Qur'an&Sunnahالقرآن

الإمام النووي - المجموع شرح المهذب في فقه الشافعية

أبو زكريا يحيى بن شرف النووي · AR

قسم V09/P206–V09/P207Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P206–V09/P207)

فرع : لو تلف بعض المبيع في زمن الخيار بعد أن قبض المشتري بأن اشترى عبدين فقبضهما فتلف أحدهما ففي الانفساخ في التالف الخلاف للسابق ، فإن انفسخ جاء في الآخر قولا تفريق الصفقة ، وإن لم ينفسخ بقي خياره في الباقي إن قلنا : يجوز رد أحد العبدين إذا اشتراهما بشرط الخيار ، وإلا ففي بقاء الخيار في الباقي الوجهان ، وإذا بقي الخيار فيه ففسخ رده مع قيمة التالف . فرع : لو قبض المبيع في زمن الخيار ثم أودعه عند البائع فتلف في يده فهو كما لو تلف في يد المشتري ، حتى إذا فرعنا على أن الملك للبائع ينفسخ البيع ويسترد الثمن ويغرم القيمة ، هكذا جزم به الدارمي وآخرون وحكاه إمام الحرمين عن الصيدلاني ، ثم أبدى احتمالا لنفسه في سقوط القيمة لحصول التلف بعد العود إلى يد المالك . ونقل القاضي حسين عن نص الشافعي أن المشتري يلزمه القيمة قال القاضي : وهذا تفريع على أن الملك للمشتري ، وقد تلف في يده لأن يد المستودع يد المودع حكما قال : وفيه قول آخر أنه لا ينفسخ العقد والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لا يجب على البائع تسليم المبيع ، وعلى المشتري تسليمه الثمن في مدة الخيار ، فلو تبرع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده ، وله استرداد المدفوع ، هذا هو المذهب ، وفيه وجه ضعيف أنه ليس له استرداده ، وله أخذ ما عند صاحبه بغير رضاه ، وممن حكى هذا الوجه الرافعي . فرع : قال : لو اشترى زوجته بشرط الخيار ثم خاطبها بالطلاق في زمن الخيار فإن تم العقد وقلنا : الملك للمشتري أو موقوف لم يقع الطلاق وإن قلنا : للبائع وقع على أصح الوجهين وإن فسخ وقلنا : هو للبائع أو موقوف وقع وإن قلنا : للمشتري فوجهان ، وليس له الوطء في زمن الخيار لأنه لا يدري أيطأ بالملك أو بالزوجية هذا هو الصحيح المنصوص وفيه وجه ضعيف أن له الوطء . قال الروياني : فإن تم البيع فهل يلزمه استبراؤها فيه وجهان بناء على جواز الوطء ( إن حرمناه ) وجب الاستبراء وإلا فلا . قال : وإن انفسخ البيع فإن قلنا : الملك للبائع أو موقوف فالنكاح بحاله وإن قلنا : الملك للمشتري فوجهان أحدهما ينفسخ لحصوله في ملكه والثاني : قال وهو ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله أن النكاح بحاله ، لأن ملكه غير مستقر ، قال الروياني : ولو طلقها ثم استبرأها ثم راجعها في مدة الخيار ، فإن تم البيع فالرجعة باطلة ، وإن فسخ فإن قلنا : لا يملك بالعقد أو قلنا موقوف صحت الرجعة وإن قلنا : يملك بنفس العقد ففي صحة الرجعة وجهان .

قسم V09/P207–V09/P209Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P207–V09/P209)

