قال أصحابنا : فإذا علم أن مع أحد الرفقة ماء وجب استيهابه ، فإن وهب له وجب قبوله ، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور ، ونقله المحاملي والبغوي وغيرهما ، عن نص الشافعي ، وفيه وجه أنه لا يلزمه قبول الهبة حكاه المتولي وآخرون من الخراسانيين وصاحب البيان وهو شاذ مردود إذ لا منة فيه . ووجه ثالث : أنه يجب قبول الهبة لكن لا يجب الإستيهاب . حكاه الشيخ أبو حامد والمحاملي وإمام الحرمين والغزالي والمتولي والبغوي وغيرهم لصعوبة السؤال على أهل المروءة ، كما لا يجب إستيهاب ثمن الرقبة في الكفارة ، والمذهب الأول لأنه لا منة بالماء في العادة بخلاف الرقبة ، ولهذا لو وهبت الرقبة إبتداء لم يجب قبولها بخلاف الماء ، هذا كله فيمن أراد التيمم ولم يسبق له طلب ، فإن كان سبق له طلب وتيمم ، وأراد تيمما آخر لبطلان الأول بحدث أو غيره أو لفريضة أخرى أو لغير ذلك ، فهل يحتاج إلى إعادة الطلب ينظر فإن احتمل ولو على ندور حصول الماء بأن انتقل من موضع التيمم أو طلع ركب أو سحابة أو نحو ذلك وجب الطلب بلا خلاف على حسب ما تقدم ، فكل موضع تيقن بالطلب الأول أن لا ماء فيه ولم يحتمل حدوث ماء فيه لهذا السبب لا يجب الطلب منه على أصح الوجهين عند الخراسانيين ، والذي ظن أن لا ماء فيه يجب الطلب منه بلا خلاف على الوجه الشاذ الذي قدمناه عن صاحب الإبانة . وأما إذا لم يحتمل حدوث ماء ولم يفارق موضعه فإن كان تيقن بالطلب الأول أن لا ماء فحكمه ما سبق أنه لا يلزمه الطلب على الأصح عند الخراسانيين ، وإن لم يتيقنه ، بل ظن العدم فإنه يكفي ذلك في الأول ، فهل يحتاج في الثاني إلى إعادة الطلب فيه وجهان مشهوران للخراسانيين . أصحهما عند إمام الحرمين وغيره : يحتاج ، وبه قطع البغوي ، وهو مقتضى إطلاق العراقيين ، بل صرح به جماعة منهم كالشيخ أبي حامد والماوردي لأنه قد يحصل ماء من بئر خفيت أو بدلالة شخص . فعلى هذا قال إمام الحرمين والبغوي وغيرهما : يكون الطلب الثاني أخف من الأول ولا يجب أن يطلب ثانيا من رحله لأنه علم أن لا ماء فيه علم إحاطة ، قال الشيخ أبو حامد : وإذا طلب ثانيا وصلى ثم حضرت صلاة أخرى وجب الطلب لها ثالثا وهكذا كلما حضرت صلاة ، قال : ولو كان عليه فوائت تيمم للأولى ، ولا يجوز التيمم للثانية إلا بعد طلب ثان ، وكذا يجب أن يطلب للثالثة وما بعدها قال : وكذا إذا أراد الجمع بين الصلاتين طلب للثانية وهذا الذي قاله فيه نظر . فرع : يجوز الجمع بين الصلاتين للمتيمم ، وإذا أوجبنا الطلب ثانيا لا يضر التفريق به بين الصلاتين لأنه خفيف وفيه وجه مشهور عن أبي إسحاق المروزي : أنه لا يجوز الجمع للمتيمم لحصول الفصل بالطلب وهو ضعيف في المذهب والدليل قال القاضي أبو الطيب وغيره : لأنه إذا جاز الفصل بينهما بالإقامة وليست بشرط فالتيمم الذي هو شرط أولى ، قالوا : ولأنا لا نكلفه في الطلب إلا أن يقف موضعه ويلتفت عن جوانبه ، وهذا لا يؤثر في الجمع والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في طلب الماء ، قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب الطلب إذا عدم الماء سواء رجاه أو توهمه ، وبه قال مالك وداود وهو رواية عن أحمد وقال أبو حنيفة : إن ظن وجوده بقربه لزمه وإلا فلا .
Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
النووي · AR
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن بذله له لزمه قبوله لأنه لا منة عليه في قبوله ، وإن باعه منه بثمن المثل وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه شراؤه ، كما يلزمه شراء الرقبة في الكفارة والطعام للمجاعة ، فإن لم يبذله له وهو غير محتاج إليه لنفسه لم يجز أن يكابره على أخذه كما يكابره على طعام يحتاج إليه للمجاعة وصاحبه غير محتاج إليه ، لأن الطعام ليس له بدل وللماء بدل . + الشرح : قوله : باعه منه صحيح ، وقد عده بعض الناس في لحن الفقهاء وقال : لا يقال : باع منه إنما يقال : باعه وليس كما قال بل هما جائزان ، وقد أوضحته في تهذيب الأسماء بدلائله وشواهده والشري والشراء : لغتان مقصور بالياء وممدود بالألف والمجاعة بفتح الميم هي المخمصة ، وهي شدة الجوع ، وهذه القطعة تشتمل على ثلاث مسائل : إحداها : إذا وهب له الماء لزمه قبوله ، هذا هو الصحيح المنصوص ، وبه قطع الأصحاب في الطرق ، وحكى صاحب التتمة و البيان وغيرهما وجها أنه لا يلزمه ، كما لا يلزمه قبول الرقبة للكفارة ، وهذا ليس بشيء لأن الماء لا يمن به في العادة بخلاف الرقبة ، ولو وهب له ثمن الماء لم يلزمه قبوله بالإتفاق ، ونقل إمام الحرمين الإجماع فيه ، ثم الصحيح المشهور أنه لا فرق بين هبة الأجنبي والقريب وذكر الدارمي وجماعة أن هبة الأب لابنه ثمن الماء وعكسه في وجوب قبولها وجهان كقبول المال ليحج به . وأما هبة آلة الإستقاء فكهبة ثمن الماء ، ذكره القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي والمتولي والبغوي وآخرون ، وأما إعارتها فقطع الجمهور بوجوب قبولها مطلقا وهو الصحيح فعلى هذا هل يلزمه طلب العارية فيه الوجهان السابقان في إستيهاب الماء ذكره الإمام والغزالي وغيرهما . أصحهما : يجب وانفرد الماوردي فقال : يلزمه الإستعارة إن كان ثمن الآلة قدر ثمن الماء فإن كان أكثر فوجهان أحدهما : لا يلزم لأنها قد تتلف فيضمنها والثاني : يلزم لأن الظاهر سلامتها والله أعلم . المسألة الثانية : إذا وجد الماء يباع بثمن مثله وهو واجد للثمن غير محتاج إليه لزمه شراؤه بلا خلاف ، ودليله ما ذكره المصنف ، وفي ثمن المثل ثلاثة أوجه مشهورة عند الخراسانيين . أحدها : أنه أجرة نقله إلى الموضع الذي هذا االمشتري فيه ، ويختلف ذلك ببعد المسافة وقربها ، وعلى هذا قال الرافعي : يجوز أن يعتبر الوسط المقتصد ، ويجوز أن يعتبر الحد الذي يسعى إليه المسافر عند تيقن الماء ، فإن ذلك الحد لو لم يقدر على السعي إليه بنفسه وقدر على بذل أجرة لمن ينقل له الماء منه لزمه . الوجه الثاني : يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في غالب الأوقات فإن الشربة الواحدة في وقت عزة الماء يرغب فيها بدنانير ، فلو كلفناه شراه بقيمته في الحال لحقه المشقة والحرج ، وبهذا الوجه قطع الشيخ أبو حامد والبندنيجي والماوردي والقاضي أبو الطيب والمحاملي وصاحب الشامل وحكوه عن أبي إسحاق المروزي ، واختاره الروياني . والوجه الثالث : يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في تلك الحالة فإن ثمن المثل يعتبر حالة التقويم ، وهذا الثالث هو الصحيح عند جمهور الأصحاب ، وبه قطع الدارمي وجماعة من العراقيين ، ونقله صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد ، ونقله إمام الحرمين عن الأكثرين قال : والوجه الأول بناه قائلوه على أن الماء لا يملك ، وهو وجه سخيف قال : والوجه الثاني أيضا ليس بشيء .
