فرع : إذا طاف للوداع فشرط الإعتداد به أن لا يقيم بعده ، فإن أقام لشغل ونحوه لم يحسب عن الطواف ، وإن أقيمت الصلاة بعد طوافه فصلاها معهم لم يضره يسير لعذر ظاهر مأمور به ، ووافقنا مالك وأحمد وداود ، وقال أبو حنيفة : إذا طاف للوداع بعد أن دخل وقت النفر لم يضره الإقامة بعده ، ولو بلغت شهرا وأكثر وطوافه ماض على صحته ، دليلنا الحديث السابق فليكن آخر عهده بالبيت . فرع : إذا حاضت ولم تكن طافت للإفاضة ، فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يلزم من أكراها الإقامة لها ، بل لها أن تجعل مكانها من شاءت ، وبه قال ابن المنذر . وقال مالك : يلزم من أكراها الإقامة أكثر مدة الحيض ، وزيادة ثلاثة أيام ، والله تعالى أعلم . & باب الفوات والإحصار &
الإمام النووي - المجموع شرح المهذب في فقه الشافعية
أبو زكريا يحيى بن شرف النووي · AR
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن أحرم بالحج ولم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج . وعليه أن يتحلل بعمل عمرة ، وهي الطواف والسعي والحلق ، ويسقط عنه المبيت والرمي . وقال المزني : لا يسقط المبيت والرمي ، كما لا يسقط الطواف والسعي . وهذا خطأ لما روى الأسود عن عمر رضي الله عنه أنه قال لمن فاته الحج تحلل بعمل عمرة وعليك الحج من قابل وهدي ولأن المبيت والرمي من توابع الوقوف ، ولهذا لا يجب على المعتمر حين لم يجب عليه الوقوف ، وقد سقط الوقوف ههنا فسقطت توابعه بخلاف الطواف والسعي فإنهما غير تابعين للوقوف فبقي فرضهما ، ويجب عليه القضاء لحديث عمر رضي الله عنه ، ولأن الوقوف معظم الحج ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة وقد فاته ذلك فوجب قضاؤه . وهل يجب القضاء على الفور أم لا فيه وجهان كما ذكرناه فيمن أفسد الحج ، ويجب عليه هدي ، لقول عمر رضي الله عنه ، ولأنه تحلل من الإحرام قبل الإتمام فلزمه الهدي كالمحصر ، ومتى يجب الهدي فيه وجهان أحدهما : يجب مع القضاء لقول عمر رضي الله عنه ، ولأنه كالمتمتع ، ودم التمتع لا يجب إلا إذا أحرم بالحج والثاني : يجب في عامه كدم الإحصار . + الشرح : أما الأثر المذكور أولا عن عمر رضي الله عنه فصحيح رواه الشافعي والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة . وأما حديث الحج عرفة فسبق بيانه في فصل الوقت بعرفات . أما الأحكام : فإذا أحرم بالحج فلم يقف بعرفة حتى طلع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج بالإجماع ويلزمه أن يتحلل بأعمال عمرة ، وهي الطواف والسعي والحلق فأما الطواف فلا بد منه بلا خلاف . وأما السعي فإن كان سعى عقب طواف القدوم كفاه ذلك ولا يسعى بعد الفوات . وقد أهمل المصنف بيان هذا ، ولا بد من التنبيه عليه كما قاله الأصحاب ، وإن لم يكن سعي وجب السعي بعد الطواف هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والعراقيون . وقال الخراسانيون : للشافعي نصان أحدهما : نصه في المختصر أنه يطوف ويسعى ويحلق والثاني : نصه في الإملاء أنه يطوف ويحلق ، قال القاضي حسين نص عليه في الإملاء وحرملة ، ونقله القفال وصاحب البحر عن نصه في القديم قال الخراسانيون : للأصحاب في هذين النصين طريقان أصحهما : باتفاقهم أنه يجب السعي لحديث عمر رضي الله عنه ، ولأن السعي ملازم للطواف في النسك والثاني : لا يجب لأنه ليس من أسباب التحلل ، والطريق الثاني : يجب قولا واحدا . واختلفوا على هذا في تأويل نص الشافعي في الإملاء وحرملة و القديم فذكر القاضي حسين والبغوي والروياني والأكثرون أنه محمول على من كان سعى بعد طواف القدوم ، وذكر إمام الحرمين تأويلا آخر أنه اقتصر على الطواف في اللفظ ومراده الطواف مع السعي ، وإنما حذفه اختصارا للعلم به ، قال : وهذا معتاد في الكلام والله أعلم . وأما الحلق : فإن قلنا : هو نسك وجب وإلا فلا والحاصل مما ذكرناه أنه يجب الطواف قطعا ، وفي السعي طريقان المذهب : وجوبه والثاني : على قولين وفي الحلق قولان أصحهما : وجوبه والثاني : لا ، وإن اقتصرت على الراجح قلت : يجب الطواف والسعي والحلق ، وأما المبيت والرمي ، فإن فات وقتهما لم يجبان ، وإن بقي فوجهان الصحيح : المنصوص ، وبه قطع جمهور أصحابنا لا يجبان والثاني : يجبان . قاله المزني والاصطخري ، ودليل الجميع في الكتاب والله تعالى أعلم .
