Qur'an&Sunnahالقرآن

Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)

النووي · AR

قسم V02/P167–V02/P169Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V02/P167–V02/P169)

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما إذا ولدت المرأة ولدا ولم تر دما ، ففيه وجهان أحدهما : يجب عليها الغسل لأن الولد مني منعقد والثاني : لا يجب لأنه لا يسمى منيا . + الشرح : هذان الوجهان مشهوران ، والأصح منهما عند الأصحاب في الطريقتين وجوب الغسل ، وقطع به جماعة من أصحاب المختصرات ، وشذ الشاشي فصحح عدم الوجوب . ثم من الأصحاب من ذكر المسألة هنا ومنهم من ذكرها في كتاب الحيض ، ومنهم من ذكرها في الموضعين ، قال الماوردي في كتاب الحيض : القول بالوجوب هو قول ابن سريج ومذهب مالك ، وبعدمه قول أبي علي بن أبي هريرة ومذهب أبي حنيفة . وعن أحمد روايتان كالوجهين ، وهذا التعليل الذي ذكره المصنف للوجوب وهو كون الولد منيا منعقدا هو التعليل المشهور في الطريقتين ، وذكر القاضي حسين هذا التعليل وعلة أخرى وهي أن الولد لا يخلو عن رطوبة وإن خفيت . قال الماوردي : وتوجد الولادة بلا دم في نساء الأكراد كثيرا . قال أصحابنا : فإذا قلنا : لا غسل عليها فعليها الوضوء ، ولو خرج منها ولد بعد ولد وقلنا : يجب الغسل فاغتسلت للأول قبل خروج الثاني وجب الغسل للثاني . اتفق عليه أصحابنا . ولو ألقت علقة أو مضغة ففي وجوب الغسل الوجهان الأصح الوجوب ، ذكره المتولي وآخرون ، وقطع القاضي حسين والبغوي بالوجوب في المضغة ، وخص الوجهين بالعلقة ، قال الماوردي : وهل يصح غسلها بمجرد وضعها أم لا يصح حتى تمضي ساعة فيه وجهان ، بناء على الوجهين في أن أقل النفاس محدود بساعة أم لا والصحيح الذي يقتضيه إطلاق الجمهور صحة الغسل بمجرد الوضع والصحيح أن النفاس غير محدود والله أعلم . فرع : إذا ولدت في نهار رمضان ولم تر دما ففي بطلان صومها طريقان : أحدهما : لا يبطل سواء أوجبنا الغسل أم لا ، وبه قطع الفوراني في كتاب الحيض . والثاني : فيه وجهان بناء على الغسل أن أوجبناه بطل الصوم ، وإلا فلا وبهذا الطريق قطع الماوردي والبغوي وغيرهما ، وأنكره صاحب البحر وقال : عندي أنه لا يبطل لأنها مغلوبة كالإحتلام وهذا الذي قاله قوي في المعنى ، ضعيف التعليل أما ضعيف تعليله فلأنه يتنقض بالحيض فإنه يبطل الصوم وإن كانت مغلوبة ، وأما قوته في المعنى فلأن الذي اعتمده الأصحاب في تعليل وجوب الغسل أن الولد مني منعقد وهذا يصلح لوجوب الغسل لا لبطلان الصوم ، فإن خروج المني من غير مباشرة ولا استمناء لا يبطل الصوم والله أعلم . فرع : إذا حاضت ثم أجنبت أو أجنبت ثم حاضت لم يصح غسلها عن الجنابة في حال الحيض ، لأنه لا فائدة فيه ، وفيه وجه ضعيف ذكره الخراسانيون أنه يصح غسلها عن الجنابة ويفيدها قراءة القرآن إذا قلنا بالقول الضعيف : إن للحائض قراءة القرآن ، وقد تقدم هذا قريبا عن صاحب العدة . فرع : قال أصحابنا وغيرهم : أعضاء الجنب والحائض والنفساء وعرقهم طاهر وهذا لا خلاف فيه بين العلماء ، ونقل ابن المنذر الإجماع فيه ، وحكى أصحابنا عن أبي يوسف أن بدن الحائض نجس فلو أصابت ماء قليلا نجسته ، وهذا النقل لا أظنه يصح عنه ، فإن صح فهو محجوج بالإجماع ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : حيضتك ليست في يدك وقوله صلى الله عليه وسلم : إن المسلم لا ينجس رواهما البخاري ومسلم ، وسنبسط المسألة في آخر كتاب الحيض إن شاء الله تعالى .

