الحال الثاني : أن يكون نقدا دون نصاب فوجهان أصحهما : عند الأصحاب يقوم برأس المال لما ذكرناه في الحال الأول والثاني : يقوم بنقد البلد ، وهو قول أبي إسحاق المروزي لأنه لا يبني حوله على حوله فهو كما لو اشتراه بعرض ، قال البغوي والرافعي : وموضع الوجهين ما إذا ملك من جنس رأس المال ما يتم به النصاب ، فإن ملك بأن اشترى بمائة درهم عرضا وهو حنيئذ يملك مائة أخرى فلا خلاف أن التقويم يكون برأس المال ، لأنه اشترى ببعض ما انعقد عليه الحول ، ابتداء الحول من ملك الدراهم قلت : ويجىء فيه القول الذي حكاه صاحب التقريب . الحال الثالث : أن يملك بالنقدين جميعا وهذا ثلاثة أضرب أحدها : أن يكون كل واحد منهما نصابا فيقوم بهما جميعا على نسبة التقسيط يوم الملك ، وطريقة تقويم أحد النقدين بالآخر ، مثل ما لو اشترى العرض بمائتي درهم وعشرين دينارا فينظر إن كانت قيمة الدراهم عشرين دينارا فنصف العرض مشترى بدنانير ونصفه بدراهم ، وإن كانت قيمة الدراهم عشرة دنانير فثلثاه مشترى بدراهم ، وثلثه مشترى بدنانير ، وهكذا يقوم في آخر الحول ولا يضم أحدهما إلى الآخر فإن نقص كل واحد منهما في آخر الحول عن النصاب فلا زكاة وإن كان بحيث لو قوم بأحدهما لبلغ نصابا لما سبق في باب زكاة الذهب والفضة أنه لا يضم أحدهما إلى الآخر ، ويكون حول كل واحد منهما من حين ملك ذلك النقد . والضرب الثاني : أن يكون كل واحد منهما دون النصاب ، فإن قلنا بقول أبي إسحاق : إن ما دون النصاب كالعرض يقوم الجميع بنقد البلد ، وإن قلنا بالأصح إنه كالنصاب فوجهان حكاهما الماوردي أصحهما : وبه قطع الجمهور : يقوم ما قابل الدراهم بدراهم ، وما قابل الدنانير بدنانير والثاني : يقوم الجميع بالدراهم لأنه الأصل ونصوص زكاتها صريحة . الضرب الثالث : أن يكون أحدهما نصابا والآخر دونه فيقوم ما ملكه بالنقد الذي هو نصاب برأس ماله ، وما ملكه بالنقد الآخر ، فيه ثلاثة أوجه أصحها : برأس ماله والثاني : بغالب نقد البلد والثالث : أنه إن كان فضة قوم بها وإن كان ذهبا قوم بالفضة أيضا ، وهو الوجه المحكى قريبا عن الماوردي . قال أصحابنا : ويقوم كل واحد منهما في آخر حوله ويكون حول الذي ملكه بنصاب من حين ملك ذلك النصاب ، وحول المملوك بما دون النصاب من حين ملك العرض ، وإذا اختلف جنس المقوم به فلا ضم . الحال الرابع : أن يكون برأس المال غير نقد ، بأن ملك العرض بغرض قنية أو ملكه بخلع أو نكاح بقصد التجارة ، وقلنا بالمذهب : إنه يصير مال تجارة فيقوم في آخر الحول بنقد البلد ، فإن كان في البلد نقدان فينظر فإن كان أحدهما أغلب قوم بالأغلب ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، سواء أكان دراهم أو دنانير ، فإن بلغ به نصابا وجبت زكاته ، وإن نقص به عن النصاب وبلغ بنقد آخر غير الغالب نصابا فلا زكاة بالاتفاق . ولو كان في البلد نقدان متشابهان في الرواج لبس أحدهما أغلب من الآخر فإن بلغ بأحدهما نصابا دون الآخر قوم بما بلغ به بلا خلاف ، وإن بلغ كل واحد منهما نصابا ففيه أربعة أوجه حكاها المصنف والأصحاب أصحها : عند المصنف و البندنيجي وآخرين من الأصحاب وهو قول أبي إسحاق المروزي يتخير المالك فيقوم بما شاء منهما ، لأنه لا مزيد لأحدهما على الآخر والثاني : يقوم بالأنفع للمساكين ، كما سبق في اجتماع الحقاق وبنات اللبون والثالث : يتعين التقويم بالدراهم ، لأنها أكثر استعمالا ولأنها أرفق ، وهو قول ابن أبي هريرة .