قال أصحابنا : وإذا تحلل بأعمال العمرة لا ينقلب حجه عمرة ، ولا تجزئه عن عمرة الإسلام ، ولا تحسب عمرة أخرى ، هذا هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع الأصحاب ، وحكى إمام الحرمين عن الشيخ أبي علي السنجي أنه حكى في شرح التلخيص وجها أنه ينقلب عمرة مجزئة ، وهذا شاذ ضعيف جدا ، وعلى هذا الشاذ لا بد من الطواف والسعي ، وكذا الحلق إذا جعلناه نسكا والله أعلم . قال الشافعي والأصحاب : ومن فاته الحج وتحلل يلزمه القضاء ، هكذا أطلقوه . ودليله ما ذكره المصنف ، وعبر بعض الخراسانيين عبارة أخرى توافق هذه في الحكم فقالوا : إن كان تحلله من حجة واجبة بقيت في ذمته كما كانت ، وإن كان من حجة تطوع لزمه قضاؤها كما لو أفسدها . وفي وجوب القضاء على الفور وهو في السنة الآتية وجهان كما سبق في الإفساد أصحهما : يجب على الفور ، لحديث عمر رضي الله عنه . وممن صرح بتصحيحه الماوردي والروياني والرافعي ، ولا يلزمه قضاء عمره مع قضاء الحج عندنا بلا خلاف ، ويجب عليه دم للفوات وهو شاذ . وهل يجب في سنة الفوات أم في سنة القضاء فيه خلاف ، منهم من يحكيه قولين ، ومنهم من يحكيه وجهين كما حكاه المصنف أصحهما : يجب تأخيره إلى سنة القضاء وهو نصه في الإملاء و القديم والثاني : يجب في سنة الفوات ، وله تأخيره إلى سنة القضاء ، فعلى الأول في وقت وجوبه وجهان حكاهما البندنيجي وغيره . أحدهما : يجب في سنة الفوات ، وإن وجب تأخيره كما يجب فيها القضاء وأصحهما : أن الوجوب في سنة القضاء ، لأنه لو وجب في سنة الفوات لجاز إخراجه فيها فإنه ممكن بخلاف القضاء ، فإنه لا يمكن فيها . وقد سبق في آخر باب ما يجب بمحظورات الإحرام بيان هذا الخلاف وما يتفرع عليه . وبيان بدل هذا الدم إذا عجز عنه والله أعلم . ثم إنه إنما يلزم دم واحد كما ذكرنا . هذا هو المذهب المنصوص . وبه قطع الأصحاب في الطريقين . وحكى صاحب التقريب وإمام الحرمين ومتابعوه قولا آخر غريبا ضعيفا : أنه يلزمه دمان أحدهما : في مقابلة الفوات والثاني : لأنه في قضاء يشبه التمتع لكونه تحلل بين النسكين والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لا فرق في الفوات بين المعذور وغيره فيما ذكرناه . لكن يفترقان في الإثم . فلا يأثم المعذور . ويأثم غيره . كذا صرح بإثمه القاضي أبو الطيب وغيره ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : المكي وغير المكي سواء في الفوات . وترتب الأحكام ووجوب الدم بخلاف التمتع . فإن المكي لا دم عليه فيه ، لأن الفوات يحصل من المكي كحصوله من غيره وأما : دم التمتع فإنما يجب لترك الميقات والمكي لا يترك الميقات لأن ميقاته موضعه والله أعلم . فرع : إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج وفرغ منها ثم أحرم بالحج ففاته لزمه قضاء الحج دون العمرة . لأن الذي فاته الحج دون العمرة يلزمه دمان دم الفوات ودم التمتع . فرع : هذا الذي سبق