قسم V02/P169–V02/P170Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V02/P169–V02/P170)

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن استدخلت المرأة المني ثم خرج منها لم يلزمها الغسل . + الشرح : إذا استدخلت المرأة المني في فرجها أو دبرها ثم خرج منها لم يلزمها الغسل ، هذا هو الصواب الذي قطع به الجمهور في الطريقتين ، وحكى القفال والمتولي والبغوي وغيرهم من الخراسانيين وجها شاذا أنه يلزمها الغسل وهو قول الشيخ أبي زيد المروزي . قال البغوي والرافعي : وعلى هذا لا فرق بين إدخالها قبلها أو دبرها ، كتغييب الحشفة وحكوا مثل هذا الوجه عن الحسن البصري ، وحكاه ابن المنذر عن عطاء والزهري وعمرو بن شعيب ، وهو غلط وإن كثر قائلوه وناقلوه ، ثم إنه وإن كان له أدنى خيال إذا استدخلته في قبلها لاحتمال أنها تلذذت فأنزلت منيها ، فاختلط به فإذا خرج المني الأجنبي صحبه منيها ، لكن إيجابه بخروجه من الدبر لا وجه له ولا خيال وممن قال من السلف : لا يجب ، قتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، ودليله النصوص في أن الغسل إنما يلزمه بمنيه ، واتفق الأصحاب على أنها لو أدخلت في فرجها دم الحيض أو أدخل الرجل في دبره أو قبله المني وخرجا فلا غسل . نقله القاضي أبو الطيب وغيره . وقال أصحابنا : ويلزمها الوضوء بخروجه ، كما سبق في باب ما ينقض الوضوء أما إذا جومعت فاغتسلت ثم خرج منها مني الرجل ، فقال الأصحاب : لا غسل عليها أيضا وعليها الوضوء . قال المتولي : كان القاضي حسين يقول : مراد الأصحاب إذا كانت الموطوءة صغيرة لا تنزل أو كبيرة ، لكن أنزل الزوج عقيب الإيلاج ، بحيث لم تنزل هي في العادة ، فأما إذا امتد الزمان قبل إنزاله فالغالب أنها تنزل ويختلط المنيان فعليها الغسل ثانيا . وذكر الروياني عن الأصحاب أنه لا غسل عليها . ثم ذكر كلام القاضي بحروفه وحكى إمام الحرمين عن بعض الأصحاب وجوب الغسل ، ثم قال : وعندي في هذا تفصيل ، فذكر نحو كلام القاضي ، والله أعلم .

قسم V02/P170–V02/P171Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V02/P170–V02/P171)

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا أسلم الكافر ولم يجب عليه غسل في حال الكفر فالمستحب إن يغتسل ، لما روى : أنه أسلم قيس بن عاصم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل ولا يجب ذلك لأنه أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل ، وإن وجب عليه غسل في حال الكفر ولم يغتسل لزمه أن يغتسل وإن كان قد اغتسل في حال الكفر ، فهل يجب عليه إعادته فيه وجهان أحدهما : لا تجب إعادته لأنه غسل صحيح ، بدليل أنه تعلق به إباحة الوطء في حق الحائض إذا طهرت ، فلم تجب إعادته كغسل المسلم والثاني : تجب إعادته وهو الأصح لأنه عبادة محضة ، فلم تصح من الكافر في حق الله تعالى ، كالصوم والصلاة . + الشرح : حديث قيس بن عاصم حديث حسن رواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية قيس بن عاصم هذا . قال الترمذي : حديث حسن . وقيس هذا من سادات العرب كنيته أبو علي . وقيل : أبو قبيصة ، وقيل : أبو طلحة ، قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم سنة تسع من الهجرة فأسلم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : هذا سيد أهل الوبر وكان حليما عاقلا ، قيل للأحنف بن قيس : ممن تعلمت الحلم قال : من قيس ابن عاصم رضي الله عنه ، وقول المصنف ( لأنه عبادة محضة ) احترز بعبادة عن البيع وغيره من المعاملات ، وبمحضة عن العدة والكفارة ، وقوله : ( فلم تصح من الكافر في حق الله ) احتراز من غسل الكافرة التي طهرت من الحيض ، فإنه عبادة محضة ويصح من الكافر لكن في حق الآدمي . أما أحكام الفصل ففيه ثلاث مسائل إحداها : إذا أجنب الكافر ثم أسلم قبل الإغتسال لزمه الغسل ، نص عليه الشافعي واتفق عليه جماهير الأصحاب . وحكى الماوردي عن أبي سعيد الأصطخري وجها أنه لا يلزمه ، وهو مذهب أبي حنيفة لقول الله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولحديث عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم ق الإسلام يهدم ما قبله رواه مسلم ، ولأنه أسلم خلق كثير لهم الزوجات والأولاد ، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل وجوبا ، ولو وجب لأمرهم به ، وهذا الوجه ليس بشيء لأنه لا خلاف أنه يلزمه الوضوء ، فلا فرق بين أن يبول ثم يسلم أو يجنب ثم يسلم وأما الآية الكريمة والحديث فالمراد بهما غفران الذنوب ، فقد أجمعوا على أن الذمي لو كان عليه دين أو قصاص لا يسقط بإسلامه ، ولأن إيجاب الغسل ليس مؤاخذة وتكليفا بما وجب في الكفر ، بل هو إلزام شرط من شروط الصلاة في الإسلام فإنه جنب ، والصلاة لا تصح من الجنب ، ولا يخرج بإسلامه عن كونه جنبا . والجواب عن كونهم لم يؤمروا بالغسل بعد الإسلام أنه كان معلوما عندهم ، كما أنهم لم يؤمروا بالوضوء لكونه معلوما لهم ، والفرق بين وجوب الغسل ومنع قضاء الصوم والصلاة من وجهين . أحدهما : ما سبق أن الغسل مؤاخذة بما هو حاصل في الإسلام وهو كونه جنبا بخلاف الصلاة . والثاني : أن الصلاة والصوم يكثران فيشق قضاؤهما وينفر عن الإسلام . وأما الغسل فلا يلزمه إلا غسل واحد ولو أجنب ألف مرة وأكثر فلا مشقة فيه .

