Qur'an&Sunnahالقرآن

الإمام النووي - المجموع شرح المهذب في فقه الشافعية

أبو زكريا يحيى بن شرف النووي · AR

قسم V09/P020–V09/P021Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P020–V09/P021)

والبوم حرام كالرخم قال : والضوع بضم الضاد المعجمة وفتح الواو بالعين المهملة حرام على أصح القولين ، قال الرافعي : هذا يقتضي أن الضوع غير البوم ، قال : لكن في صحاح الجوهري أن الضوع طائر من طير الليل من جنس الهام ، وقال المفضل : هو ذكر البوم قال الرافعي : فعلى هذا إن كان في الضوع قول لزم إجراؤه في البوم لأن الذكر والأنثى من جنس واحد لا يفترقان . قلت : الأشهر أن الضوع من جنس الهام فلا يلزم اشتراكهما في الحكم قال أبو عاصم : النهاش حرام كالسباع التي تنهش ، قال : واللقاط حلال إلا ما استثناه النص ، يعني ذا المخلب ، وقال البوسنجي : اللقاط حلال بلا استثناء ، قال أبو عاصم : وما تقوت بالطاهرات فحلال إلا ما استثناه النص ، وما تقوت بالنجس فحرام . فرع : قال الشافعي والمصنف والأصحاب : يحرم أكل كل ذي مخلب من الطير يتقوى به ويصطاد كالصقر والنسر والبازي والعقاب وغيرها للحديث السابق . المسألة الثانية : قال الشافعي والأصحاب : ما نهى عن قتله حرم أكله لأنه لو حل أكله لم ينه عن قتله كما لو لم ينه عن قتل المأكول ، فمن ذلك النمل والنحل فهما حرام ، وكذلك الخطاف والصرد والهدهد والثلاثة حرام على المذهب ، وفيها وجه ضعيف أنها مباحة وحكاه البندنيجي في كتاب الحج قولا ، وجزم به في الصرد والهدهد . والخفاش حرام قطعا قال الرافعي : وقد يجىء فيه الخلاف ، واللفاف حرام على أصح الوجهين . الثالثة : قال أصحابنا : ما أمر بقتله من الحيوان فأكله حرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الفواسق الخمس في الحرم والإحرام فلو حل أكله لما أمر بقتله مع قول الله تعالى : لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم المائدة : 95 فمن ذلك الحية والفأرة والحدأة وكل سبع ضار ، ويدخل في هذا الأسد والذئب وغيرهما مما سبق ، قال أصحابنا : وقد يكون للشىء سببان أو أسباب تقتضي تحريمه وتحرم البغاثة بفتح الباء الموحدة وتخفيف الغين المعجمة وبالثاء المثلثة في آخرها والرخمة كما تحرم الحدأة . وأما الغراب فهو أنواع فمنها : الغراب الأبقع ، وهو حرام بلا خلاف للأحاديث الصحيحة ومنها : الأسود الكبير ، وفيه طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف وجماعة التحريم والثاني : فيه وجهان أصحهما : التحريم والثالث : الحل . وأما غراب الزرع وهو أسود صغير ، يقال له : الزاغ ، وقد يكون محمر المنقار والرجلين ، ففيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : أنه حلال والأصح أن الغداف حرام ، قال الرافعي : ومن الغربان غراب صغير أسود أو رمادي اللون ، وقد يقال الغداف الصغير وهو حرام على أصح الوجهين ، وكذلك العقعق والله تعالى أعلم . الرابعة : يحرم حشرات الطير كالنحل والزنابير والذباب والبعوض وشبهها لما ذكره المصنف . الخامسة : يحل أكل الجراد بلا خلاف للحديث السابق ، وسواء مات بنفسه أو بقتل مسلم أو مجوسي ، وسواء قطع رأسه أم لا ولو قطع بعض جرادة وباقيها حي فوجهان أصحهما : يحل المقطوع لأن المقطوع كالميت وميتته حلال . والثاني : حرام وإنما يباح منه الجملة لحرمتها ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن الجراد حلال سواء مات باصطياد مسلم أو مجوسي أو مات حتف أنفه ، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد ، ومحمد بن عبد الحكم والأبهري المالكيان وجماهير العلماء من السلف والخلف قال : العبدري وقال مالك : لا يحل إلا إذا مات بسبب ، بأن يقطع منه شىء أو يصلق أو يقلى حيا أو يشوى وإن لم يقطف رأسه ، قال : فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يؤكل ، وعن أحمد رواية ضعيفة كمذهب مالك . واحتج مالك بقوله تعالى : ?