كله فيمن أحرم بالحج وحده وفاته . فأما من أحرم بالعمرة فلا يتصور فواتها . لأن جميع الزمان وقت لها وأما : من أحرم بالحج والعمرة قارنا ففاته الوقوف ، فإن العمرة تفوت بفوات الحج لأنه مندرجة فيه وتابعة له . ولأنه إحرام واحد فلا يتبعض حكمه . هذا هو المذهب ، وبه قطع جمهور العراقيين وجماعات من الخراسانيين . وحكى الماوردي في الحاوي والدارمي والقفال والقاضي حسين والفوراني والبغوي والمتولي والروياني وآخرون من الخراسانيين في العمرة قولين أصحهما : وجوب قضائها لما ذكرناه والثاني : لا يستحب بل إذا تحلل بالطواف والسعي والحلق حصلت العمرة . لأنها لا تفوت بخلاف الحج .
قال القاضي حسين : هذان القولان مبنيان على أن النسك الواحد هل يتبعض حكمه إذا جمع بينهما بأن استأجر من يحج ويعتمر . وكان المستأجر قد أدى عن نفسه أحد النسكين فأحرم الأجير بهما وفرغ منهما وفيه قولان أحدهما : لا يتبعض . فيكونان عن المستأجر . فعلى هذا تفوته العمرة بفوات الحج والثاني : يتبعض . فيقع أحدهما عنه . فعلى هذا لا تفوت العمرة . وقال المتولي : أصل القولين أن العمرة هل يسقط اعتبارها في القران أم يقع العمل عنهما جميعا وفيه خلاف سبق بيانه فإن قلنا : يسقط اعتبارها فاتت بفوات الحج وإن قلنا : لا يسقط اعتبارها ، بل تقع الأعمال عنهما حسبت عمرته والله أعلم . قال أصحابنا : وعليه القضاء قارنا ، ويلزمه ثلاثة دماء : دم للفوات ، ودم للقران الفائت ، ودم ثالث للقران الذي أتى به في القضاء . فإن قضاهما مفردا أجزأه عن النسكين . ولا يسقط عنه الدم الثالث الواجب بسبب الفوات في القضاء لأنه توجه عليه القران ودمه ، فإذا تبرع بالإفراد لا يسقط الدم الواجب . وقد قال الشافعي رحمه الله : فإن قضاه مفردا لم يكن له . قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : مراده أنه لا يسقط الدم الثالث . لأنه بالفوات لزمه القضاء قارنا مع دم . فإذا قضى الحج والعمر مفردا أجزأه . لأنه أكمل من القران ، ولا يسقط الدم لما ذكرناه . قال الروياني : قال ابن المرزبان : وقد نص الشافعي على هذا في الإملاء . وشذ الدارمي فحكى وجها غريبا أنه إذا قضاه مفردا سقط الدم الثالث . وهذا ضعيف جدا ، والصواب ما سبق . قال الروياني : ولو قضاه مفردا فأتى بالعمرة بعد الحج ، قال الشافعي في الإملاء : يحرم بالعمرة من الميقات . لأنه كان أحرم بها من الميقات في سنة الفوات . قال : فإن أحرم بها من أدنى الحل لم يلزمه أكثر من الدماء الثلاثة . لأنه وإن ترك الإحرام من الميقات فالدم الواجب بسبب الميقات ، ودم القران بسبب الميقات ، فتداخلا : قال : وإن قضاه متمتعا أجزأه إلا أنه يحرم بالحج من الميقات ، فإن أحرم به من جوف مكة وجب دم التمتع ، ودخل فيه دم القران لأنه بمعناه . فالحاصل أنه يلزمه ثلاثة دماء . سواء قضى مفردا أو متمتعا أو قارنا ، والله أعلم . فرع : قال القفال والروياني وغيرهما : كما أن العمرة