Qur'an&Sunnahالقرآن

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

النووي · AR

قسم V01/P171–V01/P173Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V01/P171–V01/P173)

فإن قالوا : لا يصح التمسك به لأنه متروك بالإجماع في المتغير بنجاسة ، فالجواب أنه عام خص في بعضه فبقي الباقي على عمومه كما هو المختار في الأصول ، فإن قالوا : قد روى ابن علية هذا الحديث موقوفا على ابن عمر ، فالجواب أنه صح موصولا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من طرق الثقات فلا يضر تفرد واحد لم يحفظ توقفه ، وقد روى البيهقي وغيره بالإسناد الصحيح عن يحيى بن معين إمام هذا الشأن أنه سئل عن هذا الحديث فقال : جيد الإسناد ، قيل له : فإن ابن علية لم يرفعه قال يحيى : وإن لم يحفظه ابن علية فالحديث جيد الإسناد . فإن قالوا : إنما لم يحمل خبثا لضعفه عنه وهذا يدل على نجاسته ، فالجواب ما قال أصحابنا وأهل الحديث وغيرهم أن هذا جهل بمعاني الكلام وبطرق الحديث ، أما جهل قائله بطرق الحديث ففي رواية صحيحة لأبي داود : إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس وقد سبق بيانها ، فإذا ثبتت هذه الرواية تعين حمل الأخرى عليها وأن معنى : لم يحمل خبثا : لم ينجس وقد قال العلماء أحسن تفسير غريب الحديث أن يفسر بما جاء في رواية أخرى لذلك الحديث . وأما جهله بمعاني الكلام فبيانه من وجهين أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم جعل القلتين حدا ، فلو كان كما زعم هذا القائل لكان التقييد بذلك باطلا ، فإن ما دون القلتين يساوي القلتين في هذا والثاني : أن الحمل ضربان حمل جسم وحمل معنى ، فإذا قيل في حمل الجسم فلان لا يحمل الخشبة مثلا فمعناه لا يطيق ذلك لثقله ، وإذا قيل في حمل المعنى فلان لا يحمل الضيم فمعناه لا يقبله ولا يلتزمه ولا يصبر عليه قال الله تعالى : مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها الجمعة : 5 معناه لم يقبلوا أحكامها ولم يلتزموها ، والماء من هذا الضرب لا يتشكك في هذا من له أدنى فهم ومعرفة والله أعلم . واحتج أصحابنا من جهة الاعتبار والاستدلال بأشياء أحدها : وهو العمدة على ما قاله الشيخ أبو حامد أن الأصول مبنية على أن النجاسة إذا صعبت إزالتها وشق الاحتراز منها عفي عنها كدم البراغيث . وموضع النجو وسلس البول والاستحاضة ، وإذا لم يشق الاحتراز لم يعف كغير الدم من النجاسات ومعلوم أن قليل الماء لا يشق حفظه وكثيره يشق فعفي عما شق دون غيره ، وضبط الشرع حد القلة بقلتين فتعين اعتماده ولا يجوز لمن بلغه الحديث العدول عنه . قال أصحابنا : ولهذا ينجس المائع وإن كثر بملاقاة النجاسة لأنه لا مشقة في حفظه والعادة جارية به وذكروا دلائل كثيرة وفيما ذكرناه كفاية . والجواب عما احتجوا به من حديث : لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من وجهين أحدهما : أنه عام مخصوص بحديث القلتين والثاني : وهو الأظهر أنه نهي تنزيه فيكره كراهة شديدة ولا يحرم . وسبب الكراهة الاستقذار لا النجاسة ولأنه يؤدي إلى كثرة البول وتغير الماء به وأما قولهم : أن زنجيا مات في زمزم فنزحها ابن عباس فجوابه من ثلاثة أوجه أجاب بها الشافعي ثم الأصحاب أحسنها : أن هذا الذي زعموه باطل لا أصل له ، قال الشافعي : لقيت جماعة من شيوخ مكة فسألتهم عن هذا فقالوا : ما سمعنا هذا . وروى البيهقي وغيره عن سفيان بن عيينة إمام أهل مكة قال : أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر أحدا لا صغيرا ولا كبيرا يعرف حديث الزنجي الذي يقولونه وما سمعت أحدا يقول : نزحت زمزم .

قسم V01/P173–V01/P175Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V01/P173–V01/P175)

