قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يغسل رجليه وهو فرض لما روى جابر رضي الله عنه قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأنا أن نغسل أرجلنا . + الشرح : هذا الحديث رواه الدارقطني بإسناد ضعيف ، ويغني عنه ما سنذكره من الأحاديث وغيرها إن شاء الله تعالى ، وراوي هذا الحديث هو جابر بن عبد الله الأنصاري السلمي بفتح السين واللام المدني أبو عبد الله وقيل : أبو عبد الرحمن ، وقيل : أبو محمد شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة ، توفي بالمدينة سنة ثلاث وسبعين وقيل : ثمان وسبعين وقيل : ثمان وستين ، والصحيح الأول ، وتوفي وله أربع وتسعون سنة رضي الله عنه . وأما حكم المسألة : فقد أجمع المسلمون على وجوب غسل الرجلين ولم يخالف في ذلك من يعتد به ، كذا ذكره الشيخ أبو حامد وغيره ، وقالت الشيعة الواجب مسحهما ، وحكى أصحابنا عن محمد بن جرير أنه مخير بين غسلهما ومسحهما ، وحكاه الخطابي عن الجبائي المعتزلي وأوجب بعض أهل الظاهر الغسل والمسح جميعا واحتج القائلون بالمسح بقوله تعالى : وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم بالجر على إحدى القراءتين في السبع ، فعطف الممسوح على الممسوح ، وجعل الأعضاء أربعة ، قسمين مغسولين ثم ممسوحين ، وعن أنس أنه بلغه أن الحجاج خطب فقال : أمر الله تعالى بغسل الوجه واليدين وغسل الرجلين ، فقال أنس : صدق الله وكذب الحجاج : وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم قرأها جرا ، وعن ابن عباس إنما هما غسلتان ومسحتان ، وعنه أمر الله بالمسح ويأبى الناس إلا الغسل وعن رفاعة في حديث المسيىء صلاته قال له النبي صلى الله عليه وسلم : إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى ، فيغسل وجهه ويديه ويمسح رأسه ورجليه وعن علي رضي الله عنه أنه توضأ فأخذ حفنة من ماء فرش على رجله اليمنى وفيها نعله ثم صنع باليسرى كذلك ، ولأنه عضو يسقط في التيمم فكان فرضه المسح كالرأس . واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم أنه غسل رجليه منها حديث عثمان وحديث علي وحديث ابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن زيد والربيع بنت معوذ وعمرو بن عبسة وغيرها من الأحاديث المشهورة في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأى جماعة توضئوا وبقيت أعقابهم تلوح لم يمسها الماء فقال : ويل للأعقاب من النار رواه البخاري ومسلم من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ، ورويا نحوه من رواية أبي هريرة . وفي هذا تصريح بأن استيعاب الرجلين بالغسل واجب ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أن رجلا توضأ فترك موضع ظفر على قدميه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ارجع فأحسن وضوءك رواه مسلم ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله كيف الطهور فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا وذكر الحديث إلى أن قال : ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم قال : هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم هذا حديث صحيح رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف قريبا ، وهذا من أحسن الأدلة في المسألة .
Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
النووي · AR
وعن عمرو بن عبسة في حديثه الطويل المشهور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما منكم من أحد يقرب وضوءه فيمضمض إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه مع الماء ، إلى أن قال : ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء رواه مسلم بهذا اللفظ وفي رواية قال عمرو بن عبسة سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من سبع مرار ، قال البيهقي . روينا في الحديث الصحيح عن عمرو بن عبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله تعالى قال البيهقي وفي هذا دلالة أن الله تعالى أمر بغسلهما . وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة وذكر الحديث إلى أن قال : فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من الذنوب رواه مسلم . وعن لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وخلل بين الأصابع وهو حديث صحيح سبق بيانه في فصل المضمضة وسنعيده في تخليل الأصابع قريبا إن شاء الله تعالى ، وفيه دلالة للغسل ، والأحاديث في المسألة كثيرة جدا وفيما ذكرناه كفاية قال أصحابنا : ولأنهما عضوان محدودان فكان واجبهما الغسل كاليدين . وأما الجواب عن احتجاجهم بقوله تعالى : وأرجلكم فقد قرئت بالنصب والجر فالنصب صريح في الغسل ، وتكون معطوفة على الوجه واليدين ، وأما الجر فأجاب أصحابنا وغيرهم عنه بأجوبة أشهرها أن الجر على مجاورة الرؤوس مع أن الأرجل منصوبة وهذا مشهور في لغة العرب ، وفيه أشعار كثيرة مشهورة وفيه من مأثور كلامهم كثير ، من ذلك قولهم : ( هذا جحر ضب خرب ) بجر خرب على جوار ضب وهو مرفوع صفة لجحر ، ومنه في القرآن : إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم هود : 62 فجر أليما على جوار يوم وهو منصوب صفة لعذاب فإن قيل : إنما يصح الاتباع إذا لم يكن هناك واو ، فإن كانت لم يصح والآية فيها واو قلنا : هذا غلط فإن الاتباع مع الواو مشهور في أشعارهم ، من ذلك ما أنشدوه . لم يبق إلا أسير غير منفلت وموثق في عقال الأسر مكبول فخفض موثقا مجاورته منفلت وهو مرفوع معطوف على أسير . فإن قالوا : الاتباع إنما يكون فيما لا لبس فيه ، وهذا فيه لبس قلنا : لا لبس هنا لأنه حدد بالكعبين والمسح لا يكون إلى الكعبين بالاتفاق . والجواب الثاني : أن قراءتي الجر والنصب يتعادلان ، والسنة بينت ورجحت الغسل فتعين . الثالث : ذكره جماعات من أصحابنا منهم الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي والقاضي أبو الطيب وآخرون ، ونقله أبو حامد في باب المسح على الخف عن الأصحاب أن الجر محمول على مسح الخف ، والنصب على الغسل إذا لم يكن خف . الرابع : أنه لو ثبت أن المراد بالآية المسح لحمل المسح على الغسل جمعا بين الأدلة والقراءتين لأن المسح يطلق على الغسل كذا نقله جماعات من أئمة اللغة ، منهم أبو زيد الأنصاري وابن قتيبة وآخرون ، وقال أبو علي الفارسي : العرب تسمي خفيف الغسل مسحا ، وروى البيهقي بإسناده عن الأعمش قال : كانوا يقرءونها وكانوا يغسلون .
وأما الجواب عن احتجاجهم بكلام أنس فمن أوجه أشهرها عند أصحابنا : أن أنسا أنكر على الحجاج كون الآية تدل على تعيين الغسل ، وكان يعتقد أن الغسل إنما علم وجوبه من بيان السنة فهو موافق للحجاج في الغسل مخالف له في الدليل والثاني : ذكره البيهقي وغيره أنه لم ينكر الغسل إنما أنكر القراءة فكأنه لم يكن ( يرى ) قراءة النصب وهذا غير ممتنع ويؤيد هذا التأويل أن أنسا نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ما دل على الغسل وكان أنس يغسل رجليه الثالث : لو تعذر تأويل كلام أنس كان ما قدمناه من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله وفعل الصحابة وقولهم مقدما عليه . وأما قول ابن عباس فجوابه من وجهين ، أحسنهما : أنه ليس بصحيح ولا معروف عنه وإن كان قد رواه ابن جرير بإسناده في كتابه ( اختلاف العلماء ) إلا أن إسناده ضعيف ، بل الصحيح الثابت عنه أنه كان يقرأ : وأرجلكم بالنصب ويقول : عطف على المغسول ، هكذا رواه عنه الأئمة الحفاظ الأعلام منهم أبو عبيد القاسم بن سلام وجماعات القراء والبيهقي وغيره بأسانيدهم ، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه توضأ فغسل رجليه وقال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ . والجواب