قال : وعلى طريقة الأكثرين الأقرب أن يقال : لا يعتبر ثمن الماء عند الحاجة إلى سد الرمق فإن ذلك لا ينضبط ، وربما رغب في الشربة حينئذ بدنانير ، ويبعد في الرخص والتخفيفات أن توجب ذلك على المسافر ، ولكن يعتبر الزمان والمكان من غير إنتهاء الأمر إلى سد الرمق ، وأما الغزالي رحمه الله فانفرد عن الأصحاب ، فاختار الوجه الأول قال الرافعي : ولم نر أحدا اختاره غيره وغير من تابعه والله أعلم . أما إذا لم يبع الماء إلا بأكثر من ثمن المثل فلا يلزمه شراه بلا خلاف لكن الأفضل أن يشتريه ، صرح به جماعة منهم أبو عبد الله الزبيري في كتابه الكافي ، قال أصحابنا : وسواء كثرت الزيادة على ثمن المثل أو قلت لا يلزمه الشراء ، هذا هو الصحيح المشهور وبه قطع الجمهور في كل الطرق ونص عليه الشافعي رحمه الله في الأم ، وفيه وجه أنه يجب شراه بزيادة يتغابن الناس بها ، وبه قطع البغوي ، وحكاه المتولي عن القاضي حسين بعد حكايته عن الأصحاب أنه لا فرق ، والمذهب ما سبق عن الجمهور لأن هذا القدر من المال محترم ولهذا لو خاف تلف شيء يسير من ماله لو ذهب إلى الماء لم يلزمه الذهاب ، وبهذا الذي ذكرناه عن جمهور أصحابنا ، قال جماهير علماء السلف والخلف وقال الثوري وأبو حنيفة : يلزمه شراؤه بالغبن اليسير ، وقال الحسن البصري يلزمه شراه بكل ماله والله أعلم . هذا إذا وجد ثمن الماء وهو غير محتاج إليه ، فإن وجده ولكنه يحتاج إليه لدين مستغرق أو نفقته ، أو نفقة من تلزمه نفقته من عياله أو مملوكه أو حيوانه المحترم أو غير ذلك من مؤن السفر في ذهابه ورجوعه من مأكوله ومشروبه ، وملبوسه ومركوبه لم يجب صرفه في الماء ، فإن فضل عن هذه الحاجات لزمه صرفه في الماء من أي نوع كان ماله ولو لم يكن معه ماء ولا ثمنه ووجد من يقرضه الماء وجب قبوله على المذهب ، وفيه وجه أنه لا يجب حكاه البغوي . ولو أقرضه ثمن الماء فإن لم يكن له مال غائب لم يلزمه قبوله بلا خلاف وإن كان فوجهان مشهوران ، قطع إمام الحرمين والغزالي بالوجوب ، والأصح أنه لا يجب ، صححه الرافعي وغيره ، لأنه لا يؤمن أن يطالبه قبل وصوله إلى ماله ، ولو وجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل فإن لم يكن له مال غائب لم يلزمه شراؤه بلا خلاف ، وإن كان فوجهان ، الصحيح يلزمه شراه ، وهو المنصوص في البويطي وبه قطع الجمهور . ممن قطع به القاضي أبو الطيب والبندنيجي والمحاملي في المجموع والفوراني وابن الصباغ والمتولي والشيخ نصر والبغوي وآخرون ، لأن الأجل لازم فلا مطالبة قبل حلوله بخلاف القرض . وشذ الماوردي فقطع بأنه لا يلزمه الشراء بمؤجل وإن كان مالكا للثمن في بلده ، لأنه يجوز أن يتلف ماله فيبقى الدين عليه وفي ذلك ضرر ، واختاره الشاشي ، والمختار الأول . وصورة المسألة أن يكون الأجل ممتدا إلى أن يصل بلد ماله ، ولا فرق بين أن يزاد في الثمن بسبب الأجل ما يليق به أو لا يزاد ، هذا هو الصحيح المشهور وفيه وجه أنه لا يلزمه إذا زاد على ثمن النقد وبه قطع القاضي حسين وهو شاذ ضعيف ، فإن قيل : لم قطعتم هنا بأنه لا يلزمه الشراء بمؤجل إذا لم يكن له مال غائب وقلتم فيمن لا يجد طول حرة ، ووجد حرة ترضى بمهر مؤجل لا يباح له نكاح الأمة في وجه ، فالجواب ما أجاب به المتولي وغيره أنه في النكاح تعلق به حق ثالث وهو الولد ، فإن ولد الأمة يكون رقيقا فراعينا حقه ، وهنا الحق لله تعالى ، وهو مبني على المسامحة مع أنه أتى ببدل .