قسم V02/P171–V02/P173Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V02/P171–V02/P173)

المسألة الثانية : إذا أجنب واغتسل في الكفر ثم أسلم ففي وجوب إعادة الغسل وجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما ، أصحهما عند الأصحاب وجوب الإعادة ، ونص عليه الشافعي وقطع به القاضي أبو الطيب وآخرون ، وأجابوا عن احتجاج القائل الآخر بالحائض ، فقالوا : لا يلزم من صحته في حق الزوج للضرورة صحته بلا ضرورة قاسوه على المجنونة إذا طهرت من الحيض فغسلها زوجها ليستبيحها ، فإنها إذا أفاقت يلزمها الغسل ، وهذا على المذهب والمشهور ، وفيها خلاف ضعيف سبق في آخر باب نية الوضوء ولا فرق في هذا بين الكافر المغتسل في الكفر والكافرة المغتسلة لحلها لزوجها المسلم ، فالأصح في الجميع وجوب الإعادة ، وخالف إمام الحرمين الجمهور ، فصحح في الحائض عدم الإعادة ، وقد سبق هذا في آخر باب نية الوضوء . الثالثة : إذا أسلم ولم يجنب في الكفر استحب أن يغتسل ، ولا يجب عليه الغسل بلا خلاف عندنا ، وسواء في هذا الكافر الأصلي والمرتد والذمي والحربي . قال الخطابي وغيره : وبهذا قال أبو حنيفة وأكثر العلماء . وقال مالك و أحمد وأبو ثور : يلزمه الغسل ، واختاره ابن المنذر والخطابي . واحتجوا بحديث قيس بن عاصم ، وبحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد ، فجاءت برجل يقال له ثمامة بن أتال فربطوه بسارية من سواري المسجد وذكر الحديث وفي آخره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلقوا تمامة فانطلق إلى نخل قريب فاغتسل ، ثم دخل المسجد فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله رواه البخاري وفي رواية البيهقي وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه فأسلم فأطلقه وبعث به إلى حائط أبي طلحة ، وأمره إن يغتسل ، فاغتسل وصلى ركعتين . قال البيهقي : يحتمل أن يكون أسلم عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم اغتسل ودخل المسجد فأظهر الشهادة ثانيا جمعا بين الروايتين . واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف وهو أنه أسلم خلق كثير ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإغتسال ، ولأنه ترك معصية فلم يجب معه غسل كالتوبة من سائر المعاصي ، والجواب عن حديثيهما من وجهين أحدهما : حملهما على الإستحباب جمعا بين الأدلة ، ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم أمر قيسا أن يغتسل بماء وسدر واتفقنا على أن السدر غير واجب الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم علم أنهما أجنبا لكونهما كانت لهما أولاد ، فأمرهما بالغسل لذلك لا للإسلام والله أعلم . فرع : يستحب للكافر إذا أسلم أن يحلق شعر رأسه ، نص عليه الشافعي في الأم والشيخ أبو حامد والنبدنيجي والقاضي أبو الطيب والمحاملي وابن الصباغ والروياني والشيخ نصر وآخرون . واحتجوا له بحديث عثيم ، بضم العين المهملة وفتح المثلثة ، عن أبيه عن جده أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أسلمت ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ألق عنك شعر الكفر يقول : أحلق ، رواه أبو داود والبيهقي وإسناده ليس بقوي ، لأن عثيما وكليبا ليسا بمشهورين ولا وثقا ، لكن أبا داود رواه ولم يضعفه ، وقد قال : إنه إذا ذكر حديثا ولم يضعفه فهو عنده صالح ، أي صحيح أو حسن ، فهذا الحديث عنده حسن . ويستحب أن يغتسل بماء وسدر ، لما ذكرناه من حديث قيس . والله أعلم . فرع : إذا أراد الكافر الإسلام فليبادر به ولا يؤخره للإغتسال ، بل تجب المبادرة بالإسلام ، ويحرم تحريما شديدا تأخيره للإغتسال وغيره ، وكذا إذا استشار مسلما في ذلك حرم على المستشار تحريما غليظا أن يقول له أخره إلى الإغتسال ، بل يلزمه أن يحثه على المبادرة بالإسلام . هذا هو الحق والصواب . وبه قال الجمهور .