فهذا سفيان كبير أهل مكة قد لقي خلائق من أصحاب ابن عباس وسمعهم فكيف يتوهم بعد هذا صحة هذه القضية التي من شأنها إذا وقعت أن تشيع في الناس لا سيما أهل مكة لا سيما أصحاب ابن عباس وحاضروها وكيف يصل هذا إلى أهل الكوفة ويجهله أهل مكة وقد روى البيهقي هذا عن ابن عباس من أوجه كلها ضعيفة لا يلتفت إليها . الثاني : لو صح لحمل على أن دمه غلب على الماء فغيره الثالث : فعله استحبابا وتنظفا فإن النفس تعافه والمشهور عن ابن عباس أن الماء لا ينجس إلا بالتغير كما نقله ابن المنذر وغيره وقد سبق بيانه ، وأما قياسهم على المائع فجوابه من أوجه أحدها : أنه قياس يخالف السنة فلا يلتفت إليه الثاني : أنه لا يشق حفظ المائع وإن كثر بل العادة حفظه وقد سبق بيان هذا الثالث : أن للماء قوة في دفع النجس بالإجماع وهو إذا كان بحيث لا يتحرك طرفه الآخر بخلاف المائع الرابع : للماء قوة رفع الحدث فكذا له دفع النجس بخلاف المائع ، وأما قياسهم على الماء القليل فجوابه ظاهر مما ذكرناه . قال أصحابنا : اعتبروا حدا واعتبرنا حدا ، وحدنا ما حده رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوجب الله تعالى طاعته وحرم مخالفته ، وحدهم مخالف حده صلى الله عليه وسلم مع أنه حد بما لا أصل له وهو أيضا حد لا ضبط فيه فإنه يختلف بضيق موضع الماء وسعته ، وقد يضيق موضع الماء الكثير لعمقه ويتسع موضع القليل لعدم عمقه ، فهذا ما يتعلق بالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة رحمه الله . وأما مالك وموافقوه فاحتج لهم بقوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شيء وهو حديث صحيح كما سبق وبالقياس على القلتين وعلى ما إذا ورد الماء على النجاسة . واحتج أصحابنا عليهم بحديث القلتين وقد وافقنا مالك رحمه الله على القول بدليل الخطاب وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده رواه البخاري ومسلم فنهاه صلى الله عليه وسلم عن غمس يده وعلله بخشية النجاسة ، ويعلم بالضرورة أن النجاسة التي قد تكون على يده وتخفى عليه لا تغير الماء ، فلولا تنجيسه بحلول نجاسة لم تغيره لم ينهه وبحديث أبي هريرة أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا فالأمر بالإراقة والغسل دليل النجاسة ، وبحديث أبي قتادة رضي الله عنه أنه كان يتوضأ فجاءت هرة فأصغى لها الإناء فشربت فتعجب منه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات حديث صحيح رواه مالك في الموطأ وأبو داود والترمذي وغيرهم قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وفيه دلالة ظاهرة أن النجاسة إذا وردت على لماء نجسته ، واحتجوا بغير ذلك من الأحاديث . ومن حيث الاستدلال ما سبق مع أبي حنيفة في أن النجاسة التي يشق الاحتراز منها يعفى عنها وما لا فلا ، وهذا يقتضي الفرق بين القليل والكثير وضبط الشرع بقلتين ، قال إمام الحرمين : ولأنه لا يشك منصف أن السلف لو رأوا رطل ماء أصابه قطرات بول أو خمر لم يجيزوا الوضوء به .

قسم V01/P175–V01/P177Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V01/P175–V01/P177)

وأما الجواب عن الحديث الذي احتجوا به فهو أنه محمول على قلتين فأكثر فإنه عام وخبرنا خاص فوجب تقديمه جمعا بين الحديثين ، والجواب عن قياسهم على ما إذا ورد الماء على النجاسة من وجهين أحدهما : من حيث النص وهو أنه صلى الله عليه وسلم فرق بينهما وذلك في حديثين أحدهما حديث : إذا استيقظ أحدكم فمنع صلى الله عليه وسلم من إيراد اليد على الماء وأمر بايراده عليها ففرق بينهما والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم أمر بإراقة ما ولغ فيه الكلب لورود النجاسة ، وأمر بإيراد الماء على الإناء . فإن قالوا : الكلب طاهر عندنا ، قلنا : سنوضح الدلائل على نجاسته في بابه إن شاء الله تعالى ، والجواب الثاني من حيث المعنى وهو أنا إذا نحستا دون القلتين بورود النجاسة لم يشق لإمكان الاحتراز منها ولو نجسنا دون القلتين بوروده على نجاسة لشق وأدى إلى أن لا يطهر شيء حتى يغمس في قلتين ، وفي ذلك أشد الحرج فسقط والله أعلم . واعلم أنه حصل في هذه المسألة جملة من الأحاديث ذكرناها وبجميعها يقول الشافعي رحمه الله على حسب ما سبق ، ولم يرد منها شيئا وهذه عادته رحمه الله في تمسكه بالسنة وجمعه بين أطرافها ورده بعضها إلى بعض على أحسن الوجوه ، وسترى إن شاء الله تعالى في هذا الكتاب في نظائر هذه من مسائل الخلاف وغيرها من ذلك ما تقر به عينك ، وتزداد اعتقادا في الشافعي ومذهبه فليس الخبر الجملي كالعيان التفصيلي وبالله التوفيق . فرع : نقل أصحابنا عن داود بن علي الظاهري الأصبهاني رحمه الله مذهبا عجيبا فقالوا : انفرد داوود بأن قال : لو بال رجل في ماء راكد لم يجز أن يتوضأ هو منه لقوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه وهو حديث صحيح سبق بيانه قال : ويجوز لغيره لأنه ليس بنجس عنده ولو بال في إناء ثم صبه في ماء أو بال في شط نهر ثم جرى البول إلى النهر قال : يجوز أن يتوضأ هو منه لأنه ما بال فيه بل في غيره ، قال : ولو تغوط في ماء جاز أن يتوضأ منه لأنه تغوط ولم يبل ، وهذا مذهب عجيب وفي غاية الفساد فهو أشنع ما نقل عنه إن صح عنه رحمه الله ، وفساده مغن عن الاحتجاج عليه ولهذا أعرض جماعة من أصحابنا المعتنين بذكر الخلاف عن الرد عليه بعد حكايتهم مذهبه وقالوا : فساده مغن عن إفساده وقد خرق الإجماع في قوله في الغائط ، إذ لم يفرق أحد بينه وبين البول ، ثم فرقه بين البول في نفس الماء والبول في إناء ثم يصب في الماء من أعجب الأشياء . ومن أخصر ما يرد به عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه بالبول على ما في معناه من التغوط وبول غيره كما ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال في الفأرة تموت في السمن : إن كان جامدا فألقوها وما حولها وأجمعوا أن السنور كالفأرة في ذلك وغير السمن من الدهن كالسمن وفي الصحيح : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله فلو أمر غيره فغسله إن قال داود لا يطهر لكونه ما غسله هو ، خرق الإجماع وإن قال : يطهر فقد نظر إلى المعنى وناقض قوله ، والله أعلم .