ولو وجد آلة الإستقاء بالثمن أو الأجرة لزمه تحصيلها بثمن المثل أو أجرة المثل ، فإن زاد لم يجب ، كذا قاله الأصحاب . قال الرافعي : ولو قيل : يجب ما لم تجاوز الزيادة ثمن مثل الماء لكان حسنا ، وكذا العريان إذا وجد ثوبا يباع أو يؤجر يلزمه تحصيله بثمن المثل أو أجرة المثل إذا وجد . قال أصحابنا : وإذا لم يفعل ما أوجبناه عليه في هذه الصور كلها وصلى بالتيمم أثم ولزمه الإعادة إلا إذا وهب له الماء فلم يقبله فإنه يأثم ، وفي الإعادة تفصيل ، فإن كان الماء حال التيمم باقيا في يد الواهب وهو باق على هبته لم يصح تيممه ، وإن لم يكن الماء باقيا أو رجع عن هبته ففي الإعادة الوجهان فيمن أراق الماء سفها ، وسيأتي إيضاحهما حيث ذكرهما المصنف إن شاء الله تعالى . ولو وجد العريان ماء وثوبا يباعان ومعه ثمن أحدهما فقط لزمه شراء الثوب لأنه لا بدل له . قال البغوي : ولهذا يلزمه أن يشتري لعبده ساتر عورته ، ولا يلزمه شراء الماء لطهارته في السفر ، والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا احتاج إلى ماء الطهارة دون العطش ووجد الماء مع من لا يحتاج إليه فطلبه منه بيعا أو هبة أو قرضا فامتنع من ذلك لم يجز أن يقهره على أخذه بلا خلاف ، بخلاف ما لو احتاج إليه لشدة العطش وصاحبه غير محتاج إليه فإنه يقهره على أخذه ، لأن لماء الطهارة بدلا فيتيمم ويصلي ولا إعادة . قال أصحابنا : ولا يجب على صاحب الماء بذله لطهارة هذا المحتاج ، هذا هو الصحيح المشهور . وحكى صاحب البيان عن أبي عبيد بن حربويه من أصحابنا أنه قال : يلزمه . وحكى الدارمي عن أبي عبيد أنه حكاه عن بعض المتقدمين والمذهب الأول ، ولا يجوز للعاري أن يقهر صاحب الثوب على أخذه لستر العورة للصلاة فإن خاف من حر أو برد فله قهره إذا لم يضطر صاحبه إليه هكذا ذكره البغوي وغيره ، وهو كما ذكره . قال أصحابنا : وحيث قلنا يجوز أن يقهره ويكابره ، فإن قهره فأدى إلى هلاك المالك كان هدرا لأنه ظالم بمنعه ، وإن أدى إلى هلاك المضطر كان مضمونا لأنه مظلوم . قال أصحابنا : ولو كان مع المحتاج إلى ماء الطهارة ماء مغصوب أو مرهون أو وديعة تيمم وصلى ولا إعادة عليه ، ويحرم عليه أن يتوضأ به ، وهذا وإن كان ظاهرا فذكرته لأن بعض الناس قد يتساهل فيه ، فإن خالف وتوضأ به صح وإن كان عاصيا وأجزأته صلاته والله أعلم . وأما قول المصنف رحمه الله : ( لا يجوز أن يكابره على الماء للطهارة كما يكابره على طعام يحتاج إليه للمجاعة لأن الطعام لا بدل له وللماء بدل ) فهذا التعليل ينتقض بالعاري فإنه لا يجوز أن يكابر صاحب الثوب ، وإن كان لا بدل للثوب وإنما التعليل الصحيح أن المكابرة في الطعام جازت لحرمة الروح ، ولهذا حلت الميتة للمضطر وأما الطهارة بالماء فإنما تجب على من وجده ، وهذا لم يجده والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن دل على ماء ولم يخف فوت الوقت ولا إنقطاعا عن رفق ولا ضررا في نفسه وماله لزمه طلبه . + الشرح : الرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان وقوله رفق هو بالتنكير من غير تاء بعد القاف ، وهو يتناول رفقة كان معهم ورفقة يصادفهم الآن . وهذا الذي ذكره المصنف هو المذهب الصحيح المشهور ، وبه قطع العراقيون وكثير من الخراسانيين أو أكثرهم ، وعبروا بعبارة المصنف . وسلك إمام الحرمين والغزالي ومن تابعهما طريقة أخرى اختصرها الرافعي وهذبها فقال : إذا تيقن وجود الماء حواليه فله ثلاث مراتب . إحداها : أن يكون على مسافة ينتشر إليها النازلون في الإحتطاب والإحتشاش والبهائم في الرعي فيجب السعي إليه ، وهذا فوق حد الغوث الذي يسعى إليه عند التوهم ، قال الإمام محمد بن يحيى : ولعله يقرب من نصف فرسخ . المرتبة الثانية : أن يكون بعيدا بحيث لو سعى إليه لفاته وقت الصلاة فيتيمم ولا