قسم V02/P173Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V02/P173)

وحكى الغزالي رحمه الله في باب الجمعة وجها أنه يقدم الغسل على الإسلام ليسلم مغتسلا . قال : وهو بعيد ، وهذا الوجه غلط ظاهر لا شك في بطلانه وخطأ فاحش ، بل هو من الفواحش المنكرات ، وكيف يجوز البقاء على أعظم المعاصي وأفحش الكبائر ورأس الموبقات وأقبح المهلكات لتحصيل غسل لا يحسب عبادة لعدم أهلية فاعله . وقد قال صاحب التتمة في باب الردة : لو رضي مسلم بكفر كافر ، بأن طلب كافر منه أن يلقنه الإسلام فلم يفعل ، أو أشار عليه بأن لا يسلم أو أخر عرض الإسلام عليه بلا عذر ، صار مرتدا في جميع ذلك ، ونه اختار الكفر على الإسلام . وهذا الذي قاله إفراط أيضا ، بل الصواب أن يقال : ارتكب معصية عظيمة . وأما قول النسائي في سننه : باب تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم . واحتج بحديث أبي هريرة أن ثمامة انطلق فاغتسل ثم جاء فأسلم فليس بصحيح ولا دلالة فيما ذكره لما ادعاه . والله أعلم . ويتعلق بهذا الفصل مسائل نفيسة تقدمت في أواخر باب نية الوضوء . وبالله التوفيق .

قسم V02/P173–V02/P175Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V02/P173–V02/P175)

