن يقبلها أو يردها وصاعا من تمر ) الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة الأول أن من اشترى مصراة من بهيمة الأنعام لم يعلم تصريتها ثم علم فله الخيار في الرد والإمساك روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وأنس وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو يوسف وعامة أهل العلم وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه لا خيار له لأن ذلك ليس بعيب بدليل أنه لو لم تكن مصراة فوجدها أقل لبنا من أمثالها لم يملك ردها والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار كما لو علفها فانتفخ بطنها فظن المشتري أنها حامل ولنا ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر متفق عليه وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا رواه أبو داود ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن باختلافه فوجب به الرد كما لو كانت شمطاء فسود شعرها وقياسهم يبطل بتسويد الشعر فإن بياضه ليس بعيب كالكبر وإذا دلسه ثبت له الخيار وأما انتفاخ البطن فقد يكون من الأكل والشرب فلا معنى لحمله على الحمل وعلى أن هذا القياس يخالف النص واتباع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى إذا تقرر هذا فإنما يثبت الخيار بشرط أن لا يكون المشتري عالما بالتصرية فإن كان عالما لم يثبت له الخيار وقال أصحاب الشافعي يثبت له الخيار في وجه للخبر ولأن انقطاع اللبن لم يوجد وقد يبقى على حاله فلم يجعل ذلك رضى كما لو تزوجت عنينا ثم طلبت الفسخ ولنا إنه اشتراها عالما بالتدليس فلم يكن له خيار كما لو اشترى من سود شعرها عالما بذلك ولأنه دخل على بصيرة فلم يثبت له الرد كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه وبقاء اللبن على حاله نادر بعيد لا يعلق عليه حكم والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع ولو اشترى مصراة فصار لبنها عادة واستمر على كثرته لم يكن له الرد وقال أصحاب الشافعي له الرد في أحد الوجهين للخبر ولأن التدليس كان موجودا حال العقد فأثبت الرد كما لو نقص اللبن ولنا إن الرد جعل لدفع الضرر بنقص اللبن ولم يوجد فامتنع الرد ولأن العيب لم يوجد ولم يختلف صفة المبيع عن حالة العقد فلم يثبت التدليس لأن الخيار ثبت لدفع الضرر ولم يوجد ضرر الفصل الثاني أنه إذا رد لزمه رد بدل اللبن وهذا قول كل من جوز ردها وهو مقدر في الشرع بصاع من تمر كما في الحديث الصحيح الذي أوردناه وهذا قول الليث وإسحاق والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وذهب مالك وبعض الشافعية إلى أن الواجب صاع من غالب قوت البلد لأن في بعض الحديث ورد معها صاعا من طعام وفي بعضها ورد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا فجمع بين الأحاديث وجعل تنصيصه على التمر لأنه غالب قوت البلد في المدينة ونص على القمح
لأنه غالب قوت بلد آخر وقال أبو يوسف يرد قيمة اللبن لأنه ضمان متلف فكان مقدرا بقيمته كسائر المتلفات وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى وحكي عن زفر أنه يرد صاعا من تمر أو نصف صاع من بر بناء على قولهم في الفطرة والكفارة ولنا الحديث الصحيح الذي أوردناه وهو المعتمد عليه في هذه المسألة وقد نص فيه على التمر فقال إن شاء ردها وصاعا من تمر وفي لفظ للبخاري من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر وفي لفظ مسلم رواه ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورد صاعا من تمر لا سمراء وفي لفظ له طعاما لا سمراء يعني لا يرد قمحا والمراد بالطعام هاهنا التمر لأنه مطلق في أحد الحديثين مقيد في الآخر في قضية واحدة والمطلق فيما هذا سبيله يحمل على المقيد وحديث ابن عمر مطرح الظاهر بالإتفاق إذ لا قائل بإيجاب مثل لبنها أو مثلي لبنها قمحا ثم قد شك فيه الراوي وخالفته الأحاديث الصحاح فلا يعول عليه وقياس أبي يوسف مخالف للنص فلا يلتفت إليه ولا يبعد أن يقدر الشرع بدل هذا المتلف قطعا للخصومة ودفعا للتنازع كما قدر بدل الآدمي ودية أطرافه ولا يمكن حمل الحديث على أن الصاع كان قيمة اللبن فلذلك أوجبه لوجوه ثلاثة أحدها أن القيمة هي الأثمان لا التمر الثاني أنه أوجب في المصراة من الإبل والغنم جميعا صاعا من تمر مع اختلاف لبنها الثالث أن لفظه للعموم فيتناول كل مصراة ولا يتفق أن تكون قيمة لبن كل مصراة صاعا وإن أمكن أن يكون كذلك فيتعين إيجاب الصاع لأنه القيمة التي عين الشارع إيجابها فلا يجوز أن يعدل عنها وإن قدمت هذا فإنه يجب أن يكون الصاع من التمر جيدا غير معيب لأنه واجب بإطلاق الشارع فينصرف إلى ما ذكرناه كالصاع الواجب في الفطرة ولا يجب أن يكون من الأجود بل يجوز أن يكون من أدنى ما يقع عليه اسم الجيد ولا فرق بين أن تكون قيمة التمر مثل قيمة لبن الشاة أو أقل أو أكثر نص عليه أحمد وليس هذا جمعا بين البدل والمبدل لأن التمر بدل اللبن قدره الشرع به كما قدر في يدي العبد قيمته وفي يديه ورجليه قيمته مرتين مع بقاء العبد على ملك سيده وإن عدم التمر في موضعه فعليه قيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد لأنه بمثابة عين أتلفها فيجب عليه قيمتها فصل وإن علم بالتصرية قبل حلبها مثل أن أقر به البائع أو شهد به من تقبل شهادته فله ردها ولا شيء معها لأن التمر إنما وجب بدلا للبن المحتلب ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اشترى غنما مصراة فاحتلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر ولم يأخذ لها لبنا هاهنا فلم يلزمه رد شيء معها وهذا قول مالك قال ابن عبد البر هذا ما لا خلاف فيه وأما لو احتلبها وترك اللبن بحاله ثم ردها رد لبنها ولا يلزمه أيضا بشيء لأن المبيع إذا كان موجودا فرده لم يلزمه بدله فإن أبى البائع قبوله وطلب التمر لم يكن له ذلك إذا كان بحاله لم يتغير وقيل لا يلزمه قبوله لظاهر الخبر ولأنه قد نقص بالحلب وكونه في الضرع أحفظ له ولنا إنه قدر على رد المبدل فلم يلزمه البدل كسائر المبدلات مع إبدالها والحديث المراد به التمر حالة عدم اللبن لقوله ففي حلبتها صاع من تمر ولما ذكرنا من المعنى وقولهم إن الضرع أحفظ له لا يصح لأنه لا يمكن إبقاؤه في الضرع على الدوام وبقاؤه يضر بالحيوان وإن كان اللبن قد تغير ففيه وجهان أحدهما لا يلزمه قبوله وهذا قول مالك للبخر ولأنه قد نقص بالحموضة أشبه ما لو أتلفه والثاني يلزمه قبوله لأن النقص حصل بإسلام المبيع وبتغرير البائع وتسليطه على حلبه فلم يمنع الرد كلبن غير المصراة