فصل : في مسائل وفروع تتعلق بباب الخيار في البيع منها : ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ، ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار وفي رواية إلا أن يكون البيع خيارا وفي رواية : أو يخير أحدهما صاحبه وفي رواية : أو يقول لصاحبه اختر واختلف العلماء من أصحابنا وغيرهم في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : إلا بيع الخيار على ثلاثة أقوال جمعها القاضي حسين في تعليقه والروياني وآخرون من أصحابنا أصحها : المراد التخيير بعد تمام العقد ، وقبل مفارقة المجلس ، وتقديره : لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ، فيلزم البيع بنفس التخاير ، ولا يدوم إلى المفارقة والثاني : معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها ، فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضي المدة المشروطة والثالث : معناه إلا بيعا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس ، فيلزم البيع بمجرد العقد ، ولا يكون فيه خيار ، وهذا على الوجه الضعيف السابق لأصحابنا فيما إذا تبايعا على أن لا خيار ، وقلنا : يصح البيع ولا خيار ، فهذا ينفسخ على الأقوال المذكورة في تفسيره واتفق أصحابنا على ترجيح القول الأول ، وهو المنصوص للشافعي ، ونقلوه عنه ، وأبطل كثير من أصحابنا ما سواه ، وغلطوا قائله ، وممن رجحه من المحدثين البيهقي فقال : الروايتان الأخيرتان من الروايات التي ذكرتها تدل على أن المراد بالقول الأول الأولى ثم بسط دلائله وضعف ما يعارضها ثم قال : وذهب كثيرون من أهل العلم إلى تضعيف الأثر المنقول عن عمر رضي الله عنه البيع صفقة أو الخيار وأن البيع لا يجوز فيه شرط قطع الخيار ، وأن المراد ببيع الخيار التخيير بعد البيع ، أو بيع شرط فيه خيار ثلاثة أيام ، فلا ينقطع خيارهما بالتفرق ثم قال : والصحيح أن المراد التخيير بعد البيع لأن نافعا ربما عبر عنه ببيع الخيار وربما فسره ، قال : والذي يبين هذا رواية أبي داود عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار قال : وربما قال نافع أو يقول أحدهما للآخر إختر رواه مسلم في صحيحه هذا كلام البيهقي . وممن قال بالقول الأول أيضا من المحدثين الترمذي فقال في جامعه المشهور : معناه إلا أن يخير البائع المشتري بعد إيجاب البيع ، فإذا أحضره فاختار البيع ، ليس لهما خيار بعد ذلك في فسخ البيع ، وإن لم يتفرقا ، قال : هكذا فسره الشافعي وغيره ، وهكذا نقل الشيخ أبو حامد والأصحاب هذا التفسير عن الشافعي ، وجزم به كثيرون ، ومن ذكر منهم خلافا صححه ، ونقل ابن المنذر في الإشراف هذا التفسير عن سفيان الثوري والأوزاعي وسفيان بن عيينة وعبيد الله بن الحسن العنبري والشافعي وإسحاق بن راهويه والله أعلم . فرع : قال المزني في المختصر : قال الشافعي : وكل متبايعين في سلعة وعين وصرف وغيره فلكل واحد منهما الخيار حتى يتفرقا تفرق الأبدان إلى آخره ، قال القاضي حسين والروياني وغيرهما : غلط المزني في قوله : سلعة وعين ، فإنهما شيء واحد ، وإنما قال الشافعي : في سلف بالفاء أو عين وأراد بالسلف السلم ، وأما قوله : تفرق الأبدان فاحتراز من تأويل أبي حنيفة فإنه يقول : المراد بالحديث حتى يتفرقا بالقول ، وهو تمام عقد البيع ، والله سبحانه أعلم . فرع : قال الشافعي في مختصر المزني : ولا بأس بنقد الثمن في بيع الخيار .

قسم V09/P209–V09/P210Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P209–V09/P210)