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن أجنب حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله ، لأنا دللنا على أن ذلك يحرم على المحدث ، فلأن يحرم على الجنب أولى ، ويحرم عليه قراءة القرآن ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن ( ويحرم عليه اللبث في المسجد ) ولا يحرم عليه العبور لقوله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل النساء البويطي : ويكره له أن ينام حتى يتوضأ ، لما روى أن عمر رضي الله عنه قال : يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب قال : نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد قال أبو علي الطبري : وإذا أراد أن يطأ أو يأكل أو يشرب توضأ ، ولا يستحب ذلك للحائض لأن الوضوء لا يؤثر في حدثها ويؤثر في حدث الجنابة ، لأنه يخففه ويزيله من أعضاء الوضوء . + الشرح : هذا الفصل مشتمل على جمل ويتعلق به فروع كثيرة منتشرة ، فالوجه أن نشرح كلام المصنف مختصرا ثم نعطف عليه مذاهب العلماء ثم الفروع والمتعلقات ، أما الآية الكريمة فسيأتي تفسيرها والمراد بها في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما حديث ابن عمر : لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن فرواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم وهو حديث ضعيف ضعفه البخاري والبيهقي وغيرهما ، والضعف فيه بين ، وسنذكر في فرع مذاهب العلماء غيره مما يغني عنه وأما حديث عمر رضي الله عنه فصحيح رواه البخاري ومسلم . وقوله : فلأن يحرم على الجنب هو بفتح اللام ، وقد سبق إيضاحه في باب الآنية ثم في مواضع . وقوله : لا يقرأ الجنب ، بكسر الهمزة ، وروى بضمها على الخبر ، الذي يراد به النهي وهما صحيحان ، وممن ذكرهما القاضي أبو الطيب في هذا الموضع من تعليقه ونظائرهما كثيرة مشهورة واللبث هو الإقامة . قال أهل اللغة : يقال لبث بالمكان وتلبث أي أقام قال الأزهري وصاحب المحكم وغيرهما : يقال لبث يلبث لبثا ولبثا بإسكان الباء وفتحها زاد في المحكم ولباثة ولبيثة ، يعني بفتح اللام فيهما . وأما الجنابة فأصلها في اللغة البعد وتطلق في الشرع على من أنزل المني ، وعلى من جامع وسمي جنبا ، لأنه يجتنب الصلاة والمسجد والقراءة ويتباعد عنها ، ويقال : أجنب الرجل يجنب وجنب بضم الجيم وكسر النون ، يجنب بضم الياء وفتح النون ولغتان مشهورتان ، الأولى أفصح وأشهر ، يقال رجل جنب ورجلان ورجال وامرأة وامرأتان ونسوة جنب بلفظ واحد ، قال الله تعالى : وإن كنتم جنبا فاطهروا المائدة : 5 قال أهل اللغة : ويقال : جنبان وأجناب فيثنى ويجمع والأول أفصح وأشهر . وأما حكم المسألة : فيحرم على الجنب ستة أشياء الصلاة والطواف ومس المصحف وحمله واللبث في المسجد وقراءة القرآن ، فأما الأربعة الأولى فتقدم شرحها وما يتعلق بها في باب ما ينقض الوضوء ، وأما قراءة القرآن فيحرم كثيرها وقليلها حتى بعض آية ، وكذا يحرم اللبث في جزء من المسجد ولو لحظة . وأما العبور فلا يحرم ، وقد ذكر المصنف دليل الجميع ، قال أصحابنا : ويكره للجنب أن ينام حتى يتوضأ ، ويستحب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يطأ من وطئها أولا أو غيرها أن يتوضأ وضوءه للصلاة ويغسل فرجه في كل هذه الأحوال ولا يستحب هذا الوضوء للحائض والنفساء ، نص عليه الشافعي في البويطي واتفق عليه الأصحاب ، ودليله ما ذكره المصنف أن الوضوء لا يؤثر في حدثها لأنه مستمر ، فلا تصح الطهارة مع إستمراره ، وهذا ما دامت حائضا ، فأما إذا انقطع حيضها فتصير كالجنب يستحب لها الوضوء في هذه المواضع ، لأنه يؤثر في حدثها كالجنب .

قسم V02/P175–V02/P177Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V02/P175–V02/P177)

وهذا الذي قلناه وقاله المصنف والأصحاب أن الوضوء يؤثر في حدث الجنب ويزيله عن أعضاء الوضوء هو الصحيح الذي قطع به الجمهور وخالف فيه إمام الحرمين ، فقال : لا يرتفع شيء من الحدث حتى تكمل الطهارة . وقد سبق بيان هذه المسائل في المسائل الزوائد في آخر صفة الوضوء ودليل استحباب الوضوء وغسل الفرج في هذه الأحوال أحاديث صحيحة منها حديث عمر رضي الله عنه قال : يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب فقال : نعم إذا توضأ رواه البخاري ومسلم . وفي الصحيحين عن ابن عمر قال : ذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تصيبه الجنابة من الليل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ واغسل ذكرك ثم نم وعن عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام ، وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة رواه البخاري ومسلم هذا لفظ البخاري . وفي رواية مسلم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام وفي رواية له كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه . وعن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للجنب إذا أكل أو شرب أو نام أن يتوضأ رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، ومعناه إذا أراد أن يأكل . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود ، فليتوضأ بينهما وضوءا رواه مسلم . زاد البيهقي في رواية فإنه أنشط للعود . وأما حديث ابن عباس في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من الليل فقضي حاجته ثم غسل وجهه ويديه ثم نام فالمراد بحاجته الحدث الأصغر . وأما حديث أبي إسحاق السبيعي بفتح السين المهملة عن الأسود عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب ولا يمس ماء رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم ، فقال أبو داود عن يزيد بن هارون : وهم السبيعي في هذا . يعني قوله ولا يمس ماء . وقال الترمذي : يرون أن هذا غلط من السبيعي . وقال البيهقي : طعن الحفاظ في هذه اللفظة وتوهموها مأخوذة عن غير الأسود وأن السبيعي دلس ، قال البيهقي : وحديث السبيعي بهذه الزيادة صحيح من جهة الرواية لأنه بين سماعه من الأسود والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لرده . قلت : قالت طائفة من أهل الحديث والأصول : إن المدلس لا يحتج بروايته وإن بين السماع ، والصحيح الذي عليه الجمهور ، أنه إذا بين السماع احتج به ، فعلى الأول لا يكون الحديث صحيحا ، ولا يحتاج إلى جواب ، وعلى الثاني جوابه من وجهين . أحدهما : ما رواه البيهقي عن ابن سريج رحمه الله واستحسنه البيهقي أن معناه : لا يمس ماء للغسل ، لنجمع بينه وبين حديثها الآخر ، وحديث عمر الثابتين في الصحيحين . والثاني : أن المراد أنه كان يترك الوضوء في بعض الأحوال ليبين الجواز إذ لو واظب عليه لاعتقدوا وجوبه ، وهذا عندي حسن أو أحسن ، وثبت في الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على نسائه بغسل واحد ، وهن تسع نسوة . فيحتمل أنه كان يتوضأ بينها ، ويحتمل ترك الوضوء لبيان الجواز ، وفي رواية لأبي داود أنه طاف على نسائه ذات ليلة يغتسل عند هذه وعند هذه فقيل يا رسول الله ألا تجعله غسلا واحدا فقال : هذا أزكى وأطيب وأطهر قال أبو داود : والحديث الأول أصح .