Nevevî - el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
İmam Nevevî · AR
واحتج له بأن الدراهم ثبتت زكاتها بالنصوص المتواترة بخلاف الذهب ، قال القاضي أبو الطيب : هذا الاستدلال باطل لأن زكاة الذهب ثابتة بالاجماع ، فلا فرق بينهما والرابع : يقوم بالنقد الغالب في أقرب البلاد إليه لأنهما تعارضا فصارا كالمعدومين ، فانتقل إلى أقرب البلاد . الحال الخامس : أن يكون رأس المال نقدا أو غيره بأن اشترى بمائتي درهم عبد قنية فما قابل الدراهم يقوم بها وما قابل العبد يقوم بنقد البلد ، فإن كان النقد دون نصاب عاد الوجهان الأصح : يقوم برأس ماله والثاني : بغالب نقد البلد . قال البغوي والرافعي : وكما يجري التقسيط عند اختلاف الجنس ، يجري عند اختلاف الصفة ، بأن اشترى بنصاب دنانير بعضها صحاح وبعضها مكسرة وبينهما تفاوت ، فيقوم ما يخص الصحيح وما يخص المكسور . . والله أعلم . فرع : إذا قوم العرض في آخر الحول ثم باعه بزيادة على قيمته ، فإن كان البيع بعد إخراج الزكاة فلا شيء عليه في هذه الزيادة عن الحول الأول ، ولكنها تضم إلى المال في الحول الثاني . وإن كان البيع قبل إخراج الزكاة فوجهان مشهوران حكاهما المصنف والأصحاب أحدهما : يلزمه زكاة الزيادة لأنها حصلت في نفس القيمة التي تعلق بها الوجوب ، فأشبهت الماشية إذا سمنت بعد الحول قبل إخراج الزكاة فإنه تلزمه سمينة بلا خلاف وأصحهما : عند القاضي أبي الطيب والأصحاب لا تلزمه زكاة الزيادة لأنها حدثت بعد الوجوب فلم يلزمه زكاتها كالسخال الحادثة بعد الحول ، ويخالف السمن فإنه وصف تابع . ولو نقصت القيمة بعد أن قومها بعد الحول فباعها بنقص عما قومها به نظر إن نقصت نقصا يسيرا وهو القدر الذي يتغابن الناس به ، لم تلزمه إلا زكاة ما بيع به لأن هذا قيمته . وإن نقصت نقصا كثيرا لا يتغابن الناس به ، بأن قومها بأربعين دينارا ثم نقصت فباعها بخمسة وثلاثين لزمه زكاة الأربعين التي قوم بها ، لأن هذا النقص بتفريطه . هكذا فصله أصحابنا ، وكذا نقله عنهم القاضي أبو الطيب وصاحب البيان . فرع : إذا حال الحول على العرض فقوم فلم يبلغ قيمته نصابا فلا زكاة في الحال بلا خلاف ، فإن زادت قيمته فبلغت بعد ذلك نصابا ففيه وجهان مشهوران حكاهما المصنف والأصحاب أحدهما : وحكاه القاضي أبو الطيب عن ابن أبي هريرة والماسرجسي : تلزمه الزكاة عند تمام النصاب ، فيخرج عن الماضي ويكون ابتداء الحول الثاني من هذا الوقت وقد زاد الحول الأول لأنها إذا وجب في اثنى عشر شهرا ففي أكثر أولى والثاني : وهو الأصح عند القاضي أبي الطيب والأصحاب ، وبه قال أبو إسحاق المروزي : لا تجب الزكاة حتى يحول حول ثان ، من حين حال الحول الأول ، لأن الحول الأول انقضى ولا زكاة فيه ، فوجب أن لا يجب شيء حتى يتم الحول الثاني ، ثم إن المصنف وشيخه القاضي ومن تبعهما فرضوا المسألة فيما إذا زاد قيمته فبلغت نصابا بعد الحول بشهر ونحوه ، وقال صاحب البيان : متى زادت بعد الحول الأول وقبل تمام الثاني ففيه وجهان .
قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا قوم العرض فقد قال في الأم : يخرج الزكاة مما قوم به . وقال في القديم : فيه قولان أحدهما : أنه يخرج ربع عشر قيمته والثاني : يخرج ربع عشر العرض ، وقال في موضع آخر : لا يخرج إلا العين أو الورق أو العرض ، فمن أصحابنا من قال : فيه ثلاثة أقوال أحدها : يخرج من الذي قوم به لأن الوجوب يتعلق به والثاني : يخرج من العرض ، لأن الزكاة تجب لأجله والثالث : يخير بينهما لأن الزكاة تتعلق بهما فخيره بينهما ، وقال أبو إسحاق : فيه قولان أحدهما : يخرج مما قوم به والثاني أنه بالخيار ، فقال أبو علي ابن أبي هريرة : فيه قولان أحدهما : يخرج مما قوم به والثاني : يخرج العرض . + الشرح : قال الشافعي والأصحاب : زكاة عرض التجارة ربع العشر بلا خلاف ، ولا وقص فيه كالنقد ، وفيما يجب إخراجه طرق كما ذكره المصنف حاصلها ثلاثة أقوال أصحهما : عند الأصحاب ، وهو نصه في الأم والمختصر وهو الجديد ، وبه الفتوى وعليه العمل : يجب ربع عشر القيمة مما قوم به ولا يجوز أن يخرج من نفس العرض والثاني : يجب الإخراج من نفس العرض ولا تجزىء القيمة والثالث : يتخير بينهما ، وقد ذكر المصنف دليل الجميع ، والقول الثاني والثالث قديمان ضعيفان ، وحكى الصميري طريقا رابعا ، وهو أنه إن كان العرض حنطة أو شعيرا أو مما ينفع المساكين أخرج منه ، وإن كان عقارا أو حيوانا فمن القيمة نقدا . فرع : ذكره الأصحاب تفريعا على هذه الأقوال الثلاثة السابقة قالوا : إذا اشترى بمائتي درهم مائتي قفيز حنطة أو بمائة قلنا : يعتبر النصاب آخر الحول فقط وهو الأصح ، وحال الحول وهي تساوي مائتين فعلى الصحيح الجديد عليه خمسة دراهم ، وعلى الثاني خمسة أقفزة ، وعلى الثالث يتخير بينهما . قالوا : فلو أخر إخراج الزكاة حتى نقصت القيمة فعادت إلى مائة درهم نظر إن كان ذلك قبل إمكان الأداء وقلنا الإمكان شرط للوجوب ، فلا زكاة ، وإن قلنا شرط للضمان لا للوجوب لزمه على الجديد الصحيح درهمان ونصف ، وعلى الثاني خمسة أقفزة ، وعلى الثالث يتخير بينهما ، وإن كان بعد الإمكان لزمه على الجديد خمسة دراهم لأن النقصان من ضمانه ، وعلى الثاني خمسة أقفزة ، ولا يلزمه ضمان نقصان القيمة مع بقاء العين كالغاصب ، وعلى الثالث يتخير بينهما . ولو أخر الإخراج فبلغت القيمة أربعمائة فإن كان قبل إمكان الأداء ، وقلنا هو شرط الوجوب لزمه على الجديد عشرة دراهم ، وعلى الثاني خمسة أقفزة ، وعلى الثالث يتخير بينهما ، وإن قلنا شرط في الضمان لزمه على الجديد خمسة دراهم ، وعلى الثاني خمسة أقفزة قيمتها عشرة دراهم ، لأن هذه الزيادة في ماله ومال المسالكين . هذا هو الصحيح عند الأصحاب . وقال ابن أبي هريرة : يكفيه على هذا القول خمسة أقفزة قيمتها خمسة دراهم لأن هذه الزيادة حدثت بعد وجوب الزكاة ، وهي محسوبة في الحول الثاني ، وعلى الثالث يتخير بينهما ، ولو بلغت الحنطة بعد وجوب الزكاة وقيمتها مائتا درهم فصارت أربعمائة درهم لزمه على الجديد خمسة دراهم . لأنها القيمة يوم الإتلاف وعلى الثاني خمسة أقفزة قيمتها عشرة دراهم . وعلى الثالث يتخير بينهما .
قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا دفع إلى رجل ألف درهم قراضا على أن الربح بينهما نصفان فحال الحول وقد صار ألفين بنيت على أن المضارب متى يملك الربح وفيه قولان أحدهما : يملكه بالمقاسمة والثاني : يملكه بالظهور ، فإن قلنا بالأول كانت زكاة الجميع على رب المال ، فإن أخرجها من عين المال فمن أين تحسب فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنها تحسب من الربح ، لأنها من مؤن المال فتحتسب من الربح كأجرة النقال والوزان والكيال والثاني : تحتسب من رأس المال ، لأن الزكاة دين عليه في الذمة في أحد القولين ، فإذا قضاه من المال حسب من رأس المال كسائر الديون والثالث : أنها تحسب من رأس المال والربح جميعا ، لأن الزكاة تجب في رأس المال والربح في حسب المخرج منهما . وإن قلنا : أن العامل يملك حصته من الربح بالظهور ، وجب على رب المال زكاة ألف وخمسمائة وإخراجها على ما ذكرناه ، وتجب على العامل زكاة خمسمائة غير أنه لا يلزمه إخراجها لأنه لا يدري هل يسلم له أم لا ، فلم يلزمه إخراج زكاته كالمال الغائب ، فإن أخرج زكاته من غير المال جاز ، وأن أراد إخراجه من المال ففيه وجهان أحدهما : ليس له ، لأن الربح وقاية لرأس المال فلا يخرج منه الزكاة ، والثاني : أنه له ذلك لأنهما دخلا على حكم الإسلام ووجوب الزكاة . + الشرح : عامل القراض لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة في أصح القولين . وفي الثاني يملكها بالظهور ، فإذا دفع إلى رجل نقدا قراضا وهما جميعا من أهل الزكاة فحال عليه الحول فإن قلنا : العامل لا يملك حصته من الربح إلا بالقسمة لزم المالك زكاة رأس المال والربح جميعا ، فإن الجميع ملكه . هكذا قطع به المصنف والأصحاب . وأشار إمام الحرمين إلى احتمال في تخريج الوجوب على المالك في نصيب العامل على الخلاف في المغصوب والمجحود لتأكد حق العامل في حصته ، والمذهب ما قاله الأصحاب . قال أصحابنا : وحول الربح مبني على حول الأصل إلا إذا صار ناضا في أثناء الحول ففيه الخلاف السابق . ثم إن أخرج المالك الزكاة من موضع آخر فذاك ، وأن أخرجها من نفس مال القراض فهو جائز بلا خلاف ، وفي حكم المخرج ثلاثة أوجه مشهورة حكاها @ 61 @ المصنف والأصحاب أصحها : عند الشيخ أبي حامد والبغوي والجمهور وهو المنصوص : أنه يحسب من الربح كالمؤن التي تلزم المال ، كأجرة حمال وكيال ووزان وغير ذلك ، وكما أن فطرة عبيد التجارة من الربح بلا خلاف ، ونقله البغوي عن نص الشافعي ، وكذا أروش جناياتهم والثاني : يحسب من رأس المال لأن الزكاة دين على المالك ، فحسب على المالك كما لو أخذ قطعة من المال وقضى بها دينا آخر والثالث : بحسب من رأس المال والربح جميعا لأنها تجب فيهما فحسبت فيهما ، ويكون المخرج كطائفة من المال استردها المالك ويسقط عليهما . مثاله : رأس المال مائتان والربح مائة فثلثا المخرج من رأس المال وثلثه من الربح . قال الخراسانيون : هذا الخلاف مبني على أن تعلق الزكاة بالعين أم بالذمة إن قلنا بالعين فكالمؤن وإلا فهو استرداد . ومنهم من قال : إن قلنا بالعين فكالمؤن وإلا فوجهان ، واستبعد إمام الحرمين هذا البناء وقال : ليس هو بمرضي . قال : ولا يمتنع إثبات الخلاف على قول تعلق الزكاة بالعين من جهة شيوع تعلق الزكاة في الجميع . أما إذا قلنا : العامل يملك حصته بالظهور فعلى المالك زكاة رأس المال وحصته من الربح بلا خلاف ، ولا يلزمه زكاة حصة العامل بلا خلاف .