قسم V09/P021–V09/P023Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P021–V09/P023)

< حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقيموا بالأزلم ذ لكم فسق اليوم يبس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسل م دينا فمن اضطر في مخمصه غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم > ? المائدة : 3 واحتج أصحابنا بحديث ابن أبي أوفى السابق : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد رواه البخاري ومسلم ، وروى الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان ، أما الميتتان فالحوت والجراد ، والدمان الكبد قل لا أجد في مآ أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه الأنعام الآية فقد سبق جوابها في مسألة تحريم السباع . فرع : قد ذكرنا مذهبنا في غراب الزرع والغداف ، وقال بإباحتهما مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى .

قسم V09/P023–V09/P024Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P023–V09/P024)

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما سوى ذلك من الدواب والطيور ينظر فيه ، فإن كان مما يستطيبه العرب حل أكله ، وإن كان مما لا يستطيبه العرب لم يحل أكله لقوله عز وجل : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف : 157 ويرجع في ذلك إلى العرب من أهل الريف والقرى وذوي اليسار والغنى دون الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة ، فإن استطاب قوم شيئا وأستخبثه قوم رجع إلى ما عليه الأكثر ، فإن اتفق في بلاد العجم ما لا يعرفه العرب نظر إلى ما يشبهه فإن كان حلالا حل وإن كان حراما حرم ، وإن لم يكن له شبيه فيما يحل ولا فيما يحرم ففيه وجهان قال : أبو إسحاق وأبو علي الطبري يحل لقوله عز وجل قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير الأنعام : 145 وهذا ليس بواحد منها . وقال ابن عباس رضي الله عنه ما سكت عنه فهو عفو ومن أصحابنا من قال : لا يحل أكله ، لأن الأصل في الحيوان التحريم ، فإذا أشكل بقي على أصله . + الشرح : هذا المذكور عن ابن عباس رواه أبو داود عنه هكذا بإسناد حسن ، ورواه البيهقي مرفوعا عن سلمان الفارسي . وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو من عفوه قال أصحابنا : من الأصول المعتبرة في هذا الباب الاستطابة والاستخباث ، ورواه الشافعي رحمه الله الأصل الأعظم الأعم ولهذا أفسح الباب والمعتمد فيه قوله تعالى : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 751 وقوله تعالى : يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات المائدة : 4 قال أصحابنا وغيرهم : وليس المراد بالطيب هنا الحلال ، لأنه لو كان المراد الحلال لكان تقديره أحل لكم الحلال ، وليس فيه بيان ، وإنما المراد بالطيبات ما يستطيبه العرب ، وبالخبائث ما تستخبثه . قال أصحابنا : ولا يرجع في ذلك إلى طبقات الناس ، وينزل كل قوم على ما يستطيبونه أو يستخبثونه ، لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام واضطرابها ، وذلك يخالف قواعد الشرع ، قالوا : فيجب اعتبار العرب ، فهم أولى الأمم بأن يؤخذ باستطيابهم واستخباثهم لأنهم المخاطبون أولا ، وهم جيل معتدل لا يغلب فيهم الانهماك على المستقذرات ولا العفافة المتولدة من التنعم فيضيقوا المطاعم على الناس . قالوا : وإنما يرجع إلى العرب الذين هم سكان القرى والريف دون أجلاف البوادي الذين يأكلون مادب ودرج من غير تمييز وتغيير عادة أهل اليسار والثروة دون المحتاجين ، وتغيير حالة الخصب والرفاهية دون الجدب والشدة قال الرافعي : وذكر جماعة أن الاعتبار بعادة العرب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب لهم ، قال : ويشبه أن يقال : يرجع في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه ، قال أصحابنا : فإن استطابته العرب أو سمته باسم حيوان حلال فهو حلال ، وإن استخبثته أو سمته باسم محرم فمحرم ، فإن استطابته طائفة واستخبثته أخرى اتبعنا الأكثرين فإن استويا قال الماوردي وأبو الحسن العبادي : يتبع قريش لأنهم قطب العرب ، فإن اختلفت قريش ولا ترجيح أو شحكوا ولم يحكموا بشىء أو لم نجدهم ولا غيرهم من العرب ، اعتبرناه بأقرب الحيوان به شبها والشبه تارة يكون في الصورة وتارة في طبع الحيوان من الصيالة والعدوان ، وتارة في طعم اللحم ، فإن استوى الشبهان أو لم نجد ما يشبهه فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : الحل قال إمام الحرمين : وإليه ميل الشافعي والثاني : التحريم .