قسم V02/P177–V02/P179Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V02/P177–V02/P179)

قلت : وإن صح هذا الثاني حمل على أنه كان في وقت وذاك في وقت ، والحديثان محمولان على أنه كان برضاهن إن قلنا بالأصح ، وقول الأكثرين أن القسم كان واجبا عليه صلى الله عليه وسلم في الدوام ، فإن القسم لا يجوز أقل من ليلة ليلة برضاهن والله أعلم . فرع : روى أبو داود والنسائي بإسناد جيد عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا جنب ولا كلب قال الخطابي المراد الملائكة الذي ينزلون بالرحمة والبركة لا الحفظة لأنهم لا يفارقون الجنب ولا غيره . قال : وقيل لم يرد بالجنب من أصابته جنابة فأخر الإغتسال إلى حضور الصلاة ولكنه الجنب الذي يتهاون بالغسل ويتخذ تركه عادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام وهو جنب ويطوف على نسائه بغسل واحد . قال : وأما الكلب فهو أن يقتني كلبا لغير الصيد والزرع والماشية وحراسة الدار ، قال : وأما الصورة فهي كل مصور من ذوات الأرواح ، سواء كان على جدار أو سقف أو ثوب . هذا كلام الخطابي وفي تخصيصه الجنب بالمتهاون والكلب بالذي يحرم اقتناؤه نظر وهو محتمل . فرع : هذا الذي ذكرناه من كراهة النوم قبل الوضوء للجنب هو مذهبنا وبه قال أكثر السلف أو كثير منهم حكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي سعيد الخدري وشداد بن أوس وعائشة والحسن البصري وعطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق واختاره ابن المنذر قال : وقال سعيد بن المسيب وأصحاب الرأي : هو بالخيار ، دليلنا الأحاديث السابقة والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في قراءة الجنب والحائض ، مذهبنا أنه يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن قليلها وكثيرها حتى بعض آية وبهذا قال أكثر العلماء كذا حكاه الخطابي وغيره عن الأكثرين ، وحكاه أصحابنا عن عمر بن الخطاب وعلي وجابر رضي الله عنهم والحسن والزهري والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق . وقال داود : يجوز للجنب والحائض قراءة كل القرآن ، وروى هذا عن ابن عباس وابن المسيب ، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما : واختاره ابن المنذر ، وقالمالك : يقرأ الجنب الآيات اليسيرة للتعوذ ، وفي الحائض روايتان عنه إحداهما : تقرأ والثانية : لا تقرأ ، وقال أبو حنيفة : يقرأ الجنب بعض آية ولا يقرأ آية وله رواية كمذهبنا . واحتج من جوز مطلقا بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله تعالى على كل أحيانه رواه مسلم قالوا : والقرآن ذكر ولأن الأصل عدم التحريم . واحتج أصحابنا بحديث ابن عمر المذكور في الكتاب لكنه ضعيف كما سبق وعن عبد الله بن سلمة . بكسر اللام ، عن علي رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فيقرأ القرآن ولم يكن يحجبه ، وربما قال : يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم . قال الترمذي : حيث حسن صحيح ، وقال غيره من الحفاظ المحققين : هو حديث ضعيف ورواه الشافعي في سنن حرملة ثم قال : إن كان ثابتا ففيه دلالة على تحريم القراءة على الجنب . قال البيهقي : ورواه الشافعي في كتاب جماع الطهور ، وقال : وإن لم يكن أهل الحديث يثبتونه ، قال البيهقي : وإنما توقف الشافعي في ثبوته لأن مداره على عبد الله بن سلمة وكان قد كبر وأنكر من حديثه وعقله بعض النكرة وإنما روى هذا الحديث بعدما كبر ، قاله شعبة ، ثم روى البيهقي عن الأئمة تحقيق ما قال ، ثم قال البيهقي : وصح عن عمر رضي الله عنه أنه كره القراءة للجنب ، ثم رواه بإسناده عنه .