قسم V01/P177–V01/P178Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V01/P177–V01/P178)

قال المصنف رحمه الله تعالى : والقلتان خمسمائة رطل بالبغدادي لأنه روي في الخبر بقلال هجر قال ابن جريج : رأيت قلال هجر فرأيت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئا ، فجعل الشافعي رحمه الله الشيء نصفا احتياطا ، وقرب الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل فصار الجميع خمسمائة رطل ، وهل ذلك تحديد أو تقريب فيه وجهان أحدهما : أنه تقريب فإن نقص منه رطل أو رطلان لم يؤثر لأن الشيء يستعمل فيما دون النصف في العادة والثاني : تحديد فلو نقص ما نقص نجس لأنه لما وجب أن يجعل الشيء نصفا احتياطا صار ذلك فرضا . + الشرح : ذكر أصحابنا الخراسانيون في القلتين ثلاثة أوجه ، الصحيح وبه قطع العراقيون وجماعات غيرهم أنهما خمسمائة رطل بغدادية والثاني : ستمائة رطل ، حكاه إمام الحرمين وغيره عن أبي عبد الله الزبيري صاحب الكافي ، قال الإمام : وهو اختيار القفال ، قال صاحب الإبانة : وهو الأصح وعليه الفتوى ، وكذا قال الغزالي هو الأقصد . وهذا الذي اختاراه ليس بشيء بل شاذ مردود ، واستدل به الغزالي بأبطل منه وأكثر فسادا فزعم أن القلة مأخوذة من استقلال البعير ، وذكر كلاما طويلا لا حاصل له ولا أصل والوجه الثالث : أنهما ألف رطل ، وهو محكي عن الشيخ الصالح أبي زيد محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد المروزي وهو شيخ القفال المروزي . قال صاحب الحاوي : إعلم أن الشافعي رحمه الله لم ير قلال هجر ولا أهل عصره لنفادها ، فاحتاج إلى بيانها بما هو معروف عندهم ومشاهد لهم ، فقدرها بقرب الحجاز لأنها متماثلة مشهورة ، وروى عن ابن جريج أنه قال : رأيت قلال هجر والقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئا فقال الشافعي : الاحتياط أن تكون القلتان خمس قرب ، وهذا ليس تقليدا لابن جريج بل قبول أخباره ، قال : ولم يتعرض الشافعي لتقدير القرب بالأرطال ، لأنه استغنى بمعرفة أهل عصره في بلده القرب المشهور بينهم كما اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بالقلال المشهورة بينهم عن تقديرها . قال : ثم إن أصحابنا بعد الشافعي بعدوا عن الحجاز وغابت عنهم تلك القرب وجهل العوام مقدارها فاضطروا إلى تقديرها بالأرطال فاختبروا قرب الحجاز ثم اتفق رأيهم على تقدير كل قربة بمائة رطل بغدادية . قال : وكان أول من قدر ذلك من أصحابنا إبراهيم بن جابر وأبو عبيد بن حربويه ثم تابعهما سائر أصحابنا ، فصارت القلتان خمسمائة رطل عند جميع أصحابنا ، هذا كلام صاحب الحاوي ، وهذا الذي ذكره من أن التقدير بالأرطال ليس هو للشافعي بل لأصحابه هو المشهور الذي صرح به الجمهور . وقال الشيخ أبو حامد في تعليقه : الذي قاله الشافعي في جميع كتبه خمس قرب بقرب الحجاز ، قال : ورأيت أبا إسحاق يحكي عن الشافعي أنه قال خمس قرب وذلك خمسمائة رطل وكذا نقل البندنيجي عن الشافعي أنها خمسمائة رطل وقال المحاملي : حكى أبو إسحاق أن الشافعي قال في بعض كتبه : إنه شاهد القرب وأن القربة تسع مائة رطل . وقال إمام الحرمين ظاهر كلام الشافعي أن القربة تسع مائة رطل . هذا حد القلة في الشرع ، وأما في اللغة فقال الأزهري : هي شبه جب يسع جرارا سميت قلة لأن الرجل القوى يقلها أي يحملها . وكل شيء حملته فقد أقللته ، قال : والقلال مختلفة بالقرى العربية ، وقلال هجر من أكبرها . وقول المصنف : روى في الخبر بقلال هجر ، يعني الخبر المذكور : إذا كان الماء قلتين بقلال هجر لم يحمل خبثا هكذا رواه بهذه الزيادة الشافعي في الأم ومختصر المزني وكذا رواه البيهقي في السنن الكبير .