تابعة للحج للفوات في حق القارن ، فهي أيضا تابعة له في الإدراك في حق القارن حتى لو رمى القارن وحلق ، ثم جامع لم تفسد عمرته كما لا يفسد حجه ، وإن لم يكن أتى بأعمال العمرة وهذا الذي ذكروه هو المذهب ، وفي المسألة وجه ضعيف جدا غريب ، سبق بيانه في باب محظورات الإحرام في مسائل الجماع أنه يفسد عمرته والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن من فاته الحج تحلل بطواف وسعى وحلق قال الماوردي وغيره : فإن كان معه هدى ذبحه قبل الحلق كما يفعل من لم يفته . فرع : قال الشيخ أبو حامد والدارمي والماوردي وغيرهم : لو أراد صاحب الفوات استدامة إحرامه إلى السنة الآتية لم يجز ، لأنه يصير محرما بالحج في غير أشهره والبقاء على الإحرام كإبتدائه ، ونقل أبو حامد هذا عن نص الشافعي قال : وهو إجماع الصحابة . فرع : قال القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياني : قال ابن المرزبان : صاحب الفوات له حكم من تحلل التحلل الأول ، لأنه لما فاته الوقوف سقط عنه الرمي فصار كمن رمى فإن وطىء لم يفسد إحرامه ، وإن تطيب أو لبس لم يلزمه الفدية ، قال القاضي والروياني : وهذا على قولنا الحلق ليس بنسك فإن قلنا : احتاج إلى الحلق أو الطواف حتى يحصل التحلل الأول . وقد صرح الدارمي بما قاله القاضي والروياني .
فرع : لو أفسد حجه بالجماع ثم فاته ، قال الأصحاب : عليه دمان . دم للإفساد وهو بدنه ، ودم للفوات وهو شاة . فرع في مذاهب العلماء قد ذكرنا أن مذهبنا أن من فاته الحج لزمه التحلل بعمل عمرة وعليه القضاء ودم ، وهو شاة ، ولا ينقلب إحرامه عمرة ، وهو مذهب عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس ومالك وأبي حنيفة ، إلا أن أبا حنيفة ومحمدا قالا : لا دم عليه ، ووافقا في الباقي . وقال أبو يوسف وأحمد في أصح الروايتين : ينقلب عمرة مجزئة عن عمرة سبق وجوبها ، ولا دم . وقال المزني كقولنا : وزاد وجوب المبيت والرمي كما سبق عنه . دليلنا ما روى البيهقي بإسناده الصحيح عن ابن عمر أنه قال : من لم يدرك عرفة حتى طلع الفجر فقد فاته الحج ، فليأت البيت فليطف به سبعا ، وليطوف بين الصفا والمروة سبعا ثم ليحلق أو يقصر إن شاء ، وإن كان معه هدى فلينحره قبل أن يحلق ، فإذا فرغ من طوافه وسعيه فليحلق أو يقصر ثم ليرجع إلى أهله ، فإن أدركه الحج من قابل فليحج إن استطاع وليهد في حجه ، فإن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله . وروى مالك في الموطأ والشافعي والبيهقي وغيرهم بأسانيدهم الصحيحة عن سليمان بن يسار أن أبا أيوب الأنصاري خرج حاجا حتى إذا كان بالنازية من طريق مكة ضلت راحلته ، فقدم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم النحر فذكر ذلك له ، فقال له عمر : اصنع كما يصنع المعتمر ثم قد حللت ، فإذا أدركت الحج قابلا فاحجج وأهدما استيسر من الهدي . وروى مالك أيضا في الموطأ بإسناده عن سليمان