قال أصحابنا : أراد بنقد الثمن تسليمه إلى البائع ، قال أصحابنا : فلا يكره تسليم الثمن في مدة الخيار إلى البائع ، وتسليم المبيع إلى المشتري في مدة الخيار ، هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة : وقال مالك : يكره تسليم الثمن في مدة الخيار ، وإنما يسلم بعدها ، قال : لأن قبضه تصرف ، ولا يجوز التصرف فيه قبل انقضاء الخيار ، ولأنه يصير بيعا وسلفا ، فإنه إذا سلم إليه الثمن ثم فسخا البيع استرجع الثمن منه ، فيصير كأنه أقرضه الثمن واسترجعه منه قبل التصرف ، وقد نهى عن بيع وسلف . واحتج أصحابنا بأن القبض حكم من أحكام العقد ، فكان في مدة الخيار كالفسخ والإمضاء ، ولأنه لا ضرر في قبضه في مدة الخيار ، وما لا ضرر فيه لا يمنع منه ، لأن امتناع التسليم قبل انقضاء الخيار لحق المتعاقدين ، فإذا تراضيا عليه جاز كالإقالة وغيره وأما قوله : القبض تصرف فلا يسلمه أصحابنا ، وكذا لا يسلمون أن هذا بيع وسلف ، ولا يؤدي إليه ولا ما في معناه ، والله أعلم . قال أصحابنا : وإذا سلم المشتري الثمن إلى البائع في مدة الخيار أو سلم البائع المبيع إلى المشتري لا يسقط خيارهما بلا خلاف عندنا . ونقل القاضي حسين عن مالك إسقاط الخيار لأنه يتضمن الرضى . واحتج أصحابنا بأن مقصوده بالتسليم الخلاص من عهدة ضمانه ، قال القاضي حسين : وهل له بعد ذلك أن ينزعه من يد صاحبه عند استيقاء العوض الآخر فيه وجهان أحدهما : له ، لأن هذا التسليم لا يسقط الخيار فلا يسقط حق الحبس والثاني : ليس له ، لتضمنه إسقاط حق الحبس . فرع : إذا ألحقنا بالحبس في مدة خيار المجلس أو خيار الشرط زيادة في الثمنم أو نقصا أو زيادة خيار أو أجازا وشرطا نقدا أو نحو ذلك ، فهل يلحق فيه ثلاثة أوجه سنذكرها بفروعها مبسوطة إن شاء الله تعالى في باب ما يفسد البيع من الشرط أصحها : أنه كالمقارن للعقد والثاني : أنه لغو والثالث : إن كان في خيار المجلس فكالمقارن وإن كان في خيار الشرط فلغو والله أعلم . فرع : قال صاحب البحر : إذا تقابضا الثمن المثمن في مدة الخيار ثم تفاسخا لزمهما ترداد العوضين ، وليس لواحد منهما حبس ما في يده بعد طلب صاحبه ، فليس له إذا طلب صاحبه أن يقول : لا أرد حتى ترد أنت ، بل إذا بدأ أحدهما بالمطالبة لزم الآخر الدفع إليه ، ثم يرد ما كان في يده قال : بخلاف ما لو قال البائع : لا أسلم المبيع حتى يسلم الثمن ، وقال المشتري : لا أسلم الثمن حتى يسلم المبيع ، فإن كل واحد حبس ما في يده حتى يدفع صاحبه على الخلاف المشهور فيه ، والفرق أن الفسخ هنا رفع حكم العقد وبقي التسليم بحكم اليد دون العقد ، واليد توجب الرد ، وهناك التسليم بالعقد والعقد يوجب التسليم من الجانبين . فرع : في مذاهب العلماء في شرط الخيار ، وهو جائز بالإجماع واختلفوا في ضبطه ، فمذهبنا أنه يجوز ثلاثة أيام فما دونها ولا يجوز أكثر ، وبه قال أبو حنيفة وعبد الله بن شبرمة وزفر والأوزاعي في رواية عنه وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن العنبري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور يوسف ومحمد وابن المنذر وداود وفقهاء المحدثين يجوز في كل شيء بقدر الحاجة فيه ، فيجوز في الثوب ونحوه اليوم واليومان ، وفي الجارية ونحوها ستة أيام وسبعة ، وفي الدار نحو الشهر .

قسم V09/P210–V09/P211Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P210–V09/P211)

فرع : في مذاهبهم إذا تبايعا بشرط الخيار غير مؤقت ، مذهبنا بطلان البيع لأن فيه غررا وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ، وقال أحمد وإسحاق : البيع صحيح ، وأن الخيار باطل ، وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى : البيع صحيح والشرط باطل ، لقوله صلى الله عليه وسلم : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل قالا : وهذا ظاهر في إبطال الشرط وصحة البيع ، وقال مالك : ظاهر في إبطال الشرط وصحة البيع ، وقال مالك : البيع صحيح ويثبت لهما الخيار مدة تليق بذلك البيع ، والله أعلم . & باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز &

قسم V09/P211–V09/P212Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P211–V09/P212)