يسعى إليه لأنه فاقد في الحال ولو وجب انتظار الماء بعد الوقت لما جاز التيمم أصلا بخلاف واجد الماء فإنه لا يتيمم وإن خرج الوقت . قال الرافعي : والأشبه بكلام الأئمة أن الإعتبار من أول وقت الصلاة لو كان نازلا في ذلك المنزل ، ولا بأس باختلاف المواقيت والمسافات ، وعلى هذا لو انتهى إلى المنزل في آخر الوقت والماء في حد القرب وجب السعي إليه وإن فات الوقت كما لو كان الماء في رحله ، والأشبه أن يجعل وقت الحاضرة معيارا للفوائت والنوافل فإنها الأصل والمقصود بالتيمم غالبا . قلت : هذا الذي نقله الرافعي عن الأشبه بكلام الأئمة ليس بمقبول ، بل ظاهر عباراتهم أن الإعتبار بوقت طلب الماء . هذا هو الموجود في كتبهم وهو ظاهر نص الشافعي في الأم وغيره ، فإن عبارة الشافعي وعبارة الأصحاب كلهم كعبارة المصنف وهي صريحة فيما قلته ، والله أعلم . المرتبة الثالثة : أن يكون بين المرتبتين ، فيزيد على ما يتردد إليه للحاجات . ولا ينتهي إلى حد خروج وقت الصلاة ، فنص الشافعي فيما إذا كان الماء عن يمين المنزل أو يساره أنه يلزمه تحصيله ولا يجوز التيمم ، ونص فيما إذا كان في صوب مقصده أنه لا يجب السعي إليه ، واختلف الأصحاب فيه على طريقين أحدهما : تقرير النصين ، والفرق بأن المسافر قد يتيامن ويتياسر في حوائجه ، ولا يمضي في صوب مقصده ثم يرجع قهقرى ، وجوانب المنزل منسوبة إليه دون ما بين يديه والطريق الثاني : فيهما قولان بالنقل والتخريج ، وهو أظهر ، لأن المسافر ما دام سائرا لا يعتاد المضي يمينا وشمالا كما لا يرجع قهقرى ، وإذا كان نازلا ينتشر من الجوانب كلها ويعود ودليل الجواز أنه فاقد والمنع أنه قادر على تحصيله . قال الرافعي : وما ذكرناه من الطريقين هو نقل إمام الحرمين والغزالي في آخرين وقال صاحب التهذيب : إن كان الماء في طريقه وتيقن وصوله إليه قبل خروج الوقت ، وصلى في الوقت بالتيمم جاز على المذهب . وقال في الإملاء : لا يجوز بل يؤخر حتى يصل إلى الماء ، وإن كان الماء على يمينه أو يساره أو وراءه لم يلزمه إتيانه وأن أمكن في الوقت ، لأن في زيادة الطريق مشقة عليه ، كما لو وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل . وقيل : لا فرق ، بل متى أمكنه أن يأتي الماء في الوقت من غير خوف فلا فرق بين أن يكون عن يمينه أو يساره أو أمامه ففي جواز التيمم قولان .
قال الرافعي : وبين هذا المذكور في التهذيب وبين الأول بعض المخالفة توجيها وحكما ، أما التوجيه فظاهر ، وأما الحكم فلأن هذا الكلام إنما يستمر في حق السائر ، ومقتضاه نفي الفرق بين الجوانب في حق النازل في المنزل لأنه يحتاج إلى الرجوع إلى المنزل من أي جانب مضى إليه ، وفي زيادة الطريق مشقة . وأما الكلام الأول فمقتضاه الفرق بين الجوانب في حق النازل أيضا إلا أن ذلك الفرق ممنوع كما سبق . وأيضا فإن مقتضى الأول أن السعي إلى ما عن اليمين واليسار أولى بالإيجاب ، ومقتضى كلام التهذيب أن الإيجاب فيما على صوب المقصد أولى . قال الرافعي : واعلم أن المذهب جواز التيمم وإن علم وصوله إلى الماء في آخر الوقت . وإذا جاز التيمم لمن يعلم الوصول إلى الماء في صوب مقصده فأولى أن يجوز للنازل في بعض المراحل إذا كان الماء عن يمينه أو يساره لزيادة مشقة السعي إليه ، وإذا جاز للنازل فالسائر أولى بالجواز . هذا كله في حق المسافر . وأما المقيم فذمته مشغولة بالقضاء لو صلى بالتيمم فليس له أن يصلي بالتيمم وإن خاف فوت الوقت لو سعى إلى الماء . هذا آخر كلام الرافعي والله أعلم . قال أصحابنا : والإعتبار في الدلالة على الماء بدلالة ثقة ، وهو من يقبل خبره من رجل أو امرأة أو عبد أو أعمى ، ولا أثر لقول فاسق ومغفل وغيرهما ممن لا يقبل خبره والله أعلم . وأما قول المصنف ( ولم يخف ضررا في نفسه وماله ) فكذا قاله أصحابنا ، قالوا : إذا كان بقربه ماء يخاف لو سعى إليه ضررا على نفسه من سبع أو عدو أو غيرهما ، أو على ماله الذي معه أو الذي في منزله من غاصب أو سارق أو غيرهما فله التيمم ، وهذا الماء كالمعدوم . قال أصحابنا : وهكذا لو كان في سفينة ولا ماء معه وخاف الضرر لو استقى من البحر فله التيمم ولا إعادة عليه . قال أصحابنا : والخوف على بعض أعضائه كالخوف على نفسه . قالوا : ولا فرق في المال الذي يخاف عليه بين الكثير والقليل ، إلا أن يكون قدرا يجب إحتماله في تحصيل الماء ثمنا أو أجرة ، وأما إذا خاف الإنقطاع عن رفقة ، فقد أطلق المصنف أنه لا يلزمه الذهاب إلى الماء ، وهكذا أطلقه الجمهور . وقال جماعة : إن كان عليه ضرر في الإنقطاع عن الرفقة فله التيمم ، وإلا فوجهان أصحهما له التيمم أيضا ، وهما قريبان من الوجهين في نفقة الرجوع في الحج لمن لا أهل له هل تشترط أم لا مأخذهما في الموضعين أنه ضرر عليه ولكنه تفوته الألفة والمؤانسة والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن طلب فلم يجد فتيمم ثم طلع عليه ركب قبل أن يدخل في الصلاة لزمه أن يسألهم عن الماء فإن لم يجد معهم الماء أعاد التيمم لأنه لما توجه الطلب بطل التيمم . + الشرح : قال أهل اللغة : الركب هم ركبان الإبل العشرة ونحوهم ، وهو مختص بركبان الإبل ، هذا أصله . ومراد أصحابنا بالركب جماعة يجوز أن يكون معهم ماء ، سواء كانوا على دواب أو رجالة . قال أصحابنا : فإذا تيمم بعد الطلب ثم حدث ما يحتمل القدرة على الماء بسببه بطل تيممه ، وإن بان أنه لا قدرة له على الماء ، وذلك بأن رأى جماعة أقبلت أو سحابة أظلت بقربه أو سرابا ظنه ماء أو ماء توهمه طاهرا فكان نجسا ، أو بئرا توهم أن فيها ماء فلم يكن ، أو أنه يمكن نزولها فلم يمكن وما أشبه هذا لأن التيمم يراد لإباحة الصلاة ، فإذا رأى هذه الأشياء توجه الطلب ، وإذا توجه بطل التيمم لأنه خرج عن الإباحة . هذا إذا لم يكن هناك مانع يمنع وجوب الوضوء على تقدير كونه ماء ، فإن كان لم يبطل تيممه ، لأن التيمم يجوز في هذه الحالة إبتداء قال إمام الحرمين وغيره : ضابط المذهب أن التمكن من استعمال الماء أو توهم التمكن يبطل تيممه فلو رأى بئرا فيها ماء ولا يمكنه النزول فيها ولا دلو أو لا حبل معه فإن علم أول ما رآها أنه لا يقدر عليها لم يبطل تيممه وإلا بطل ، ولو طلع عليه جماعة عراة لم يبطل تيممه ، ولو رأى ماء وسبعا أو عدوا يمنعه منه فإن رأى الماء أولا ثم رأى المانع بطل تيممه وإن رأى المانع أولا أو رآهما معا لم يبطل . قال أصحابنا : ولو سمع بعد التيمم رجلا يقول : معي ماء ، بطل تيممه وإن بان كاذبا ، ولو سمعه يقول : أودعني فلان ماء أو غصبت من فلان ماء لم يبطل تيممه إن كان فلان غائبا ، فإن كان حاضرا بطل لإمكان طلبه منه ، ولو قال : معي ماء أودعنيه فلان أو غصبته من فلان بطل تيممه على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، ونقله المتولي عن الأصحاب لأنه أطمعه في الماء بتقديم ذكره ، وفيه احتمال للقاضي حسين أنه لا يبطل على قولنا : لا يتبعض الإقرار وضعفه البغوي والشاشي وغيرهما . قال الشاشي في المعتمد : لأنه لا فرق في الإقرار بين قوله : له علي ألف من ثمن خمر ، وقوله : له علي من ثمن خمر ألف ، في أن الجميع على قولين لأنه وصل إقراره بما يبطله ، سواء تقدم ذكر الخمر أو تأخر . وهنا المؤثر في التيمم توجه الطلب ، ثم إن جاز أن يخرج قولا إلى التيمم من الإقرار لم لا يجوز أن يخرج في قوله : عندي ماء أودعنيه فلان قولا أنه لا يبطل لأنه لما وصله بآخر كلامه بان أنه لا يقدر عليه ، وقد وافق القاضي في بطلان تيممه في هذه الصورة والله أعلم . وأما قول المصنف : فإن لم يجد معهم الماء أعاد الطلب فقد سبق بيان الخلاف فيه ، وأنه إذا قلنا بوجوب الطلب كان