قسم V01/P178–V01/P180Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V01/P178–V01/P180)

وهجر هذه بفتح الهاء والجيم وهي قرية بقرب المدينة ، وليست هجر البحرين ، وقد أوضحت حال هجر هذه وتلك في تهذيب الأسماء واللغات وقال جماعة من أصحابنا : كان ابتداء عمل هذه القلال بهجر فنسبت إليها ثم عملت في المدينة فبقيت النسبة على ما كانت ، كما يقال ثياب مروزية وإن كانت تعمل ببغداد . قال الخطابي : قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار ، لا تختلف كما لا تختلف المكاييل والصيعان المنسوبة إلى البلدان ، قال : وقلال هجر أكبرها وأشهرها لأن الحد لا يقع بالمجهول . وقال الشيخ أبو حامد في تعليقه : قال أبو إسحاق إبراهيم بن جابر صاحب الخلاف سألت قوما من ثقات هجر فذكروا أن القلال بها لا تختلف ، وقالوا : قايسنا قلتين فوجدناهما خمسمائة رطل . وأما قوله : فرأيت القلة تسع قربتين ، أو قربتين وشيئا ، فهو شك من ابن جريح في قدر كل قلة ، هذا هو الصواب ، وأما قول الشيخ أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله يحتمل قوله أو قربتين وشيئا التقسيم ، ويحتمل الشك ، فليس كذلك لأنه يقتضي كون القلة مجهولة القدر لاختلافها ، وحينئذ لا يحصل تقدير ، فالصواب أنه للشك وقد صرح به أصحابنا وغيرهم ، ممن صرح به صاحب الحاوي وإمام الحرمين والغزالي وخلائق وهو موافق لما سبق عن الخطابي وعن نقل الشيخ أبي حامد عن ابن جابر أن هذه القلال متساوية ، وكذا اتفق عليه أصحابنا وجعلوا هذا جوابا عن اعتراض أصحاب أبي حنيفة . وقولهم القلال تختلف فقالوا : بل هي متفقة كما سبق ، وبالضرورة نقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يضبط بمبهم مجهول لا يحصل به ضبط بل شك ونزاع ، والله أعلم . وأما الرطل فيقال بكسر الراء وفتحها لغتان الكسر أفصح ، قال الأزهري : ويكون الرطل كيلا ووزنا ، واختلفوا في رطل بغداد ، فقيل مائة وثلاثون درهما بدراهم الإسلام ، وقيل مائة وثمانية وعشرون ، وقيل مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم : وهي تسعون مثقالا وسيأتي بسط هذا إن شاء الله تعالى في زكاة النبات عند ذكر الأوسق ، ومختصره ما ذكرناه . وفي بغداد أربع لغات ، إحداها بدالين مهملتين . والثانية بإهمال الأولى وإعجام الثانية ، والثالثة بغدان بالنون والرابعة مغدان أولها ميم ، ذكرهن أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح وابن الأنباري وآخرون ، وحكوها عن أبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري اللغوي وهو من تلاميذ الشافعي ، وقال ابن الأنباري وتذكر وتؤنث فيقال : هذا بغداد وهذه بغداد ، وقالوا كلهم : ومعناها بالعربية عطية الصنم ، وقيل بستان الصنم . قال الخطيب البغدادي وأبو سعد السمعاني : الفقهاء يكرهون تسميتها بغداد من أجل هذا ، وسماها أبو جعفر المنصور مدينة السلام لأن دجلة كان يقال لها وادي السلام ويقال لها الزوراء أيضا ، وقد ذكرتها في تهذيب الأسماء أبسط من هذا ، ودعت الحاجة إلى هذه الأحرف هنا لتكررها في الكتاب وسائر كتب العلم والله أعلم . وأما قوله : هل ذلك تحديد أو تقريب فيه وجهان ، فالوجهان مشهوران واختلفوا في أصحهما ، فقال إمام الحرمين قال الأصحاب : الأصح التحديد ، وصححه أيضا القاضي أبو الطيب والروياني وابن كح وهو قول أبي إسحاق المروزي وصحح أكثر الأصحاب أنه تقريب ، ومنهم الغزالي والرافعي ، وهو قول ابن سريج . قال المتولي : هو قول عامة الأصحاب غير أبي إسحاق ودليل الوجهين في الكتاب ، والصحيح المختار التقريب . فإن قلنا : تحديد . فقال أصحابنا : لو نقص ما نقص نجس الماء بملاقاة النجاسة ، وإن قلنا تقريب لم يضر النقص القليل . واختلفت عباراتهم فيه ويجمعها أوجه : أحدها : لا يضر نقص رطلين ويضر ما زاد ، وهذا ظاهر عبارة المصنف والمحاملي في التجريد وآخرين ، ونقله الغزالي في الوسيط عن أكثر الأصحاب .