بن يسار أن هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه ، فقال يا أمير المؤمنين أخطأنا العدة كنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة ، فقال له عمر : اذهب إلى مكة فطف بالبيت أنت ومن معك ، واسعوا بين الصفا والمروة ، وانحروا هدبا إن كان معكم ، ثم احلقوا أو قصروا ثم ارجعوا فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع . وعن الأسود قال سألت عمر عن رجل فاته الحج قال : يهل بعمرة وعليه الحج من قابل . ثم سألت في العام المقبل زيد بن ثابت عنه قال : يهل بعمرة وعليه الحج من قابل رواه البيهقي بإسناد صحيح ، ورواه هكذا من طرق . قال البيهقي : وروى عن إدريس الأودي عنه قال : ويهريق دما . قال البيهقي روايات الأسود عن عمر متصلات ، ورواية سليمان بن يسار عنه منقطعة . قال الشافعي : الرواية المتصلة عن عمر فيها زيادة ، والذي زيد في الحديث أولى بالحفظ ممن لم يزد . وقد رويناه عن ابن عمر كما سبق متصلا ، ورواية إدريس الأودي إن صحت تشهد لرواية سليمان بن يسار بالصحة . وروى إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن نافع عن سليمان بن يسار عن هبار بن الأسود أنه حدثه أنه فاته الحج ، فذكره موصولا . هذا آخر كلام البيهقي ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أخطأ الناس الوقوف فوقفوا في اليوم الثامن أو العاشر لم يجب عليهم القضاء ، لأن الخطأ في ذلك إنما يكون بأن يشهد اثنان برؤية الهلال قبل الشهر بيوم ، فوقفوا في الثامن بشهادتهما ثم بان كذبهما ، أو يغم الهلال فوقفوا في اليوم العاشر ، ومثل هذا لا يؤمن في القضاء فسقط . + الشرح : قال أصحابنا : إذا غلطوا في الوقوف نظر إن غلطوا في المكان ، فوقفوا في غير أرض عرفات ، يظنونها عرفات لم يجزهم بلا خلاف لتفريطهم ، وإن غلطوا في الزمان بيومين بأن وقفوا في السابع أو الحادي عشر لم يجزهم بلا خلاف لتفريطهم ، وإن غلطوا بيوم واحد ، فوقفوا في اليوم العاشر من ذي الحجة أجزأهم وتم حجهم ولا قضاء . هذا إذا كان الحجيج على العادة ، فإن قلوا أو جاءت طائفة يسيرة فظنت أنه يوم عرفة وأن الناس قد أفاضوا فوجهان مشهوران حكاهما المتولي والبغوي وآخرون أصحهما : لا يجزئهم ، وبه قطع المصنف في التنبيه وآخرون ، لأنهم مفرطون ، ولأنه نادر يؤمن مثله في القضاء والثاني : يجزئهم كالجمع الكثير . قال أصحابنا : وحيث قلنا : يجزئهم فلا فرق بين أن يتبين الحال بعد اليوم العاشر أو في أثناء الوقوف . ولو بان الحال في اليوم العاشر قبل زوال الشمس فوقفوا عالمين بالحال . قال البغوي : المذهب أنه لا يحسب وقوفهم ، لأنهم وقفوا متيقنين الخطأ بخلاف ما لو علموا في حال الوقوف فإنه يجزئهم لأن وقوفهم قبل العلم وقع مجزئا . هذا كلام البغوي ، وأنكر عليه الرافعي وقال : هذا غير مسلم له ، لأن عامة الأصحاب قالوا : لو قامت بينة برؤية الهلال ليلة العاشر وهم بمكة بحيث لا