الثاني نحو الجواب السابق في كلام أنس . وأما حديث رفاعة فهو على لفظ الآية فيقال فيه ما قيل في الآية . وأما حديث علي فجوابه من أوجه أحسنها أنه ضعيف ضعفه البخاري وغيره من الحفاظ فلا يحتج به لو لم يخالفه غيره ، فكيف وهو مخالف للسنن المتظاهرة والدلائل الظاهرة الثاني : لو ثبت لكان الغسل مقدما عليه لأنه ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الثالث : جواب البيهقي والأصحاب أنه محمول على أنه غسل الرجلين في النعلين فقد ثبت عن علي من أوجه كثيرة غسل الرجلين فوجب حمل الرواية المحتملة على الروايات الصحيحة الصريحة . وأما قياسهم على الرأس فمنتقض برجل الجنب فإنه يسقط فرضها في التيمم ولا يجزىء مسحها بالاتفاق والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب إدخال الكعبين في الغسل لقوله تعالى : وأرجلكم إلى الكعبين قال أهل التفسير : مع الكعبين ، والكعبان هما العظمان النائتان عند مفصل الساق والقدم ، والدليل عليه ما روى النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه وقال : أقيموا صفوفكم ، فلقد رأيت الرجل منا يلصق كعب بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه فدل على أن الكعب ما قلناه . + الشرح : حديث النعمان حديث حسن رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما بأسانيد جيده ، وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة جزم فقال في أبواب تسوية الصفوف . وقال النعمان بن بشير : ( رأيت الرجل منا يلصق كعبه بكعب صاحبه ) وقد قدمنا أن تعليقات البخاري إذا كانت بصيغة جزم كانت صحيحة وقوله وروى النعمان : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا هو من باب تلوين الخطاب ، وفيه حذف تقديره : قال إن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا ، ولو أتى المصنف بلفظة ( قال ) كما هي في روايات الحديث لكان أحسن وقوله صلى الله عليه وسلم : أقيموا صفوفكم معناه أتموها واعتدلوا واستووا فيها : وقوله : يلصق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه اخبار عن شدة مبالغتهم في إقامة الصفوف وتسويتها . والمنكب بفتح الميم وكسر الكاف سبق بيانه في فصل غسل اليدين . وقول المصنف : ( العظمان الناتئان ) هو بالنون في أوله وبعد الألف تاء مثناة فوق ثم همزة ومعناه الناشزان المرتفعان . وقوله : ( مفصل الساق ) هو بفتح الميم وكسر الصاد ، والساق مؤنثة غير مهموزة وفيها لغة قليلة بالهمزة ، وقد قرىء بها في السبع في قوله تعالى : وكشفت عن ساقيها النحل : 44 وغيره . وأما النعمان بن بشير راوي الحديث فكنيته أبو عبد الله وهو أنصاري خزرجي ، وهو أول مولود ولد للأنصار بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو وأبوه بشير صحابيان ، وأم النعمان عمرة بنت رواحة أخت عبد الله بن رواحة صحابية وولد النعمان سنة اثنتين من الهجرة وقتل بقرية من قرى حمص سنة أربع وستين وقيل : سنة ستين رضي الله عنه . أما أحكام الفصل ففيه مسألتان : إحداهما : أنه يجب إدخال الكعبين في الغسل وهذا لا خلاف فيه عندنا وبه قال الجمهور وخالف فيه زفر وابن داود ، وقد سبق بيان ذلك ودليله في غسل اليدين ، وقول المصنف قال أهل التفسير أي كثيرون منهم فإنهم مختلفون كما سبق . المسألة الثانية : أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم ، وهذا مذهبنا وبه قال المفسرون وأهل الحديث وأهل اللغة والفقهاء ، وقال الشيعة : هنا النائتان في ظهر القدمين فعندهم أن في كل رجل كعبا واحدا ، وحكاه الخطابي في كتابه الزيادات في شرح ألفاظ مختصر المزني عن أبي هريرة وأهل الكوفة ، وحكاه أصحابنا عن محمد بن الحسن . قال المحاملي : ولا يصح عنه ، وحكاه الرافعي وجها لنا وليس بشيء ، وليس لهؤلاء المخالفين حجة تذكر . ودليلنا عليهم الكتاب والسنة واللغة والاشتقاق . أما الكتاب فقوله تعالى : وأرجلكم إلى الكعبين قال أصحابنا : هذا يقتضي أن يكون في كل رجل كعبان ولا يجيء هذا إلا على ما قلناه ، ولو كان كما قالوه لقال إلى الكعاب كما قال إلى المرافق . وأما السنة فعن عثمان رضي الله عنه في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثم اليسرى كذلك رواه مسلم . وحديث النعمان المذكور في الكتاب وهو صحيح كما سبق وموضع الدلالة قوله : يلصق كعبه بكعب صاحبه وهذا لا يكون إلا في الكعب الذي قلنا ، ونظائر هذا في الأحاديث كثيرة .