قسم V09/P024–V09/P025Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P024–V09/P025)

قال أصحابنا : وإنما يراجع العرب في حيوان لم يرد فيه نص بتحليل ولا تحريم ولا أمر بقتله ولا نهى عن قتله ، فإن وجد شىء من هذه الأصول اعتمدناه ولم نراجعهم ، قطعا ، فمن ذلك الحشرات وغيرها مما سبق والله تعالى أعلم . فرع : إذا وجدنا حيوانا لا معرفة لحكمه من كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ، ولا استطابة ولا استخباث ولا غير ذلك من الأصول المعتمدة ، وثبت تحريمه في شرع من قبلنا ، فهل يستصحب تحريمه فيه قولان الأصح : لا يستصحب ، وهو مقتضى كلام جمهور الأصحاب . وهو مقتضى المختار عند أصحابنا في أصول الفقه ، فإن استصحبناه فشرطه أن يثبت تحريمه في شرعهم بالكتاب أو السنة أو يشهد به عدلان أسلما منهم بعرفان المبدل من غيره ، قال الماوردي : فعلى هذا لو اختلفوا اعتبر حكمه في أقرب الشرائع إلى الإسلام وهي النصرانية ، وإن اختلفوا عاد الوجهان عند تعارض الأشباه أصحهما : الحل ، والله سبحانه أعلم .

قسم V09/P025Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P025)

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يحل ما تولد بين مأكول وغير مأكول كالسمع المتولد بين الذئب والضبع والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الأهل لأنه مخلوق مما يؤكل ومما لا يؤكل فغلب فيه الحظر كالبغل . + الشرح : السمع بكسر السين وإسكان الميم قال الشافعي والأصحاب يحرم السمع والبغل وسائر ما يولد من مأكول وغير مأكول ، سواء كان المأكول الذكر أو الأنثى ، لما ذكره المصنف ، والزرافة بفتح الزاي وضمها حرام بلا خلاف ، وعدها بعضهم من المتولد بين مأكول وغير مأكول . ولو تولد من فرس وأتان وحشية أو نحو ذلك من الجنسين المأكولين كان حلالا ، نص عليه الشافعي والله سبحان أعلم .

قسم V09/P025–V09/P026Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P025–V09/P026)