قال المصنف رحمه الله تعالى : الأعيان ضربان نجس وطاهر ، فأما النجس فعلى ضربين نجس في نفسه ونجس بملاقاة النجاسة ، فأما النجس في نفسه فلا يجوز بيعه ، وذلك مثل الكلب والخنزير والخمر والسرجين وما أشبه ذلك من النجاسات ، والأصل فيه ما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام وروى أبو مسعود البدري وأبو هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ، فنص على الكلب والخنزير والميتة وقسنا عليها سائر الأعيان النجسة . + الشرح : أما حديث جابر رضي الله عنه فرواه البخاي ومسلم في صحيحهما طويلا ولفظه فيهما عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة : إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال : لا هو حرام ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها حملوه ثم باعوه فأكلوا الميتة فقال حمله بالحاء وتخفيف الميم أحمله أي أدامه وأما حديث أبي مسعود البدري الأنصاري فرواه البخاري ومسلم أيضا ولفظه عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود بإسناد حسن بلفظ حديث أبي مسعود واسم أبي مسعود عمرو بن عمرو الأنصاري البدري . قال أكثر العلماء : لم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزوة المشهورة ، وإنما قيل له : البدري لأنه سكن بدرا ولم يشهدها ، وقال محمد بن إسحاق إمام المغازي ، ومحمد بن شهاب الزهري إمام المغازي وغيرهما ، ومحمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح في صحيحه : إنه شهدها ، واتفقوا على أنه شهد العقبة مع السبعين ، وكان أصغرهم روى له عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة حديث وحديثان ، اتفق البخاري ومسلم على تسعة أحاديث منها ، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بسبعة ، سكن الكوفة وتوفي بها ، وقيل : توفي بالمدينة رضي الله عنه . وأما : السرجين فبكسر السين وفتحها وبالجيم ويقال بالقاف بدلها وسبق إيضاحه في أول كتاب الطهارة ، والله أعلم . أما حكم المسألة : فقد سبق في أول كتاب البيوع أن شروط البيع خمسة أن يكون طاهرا ، منتفعا به مقدورا على تسليمه ، معلوما ، مملوكا لمن وقع العقد له ، فبدأ المصنف بالشرط الأول وهو الطهارة فقال : النجس ضربان نجس في نفسه كالكلب والخنزير وما تولد منهما ، أو من أحدهما ، والخمر والنبيذ والسرجين والعذرة ودهن الميتة وعصبها وشعرها إذا قلنا بالمذهب إنه نجس وكذا ريشها ولبن ما لا يؤكل إذا قلنا بالمذهب إنه نجس وسائر الأعيان النجسة ، ولا يجوز بيعها بلا خلاف عندنا ، وسواء الكلب المعلم وغيره ، وسواء الخمر المحترمة وغيرها . ودليل المسألة ما ذكره المصنف ، والله أعلم . فرع : الفيلج بالفاء والجيم هو القز قال القاضي حسين في فتاويه وآخرون : يجوز بيعه في باطن الدود الميت ، لأن بقاءه من مصالحه كالنجاسة التي في جوف الحيوان ، قالوا : وسواء باعه ، وزنا أو جزافا ، وسواء كان الدود حيا أو ميتا ، فبيعه جائز بلا خلاف ، والله أعلم .

قسم V09/P212–V09/P214Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P212–V09/P214)