قسم V01/P180–V01/P182Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V01/P180–V01/P182)

والثاني : لا يضر نقص ثلاثة أرطال ويضر ما زاد ، حكاه الغزالي وغيره . وقطع به البغوي . والثالث : لا يضر نقص ثلاثة وما قاربها ، قاله المحاملي في المجموع وتبعه عليه صاحب البيان وآخرون . والرابع : لا يضر نقص مائه رطل وهو القدر الذي شك فيه ابن جريج . وهذا قول صاحب التقريب حكاه عنه إمام الحرمين والمتولي وقطع به المتولي . قال الإمام : وهذا الذي قاله صاحب التقريب بعيد جدا وليس بيانا للتقريب وكأنه رد القلتين إلى أربعمائة رطل وطرح المشكوك فيه . قال الإمام : ولست أعد كلامه هذا من المذهب وإنما هو خطأ ظاهر . والخامس : اختاره إمام الحرمين والغزالي وجزم به الرافعي أنه لا يضر نقص قدر لا يظهر بنقصه تفاوت في التغير بمقدار مغير معين من زعفران أو نحوه . فإن قيل : التقدير بالأرطال رجوع إلى التحديد كما أشار إليه الغزالي . فالجواب أن هذا وإن كان تحديدا فهو غير التحديد الذي قاله القائل بالتحديد ونفاه القائل بالتقريب ، لأن ذلك التحديد المختلف فيه هو التحديد بخمسمائة رطل وهذا غيره والله أعلم . وأما قول المصنف في تعليله : لأن الشيء يستعمل فيما دون النصف في العادة فمعناه ما قاله الأصحاب أن العرب تقول فيما إذا زاد على الواحد دون النصف واحد وشيء ، فإن كان الزائد نصفا قالوا : واحد ونصف فإن زاد على النصف قالوا : اثنان إلا شيئا فيستعملون الشيء في الموضعين في دون النصف . وأما قوله : لما وجب أن يجعل الشيء نصفا احتياطا وجب استيفاؤه كما أنه لما وجب غسل شيء من الرأس احتياطا لغسل الوجه صار فرضا فكذا قال أصحابنا وذكروا مثله وجوب لمساك لحظة من الليل على الصائم لتيعن استيفاء النهار ، والفرق عند القائل بالتقريب أن استيفاء الوجه محقق وجوبه ، ولا يتحقق إلا بجزء من الرأس ، وما لا يتم الواجب إلا به واجب ، وهنا لم يتيقن أن الشيء نصف ليتعين استيفاؤه ، وجعلناه نصفا احتياطا والاحتياط لا يجب . فرع : ابن جريج المذكور بجيمين الأولى مضمومة وهو منسوب إلى جده واسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج القرشي الأموي مولاهم المكي أبو الوليد ، ويقال أبو خالد من كبار تابع التابعين ، ومن جلة العلماء المتقدمين وفضلاء الفقهاء والمحدثين ، وهو أحد الفقهاء الشافعية في سلسلة الفقه وسلسلتي متصلة به بحمد الله وقد أوضحتها في أول تهذيب الأسماء ، فإن الشافعي رحمه الله تفقه على أبي خالد مسلم بن خالد بن مسلم الزنجي إمام أهل مكة ومفتيهم ، وتفقه الزنجي على ابن جريج وابن جريج على أبي محمد عطاء بن أبي رباح ، وعطاء على بن عباس وابن عباس على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى جماعات من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوضحت هذا كله في التهذيب . قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه : أول من صنف الكتب ابن جريج وابن أبي عروبة ، وقال عطاء بن أبي رباح : ابن جريج سيد أهل الحجاز ، توفي سنة خمسين ومائة في قول الجمهور ، وقيل إحدى وخمسين ، وقيل تسع وأربعين وقيل ستين ، وقد جاوز مائة سنة رحمه الله وقد بسطت حاله وفضله في التهذيب . فرع : قال القاضي حسين في تعليقه : قدر القلتين في أرض مستوية ذراع وربع في ذراع وربع طولا وعرضا في عمق ذراع وربع وهذا حسن تمس الحاجة إلى معرفته . فرع : لو وقع في الماء نجاسة وشك هل هو قلتان أم لا فقد قطع أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين الصيمري وصاحبه الماوردي وصاحب البيان بأنه يحكم بنجاسته ، قالوا : لأن الأصل فيه القلة ، وقال إمام الحرمين والغزالي فيه احتمالان أظهرهما عندهما هذا ، والثاني : أنه طاهر .