أخف من الطلب الأول والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن طلب ولم يجد جاز له التيمم لقوله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا وهل الأفضل أن يقدم التيمم أو الصلاة أم لا ينظر فإن كان على ثقة من وجود الماء في آخر الوقت فالأفضل أن يؤخر التيمم فإن الصلاة في أول الوقت فضيلة ، والطهارة بالماء فريضة فكان انتظار الفريضة أولى ، وإن كان على إياس من وجوده فالأفضل أن يتيمم ويصلي لأن الظاهر أنه لا يجد الماء ، فلا يضيع فضيلة أول الوقت لأمر لا يرجوه ، وإن كان يشك في وجوده ففيه قولان أحدهما : إن تأخيرها أفضل لأن الطهارة بالماء فريضة والصلاة في أول الوقت فضيلة فكان تقديم الفريضة أولى . والثاني : أن تقديم الصلاة بالتيمم أفضل وهو الأصح لأن فعلها في أول الوقت فضيلة متيقنة والطهارة بالماء مشكوك فيها فكان تقديم الفضيلة المتيقنة أولى . + الشرح : إذا عدم الماء بعد طلبه المعتبر جاز له التيمم للآية والأحاديث الصحيحة والإجماع ، ولا فرق في الجواز بين أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت أو لا يتيقنه هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة . ونقل المحاملي في المجموع الإجماع عليه ، وكذا نقل الشيخ أبو حامد وغيره أنه لا خلاف فيه ، وحكى صاحبا التتمة و التهذيب قولا للشافعي نص عليه في الإملاء : أنه لا يجوز التيمم إذا علم وصوله إلى الماء قبل خروج الوقت وهو شاذ ضعيف لا تفريع عليه ، وإنما التفريع على المذهب وهو الجواز ثم إن الجمهور أطلقوا الجواز ، وقال الماوردي : هذا إذا تيقن وجود الماء في غير منزله ، أما إذا تيقن أنه يجده في آخر الوقت في منزله الذي هو فيه أول الوقت فيجب التأخير ، قال : ولا وجه لقول من أطلق من أصحابنا إستحباب التأخير ، فإذا قلنا بالمذهب فللعادم ثلاثة أحوال : أحدها : أن يتيقن وجود الماء في آخر الوقت ، بحيث يمكنه الطهارة والصلاة في الوقت فالأفضل أن يؤخر الصلاة ليأتي بها بالوضوء لأنه الأصل والأكمل هذا هو المذهب الصحيح المقطوع به في جميع الطرق وانفرد صاحب التتمة بحكاية وجه أن تقديم الصلاة في أول الوقت بالتيمم أفضل ، وحكاه الشيخ أبو محمد ، والصواب الأول . واحتج له الشيخ أبو حامد الاسفرايني والمحاملي وغيرهما بأن الوضوء أكمل من التيمم ، فكان راجحا على فضيلة أول الوقت ، ويؤيد هذا أن التيمم لا يجوز مع القدرة على الماء ، ويجوز تأخير الصلاة إلى آخر الوقت ، مع القدرة على الصلاة في أوله ، ولأن الوضوء هو الأصل ولهذا يصلي به صلوات . وأما تعليل المصنف بأن الوضوء فريضة فمشكل ، لأن التيمم إذا فعله وقع أيضا فريضة فالصحيح ما سبق من التعليل ، ونضم إليه أن فيه خروجا من الخلاف فإن نصه في الإملاء : أن هذا التيمم باطل . وهو أيضا مذهب الزهري ، فإنه لا يجوز التيمم حتى يخاف فوت الوقت . الحال الثاني : أن يكون على يأس من وجود الماء في آخر الوقت ، فالأفضل تقديم التيمم والصلاة في أول الوقت بلا خلاف ، لحيازة فضيلة أول الوقت ، وليس هنا ما يعارضها . الحال الثالث : أن لا يتيقن وجود الماء ، ولا عدمه وله صورتان . إحداهما : أن يكون راجيا ، ظانا الوجود ففيه قولان مشهوران في كتب الأصحاب ونص عليهما في مختصر المزني أصحهما باتفاق الأصحاب أن تقديم الصلاة بالتيمم في أول الوقت أفضل ، وهو نصه في الأم والثاني : : التأخير أفضل وهو نصه في الإملاء ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وأكثر العلماء . ودليلهما يعرف مما سبق . الصورة الثانية : أن يشك ، فلا يترجح الوجود على العدم ولا عكسه ، فطريقان ، قطع جمهور العراقيين بأنه على القولين ، كما في الرجاء والظن . ممن صرح بذلك المصنف هنا ، والشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي وآخرون .