قسم V02/P179–V02/P181Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V02/P179–V02/P181)

وروى عن علي لا يقرأ الجنب القرآن ولا حرفا واحدا ، وروى البيهقي عن عبد الله بن مالك الغافقي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل وإسناده أيضا ضعيف . واحتج أصحابنا أيضا بقصة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه المشهورة : أن امرأته رأته يواقع جارية له ، فذهبت فأخذت سكينا وجاءت تريد قتله ، فأنكر أنه واقع الجارية وقال أليس قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنب أن يقرأ القرآن قالت : بلى فأنشدها الأبيات المشهورة فتوهمتها قرآنا فكفت عنه ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فضحك ولم ينكر عليه . والدلالة فيه من وجهين أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه قوله : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن والثاني : أن هذا كان مشهورا عندهم يعرفه رجالهم ونساؤهم ، ولكن إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع . وأجاب أصحابنا عن احتجاج داود بحديث عائشة بأن المراد بالذكر غير القرآن ، فإنه المفهوم عند الإطلاق . وأما المذاهب الباقية فقد سلموا تحريم القراءة في الجملة ، ثم ادعوا تخصيصا لا مستند له . فإن قالوا : جوزنا للحائض خوف النسيان ، قلنا : يحصل المقصود بتفكرها بقلبها . والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في مكث الجنب في المسجد وعبوره فيه بلا مكث ، مذهبنا أنه يحرم عليه المكث في المسجد جالسا أو قائما أو مترددا أو على أي حال كان ، متوضئا كان أو غيره ، ويجوز له العبور من غير لبث ، سواء كان له حاجة أم لا ، وحكى ابن المنذر مثل هذا عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وسعيد بن جبير وعمرو بن دينار ومالك . وحكى عن سفيان الثوري وأبي حنيفة وأصحابه وإسحاق بن راهوية أنه لا يجوز له العبور إلا أن لا يجد بدا منه فيتوضأ ثم يمر . وقال أحمد : يحرم المكث ويباح العبور لحاجة ولا يباح لغير حاجة . قال : ولو توضأ استباح المكث . وجمهور العلماء على أن الوضوء لا أثر له في هذا . وقال المزني وداود وابن المنذر : يجوز للجنب المكث في المسجد مطلقا . وحكاه الشيخ أبو حامد عن زيد بن أسلم . واحتج من أباح المكث مطلقا بما ذكره ابن المنذر في الإشراف وذكره غيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المسلم لا ينجس رواه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة ، وبما احتج به المزني في المختصر واحتج به غيره أن المشرك يمكث في المسجد ، فالمسلم الجنب أولى ، وأحسن ما يوجه به هذا المذهب أن الأصل عدم التحريم ، وليس لمن حرم دليل صحيح صريح . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل النساء : 43 قال الشافعي رحمه الله في الأم : قال بعض العلماء بالقرآن : معناها ل تقربوا مواضع الصلاة . قال الشافعي : وما أشبه ما قال بما قال : لأنه ليس في الصلاة عبور سبيل إنما عبور السبيل في موضعها وهو المسجد ، قال الخطابي وعلى ما تأولها الشافعي تأولها أبو عبيدة معمر بن المثنى . قال البيهقي في معرفة السنن و الآثار : وروينا هذا التفسير عن ابن عباس قال وروينا عن جابر قال : كان أحدنا يمر في المسجد مجتازا وهو جنب وعن أفلت بن خليفة عن جسره بنت دجاجة عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء النبي صلى الله عليه وسلم وبيوت أصحابه شارعة في المسجد ، فقال وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه أبو داود وغيره .