قسم V01/P182–V01/P183Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V01/P182–V01/P183)

قلت : وهذا الثاني هو الصواب : ولا يصح غيره لأن أصل الماء على الطهارة وشككنا في المنجس ولا يلزم من حصول النجاسة التنجيس ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : الماء طهور لا ينجسه شيء فلا يخرج من هذا العموم إلا ما تحققناه . قال الماوردي والروياني وغيرهما : لو رأى كلبا وضع رأسه في ماء هو قلتان فقط وشك هل شرب منه فنقص عن قلتين أم لا فهو طاهر بلا خلاف عملا بالأصل ، والله أعلم . فرع : أما غير الماء من المائعات وغيرها من الرطبات فينجس بملاقاة النجاسة وإن بلغت قلالا وهذا لا خلاف فيه بين أصحابنا ، ولا أعلم فيه خلافا لأحد من العلماء ، وسبق الفرق بينه وبين الماء في الاستدلال على أبي حنيفة رحمه الله وحاصله أنه لا يشق حفظ المائع من النجاسة وإن كثر بخلاف كثير الماء . فرع : قد سبق وجهان في أن تقدير القلتين بخمسمائة رطل هل هو تحديد أو تقريب ولهما نظائر منها سن الحيض تسع سنين والمسافة بين الصفين ثلثمائة ذراع . ومسافة القصر ثمانية وأربعون ميلا ، ونصاب المعشرات ألف وستمائة رطل بغدادية ففي كل هذه المسائل وجهان أصحهما تقريب ، والثاني تحديد ، وستأتي مبسوطة في مواضعها إن شاء الله تعالى . واعلم أن المقدرات ثلاثة أضرب ( ضرب ) تقديره للتحديد بلا خلاف ( وضرب ) للتقريب بلا خلاف ( وضرب ) فيه خلاف ، فالمختلف فيه هذه الصورة السابقة ، وأما المتفق على أنه تقريب فسن الرقيق المسلم فيه بأن أسلم في عبد سنه عشر سنين فيستحق ابن عشر تقريبا ، وكذا لو وكله في سن ابن عشر سنين لأنه يتعذر تحصيل ابن عشر بالأوصاف المشروطة ، حتى لو شرط ألا يزيد على عشر ولا ينقص ولا يصح العقد ذكره البغوي وغيره . وأما المتفق على أنه تحديد فكثير جدا فمنه تقدير مدة مسح الخف بيوم وليلة حضرا وثلاثة سفرا وأحجار الاستنجاء بثلاث ، وغسل ولوغ الكلب بسبع وانعقاد الجمعة بأربعين ، ونصب زكاة النعم والنقد والعروض والمعشرات وتقدير الأسنان المأخوذة في الزكاة كبنت مخاض بسنة ونظائرها وسن الأضحية ، والأوسق الخمسة في العرايا إذا جوزناها في خمسة . والآجال في حول الزكاة والجزية ودية الخطأ وتغريب الزاني وانتظار المولى والعنين ومدة الرضاع ومقادير الحدود كحد الزنا والقذف في الحر والعبد . ونصاب السرقة بربع دينار وغير ذلك فكل هذا تحديد ، وسببه أن هذه المقدرات منصوصة ولتقديرها حكمة ، فلا يسوغ مخالفتها ، وأما المختلف فيه فسببه أن تقديره بالاجتهاد إذ لم يجيء نص صحيح في ذلك وما قارب المقدر فهو في المعنى مثله . والله أعلم .

قسم V01/P183–V01/P184Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V01/P183–V01/P184)

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كانت النجاسة مما لا يدركها الطرف ففيه ثلاثة طرق من أصحابنا من قال : لا حكم لها لأنها لا يمكن الاحتراز منها ، فهي كغبار السرجين ، ومنهم من قال : حكمها حكم سائر النجاسات لأنها نجاسة متيقنة فهي كالنجاسة التي يدركها الطرف . ومنهم من قال : فيه قولان أحدهما : لا حكم لها والثاني : لها حكم ووجههما ما ذكرناه . + الشرح : قوله : لا يدركها الطرف معناه لا تشاهد بالعين لقلتها بحيث لو كانت مخالفة للون ثوب ونحوه ووقعت عليه لم تر لقلتها وذلك كذبابة تقع على نجاسة ثم تقع في الماء ، قال المتولي وغيره : وكالبول يترشش إليه ونحو ذلك ، وقوله : السرجين هي لفظة عجمية ويقال سرقين أيضا بالقاف وتكسر السين فيهما وتفتح فهي أربع لغات موضحات في تهذيب الأسماء . أما حكم المسألة : فعادة أصحابنا يضمون إلى هذه المسألة مسألة الثوب إذا أصابه نجاسة لا يدركها الطرف ، والمصنف ذكر هذه الثانية في باب طهارة البدن ، وأنا أذكرهما جميعا هنا على عادة الأصحاب ووفاء بشرط هذا الكتاب في تقديم المسائل في أول مواطنها . قال أصحابنا : في الماء والثوب سبع طرق . أحدها : يعفى فيهما . والثاني : ينجسان . قال الماوردي : هذه طريقة ابن سريج والثالث : فيهما قولان ، قال الماوردي : وهذه طريقة أبي إسحاق المروزي ، والرابع : ينجس الماء لا الثوب لأن الثوب أخف حكما في النجاسة ولهذا يعفى عن دم البراغيث وقليل سائر الدماء والقيح في الثوب دون الماء ، والخامس : عكسه لأن للماء قوة دفع النجاسة عن غيره . فعن نفسه أولى بخلاف الثوب والسادس : ينجس الثوب وفي الماء قولان ، والسابع : ينجس الماء وفي الثوب قولان قال الماوردي : وهذه طريقة ابن أبي هريرة . واختلف المصنفون في الأصح من هذه الطرق . فقال الماوردي : الأصح وهو طريقة المتقدمين لا ينجس الماء وينجس الثوب كما هو ظاهر نص الشافعي ووافقه على تصحيحه البندنيجي ، وعكسه القاضي أبو الطيب فقال : الصحيح ينجس الماء لا الثوب إلا أن يكون رطبا وكذا قال الإمام : الصحيح ينجس الماء وفي الثوب وجهان وهي طريقة الصيدلاني ، وقطع البغوي بنجاسة الماء وهي طريقة القفال وأصحابه . والصحيح المختار من هذا كله لا ينجس الماء ولا الثوب . وبهذا قطع المحاملي في المقنع ، ونقله في كتابيه عن أبي الطيب بن سلمة وصححه الغزالي وصاحب العدة وغيرهما لتعذر الاحتراز وحصول الحرج وقد قال الله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج والله أعلم . وأما بيان الطرق والأقوال والأوجه فقد سبق في أواخر مقدمة الكتاب وبالله التوفيق .