قال المصنف والأصحاب : وحكم الإخراج والحول كما سبق ، وهو أنه إن بقيت السلعة إلى آخر الحول زكى الربح بحول الأصل ، وإن نض الربح قبل الحول فهل يضم إلى حول الأصل أم يفرد بحول فيه الخلاف السابق ، ثم إن أراد إخراج الزكاة من مال القراض من أين يحسب فيه الأوجه الثلاثة . هذا حكم المالك . أما العامل على هذا القول فهل يلزمه زكاة نصيبه من الربح فيه ثلاث طرق حكاها الفوراني وإمام الحرمين وآخرون وأصحهما : وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين وصاحب التقريب والصيدلاني وغيرهم القطع بوجوبها ، لأنه مالك قادر على الفسخ والمقاسمة في كل وقت ، والتصرف بعد القسمة في نصيبه ، فلزمه الزكاة . والثاني : أنه على قول المغصوب والمجحود ، لأنه غير متمكن في الحال من كمال التصرف والثالث : القطع بعدم الزكاة عليه لضعف ملكه وعدم استقراره لاحتمال الخسران فأشبه المكاتب . وهذه طريقة القفال وضعفها إمام الحرمين ، فحصل أن المذهب الإيجاب على العامل ، وفي ابتداء حوله في نصيبه خمسة أوجه أصحها : المنصوص من حين الظهور لأنه ملك من حينئذ . والثاني : من حين يقوم المال على المالك لأجل الزكاة لأنه لا يتحقق الربح إلا بذلك ، حكاه الشيخ أبو حامد والأصحاب . والثالث : حكاه أبو حامد أيضا والأصحاب من حين المقاسمة ، لأنه لا يستقر ملكه إلا من حينئذ ، وهذا غلط وإن مكان مشهورا ، لأن حاصله أن العامل لا زكاة في نصيبه لأنه بعد المقاسمة ليس بعامل بل مالك ملكا مستقرا كامل التصرف فيه ، والتفريع على أنه يملك بالظهور . فالقول بأنه لا يكون حوله إلا من المقاسمة رجوع إلى أنه لا زكاة عليه قبل القسمة . والوجه الرابع : حوله حول رأس المال ، حكاه إمام الحرمين والغزالي وغيرهما . وهذا أيضا غلط صريح لأنه حينئذ لم يكن مالكا ، فكيف يبني ملكه وحوله على حول غيره ولا خلاف أن حول الإنسان لا يبنى على حول غيره إلا الوارث على قول ضعيف ، لكونه قائما مقام المورث . الخامس : أنه من حين اشترى العامل السلعة ، حكاه البندنيجي وغيره . قالوا : وهو غلط . قال أصحابنا : ثم إذا تم حول العامل ونصيبه لا يبلغ نصابا لكنه مع جملة المال يبلغ نصابا فإن أثبتنا الخلطة في النقدين فعليه الزكاة وإلا فلا ، إلا أن يكون له من جنسه ما يكمل به النصاب ، وهذا إذا لم نقل ابتداء الحول من المقاسمة ، فإن جلعناه منها سقط اعتبار الخلطة . قال أصحابنا : وإذا أوجبنا الزكاة على العامل لم يلزمه إخراجها قبل القسمة . وهذا هو المذهب وبه قطع المصنف وسائر العراقيين والجمهور ، فإذا اقتسمنا زكى ما مضى ، وفيه وجه أنه يلزمه الإخراج في الحال لتمكنه من القسمة ، وهو قول صاحب التقريب حكاه صاحب الإبانة والبيان وآخرون عنه ، والصواب الأول لأن المال ليس في يده ولا تصرفه فلا يكون أكبر من المال الغائب الذي تجرى سلامته ويخاف تلفه . قال أصحابنا : فإن أخرج الزكاة من موضع آخر فذاك ، وإن أراد إخراجها من مال القراض فهل له الاستقلال به أم للمالك منعه فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب أصحهما : عند جماهير الأصحاب وهو المنصوص يستقل به بغير إذن المالك ، لأن الزكاة وجبت فيه ، ولأنه مقتضى القراض على هذا القول والثاني : ليس له ذلك وللمالك منعه ، لأن الربح وقاية لرأس المال فلعله يخسر . قال البندنيجي : هذان الوجهان مبنيان على أن الزكاة هل تتعلق بالعين أم بالذمة إن قلنا بالعين فله ذلك وإلا فلا . وبهذا كله إذا كان المالك والعامل من أهل وجوب الزكاة جميعا ، فأما إذا كان المالك من أهلها دون العامل وقلنا : الجميع للمالك ما لم يقسم فعليه زكاة الجميع .