فرع : قال أصحابنا : في بيع فأرة المسك أو بيض ما لا يؤكل لحمه ودودة الغز وجهان بناء على طهارتها ونجاستها أصحهما : الطهارة وجواز البيع وأما دود القز فيجوز بيعه في حياته بلا خلاف لأنه حيوان ينتفع به كسائر الحيوان ، وقد ذكر المصنف المسألة في آخر هذا الباب وسبق إيضاحها في باب إزالة النجاسة ، هذا مذهبنا ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز بيع بزر القز ولا دوده . دليلنا أنه طاهر منتفع به فجاز بيعه كسائر الطاهر المنتفع به . فرع : في حكم ما لا يؤكل لحمه : ذكرنا في باب إزالة النجاسة ثلاثة أوجه أصحها : وأشهرها أنه نجس والثاني : طاهر يحل شربه ، قال أصحابنا : إن قلنا : إنه نجس لا يجوز بيعه قال المتولي وآخرون : وإن قلنا : طاهر يحل شربه جاز بيعه وإن قلنا : طاهر لا يحل شربه ، فإن كان فيه منفعة مقصودة جاز بيعه وإلا فلا . فرع : ذكرنا أن بيع الخمر باطل سواء باعها مسلم أو ذمي أو تبايعها ذميان ، أو وكل المسلم ذميا في شرائها له ، فكله باطل بلا خلاف عندنا ، وقال أبو حنيفة : يجوز أن يوكل المسلم ذميا في بيعها وشرائها ، وهذا فاسد منابذ للأحاديث الصحيحة في النهي عن بيع الخمر . فرع : بيع الخمر وسائر أنواع التصرف فيها حرام على أهل الذمة كما هو حرام على المسلم ، هذا مذهبنا ، وقال أبو حنيفة : لا يحرم ذلك عليهم قال المتولي : المسألة مبنية على أصل معروف في الأصول وهو أن الكافر عندنا مخاطب بفروع الشرع ، وعندهم ليس بمخاطب وقد سبقت هذه المسألة في باب إزالة النجاسة . فرع : لو أتلف لغيره كلبا أو خنزيرا أو سرجينا أو ذرق حمام أو جلد ميتة قبل دباغه أو غير ذلك من الأعيان النجسة ، لم تلزمه قيمته بلا خلاف عندنا ، قال الماوردي : قال أصحابنا : لم يكن يعرف خلاف في أنه لا قيمة على من أتلف كلبا معلما ، حتى قال به مالك . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز بيع الكلب ، سواء كان معلما أو غيره ، وسوءا كان جروا أو كبيرا ، ولا قيمة على من أتلفه ، وبهذا قال جماهير العلماء ، وهو مذهب أبي هريرة والحسن البصري والأوزاعي وربيعة والحكم وحماد وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم ، وقال أبو حنيفة : يصح بيع جميع الكلاب التي فيها نفع وتجب القيمة على متلفه ، وحكى ابن المنذر عن جابر وعطاء والنخعي جواز بيع الكلب للصيد دون غيره ، وقال مالك : لا يجوز بيع الكلب ، وتجب القيمة على متلفه ، وإن كان كلب صيد أو ماشية وعنه رواية كمذهبنا ، ورواية كمذهب أبي حنيفة ، واحتج لمن جوز بيعه بالحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد . وفي رواية ثلاث كلهن سحت فذكر كسب الحجام ، ومهر البغي ، وثمن الكلب ، إلا كلب صيد وعن عمر رضي الله عنه أنه غرم رجلا عن كلب قتله عشرين بعيرا وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهما ، وقضى في كلب ماشية بكبش . ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به فأشبه الفهد ، ولأنه تجوز الوصية به والانتفاع به ، فأشبه الحمار .

قسم V09/P214–V09/P216Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P214–V09/P216)

واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة في النهي عن بيعه ، والنهي يقتضي الفساد ، فإنه لا قيمة على متلفه ، فمن الأحاديث حديث أبي مسعود البدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغي وحلوان الكاهن رواه البخاري ومسلم وعن أبي جحيفة رضي الله عغنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ثمن الدم ، وعن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، ولعن آكل الربا ، وموكله ، والواشمة ، والمستوشمة ، ولعن المصور رواه البخاري . وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كسب الحجام خبيث ، ومهر البغي خبيث ، وثمن الكلب خبيث رواه مسلم ، وعن أبي الزبير قال : سألت جابرا رضي الله عنه عن ثمن الكلب والسنور فقال : زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذكل رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، وقال إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا رواه أبو داود بإسناد صحيح . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل ثمن الكلب ، ولا حلوان الكاهن ، ولا مهر البغي رواه أبو داود بإسناد صحيح أو حسن . وعن ابن عباس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليا عند الركن ، فرفع بصره إلى السماء فقال : لعن الله اليهود ثلاثا ، إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه رواه أبو داود بإسناد صحيح ، ولأنه حيوان نجس فلم يجز بيعه كالخنزير . وأما : الجواب عما احتجوا به من الأحاديث والآثار ، فكلها ضعيفة باتفاق المحدثين ، وهكذا وضح الترمذي والدارقطني والبيهقي ضعفها ، ولأنهم لا يفرقون بين المعلم وغيره ، بل يجوزون بيع الجميع ، وهذه الأحاديث الضعيفة فارقة بينهما ، والجواب عن قياسهم على الفهد ونحوه أنه طاهر بخلاف الكلب ، والجواب عن قياسهم على الوصية أنها يحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها ، ولهذا تجوز الوصية بالمجهول والمعدوم والآبق ، والله أعلم . قال ابن المنذر : لا معنى لمن جوز بيع الكلب المعلم ، لأنه مخالف لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ونهيه صلى الله عليه وسلم عام يدخل فيه جميع الكلاب ، قال : ولا يعلم خبر عارض الأخبار الناهية ، يعني خبرا صحيحا ، وقال البيهقي : الإسناد المذكور في كلب الصيد ليس ثابتا في الأحاديث الصحيحة ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : بيع الهرة الأهلية جائز بلا خلاف عندنا إلا ما حكاه البغوي في كتابه في شرح مختصر المزني عن ابن القاص أنه قال : لا يجوز ، وهذا شاذ باطل مردود ، والمشهور جوازه ، وبه قال جماهير العلماء نقله القاضي عياض عن الجمهور ، وقال ابن المنذر : أجمعت الأمة على أن اتخاذه جائز ، ورخص في بيعه ابن عباس وابن سيرين والحكم وحماد ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وسائر أصحاب الرأي ، قال : وكرهت طائفة بيعه ، منهم أبو هريرة ومجاهد وطاووس وجابر بن زيد ، قال ابن المنذر : إن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن بيعه فبيعه باطل ، وإلا فجائز ، هذا كلام ابن المنذر واحتج من منعه بحديث أبي الزبير قال سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور فقال : زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك رواه مسلم . واحتج أصحابنا بأنه طاهر منتفع به ، ووجد فيه جميع شروط البيع بالخيار فجاز بيعه كالحمار والبغل .