قسم V01/P184–V01/P186Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V01/P184–V01/P186)

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كانت النجاسة ميتة لا نفس لها سائلة كالذباب والزنبور وما أشبههما ففيه قولان أحدهما : أنها كغيرها من الميتات لأنه حيوان لا يؤكل بعد موته لا لحرمته فهو كالحيوان الذي له نفس سائلة . والثاني : أنه لا يفسد الماء لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء وقد يكون الطعام حارا فيموت بالمقل فيه فلو كان يفسده لما أمر بمقله ليكون شفاء لنا إذا أكلناه ، فإن كثر من ذلك ما غير الماء ففيه وجهان . أحدهما : أنه ينجس لأنه ماء تغير بالنجاسة . والثاني : لا ينجس لأن ما لا ينجس الماء إذا وقع فيه وهو دون القلتين لم ينجسه وإن تغير به كالسمك والجراد . + الشرح : هذا الحديث صحيح رواه البخاري بمعناه من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وفيه : فليغمسه كله ثم لينزعه ورواه أبو داود في سننه وزاد : وإنه يتقى بجناحه الذي فيه الداء فليغمسه كله ورواه البيهقي من رواية أبي سعيد الخدري أيضا ، ومعنى أمقلوه : اغمسوه كما في رواية البخاري . قال الخطابي : فيه من الفقه أن أجسام الحيوان طاهرة إلا ما دلت عليه السنة من الكلب وما ألحق به . قال : وقد تكلم على هذا الحديث بعض من لا خلاق له ، وقال : كيف يجتمع الداء والشفاء في جناحي الذبابة وكيف نعلم ذلك حتى نقدم جناح الداء قال الخطابي : وهذا سؤال جاهل أو متجاهل . وأن الذي يجد نفسه ونفوس عامة الحيوان قد جمع فيه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وهي أشياء متضادة إذا تلاقت تفاسدت . ثم يرى الله عز وجل قد ألف بينها وجعلها سببا لبقاء الحيوان وصلاحه لجدير أن لا ينكر اجتماع الداء والدواء في جزءين من حيوان واحد ، وأن الذي ألهم النحل اتخاذ ثقب عجيب الصنعة وتعسل فيه ، وألهم النملة كسب قوتها وادخاره لأوان حاجتها إليه هو الذي خلق الذبابة وجعل لها الهداية إلى أن تقدم جناحا وتؤخر آخر لما أراد من الابتلاء الذي هو مدرجة التعبد ، والامتحان الذي هو مضمار التكليف ، وفي كل شيء حكمة وعلم وما يذكر إلا أولوا الألباب والله أعلم . وقوله : ما لا نفس لها سائلة يعني ما ليس لها دم يسيل والنفس الدم ويجوز في إعراب سائلة ثلاثة أوجه الفتح بلا تنوين والنصب والرفع مع التنوين فيهما ، والزنبور بضم الزاي ، وقوله : لأنه حيوان لا يؤكل بعد موته ، فيه احتراز من السمك والجراد ، وقوله : لا لحرمته احتراز من الآدمي فإنه لا ينجس الماء بميتته على الصحيح وهو تفريع على القول بطهارة ميتته ، وسنوضحه إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا : والميتة التي لا نفس لها سائلة هي كالذباب والزنبور والنحل والنمل والخنفساء والبق والبعوض والصراصير والعقارب وبنات وردان والقمل والبراغيث وأشباهها وممن صرح بالقمل والبراغيث الإمام الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد وآخرون ، وأما الحية فحكى الماوردي فيها وجهين أحدهما وهو قول أبي القاسم الداركي وصاحبه الشيخ أبي حامد الإسفرايني : لها نفس سائلة والثاني وهو قول أبي الفياض البصري وصاحبه أبي القاسم الصيمري : ليس لها نفس سائلة والأول أصح . وأما الوزغ فقطع الجمهور بأنه لا نفس له سائلة ، ممن صرح بذلك الشيخ أبو حامد في تعليقه والبندنيجي والقاضي حسين وصاحب الشامل وغيرهم . ونقل الماوردي فيه وجهين كالحية وقطع الشيخ نصر المقدسي بأن له نفسا سائلة قال : وقد ذكره أبو عبيد في كتاب الطهور ، وأنه قتل فوجد في رأسه دم ، وكذا رأيت أنا في كتاب الطهور لأبي عبيد أن الوزغ والحية لهما نفس سائلة ودم في رؤوسهما .