قسم V02/P181–V02/P183Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî) (s. V02/P181–V02/P183)

قال البيهقي : ليس هو بقوي قال : قال البخاري عند جسرة عجائب وقد خالفها غيرها في سد الأبواب . وقال الخطابي ضعف هذا الحديث وقالوا : أفلت مجهول ، وقال الحافظ عبد الحق : هذا الحديث لا يثبت . قلت : وخالفهم غيرهم ، فقال أحمد بن حنبل لا أرى بأفلت بأسا وقال الدارقطني هو كوفي صالح وقال أحمد بن عبد الله العجلي جسرة تابعية ثقة وقد روى أبو داود هذا الحديث ولم يضعفه ، وقد قدمنا أن مذهبه أن ما رواه ولم يضعفه ولم يجد لغيره فيه تضعيفا فهو عنده صالح ، ولكن هذا الحديث ضعفه من ذكرنا ، وجسرة بفتح الجيم وإسكان السين المهملة ، وأفلت بالفاء . قال الخطابي : وجوه البيوت أبوابها ، وقال ومعنى وجهوها عن المسجد اصرفوا وجوهها عن المسجد . وأجاب أصحابنا عن احتجاجهم بحديث المسلم لا ينجس بأنه لا يلزم من عدم نجاسته جواز لبثه في المسجد . وأما القياس على المشرك فجوابه من وجهين : أحدهما : أن الشرع فرق بينهما ، فقام دليل تحريم مكث الجنب . وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس بعض المشركين في المسجد ، فإذا فرق الشرع لم يجز التسوية . والثاني : أن الكافر لا يعتقد حرمة المسجد فلا يكلف بها ، بخلاف المسلم وهذا كما أن الحربي لو أتلف على المسلم شيئا لم يلزمه ضمانه لأنه لم يلتزم الضمان بخلاف المسلم والذمي إذا أتلفا . واحتج من حرم المكث والعبور بحديث : لا أحل المسجد لحائض ولا جنب وبحديث سالم بن أبي حفصة عن عطية بن سعد العوفي المفسر عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك رواه الترمذي في جامعه في مناقب علي وقال : حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . قال أبو نعيم ضرار بن صرد : معناه لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك . قال الترمذي : سمع البخاري مني هذا الحديث واستغربه ، قالوا : ولأنه موضع لا يجوز المكث فيه ، فكذا العبور ، كالدار المغصوبة وقياسا على الحائض ومن في رجله نجاسة . واحتج أصحابنا بما احتج به الشافعي وغيره وهو قول الله تعالى : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل وتقدم ذكر الدلالة منها . قال أصحاب أبي حنيفة : المراد بالآية أن المسافر إذا أجنب وعدم الماء جاز له التيمم والصلاة وإن كانت الجنابة باقية ، لأن هذه حقيقة الصلاة . والجواب أن هذا الذي ذكروه ليس مختصا بالمسافر بل يجوز للحاضر فلا تحمل الآية عليه ، وأما ما ذكرناه فهو الظاهر ، وقد جاء الحديث وأقوال الصحابة وتفسيرهم على وفقه فكان أولى . واحتجوا بحديث جابر : كنا نمشي في المسجد جنبا لا نرى به بأسا رواه الدارمي بإسناد ضعيف ، ولأنه مكلف أمن تلويث المسجد فجاز عبوره كالمحدث . وأما الجواب عن حديثهم الأول فهو أنه إن صح حمل على المكث جمعا بين الأدلة ، وأما الثاني فضعيف لأن مداره على سالم بن أبي حفصة وعطية وهما ضعيفان جدا شيعيان متهمان في رواية هذا الحديث ، وقد أجمع العلماء على تضعيف سالم وغلوه في التشيع ، ويكفي في رده بعض ما ذكرنا ، لاسيما وقد استغربه البخاري إمام الفن ، على أنه لو صح لم يكن معناه ما ذكره أبو نعيم لأنه خلاف ظاهره ، بل معناه إباحة المكث في المسجد مع الجنابة ، وقد ذكر أبو العباس بن القاص هذا في خصائض النبي صلى الله عليه وسلم . وأما قياسهم على الدار المغصوبة ، فمنتقض بمواضع الخمور والملاهي والطرق الضيقة .

%0
10 Bölüm