وإن قلنا بالقول الآخر فعليه زكاة رأس المال ونصيبه من الربح ، ولا يكمل نصيبه إذا لم يبلغ نصابا بنصيب العامل ، لأنه ليس من أهل الزكاة فلا تصح خلطته . وأما إذا كان العامل من أهلا وجوب الزكاة دون المالك فإن قلنا : كله للمالك قبل القسمة فلا زكاة ، وإن قلنا : للعامل حصته من الربح ففي وجوب الزكاة عليه الخلاف السابق ، فإن أوجبناها فذلك إذا بلغت حصته نصابا أو كان له ما يتم به نصاب ولا تثبت الخلطة ولا يجيء في اعتبار الحول هنا إلا الوجه الأول والثالث ، وليس له إخراج الزكاة من غير المال بلا خلاف لأن المالك لم يدخل في العقد على إخراج زكاة من المال . هكذا قاله الأصحاب . قال الرافعي : والمانع منع ذلك لأنه عامل من عليه الزكاة . . . والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بزكاة التجارة إحداها : إذا باع عرض التجارة بعد وجوب الزكاة قبل إخراجها ففيه ثلاث طرق أصحها : وبه قطع جمهور الأصحاب في الطريقين صحة بيعه قولا واحدا والطريق الثاني : فيه الخلاف السابق في بيع غيره من أموال الزكاة قبل إخراجها ، كبيع السائمة والثمرة والحب والنقد بعد وجوب الزكاة قبل إخراجها . حكاه صاحب البيان وآخرون والثالث : إن قلنا : يخرج زكاة التجارة في نفس العرض فهو على الخلاف ، وإن قلنا يخرج من القيمة فهو كما لو وجبت شاة في خمس من الإبل فباعها قبل إخراج الشاة ، وفيه طريقان سبقا في موضعهما ، وهذا الطريق قاله وحكاه الرافعي ، قال الرافعي : وهذان الطريقان شاذان ، والمذهب القطع بالجواز ، كما قطع به الجمهور ، وسواء باع بقصد التجارة ، أم بقصد اقتناء المال ، أم بلا قصد ، لأن تعلق الزكاة به لا يبطل ، وإن صار مال قنية ، كما لو نوى الاقتناء بلا بيع . ولو وهب مال التجارة أو أعتق عبدها ، قال الرافعي : هو كبيع الماشية بعد وجوب الزكاة فيها ، لأن الهبة والاعتاق يبطلان متعلق زكاة التجارة ، كما أن بيع الماشية يبطل متعلق زكاتها ، قال : ولو باع مال التجارة بعد وجوبها بمحاباة فقد المحاباة كالموهوب ، فإن لم تصحح الهبة بطل في ذلك القدر وفي الثاني قولا تفريق الصفقة . الثانية : إذا كان مال التجارة حيوانا فله حالان : أحدهما : أن يكون مما تجب الزكاة في عينه كنصاب الماشية وسبق حكمه . الثاني : أن لا يجب في عينه كالعبيد والجواري والخيل الحمير والمعلوفة من الغنم ، فهل يكون نتاجها مال تجارة فيه وجهان مشهوران ، أصحهما يكون ، لأن الولد جزء من أمه ، قالوا : والوجهان فيما إذا لم تنقص قيمة الأم بالولادة ، فإن نقصت بأن كانت قيمتها ألفا فصارت بالولادة ثمانمائة وقيمة الولد مائتان جبر نقص الأم بالولد وزكى الألف . ولو صارت قيمة الأم تسعمائة جبرت المائة من قيمة الولد كذا قاله ابن سريج والأصحاب ، قال إمام الحرمين : وفيه احتمال ظاهر ومقتضى قولنا : إنه ليس مال تجارة لا يجبر به الأم كالمستفاد بسبب آخر . قال أصحابنا : وثمار أشجار التجارة كأولاد حيوانها ففيها الوجهان ، فإن لم يجعل الأولاد والثمار مال تجارة فهل يجب فيها في السنة الثانية فما بعدها زكاة قال إمام الحرمين : الظاهر أنا لا نوجب ، لأنه منفصل عن تبعية الأم وليس أصلا في التجارة ، وأما إذا ضممناها إلى الأصل وجعلناها مال تجارة ففي حولها طريقان أصحهما : حولها حول الأصل كنتائج السائمة وكالزيادة المتصلة والثاني : على قولي ربح الناض فعلى أحدهما ابتداء حولها من انفصال الولد وظهور الثمار .