وأما الاشتقاق فهو أن الكعب مشتق من التكعب وهو النتو مع الاستدارة ومنه سميت الكعبة ومنه كعب ثدي المرأة وهذه صفة الكعب الذي قلناه لا الذي قالوه ، وقال الخطابي : وقالت العرب : كعب أدرم وهو المندمج الممتلىء ولا يوصف ظهر القدم بالدرم . وأما نقل اللغة فقال الماوردي المحكي عن قريش ونزار كلها : مضر وربيعة لا يختلف لسان جميعهم أن الكعب اسم للناتىء بين الساق والقدم ، قال : وهم أولى بأن يعتبر لسانهم في الأحكام من أهل اليمن لأن القرآن نزل بلغة قريش . وقال صاحب كتاب العين : الكعب ما أشرف فوق الرسغ ونقله أبو عبيد عن الأصمعي وهو قول أبي زيد النحوي الأنصاري والمفضل ابن سلمة وابن الأعرابي وهؤلاء أعلام أهل اللغة ، قال الواحدي : ولا يعرج على قول من قال : الكعب في ظهر القدم لأنه خارج عن اللغة والأخبار وإجماع الناس فهذه أقوال أئمة اللغة المصرحة بما قلنا ، قال الروياني : فإن قيل للبهائم في كل رجل كعب فينبغي أن يقال كذا في الآدمي ، قلنا : خلقة الآدمي تخالف البهائم لأن كعب البهيمة فوق ساقها وكعب الآدمي في أسفله فلا يلزم اتفاقهما والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يبدأ باليمنى قبل اليسرى لما ذكرناه في اليد ، فإن كانت أصابعه منفرجة فالمستحب أن يخلل بينها لقوله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة : وخلل بين الأصابع وإن كانت ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل وجب التخليل لقوله صلى الله عليه وسلم : خللوا بين أصابعكم لا يخلل الله بينها بالنار . + الشرح : حديث لقيط صحيح سبق بيانه في المضمضة ، والحديث الآخر رواه الدارقطني من رواية عائشة رضي الله عنها بإسناد ضعيف ، وفي التخليل أحاديث منها حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه : توضأ فخلل بين أصابع قدميه ثلاثا قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت رواه الدارقطني ولابيهقي بإسناد جيد ، وعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء واجعل الماء بين أصابع يديك ورجليك رواه أحمد بن حنبل والترمذي وقال : حديث حسن غريب . وهذا كلام الترمذي . وهذا الحديث من رواية صالح مولى التوأمة وقد ضعفه مالك فلعله اعتضد فصار حسنا كما قاله الترمذي . وعن المستورد بن شداد قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فخلل أصابع رجليه بخنصره رواه أحمد بن حنبل وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وهو حديث ضعيف فإنه من رواية عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف عند أهل الحديث . أما الأحكام : فهنا مسألتان إحداهما : يستحب في غسل الرجلين تقديم اليمنى بل يكره تقديم اليسرى وقد سبق بيان هذا ودليله في فصل اليدين : وقول المصنف يبدأ باليمنى قبل اليسرى هو من باب التأكيد ولا حاجة إلى قوله قبل اليسرى وقد سبق هذا في فصل غسل اليدين . المسألة الثانية : في التخليل قال أصحابنا إن كانت أصابع رجليه منفرجة استحب التخليل ولا يجب وحديث لقيط محمول على الاستحباب أو على ما إذا لم يصل الماء إلى ما بينها إلا بالتخليل ، وإن كانت ملتفة وجب إيصال الماء إلى ما بينها ، ولا يتعين في إيصاله التخليل بل بأي طريق أوصله حصل الواجب ، ويستحب مع إيصاله التخليل ، فالتخليل مستحب مطلقا وإيصال الماء واجب وقول المصنف وشيخه القاضي أبي الطيب والقاضي حسين والماوردي والبغوي والمتولي وغيرهم إن كانت ملتفة وجب التخليل ، أرادوا به إيصال الماء لأنهم فرضوا المسألة فيما إذا لم يصل الماء إلا بالتخليل . وأما كيفية التخليل فقال الخراسانيون : يخلل بخنصر يده اليسرى ويكون من أسفل القدم مبتدئا بخنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر اليسرى ، ممن ذكره هكذا القاضي حسين والغزالي والبغوي والمتولي وصاحب العدة وغيرهم ، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : يستحب أن يخلل بخنصر يده اليمنى من تحت الرجل . وقال إمام الحرمين : لست أرى لتعيين اليد اليمنى أو اليسرى في ذلك أصلا إلا النهي عن الاستنجاء باليمين وليس تخليل الأصابع مشابها له فلا حجلا عى المتوضىء في استعمال اليمين أو اليسار ، فإن الأمر كذلك في غسل الرجلين وخلل الأصابع جزء منها ، ولم يثبت عندي في تعيين إحدى اليدين شيء . وذكر الغزالي في البسيط أن مستند الأصحاب في تعيين اليسرى الاستنجاء ، ثم ذكر قول إمام الحرمين ، وذكر الرافعي هذا المشهور عن الخراسانيين من استحباب خنصر اليسرى ونقله عن معظم الأئمة ، ثم حكى عن أبي طاهر الزيادي أنه قال : يخلل ما بين كل أصبعين من أصابع رجليه بأصبع من أصابع يده ليكون بماء جديد ويترك الإبهامين فلا يخلل بهما لما فيه من العسر .
فحصل من مجموع هذا أن التخليل من أسفل الرجل ويبدأ من خنصر اليمين وفي الأصبع التي يخلل بها أوجه الأشهر أنها خنصر اليسرى ، والثاني : خنصر اليمنى ، قاله القاضي أبو الطيب الثالث : قول أبي طاهر الرابع : قول الإمام أنه لا يتعين في استحباب ذلك يد وهو الراجح المختار هذا حكم تخليل أصابع الرجلين وأما أصابع اليدين فلم يتعرض له الجمهور وجاء فيه حديث ابن عباس الذي قدمناه ، ونقل الترمذي استحباب تخليلهما عن إسحاق بن راهويه ، قال الرافعي : سكت الجمهور عنه وقال ابن كج : يستحب لحديث لقيط فإن الأصابع تشملها وحديث ابن عباس ، قال : وعلى هذا يكون تخليلهما بالتشبيك بينهما والله أعلم . فرع في مسائل تتعلق بغسل الرجلين إحداها : اختلفوا في كيفيته المستحبة في غسلهما قال الشافعي رحمه الله في الأم : ينصب قدميه ثم يصب عليهما الماء بيمينه أو يصب عليه غيره ، هذا نصه وكذا قال البغوي وغيره . قال البغوي : ويدلكهما بيساره ويجتهد في ذلك العقب لا سيما في الشتاء فإن الماء يتجافى عنها ، وكذا أطلق المحاملي في اللباب وآخرون استحباب الابتداء بأصابع رجله وقال الصيمري وصاحبه الماوردي إن كان يصب على نفسه بدأ بأصابع رجله كما نص عليه وإن كان غيره يصب عليه بدأ من كعبيه إلى أصابعه . والمختار ما نص عليه وتابعه عليه الأكثرون من استحباب الابتداء بالأصابع مطلقا . الثانية : إذا كان لرجله أصبع أو قدم زائدة أو انكشطت جلدتها فحكمه ما سبق في اليد . الثالثة : إذا قطع بعض القدم وجب غسل الباقي فإن قطع فوق الكعب فلا فرض عليه ويستحب غسل الباقي كما سبق في اليد . الرابعة : قال الدارمي : إذا لم يكن له كعبان قدر بقدرهما . الخامسة : قال الشافعي رضي الله عنه في الأم والأصحاب : إن كانت أصابعه ملتحمة بعضها في بعض لا يلزمه شقها