يمكنهم الوقوف في الليل وقفوا من الغد وحسب لهم الوقوف ، كما لو قامت البينة بعد الغروب يوم الثلاثين من رمضان برؤية الهلال ليلة الثلاثين ، فإن الشافعي نص أنهم يصلون من الغد العيد ، فإذا لم يحكم بالفوات لقيام البينة ليلة العاشر لزمه مثله يوم العاشر هذا كلام الرافعي ، وهذا الذي قاله هو الصحيح خلاف ما قاله البغوي والله أعلم . قال أصحابنا : لو شهد واحد أو جماعة برؤية هلال ذي الحجة فردت شهادتهم لزم الشهود الوقوف في اليوم التاسع عندهم والناس يقفون بعده ، فلو اقتصروا على الوقوف مع الناس في اليوم الذي بعده لم يصح وقوف الشهود بلا خلاف عندنا . وحكى أصحابنا عن محمد بن الحسن أنه قال : يلزمهم الوقوف مع الناس ، أي وإن كانوا يعتقدونه العاشر . قال : ولا يجزئهم التاسع عندهم . دليلنا أنهم يعتقدون هذا اليوم الذي يقف الناس فيه العاشر فلم يجز وقوفهم فيه ، كما لو قبلت شهادتهم . هذا كله إذا غلطوا فوقفوا في العاشر . أما إذا غلط الحجيج فوقفوا في الثامن بأن شهد بالرؤية فساق أو كفار أو عبيد ولم يعلم حالهم ثم علم ، فإن بان الحال قبل فوات وقت الوقوف لزمهم الوقوف فيه لتمكنهم منه ، وإن بان بعده فوجهان مشهوران في طريقتي العراقيين والخراسانيين أحدهما : يجزئهم كالعاشر وبهذا قطع لامصنف والعبدري ، ونقله صاحب البيان عن أكثر الأصحاب وأصحهما : لا يجزئهم لأنه نادر ، وبهذا قطع ابن الصباغ والروياني وكثيرون . وصححه البغوي والمتولي والرافعي وآخرون فهو الصحيح المختار ، والخلاف هنا كالخلاف فيمن اجتهد فصلى أو صام فبان قبل الوقت ، والصحيح هناك أيضا أنه لا يجزئه . والله أعلم .
فرع : قال الروياني : قال والدي رحمه الله : إذا أحرم الناس بالحج في أشهر الحج بالإجتهاد فبان الخطأ في الإجتهاد خطأ عاما ففي انعقاد الإحرام بالحج وجهان أحدهما : ينعقد كما لو وقفوا في اليوم العاشر غلطا ، ووجه الشبه أن كل واحد منهما ركن يفوت الحج بفواته والثاني : لا ينعقد حجا وينعقد عمرة ، والفرق أنا لو أبطلنا الوقوف في العاشر أبطلناه من أصله ، وفيه إضرار . وأما هنا فينعقد عمرة ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الغلط في الوقوف . اتفقوا على أنهم إذا غلطوا فوقفوا في العاشر وهم جمع كثير على أجزأهم ، وإن وقفوا في الثامن فالأصح عندنا لا يجزئهم . وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، والأصح من مذهب مالك وأحمد أنه لا يجزئهم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن أحرم فأحصره العدو نظرت فإن كان العدو من المسلمين فالأولى أن يتحلل ولا يقاتله ، لأن التحلل أولى من قتال المسلمين ، وإن كان من المشركين لم يجب عليه القتال ، لأن قتال الكفار لا يجب إلا إذا بدأوا بالحرب ، فإن كان في المسلمين ضعف وفي العدو قوة فالأولى ألا يقاتلهم ، لأنه ربما انهزم المسلمون فيلحقهم وهن ، وإن كان في المسلمين قوة وفي المشركين ضعف فالأفضل