قسم V01/P186–V01/P188Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V01/P186–V01/P188)

إذا ثبت ما ذكرناه : فإذا مات ما لا نفس لها سائلة في دون القلتين من الماء فهل ينجس فيه قولان مشهوران في كتب المذهب ونص عليهما الشافعي في الأم والمختصر ، وهذه أول مسألة ذكر في الأم فيها قولين قال إمام الحرمين وذكر صاحب التقريب قولا ثالثا مخرجا وهو أن ما يعم لا ينجسه كالذباب والبعوض ونحوهما وما لا يعم كالخنافس والعقارب والجعلان ينجسه . نظرا إلى تعذر الاحتراز وعدمه ، وهذا القول غريب ، والمشهور إطلاق قولين ، والصحيح منهما أنه لا ينجس الماء ، هكذا صححه الجمهور ، وقطع به أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي في كتابه الكفاية وصاحبه أبو الفتح نصر المقدسي في كتابه الكافي وغيرهما ، وشذ المحاملي في المقنع والروياني في البحر ورجحا النجاسة ، وهذا ليس بشيء ، والصواب الطهارة وهو قول جمهور العلماء بل نسب جماعة الشافعي إلى خرق الإجماع في قوله الآخر بالنجاسة . قال ابن المنذر في الإشراف : قال عوام أهل العلم لا يفسد الماء بموت الذباب والخنفساء ونحوهما قال : ولا أعلم فيه خلافا إلا أحد قولي الشافعي وكذا قال ابن المنذر أيضا في كتاب الإجماع : أجمعوا أن الماء لا ينجس بذلك إلا أحد قولي الشافعي . وقد نقل الخطاب وغيره عن يحيى بن أبي كثير أنه قال : ينجس الماء بموت العقرب فيه ، ونقله بعض أصحابنا عن محمد بن المنكدر ، وهذان إمامان من التابعين فلم يخرق الشافعي الإجماع . فإذا قلنا بالصحيح أنه لا ينجس الماء فلو كثر هذا الحيوان فغير الماء فهل ينجسه فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف ، قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي والمحاملي في المجموع وصاحب العدة وغيرهم : هذان الوجهان حكاهما أبو حفص عمر بن أبي العباس بن سريج عن أبيه ، والأصح منهما أنه ينجسه وصححه الشاشي والرافعي وآخرون وقطع به الدارمي في الاستذكار وابن كج في التجريد لأنه ماء تغير بالنجاسة ، والوجهان جاريان سواء كان الماء المتغير به قليلا أو كثيرا ، وممن صرح بجريانهما فيما دون القلتين القاضي أبو الطيب في تعليقه وأشار إلى جريانهما أيضا الشيخ أبو حامد ، ويجريان في الطعام المتغير بهذا الحيوان ذكره الشيخ أبو حامد . قال صاحب البيان : فإن قلنا لا ينجس الماء المتغير به كان طاهرا غير طهور ، قال : وكذا ما تغير بسمك أو جراد يكون طاهرا غير مطهر . وحكاه أيضا عن الصيدلاني ، وقال إمام الحرمين : يكون على هذا الوجه كالمتغير بورق الشجر يعني فيكون فيه الخلاف السابق في الورق ، والصواب ما ذكره الصيدلاني وصاحب البيان لأنه ليس بأقل من المتغير بزعفران ونحوه والله أعلم . فرع : هذان القولان السابقان إنما هما في نجاسة الماء بموت هذا الحيوان وأما الحيوان نفسه ففيه طريقان أحدهما أن في نجاسته القولين إن قلنا نجس نجس الماء وإلا فلا ، وهذا قول القفال والثاني : القطع بنجاسة الحيوان وبهذا قطع العراقيون وغيرهم وهو الصحيح لأنه من جملة الميتات ومذهب مالك وأبي حنيفة أنه لا ينجس بالموت ، دليلنا أنه ميتة وإنما لا ينجس الماء لتعذر الاحتراز منه . فرع : القولان بنجاسة الماء بموته يجريان في جميع المائعات والأطعمة ، صرح به أصحابنا واتفقوا عليه ، والصحيح في الجميع الطهارة للحديث وعموم البلوى وعسر الاحتراز .

%0
10 Bölüm