بل لا يجوز لكن يغسل ما ظهر قال أصحابنا : فإن كان على رجله شقوق وجب إيصال الماء باطن تلك الشقوق ، وقد ذكر المصنف مثله في فصل غسل اليدين ، فإن شك في وصول الماء إلى باطنها أو باطن الأصابع لزمه الغسل ثانيا حتى يتحقق الوصول ، هذا إذا كان شكه في أثناء الوضوء ، فأما إذا شك بعد الفراغ ففيه خلاف نذكره إن شاء الله تعالى في آخر الباب في المسائل الزائدة . قال أصحابنا : فلو أذاب في شقوق رجليه شحما أو شمعا أو عجينا أو خضبهما بحناء وبقي جرمه لزمه إزالة عينه لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة . فلو بقي لون الحناء دون عينه لم يضره ويصح وضوؤه ، ولو كان على أعضائه أثر دهن مائع فتوضأ وأمس بالماء البشرة وجرى عليها ولم يثبت صح وضوؤه ، لأن ثبوت الماء ليس بشرط ، صرح به المتولي وصاحبا العدة والبحر وغيرهم . فرع : لو تنفطت رجله لم تنشق كفاه غسل ظاهرها ، فلو انشقت بعد وضوئه لم يلزمه غسل ما ظهر بالانشقاق كما سبق فيمن حلق شعره بعد الطهارة ، فإن تطهر بعد ذلك لزمه غسل ما ظهر ، فإن كان قد عاد الالتحام لم يلزمه شقه والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يغسل فوق المرفقين وفوق الكعبين لقوله صلى الله عليه وسلم : تأتي أمتي يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل . + الشرح : هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة وفي رواية لمسلم عن نعيم قال : رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ثم غسل اليسرى حتى أشرع في العضد ، ثم مسح رأسه ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم اليسرى حتى أشرع في الساق ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم الغر المحجلون يوم القيامة من أسباغ الوضوء فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله هذا لفظ رواية مسلم وعن أبي حازم قال : كنت خلف أبي هريرة رضي الله عنه وهو يتوضأ للصلاة فكان يمر يده حتى تبلغ إبطيه فقلت يا أبا هريرة ما هذا الوضوء فقال : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء رواه مسلم بلفظه هنا ، ورواه البخاري بمعناه في أواخر الكتاب في كتاب اللباس في إتلاف الصور ، وفيه التصريح ببلوغ أبي هريرة رضي الله عنه بالماء إبطيه وعن نعيم أنه رأى أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل رواه مسلم والغرة بياض في وجه الفرس ، والتحجيل في يديه ورجليه ، ومعنى الحديث يأتون بيض الوجوه والأيدي والأرجل . وأما حكم المسألة : فاتفق أصحابنا على استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين ، ثم إن جماعة منهم أطلقوا استحباب ذلك ولم يجدوا غاية الاستحباب بحد كما أطلقه المصنف رحمه الله ، وقال جماعة : يستحب إلى نص الساق والعضد وقال القاضي حسين وآخرون : يبلغ به الإبط والركبة ، وقال البغوي : نص العضد فما فوقه ونصف الساق فما فوقه والله أعلم . فرع : اختلفت عبارات الأصحاب في المراد بتطويل الغرة فظاهر كلام المصنف رحمه الله أنها في اليدين والرجلين ، وكذا قاله إمام الحرمين رحمه الله في كتابه الأساليب في الخلاف في مسألة تكرار مسح الرأس ، ثم في مسألة مسح الأذنين ، وصاحب العدة وغيرهما ، وقال الغزالي رحمه الله : إذا قطعت يده فوق المرفق استحب إمساس الماء ما بقي من عضده ، فإن تطويل الغرة مستحب ، وهذا مما أنكر على الغزالي لتصحريحه بأن الغرة تكون في اليد ، ولا خلاف عند أهل اللغة وغيرهم في أن الغرة مختصة بالوجه . وقال القاضي حسين في تعليقه : إسباغ الوضوء سنة إطالة للغرة ، وهو أن يستوعب جميع الوجه بالغسلة حتى يغسل جزءا من رأسه ويغسل اليدين إلى المنكبين ، والرجلين إلى الركبتين . وقال المتولي : تطويل الغرة سنة ، وهو أن يغسل بعض مقدم رأسه مع الوجه وتطويل التحجيل سنة ، وهو أن يغسل بعض العضد مع المرفق وبعض الساق مع القدم . وقال الرافعي رحمه الله : اختلف الأصحاب في ذلك ففرق بعضهم بين الغرة والتحجيل فقالوا تطويل الغرة غسل مقدمات الرأس مع الوجه وكذا صفحة العنق ، وتطويل التحجيل غسل بعض العضد والساق وغايته استيعاب العضد والساق ، قال : وفسر كثيرون تطويل الغرة بغسل شيء من العضد والساق ، وأعرضوا عما حوالي الوجه ، قال : والأول أولى وأوفق لظاهر الحديث . وقال الرافعي في موضع آخر عند استحباب غسل باقي العضد بعد القطع .
إن قيل : كيف قال الغزالي يغسل الباقي لتطويل الغرة ، والغرة إنما هي في الوجه والذي في اليد التحجيل قلنا : تطويل الغرة والتحجيل نوع واحد من السنن ، فيجوز أن يكون قوله لتطويل الغرة إشارة إلى النوع ، على أن أكثرهم لا يفرقون بينهما ويطلقون تطويل الغرة في اليد قال ورأيت بعضهم احتج عليه بقوله صلى الله عليه وسلم : فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل وإنما يمكن الإطالة في اليد لأن الوجه يجب استيعابه ، قال الرافعي : وهذا الاحتجاج ليس بشيء لأن الإطالة في الوجه أن يغسل إلى اللبة وصفحة العنق وهو مستحق نص عليه الأئمة ، هذا كلام الرافعي . قلت : الصحيح أن الغرة غير التحجيل لقوله صلى الله عليه وسلم : فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله فهذا صريح في المغايرة بينهما ، ورواية الاقتصار على الغرة لا تخالف هذا لأن في هذا زيادة ، وزيادة الثقة مقبولة ، ولأنه قد يطلق أحد القرينين ويكون الآخر مرادا كقوله تعالى : سرابيل تقيكم الحر النحل : 18 أي والبرد ، وإذا ثبت تغايرهما فأحسن ما فيه ما قدمناه عن المتولي والرافعي ، ومرادهما غسل جزء يسير من الرأس وما يلاصق الوجه من صفحة العنق ، وهذا غير الجزء الواجب الذي لا يتم غسل الوجه إلا به . فرع : هذا الذي ذكرناه من استحباب غسل ما فوق المرفقين والكعبين هو مذهبنا لا خلاف فيه بين أصحابنا ، وهو مذهب أبي هريرة كما سبق . وقال أبو الحسن بن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري : هذا الذي قاله أبو هريرة لم يتابع عليه ، والمسلمون مجمعون على أن الوضوء لا يتعدى به ما حد الله ورسوله ولم يجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم قط مواضع الوضوء فيما بلغنا ، وهذا الذي قاله ابن بطال من الإنكار على أبي هريرة خطأ ، لأن أبا هريرة لم يفعله من تلقاء نفسه ، بل أخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك كما قدمناه عنه ، ولأن تفسير الراوي إذا لم يخالف الظاهر يجب قبوله على المذهب الصحيح لأهل الأصول وأما نقله الإجماع فلا يقبل مع خلاف أبي هريرة وأصحابنا ، وأما كون أكثر