أن يقاتلهم ليجمع بين نصرة الإسلام وإتمام الحج ، فإن طلبوا مالا لم يجب إعطاء المال لأن ذلك ظلم ولا يجب الحج مع احتمال الظلم ، فإن كانوا مشركين كره أن يدفع إليهم لأن في ذلك صغارا على الإسلام فلا يجب احتماله من غير ضرورة ، وإن كانوا مسلمين لم يكره . + الشرح : قال أهل اللغة : يقال أحصره المرض وحصره العدو ، وقيل حصر وأحصر فيهما والأول أشهر . وأصل الحصر المنع . قال الشافعي والأصحاب : إذا أحصر العدو المحرمين عن المضي في الحج من جميع الطرق فلهم التحلل ، سواء كان الوقت واسعا أم لا ، وسواء كان العدو مسلمين أو كفارا ، لكن إن كان الوقت واسعا فالأفضل تأخير التحلل فلعله يزول المنع ويتم الحج ، وإن كان الوقت ضيقا فالأفضل تعجيل التحلل خوفا من فوات الحج . ويجوز للمحرم بالعمرة التحلل عند الإحصار بلا خلاف ، ودليل التحلل وإحصار العدو نص القرآن والأحاديث الصحيحة المشهورة في تحلل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية وكانوا محرمين بعمرة وإجماع المسلمين على ذلك . وأما إذا منعوا وطلب منهم مال ولم يمكنهم المضي إلا ببذل مال فلهم التحلل ولا يلزمهم بذله بلا خلاف ، سواء قل المطلوب أم كثر ، فإن كان الطالب كفارا قال الشافعي والأصحاب : كره ذلك ولا يحرم ، قال الشافعي : كما لا تحرم الهبة للكفار ، وإن كانوا مسلمين لم يكره لما ذكره المصنف . وأما إذا احتاج الحجيج إلى قتال العدو ليسيروا فينظر إن كان المانعون مسلمين جاز لهم التحلل ، وهو أولى من قتالهم لتعظيم دماء المسلمين ، فإن قاتلوه جاز لأنهم صائلون ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قتل دون ماله فهو شهيد وفي حديث صحيح ومن قتل دون دينه فهو شهيد . وإن كان العدو كفارا فوجهان أحدهما : وهو مشهور في كتب الخراسانيين أنه إن كان العدو أكثر من مثلي عدد المسلمين لم يجب قتالهم ، وإلا وجب . قال إمام الحرمين : هذا الإطلاق ليس بمرض ، بل شرطه وجدانهم السلاح وأهبة القتال . قال : فإن وجدوا ذلك فلا سبيل إلى التحلل . والوجه الثاني : وهو الصحيح ، وبه قطع المصنف وسائر العراقيون وآخرون من غيرهم ، ونقله الرافعي عن أكثر الأصحاب أنه لا يجب القتال ، سواء كان عدد الكفار مثلي المسلمين أو أقل ، لكن إن كان بالمسلمين قوة فالأفضل أن لا يتحللوا بل يقاتلوهم ليجمعوا بين الجهاد ونصرة الإسلام والحج ، وإلا فالأفضل التحلل لما ذكره المصنف . قال أصحابنا : وحيث قاتلوا المسلمين أو الكفار فلهم لبس الدروع والمغافر وعليهم الفدية ، كمن لبس لحر أو برد . وهذا الذي ذكرناه من جواز التحلل بلا خلاف هو فيما إذا منعوا المضي دون الرجوع ، فأما إذا أحاط بهم العدو من الجوانب كلها فوجهان مشهوران ، حكاهما البندنيجي والماوردي وإمام الحرمين والبغوي والمتولي وغيرهم . وقيل هما قولان أصحهما : جواز التحلل لعموم قوله تعالى : فإن أحصرتم والثاني : لا ، إذ لا يحصل به أمن ، والله أعلم .