الثالثة : حكى البغوي والأصحاب عن ابن الحداد فرعا ووافقوه عليه وهو إذا اشترى شقصا مشفوعا بعشرين دينارا للتجارة فحال الحول وقيمته مائة لزمه زكاة مائة ، ويأخذه الشفيع بعشرين ، ولو اشتراه بمائة فحال عليه الحول وقيمته عشرون لزمه زكاة عشرين ويأخذه الشفيع بمائة ، وحكى إمام الحرمين ما ذكره ابن الحداد في الصورة ، ثم قال : قال الشيخ أبو علي : ومن أصحابنا من خرج قولا أنه لا زكاة عليه ، لأن ملكه معرض للزوال بتسلط الشفيع عليه ، ولو تصرف في الدار فتصرفه معرض للنقض من جهة الشفيع بخلاف الصداقة ، فإن تصرف المرأة فيه لا ينقض لو فرض فرقة قبل الدخول . قال الإمام : وهذا الذي ذكره ، وإن كان يتوجه تفريعه فالوجه أن يستثني منه قدر عشرين دينارا ، فإن ملكه ( وإن ) كان معرضا في الزوال في الشقص فيبذل في مقابلته عشرون دينارا وعين المال ليست مقصودة في زكاة التجارة ، وإنما المقصود المالية وهي موجودة دائمة في مقدار عشرين دينارا . قال الإمام : ثم ذكر الشيخ أبو علي وجها أن للمشتري أن يقول قد وجبت الزكاة في مالية الدار فيخرج الزكاة منها ، ويكون ذلك كنقصان صفة في الشقص فيأخذ الشفيع الباقي بجميع العشرين كما لو نقص بآفة سماوية ، قال الإمام : وهذا الوجه ضعيف لأن نقصه بالزكاة بسبب قصده التجارة لا في نفسه . . . والله أعلم . & باب زكاة المعدن والركاز &
قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا استخرج حر مسلم من معدن في موات أو في أرض يملكها نصابا من الذهب أو الفضة ، وجبت عليه الزكاة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحرث المزني المعادن القبلية ، وأخذ منه الزكاة ، فإن استخرجها مكاتب أو ذمي لم يجب عليه شيء ، لأنها زكاة والزكاة لا تجب على مكاتب ولا ذمي ، وإن وجده في أرض مملوكة لغيره فهو لصاحب الأرض ، ويجب دفعه إليه فإذا أخذه مالكه وجبت عليه زكاته . + الشرح : هذا الحديث رواه مالك في الموطأ عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد من العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع لبلال بن الحرث المزني معادن القبلية ، وهي من ناحية الفرع ، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم هذا لفظ رواية مالك ، وروى الشافعي عن مالك هكذا ، ثم قال الشافعي : ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ، ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه ، فإن الزكاة في المعدن دون الخمس وليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : هو كما قال الشافعي في رواية مالك ، قال : وقد روى عن ربيعة موصولا ، فرواه البيهقي عن ربيعة عن الحرث بن بلال ابن الحرث عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة ، وأنه أقطع بلال بن الحرث العقيق أجمع ، والمعادن القبلية بفتح القاف والباء الموحدة وهذا لا خلاف فيه ، وقد تصحف ، والفرع بضم الفاء وإسكان الراء وبالعين ( المهلمة ) بلاد بين مكة والمدينة ، وأما المعدن فمشتق من العدون وهو الإقامة ، ومنه قوله تعالى : جنات عدن التوبة : 27 ، وسور أخرى وسمى معدنا لأن الجوهر يعدن فيه ، أي يقيم ، وقولهم : زكاة المعدن أي زكاة المستخرج من المعدن . أما الأحكام : فقال أصحابنا : أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في المعدن ، وشرط للذي يجب عليه أن يكون حرا مسلما ، فالمكاتب والذمي لا زكاة عليهما ، لما سبق في أول كتاب الزكاة ، وسبق هناك فيمن بعضه حر وبعضه عبد خلاف وهو جاز هنا ، ولو كان المستخرج عبدا وجبت الزكاة على سيده ، لأن الملك له ولو أمره السيد بذلك ليكون النيل له قال القاضي أبو الطيب في المجرد والدارمي والبندنيجي وصاحب الشامل : هو على القولين في ملك العبد بتمليك السيد ، فإن قلنا : لا يملك فالملك للسيد وعليه زكاته ، وإن قلنا : يملك فلا زكاة على السيد لعدم ملكه ، ولا على العبد لضعف ملكه . . . والله أعلم . قال المصنف والأصحاب : إذا كان مواتا أو ملكا للمستخرج فعليه زكاته ، وإن وجده في أرض مملوكة فهو لصاحب الأرض ، ويجب دفعه إليه ، فإذا أخذه مالكه لزمه زكاته . فرع : قال أصحابنا : لا يمكن الذمي من حفر معدن في دار الإسلام ولا الأخذ منها كما لا يمكن من الإحياء فيها ، ولكن ما أخذه قبل ازعاجه يملكه ، كما لو احتطب ، وفيه وجه أنه لا يملكه ، حكاه الماوري ، وسنعيده في فصل الزكاة إن شاء الله تعالى ، والصواب أنه يملك وليس عليه حق المعدن على المذهب ، وبه قطع المصنف وسائر العراقيين .