العلماء لم يذكروه ولم يقولوا به فلا يمنع كونه سنة بعد صحة الأحاديث فيه ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : فمن زاد على هذا فقد أساء فالمراد زاد في العدد فغسل أكثر من ثلاث مرات ، كما سنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يتوضأ ثلاثا ثلاثا لما روى أبي بن كعب رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة ثم قال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ، ثم توضأ مرتين مرتين وقال : من توضأ مرتين آتاه الله أجره مرتين ، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا وقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ، ووضوء خليلي إبراهيم صلى الله عليه وسلم . + الشرح : حديث أبي هذا ضعيف رواه ابن ماجه في سننه هكذا من رواية أبي بإسناد ضعيف ، رواه ابن ماجه أيضا والبيهقي وغيرهما من رواية ابن عمر وإسناده أيضا ضعيف ، قال الإمام الحافظ أبو بكر الحازمي : قد روي هذا الحديث من أوجه من غير واحد من الصحابة وكلها ضعيفة قال : وحديث ابن عمر في الباب نحو حديث أبي ، قال : وليس في حديثهما : ووضوء خليلي إبراهيم قلت : قوله ليس في حديثهما : ووضوء خليلي إبراهيم ليس بصحيح ، بل ذلك موجود في حديث ابن عمر رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده ، كذلك رأيته فيه . وذكر القاضي حسين في تعليقه في حديث أبي هذا خلافا لأصحابنا منهم من قال : فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الوضوءات في مجالس ، لأنه لو كان في مجلس لصار غسل كل عضو ست مرات وذلك مكروه ، ومنهم من قال : كان في مجلس واحد للتعليم ، ويجوز مثل ذلك للتعليم ، ورجح صاحب البحر كونه في مجالس . قلت : الظاهر أن هذا الخلاف لم ينقلوه عن رواية بل قالوه بالاجتهاد ، وظاهر رواية ابن ماجه وغيره أنه كان في مجلس واحد وهذا كالمتعين ، لأن التعليم لا يكاد يحصل إلا في مجلس ، وكيف كان فالحديث ضعيف لا يحتج به كما قدمناه ، وإذا ثبت ضعفه تعين الاحتجاج بغيره ، وفي ذلك أحاديث كثيرة صحيحة منها حديث عثمان رضي الله عنه أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : فتوضأ ثلاثا ثلاثا رواه مسلم . وفي رواية البيهقي وغيره : أن عثمان رضي الله عنه توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا قالوا : نعم ومنها حديث علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا رواه أحمد بن حنبل رضي الله عنه والترمذي والنسائي قال الترمذي : هذا أحسن شيء في هذا الباب وأصح . وعن شقيق بن سلمة قال : رأيت عثمان وعليا رضي الله عنهما يتوضآن ثلاثا ثلاثا ويقولان ، هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه بإسناد صحيح : ومنها حديث عمرو بن شعيب الذي ذكره المصنف بعد هذا وهو صحيح والله أعلم . أما حكم المسألة : فالطهارة ثلاثا ثلاثا مستحبة في جميع أعضاء الوضوء بإجماع العلماء إلا الرأس ففيه خلاف للسلف سنفرده بفرع إن شاء الله تعالى ومذهبنا المشهور أن مسح الرأس يكون ثلاثا كغيره ، وحكى بعض أصحابنا عن بعض العلماء أنه لا يستحب الثلاث ، وعن بعضهم أنه أوجب الثلاث وكلاهما غلط ولا يصح هذا عن أحد فإن صح فهو مردود بالأحاديث الصحيحة والله أعلم .