فرع : هذا الذي ذكرناه هو فيما إذا صدوهم ولم يجدوا طريقا آخر ، فأما إن وجدوا طريقا غيره لا ضرر في سلوكها فإن كانت مثل طريقهم التي صدوا عنها لم يكن لهم التحلل لأنهم قادرون على الوصول ، فإن كان أطول من طريقهم قال صاحب الفروع والروياني وصاحب البيان وغيرهم : إن لم يكن معهم نفقة تكفيهم لذلك الطريق فلهم التحلل ، وإن كان معهم نفقة تكفيهم لطريقهم الآخر لم يجز لهم التحلل ولزمهم سلوك الطريق الآخر ، سواء علموا أنهم بسلوك هذا الطريق يفوتهم الحج أم لا ، لأن سبب التحلل هو الحصر لا خوف الفوات ، ولهذا لو أحرم بالحج يوم عرفة وهو بالشام لم يجز له التحلل بسبب الفوات . قال أصحابنا : حتى لو أحصر بالشام في ذي الحجة ووجد طريقا آخر كما ذكرنا لزمه السير فيه ووصول الكعبة والتحلل بعمل عمرة . قال أصحابنا : فإذا سلك هذا الطريق كما أمرناه ففاته الحج بطول الطريق الثاني أو خشونته أو غيرهما مما يحصل الفوات بسببه فقولان مشهوران ، ذكرهما المصنف في الفصل الآتي والأصحاب أصحهما : لا يلزمه القضاء بل يتحلل تحلل المحصر لأنه محصر ، ولعدم تقصيره . والثاني : يلزمه القضاء كما لو سلكه إبتداء ففاته بضلال في الطريق ونحوه ولو استوى الطريقان من كل وجه وجب القضاء بلا خلاف ، لأنه فوات محض ولو أحصر ولم يجد طريقا آخر إلا في البحر ، قال أصحابنا : ينبني على وجوب ركوب البحر للحج ، وقد سبق بيان الخلاف فيه وتفصيله في أوائل كتاب الحج فحيث قلنا : يجب ركوبه يكون كقدرته على طريق أمن من البر وإلا فلا والله أعلم ولو أحصر فصابر الإحرام متوقعا زواله ففاته الحج ، والإحصار دائم ، تحلل بأعمال العمرة ، وفي القضاء طريقان أصحهما : طرد القولين فيمن فاته يطول الطريق الثاني والطريق الثاني : القطع بوجوب القضاء لأنه تسبب بالمصابرة في الفوات ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : إذا لم يتحلل بالإحصار حتى فاته الحج ، فحيث قلنا : لا قضاء عليه ، يتحلل وعليه دم الإحصار دون دم الفوات ، وحيث أوجبنا القضاء فإن كان قد زال العدو وأمكنه وصول الكعبة لزمه قصدها ، والتحلل بعمل عمرة وعليه دم الفوات دون دم الإحصار ، وإن كان العدو باقيا فله التحلل وعليه دمان ، دم الفوات ودم الإحصار ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : إذا تحلل الحاج فإن لم يزل الإحصار فله الرجوع إلى وطنه ، وإن انصرف العدو فإن كان الوقت واسعا بحيث يمكنه تجديد الإحرام وإدراك الحج ، فإن كان حجه تطوعا فلا شيء عليه ، وإن كان حجه تقدم وجوبها بقي وجوبها كما كان ، والأولى أن يجدد الإحرام بها في هذه السنة وله التأخير وإن كانت حجة وجبت في هذه السنة بأن استطاع في هذه السنة دون ما قبلها فقد استقر الوجوب في ذمته لتمكنه ، والأولى أن يحرم بها في هذه السنة وله التأخير لأن الحج عندنا على التراخي ، وإن كان الوقت ضيقا بحيث لا يمكنه إدراك الحج سقط عنه الوجوب في هذه السنة ، فإن استطاع بعده لزمه ، وإلا فلا ، إلا أن يكون سبق وجوبها قبل هذه السنة واستقرت ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : إذا قال العدو الصادون بعد صدهم : قد آمناكم ، وخلينا لكم الطريق ، فإن وثقوا بقولهم فأمنوا غدرهم لم يجز التحلل لمن لم يكن تحلل ، لأنه لا صد ، وإن خافوا غدرهم فلهم التحلل .
فرع : اعترض أبو سعيد ابن أبي عصرون على المصنف في قوله لأن قتال الكفار لا يجب إلا إذا بدأوا بالحرب ، وقال : هذا سهو منه ، بل قتال الكفار لا يتوقف على الإبتداء ، وهذا الإعتراض غلط من قائله ، بل الذي قاله المصنف هو عبارة الأصحاب في الطريقتين ، لكن زاد القاضي أبو الطيب والجمهور فيها لفظة فقالوا : لأن قتال الكفار لا يجب إلا إذا بدأوا به أو استنفر الإمام أو الثغور الناس لقتالهم ، فهذه عبارة الأصحاب ، ومرادهم لا يجب على آحاد الرعية والطائفة منهم ، وأما الإمام فيلزمه الغزو بالناس بنفسه أو بسراياه كل سنة مرة إلا أن تدعو حاجة إلى تأخيره ، كما هو مقرر في كتاب السير والله أعلم .