قسم V09/P216–V09/P217Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P216–V09/P217)

والجواب عن الحديث من وجهين أحدهما : جواب أبي العباس بن القاس وأبي سلمان الخطابي والقفال وغيرهم أن المراد الهرة الوحشية فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها إلا على الوجه الضعيف القائل بجواز أكلها والثاني : أن المراد نهى تنزيه ، والمراد النهي على العادة بتسامح الناس فيه ، ويتعاورونه في العادة ، فهذان الجوابان هما المعتمدان وأما : ما ذكره الخطابي وابن المنذر أن الحديث ضعيف فغلط منهما لأن الحديث فس صحيح مسلم بإسناد صحيح ، وقول ابن المنذر : إنه لم يروه غير أبي الزبير عن حماد بن سلمة فغلط أيضا . فقد رواه مسلم في صحيحه من رواية معقل بن عبيد الله عن أبيه الزبير ، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزبير ، وهو ثقة ، والله أعلم . فرع : قال ابن المنذر : أجمع العلماء على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير وشرائها ، قال : واختلفوا في الانتفاع بثمن الخمر فمنعه ابن سيرين والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق ، ورخص فيه الحسن البصري والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف . فرع : مذهبنا المشهور أن عظم الفيل نجس سواء أخذ منه بعد ذكاته أو بعد موته ، ولنا وجه شاذ أن عظام الميتة طاهرة . وسبق بيانه في باب الآنية ، وسبق في باب الأطعمة وجه شاذ أن الفيل يؤكل لحمه ، فعلى هذا إذا ذكي كان عظمه طاهرا ، والمذهب نجاسته مطلقا ، ولا يجوز بيعه ولا يحل ثمنه ، وبهذا قال طاووس وعطاء بن أبي رباح ، وعمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد وقال ابن المنذر ، ورخص فيه عروة بن الزبير وابن جريج ، قال ابن المنذر : مذهب من حرم هو الأصح . فرع : بيع سرجين البهائم المأكولة وغيرها وذرق الحمام باطل ، وثمنه حرام . هذا مذهبنا ، وقال أبو حنيفة : يجوز بيع السرجين لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على بيعه من غير إنكار . ولأنه يجوز الانتفاع به فجاز بيعه كسائر الأشياء ، واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريبا ، وهذا عام إلا ما خرج بدليل كالحمار والعبد وغيرهما ، ولأنه نجس العين فلم يجز بيعه كالعذرة فإنهم وافقوا على بطلان بيعها مع أنه ينتفع بها وأما الجواب عما احتجوا به فهو ما أجاب به الماوردي أن بيعه إنما يفعله الجهلة والأرذال فلا يكون ذلك حجة في دين الإسلام وأما قولهم : إنه منتفع به فأشبه غيره ، فالفرق أن هذا نجس بخلاف غيره . فرع : جلد الميتة لا يجوز بيعه عندنا وعند الجمهور قبل الدباغ ، وجوزه أبو حنيفة ودليل المذهبين نحو ما سبق في الفرع قبله ، وممن حكى بطلان بيعه عن الجمهور العبدري في أول كتاب الطهارة . فرع : اتفق أصحابنا وغيرهم على أنه لو كان له كلاب فيها منفعة مباحة ككلب الصيد والزرع فمات قسمت بين ورثته ، كما يقسم السرجين وجلود الميتة وغير ذلك من النجاسات المنتفع بها . فرع : الوصية بالكلب المنتفع به ، والسرجين ونحوها من النجاسات جائزة بالاتفاق ، وفي إجارة الكلب وهبته وجهان مشهوران أصحهما : البطلان . وسنوضح كل ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ، ويورث الكلب بلا خلاف ، وممن نقل الاتفاق عليه الدارمي .