والطريق الثاني : الجزم بأن التقديم أفضل صرح به القاضي حسين وصاحب العدة وغيرهما من الخراسانيين وأشار إليه البغوي وغيره . وعبارة إمام الحرمين والغزالي والمتولي وآخرين : إن كان يظن ، وبعضهم يقول : يرجو ففيه قولان . ولم يتعرضوا للشك ، وأما الرافعي فجزم في صورة الشك بالتقديم قولا واحدا ، قال : وإنما القولان إذا كان يظن ، قال : وربما وقع في كلام بعضهم ذكر القولين فيما إذا لم يظن الوجود ولا العدم ولا وثوق به . ولعل ذاك القائل أراد بالظن اليقين ، وهذا الذي أنكره الرافعي من نقل القولين في حال الشك المستوي الطرفين مردود ، فقد صرح بالقولين في حالة الشك الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي في التجريد ، فقالوا : لو كان لا يعلم وجود الماء في آخر الوقت ولا عدمه ، ولم يكن أحد الإحتمالين في وجوده وعدمه أقوى من الآخر ، ففيه القولان . هذا لفظ هؤلاء الثلاثة وهم شيوخ المذهب وصرح به غيرهم وهو مقتضى عبارة المصنف وآخرين في قولهم : وإن كان يشك ففيه قولان والله أعلم . قال إمام الحرمين وغيره : هذا الخلاف فيمن أراد أن يقتصر على صلاة واحدة فأما من تيمم وصلى في أول الوقت ، ثم صلى بالوضوء عند وجود الماء في آخره فهو النهاية في تحصيل الفضيلة والله أعلم . فرع : اختلف كلام الأصحاب في تأخير الصلاة عن أول الوقت إلى أثنائه لانتظار الجماعة ، فقطع أبو القاسم الداركي ، وأبو علي الطبري ، وصاحب الحاوي وآخرون من كبار العراقيين باستحباب التأخير وتفضيله على فضيلة أول الوقت ، وقطع أكثر الخراسانيين بأن تقديم الصلاة منفردا أفضل ، ونقل إمام الحرمين والغزالي في البسيط أنه لا خلاف فيه ، ونقل جماعات من الأصحاب أنه إن رجا الجماعة في آخر الوقت ولم يتحققها ففي إستحباب التأخير وجهان بناء على القولين في التيمم ، وحكى صاحب الشامل و البيان هذا عن الأصحاب مطلقا ، ونقل الروياني عن القاضي أبي علي البندنيجي أنه قال : قال الشافعي في الأم : التقديم أول الوقت منفردا أفضل ، وقال في الإملاء : التأخير للجماعة أفضل . وقال القاضي أبو الطيب : حكم الجماعة حكم التيمم ، إن تيقن الجماعة آخر الوقت فالتأخير أفضل ، وإن تيقن عدمها فالتقديم أفضل ، وإن رجا الأمرين فعلى القولين . وهذا الذي حكاه عن القاضي أبي الطيب هو الذي ذكره أبو علي البندنيجي في جامعه ، كذا رأيته في نسخة معتمدة منه ، فهذا كلام الأصحاب في المسألة . وقد ثبت في صحيح مسلم : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيجىء أئمة يؤخرون الصلاة عن أول وقتها ، قال : فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة فالذي نختاره أنه يفعل ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي مرتين مرة في أول الوقت منفردا لتحصيل فضيلة أول الوقت ، ومرة في آخره مع الجماعة لتحصيل فضيلتها ، وقد صرح أصحابنا باستحباب الصلاة مرتين على ما ذكرناه في باب صلاة الجماعة وسنبسطه هناك إن شاء الله تعالى . فإن أراد الإقتصار على صلاة واحدة فإن تيقن حصول الجماعة آخر الوقت فالتأخير أفضل لتحصيل شعارها الظاهر ، ولأنها فرض كفاية على الصحيح في مذهبنا وفرض عين على وجه لنا ، وهو قول ابن خزيمة من أصحابنا : وهو مذهب أحمد بن حنبل وطائفة ففي تحصيلها خروج من الخلاف ، ولم يقل أحد : يأثم بتأخيرها ، ويحتمل أن يقال : إن فحش التأخير فالتقديم أفضل وإن خف فالإنتظار أفضل والله أعلم .
فرع : قال صاحب البيان : هذان القولان فيمن ظن وجود الماء في آخر الوقت يجريان في المريض العاجز عن القيام إذا رجا القدرة على القيام في آخر الوقت ، وفي العاري إذا رجا السترة في آخر الوقت ، والمنفرد إذا رجا الجماعة في آخر الوقت هل الأفضل لهم تقديم الصلاة في أول الوقت على حالهم أم تأخيرها لما يرجونه قال : ولا يترك الترخص بالقصر في السفر ، وإن علم إقامته في آخر الوقت بلا خلاف ، وقال : قال صاحب الفروع : إن خاف فوت الجماعة لو أسبغ الوضوء وأكمله فإدراك الجماعة أولى من الإنحباس على إكمال الوضوء وفي هذا نظر . فرع : لو دخل المسجد والإمام في الصلاة وعلم أنه إن مشى إلى الصف الأول فاتته ركعة وإن صلى في أواخر الصفوف لم تفته فهذا لم أر فيه لأصحابنا ولا لغيرهم شيئا ، والظاهر أنه إن خاف فوت الركعة الأخيرة حافظ عليها ، وإن خاف فوت غيرها مشى إلى الصف الأول ، للأحاديث الصحيحة في الأمر بإتمام الصف الأول وفي فضله والإزدحام عليه والإستهام ، وخير صفوف الرجال أولها والله أعلم .