وقال جماعة من الخراسانيين : يبني على أن مصرف حق المعدن ماذا فإن أوجبنا فيه ربع العشر فمصرفه مصرف الزكوات ، وإن أوجبنا الخمس فطريقان : المذهب مصرف الزكوات والثاني : فيه قولان أصحهما : هذا والثاني : مصرف خمس الفيء وبهذا قال المزني وأبو حفص ابن الوكيل من أصحابنا ، حكاه عنهما صاحب البيان ، فإن قلنا بهذا أخذ من الذمي الخمس ، وإن قلنا بالمذهب : إنه مصرف الزكوات لم يؤخذ منه شيء . قال الماوري : فإن قيل إذا كان الذمي ممنوعا من المعدن كما يمنع من الأحياء فينبغي أن لا يملك ما يأخذه منه ، كما لا يملك ما أحياه ، والجواب أن ضرر الأحياء مؤبد ، فلم يملك به بخلاف المعدن . قال أصحابنا : ثم على المذهب يشترط النية فيه كسائر الزكوات ، وإذا قلنا : مصرف الفيء فلا يشترط النية ، ولا خلاف أن المكاتب لا يمنع من المعدن ، ولا زكاة عليه ، قال المروزي : فإن قيل : فما الفرق بين أن يجد المكاتب معدنا أو ركازا فلا زكاة عليه فيه وبين أن يغنم غنيمة من الكفار فيجب فيها الخمس فالجواب أنه في الغنيمة يملك أربعة أخماسها أولا ، ويملك أهل الخمس حينئذ الخمس ، وفي المعدن والزكاز يملك كله بالوجود ، ولكن يجب بعد ذلك على الحر إخراج واجبة زكاة والمكاتب لا زكاة عليه فيما ملكه كسائر أملاكه ، وهذا مذهبنا . وقال أبو حنيفة : يلزم المكاتب زكاة المعدن . فرع : قال أصحابنا : ولو اشترى الحر المسلم أرضا فظهر فيها معدن فهو ملك المشتري ، فإن شاء عمله ، وإن شاء تركه ولا يتعرض له في واحد منهما .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وجد شيئا غير الذهب والفضة كالحديد والرصاص والفيروزج والبلور وغيرهما لم تجب فيه الزكاة ، لأنها ليست من الأموال المزكاة ، فلم يجب فيها حق المعدن . وإن وجد دون النصاب لم يلزمه الزكاة لأنا بينا أن ذلك زكاة فلا يجب في غير النصاب ، ولأنه حق يتعلق بالمستفاد من الأرض فاعتبر فيه النصاب كالعشر . + الشرح : اتفق أصحابنا على أن المستخرج من المعدن إذا كان ذهبا أو فضة وجبت فيه الزكاة . وأما غيرهما من الجواهر كالحديد والنحاس والرصاص والفيروزج والبلور والمرجان والعقيق والزمرد والزبرجد والكحل وغيرها فلا زكاة فيها ، هذا هو المشهور الذي نص عليه الشافعي في كتبه المشهورة في الجديد والقديم ، وبه قطع جماهير الأصحاب في الطرق كلها . قال الدارمي في الاستذكار : قال ابن القطان في وجوب الزكاة فيها قولين قال : ونقل القيصري من أصحابنا عن القديم قولين في وجوبها كالزكاة . وحكى الرافعي وجها شاذا منكرا أنه تجب الزكاة في كل مستخرج منه . وقال أبو حنيفة : تجب في المنطبعات كالحديد . وقال أحمد : في كل مستخرج . دليلنا أن الأصل عدم الوجوب ، وقد ثبت في الذهب والفضة بالاجماع ، فيه بالإجماع فلا تجب فيما سواه إلا بدليل صريح ، وهل يشترط لوجوب زكاة الذهب والفضة المستخرجين من الذهب والفضة النصاب فيه طريقان : الصحيح منهما وبه قطع المصنف وجماهير العراقيين وجماعات من الخراسانيين : اشتراطه ، ونقل القاضي أبو الطيب في المجرد اتفاق الأصحاب عليه والثاني : حكاه أكثر الخراسانيين والماوردي من العراقيين : فيه قولان أصحهما : اشتراطه والثاني : لا . قال أصحاب هذه الطريقة : القولان مبنيان على أن واجبه الخمس وربع العشر إن قلنا : ربع العشر فالنصاب شرط وإلا فلا ، والمذهب اشتراطه مطلقا لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته : ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وبالقياس الذي ذكره المصنف . . . والله أعلم .