قسم V09/P217–V09/P218Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P217–V09/P218)

فرع : قال الدارمي : يجوز قسمة الكلاب وليست بيعا ، وقال البغوي في كتابه مختصر المزني : إذا مات وخلف كلابا ففيه ثلاثة أوجه أحدها : يقسم بالقيمة ، قال : وهذا ضعيف لأنه لا قيمة والثاني : يقسم على طريق الانتفاع ، وقيل : على طريق نقل اليد والثالث : لا يقسم بل يترك بين الورثة كما لو خلف ورثة وجوهرة لا تقسم ، بل تترك بينهم ، هذا ما حكاه البغوي والأصح : أنها تقسم باعتبار قيمتها عندما يرى لها قيمة كما في نظائره ، والله أعلم .

قسم V09/P218–V09/P219Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V09/P218–V09/P219)

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأما اقتناؤها فينظر فيه فإن لم يكن فيها منفعة مباحة ، كالخمر والخنزير والميتة والعذرة لم يجز اقتناؤها لما روى أنس رضي الله عنه قال : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر تصنع خلا فكرهه وقال : أهرقها ولأن اقتناء ما لا منفعة فيه سفه ، فلم يجز ، فإن كان فيه منفعة مباحة كالكلب جاز اقتناؤه للصيد والماشية والزرع ، لما روى سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان وفي حديث أبي هريرة : إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع ولأن الحاجة تدعو إلى الكلب في هذه المواضع فجاز اقتناؤه ، وهل يجوز اقتناؤه لحفظ الدروس فيه وجهان أحدهما : لا يجوز للخبر والثاني : يجوز ، لأنه حفظ مال فأشبه الزرع والماشية . وهل يجوز لمن لا يصطاد أن يقتنيه ليصطاد به إذا أراد فيه وجهان أحدهما : يجوز للخبر والثاني : لا يجوز ، لأنه لا حاجة به إليه ، وهل يجوز اقتناء الجرو للصيد والماشية والزرع فيه وجهان أحدهما لا يجوز لأنه ليس فيه منفعة يحتاج إليها والثاني : يجوز لأنه إذا جاز اقتناؤه للصيد جاز اقتناؤه لتعليم ذلك وأما السرجين فإنه يكره اقتناؤه وتربية الزرع لما فيه من مباشرة النجاسة . + الشرح : أما حديث أنس فرواه مسلم في صحيحه بمعناه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلا فقال : لا وفي الصحيح أحاديث كثيرة صريحة في إراقة الخمر منها حديث لأبي سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا أيها الناس إن الله يعرض بالخمر ، ولعل الله سينزل فيها فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به ، قال : فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله حرم الخمر . فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربه ولا يبيعه ، فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طرق المدينة فسفكوها رواه مسلم ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل علمت أن الله قد حرمها قال لا فسارر إنسانا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بم ساررته قال : أمرته ببيعها ، فقال : إذا الذي حرم شربها حرم بيعها ، ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها رواه مسلم . وفي الصحيحين عن أنس أنه لما نزل تحريم الخمر أمره أبو طلحة أن يريق الخمر التي كانت عندهم فأراقها وعن أنس أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا قال : أهرقها ، قال : أفلا أجعلها خلا قال : لا رواه أبو داود بإسناد صحيح أو حسن . وأما : حديث ابن عمر وأبي هريرة فرواه البخاري ومسلم عن طرق في بعضها : نقص من أجره كل يوم قيراطان وفي بعضها : قيراط ، قال صاحب البحر : والقيراط عبارة عن جزء من عمله قال : واختلفوا في المراد به فقيل : ينقص من ماضي عمله ، وقيل : من مستقبله قال : واختلفوا في محل نقص القيراطين فقال : قيراط من عمل النهار ، وقيراط من عمل الليل ، وقيل : قيراط من عمل الفرض ، وقيراط من عمل النفل ، هذا كلامه .

%0
10 قسم
الإمام النووي - المجموع شرح المهذب في فقه الشافعية · 307 · Qur'an & Sunnah