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أكل الجلالة ، وهي التي أكثر أكلها العذرة من ناقة أو بقرة أو شاة أو ديك أو دجاجة ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ألبان الجلالة ولا يحرم أكلها لأنه ليس فيه أكثر من تغير لحمها وهذا لا يوجب التحريم ، فإن أطعم الجلالة طعاما طاهرا وطاب لحمها لم يكره ، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تعلف الجلالة علفا طاهرا إن كانت ناقة أربعين يوما ، وإن كانت شاة سبعة أيام ، وإن كانت دجاجة فثلاثة أيام . + الشرح : حديث ابن عباس صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائيث بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، قال أصحابنا : الجلالة هي التي تأكل العذرة والنجاسات ، وتكون من الإبل والبقرة والغنم والدجاج ، وقيل : إن كان أكثر أكلها النجاسة فهي جلالة ، وإن كان الطاهر أكثر فلا ، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا اعتبار بالكثرة ، وإنما الاعتبار بالرائحة والنتن فإن وجد في عرفها وغيره ربح النجاسة فجلالة ، وإلا فلا ، وإذا تغير لحم الجلالة فهو مكروه بلا خلاف ، وهل هي كراهة تنزيه أو تحريم فيه وجهان مشهوران في طريقة الخراسانيين أصحهما : عند الجمهور وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين وصححه الروياني وغيره من المعتمدين ، أنه كراهة تنزيه قال الرافعي : صححه الأكثرون والثاني : كراهة تحريم قاله أبو إسحاق المروزي والقفال وصححه الإمام والغزالي والبغوي ، وقيل : هذا الخلاف فيما إذا وجدت رائحة النجاسة بتمامها أو قربت الرائحة من الرائحة فإن قلت الرائحة الموجودة لم تضر قطعا . قال أصحابنا : ولو حبست بعد ظهور النتن وعلفت شيئا طاهرا فزالت الرائحة ثم ذبحت ، فلا كراهة فيها قطعا ، قال أصحابنا : وليس للقدر الذي تعلفه من حد ولا لزمانه من ضبط ، وإنما الاعتبار بما يعلم في العادة أو يظن أن رائحة النجاسة تزول به ، ولو لم تعلف لم يزل المنع بغسل اللحم بعد الذبح ولا بالطبخ وإن زالت الرائحة به ، ولو زالت بمرور الزمان ، قال البغوي : لا يزول المنع ، وقال غيره : يزول قال أصحابنا : وكما منع لحمها يمنع لبنها وبيضها ، للحديث الصحيح في لبنها ، قال أصحابنا : ويكره الركوب عليها إذا لم يكن بينها وبين الراكب حائل ، قال الصيدلاني وغيره : إذا حرمنا لحمها فهو نجس ، ويطهر جلدها بالدباغ ، وهذا يقتضي نجاسة الجلد أيضا ، قال الرافعي : وهو نجس إن ظهرت الرائحة فيه ، وكذا إن لم تظهر على أصح الوجهين كاللحم ، قال أصحابنا : وظهور النتن وإن حرمنا اللحم ونجسناه فلا نجعله موجبا لنجاسة الحيوان في حياته ، فإنا لو نجسناه صار كالكلب لا يطهر جلده بالدباغ ، بل إذا حكمنا بتحريم اللحم كان الحيوان كما لا يؤكل لحمه ، فلا يطهر جلده . ويطهر بالدباغ ، والله أعلم . فرع : السخلة المرباة بلبن الكلبة لها حكم الجلالة المعتبرة ، ففيها وجهان أصحهما : يحل أكلها والثاني : لا يحل ، وسبق بيانهما في أول هذا الباب ، قال أصحابنا : ولا يحرم الزرع المزبل ، وإن كثر الزبل في أصله ، لا ما يسقى من الثمار والزروع ماء نجسا ، وقد سبق في باب إزالة النجاسة بيان هذا مع نظائره .

قسم V09/P026–V09/P027Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P026–V09/P027)

فرع : لو عجن دقيق بماء نجس وخبزه فهو نجس يحرم أكله ويجوز أن يطعمه لشاة أو بعير أو بقرة ونحوها ، نص عليه الشافعي رحمه الله ، ونقله عن نصه البيهقي في كتاب السنن الكبير في باب نجاسة الماء الدائم ، واستدل البيهقي بالحديث المشهور وفي فتاوى صاحب الشامل أنه يكره إطعام الحيوان المأكول نجاسة ، وهذا لا يخالف نص الشافعي في الطعام ، لأنه ليس بنجس العين ، ومراد صاحب الشامل نجس العين ، ولا يجوز إطعام الطعام المعجون بماء نجس لصعلوك وسائل وغيرهما من الآدميين بلا خلاف لأنه منهى عن أكل المتنجس بخلاف الشاة والبعير ونحوهما ، وقال ابن الصباغ في الفتاوى : ولا يكره أكل البيض المصلوق بماء نجس كما لا يكره الوضوء بماء سخن بالنجاسة ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الجلالة . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا تغير لحمها كرهت كراهة تنزيه على الأصح ، ولا تحرم ، سواء لحمها ولبنها وبيضها ، وبه قال الحسن البصري ومالك وداود ، وكذا لا يحرم ما سقى من الثمار والزروع ماء نجسا . وقال أحمد : يحرم لحم الجلالة ولبنها حتى تحبس وتعلف أربعين يوما ، قال : ويحرم الثمار والزروع والبقول المسقية ماء نجسا والله أعلم . واحتج أصحابنا لعدم التحريم أن ما تأكله الدابة من الطاهرات يتنجس إذا حصل في كرشها ، ولا يكون غذاؤها إلا بالنجاسة ، ولا يؤثر ذلك في إباحة لحمها ولبنها وبيضها ، ولأن النجاسة التي تأكلها تنزل في مجاري الطعام ولا تخالط اللحم ، وإنما ينتشى اللحم بها ، وذلك لا يوجب التحريم والله أعلم .

قسم V09/P027–V09/P029Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P027–V09/P029)

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما حيوان البحر فإنه يحل منه السمك ، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال ولا يحل أكل الضفدع ، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع ولو حل أكله لم ينه عن قتله ، وفيما سوى ذلك وجهان أحدهما : يحل لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر : اغتسلوا منه وتوضأوا به فإنه الطهور ماؤه الحل ميتته ولأنه حيوان لا يعيش إلا في الماء فحل أكله كالسمك والثاني : ( أن ) ما أكل مثله في البر حل أكله ، وما لا يؤكل مثله في البر لم يحل أكله اعتبارا بمثله . + الشرح : أما الأثر عن ابن عمر فصحيح سبق بيانه قريبا في فرع مذاهب العلماء في أكل الجراد وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن والنسائي بإسناد صحيح من رواية عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله . قال : سأل طبيب النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه في البحر فصحيح ولفظه : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه الحل ميتته وقد سبق بيانه واضحا في أول كتاب الطهارة والطحال بكسر الطاء والضفدع بكسر الضاد وبكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان الكسر أفصح عند أهل اللغة ، وأنكر جماعة منهم الفتح قوله : حيوان لا يعيش إلا في الماء احتراز من السباع ونحوها . أما الأحكام : فقال أصحابنا : الحيوان الذي لا يهلكه الماء ضربان أحدهما : ما يعيش في الماء ، وإذا خرج منه كان عيشه عيش المذبوح ، كالسمك بأنواعه فهو حلال ، ولا حاجة إلى ذبحه بلا خلاف ، بل يحل مطلقا سواء مات بسبب ظاهر كضغطة أو صدمة حجر أو انحسار ماء أو ضرب من الصياد أو غيره . أو مات حتف أنفه سواء طفا على وجه الماء أم لا ، وكله حلال بلا خلاف عندنا ، وأما ما ليس على صورة السموك المشهورة ففيه ثلاثة أوجه مشهورة ذكرها المصنف في التنبيه وقال القاضي أبو الطيب وغيره : فيه ثلاثة أقوال أصحها : عند الأصحاب يحل الجميع وهو المنصوص للشافعي في الأم و مختصر المزني ، واختلاف العراقيين لأن الصحيح أن اسم السمك يقع على جميعها ، وقد قال الله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال ابن عباس وغيره : صده ما صيد ، وطعامه ما قذف ، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح هو الطهور ماؤه الحل ميتته . والوجه الثاني : يحرم وهو مذهب أبي حنيفة الثالث : ما يؤكل نظيره في البر كالبقر وغيرهما فحلال ، وما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه فحرام فعلى هذا ما لا نظير له حلال لما ذكرناه في دليل الأصح وعلى هذا الثالث لا يحل ما أشبه الحمار ، وإن كان في البر حمار الوحش المأكول ، صرح به ابن الصباغ والبغوي وغيرهما . وقال أصحابنا : وإذا أبحنا الجميع فهل تشترط الذكاة أم تحل ميتته فيه وجهان حكاهما البغوي وغيره ، ويقال قولان أصحهما : يحل ميتته الضرب الثاني : ما يعيش في الماء وفي البر أيضا فمنه طير الماء كالبط والأوز ونحوهما ، وهو حلال كما سبق ، ولا يحل ميتته بلا خلاف بل تشترط ذكاته ، وعد الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين من هذا الضرب الضفدع والسرطان وهما محرمان على المذهب الصحيح المنصوص ، وبه قطع الجمهور وفيهما قول ضعيف أنها حلال ، وحكاه البغوي في السرطان عن الحليمي ، وذوات السموم كالحية وغيرها حرام بلا خلاف .

قسم V09/P029–V09/P030Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P029–V09/P030)

وأما التمساح فحرام على الصحيح المشهور وبه قطع المصنف في التنبيه والأكثرون ، وفيه وجه وأما السلحفاة فحرام على أصح الوجهين قال الرافعي : واستثنى جماعة الضفدع من الحيوان الذي لا يعيش إلا في الماء ، تفريعا على الصحيح وهو حل الجميع ، وكذا استثنوا الحيات والعقارب ، قال : ومقتضى هذا الاستثناء أنها لا تعيش إلا في الماء ، قال : ويمكن أن يكون نوع منها كذا ونوع كذا ، قال : واستثنى القاضي أبو الطيب النسناس أيضا فجعله حراما ، ووافقه الشيخ أبو حامد ، وخالفهما الروياني وغيره فأباحوه قلت : الصحيح المعتمد أن جميع ما في البحر تحل ميتته إلا الضفدع . ويحمل ما ذكره الأصحاب أو بعضهم من السلحفاة والحية والنسناس على ما يكون في ماء غير البحر ، والله تعالى أعلم . فرع : قال الرافعي : أطلق مطلقون القول بحل طير الماء وكلها حلال إلا اللقلق ففيه خلاف سبق قال وقال الصيمري : لا يؤكل طير الماء الأبيض لخبث لحمه والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا حل جميع ميتات البحر إلا الضفدع ، وحكاه العبدري عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم قال : وقال مالك : يحل الجميع سواء الصفدع وغيره ، وقال أبو حنيفة : لا يحل غير السمك . فرع : السمك الطافي حلال وهو الذي مات حتف أنفه ، فيحل عندنا كل ميتات البحر غير الضفدع ، سواء ما مات بسبب وغيره ، وبه قال مالك وأحمد وأبو داود وحكاه الخطابي عن أبي بكر الصديق وأبي أيوب الأنصاري وعطاء بن أبي رباح ومكحول والنخعي وأبي ثور رضي الله عنهم وقال أبو حنيفة : إن مات بسبب كضرب وانحسار الماء عنه حل . وإن مات بلا سبب حرم . وإن مات بسبب حر الماء أو برده ففيه روايتان عنه ، والمسألة مشهورة في كتب المذهب ، والخلاف بمسألة السمك الطافي ، وممن قال بمنع السمك الطافي ابن عباس وجابر بن عبد الله وجابر ابن زيد وطاوس . واحتج لهم بحديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه ، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه رواه أبو داود . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه قال ابن عباس وغيره : صيده ما صدتموه ، وطعامه ما قذف ، وبعموم قوله صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه الحل ميتته وهو حديث صحيح كما سبق بيانه ، وبحديث جابر بن عبد الله قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح يطلب خبر قريش ، فأقمنا على الساحل حتى فنى زادنا ، فأكلنا الخبط ، ثم إن البحر ألقى إلينا دابة يقال لها العنبر ، فأكلنا منه نصف شهر حتى صلحت أجسامنا رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر قال : غزونا فجعنا حتى إن الجيش ليقسم التمرة والتمرتين ، فبينا نحن على شط البحر إذا رمى البحر بحوت ميت ، فاقتطع الناس منه ما شاءوا من لحم وشحم وهو مثل الطرب ، فبلغني أن الناس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه فقال لهم : أمعكم منه شىء رواه البيهقي بإسناد صحيح .

قسم V09/P030–V09/P031Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P030–V09/P031)

وعن ابن عباس قال : أشهد على أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : السمكة الطافية فيه حلال لمن أراد أكلها رواه البيهقي بإسناد صحيح وروى البيهقي بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن علي بن أبي طالب قالا : الجراد والنون زكي كله وعن أبي أيوب وأبي صرمة الأنصاريين أنهما أكلا السمك الطافي وعن ابن عباس قال : لا بأس بالسمك الطافي وعن أبي هريرة وزيد بن ثابت أنهما كانا لا يريان بأكل ما لفظ بأسا وعن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص مثله ، روى البيهقي هذا كله بأسانيده المتصلة . وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتج به الأولون فهو أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ ، لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شىء فكيف وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة رضي الله عنهم المنتشرة وهذا الحديث من رواية يحيى بن سليم الطائفي عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر ، قال البيهقي : يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم سيىء الحفظ ، قال : وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفا على جابر ، قال : وقال الترمذي : سألت البخاري عن هذا الحديث فقال ليس هو بمحفوظ ، قال : ويروى عن جابر خلافه ، قال : ولا أعرف لأثر ابن أمية عن أبي الزبير شيئا ، قال البيهقي : وقد رواه أيضا يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير مرفوعا ، ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا يحتج به ، قال ورواه عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب ابن كيسان عن جابر مرفوعا وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به ، قال : ورواه بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا ، ولا يحتج بما ينفرد به بقية فكيف بما يخالف قال : وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر مع ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته والله أعلم .

%0
10 قسم