واحتج أصحابنا بحديث أبي قتادة في الهرة ليست بنجس وهو صحيح كما سبق بيانه ، قال البيهقي وغيره من أصحابنا : هذا الحديث هو عمدة المذهب ، واحتجوا برواية الشافعي عن إبراهيم بن محمد وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن أبيه عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : أتتوضأ بما أفضلت الحمر قال : نعم وبما أفضلت السباع وهذا الحديث ضعيف لأن الإبراهيمين ضعيفان جدا عند أهل الحديث لا يحتج بهما . وإنما ذكرت هذا الحديث وإن كان ضعيفا لكونه مشهورا في كتب الأصحاب ، وربما اعتمده بعضهم فنبهت عليه ولم يذكره الشافعي والمحققون من أصحابنا معتمدين عليه بل تقوية واعتضادا . واعتمدوا حديث أبي قتادة وقد قال البيهقيفي حديث الإبراهيمين : إذا ضمت أسانيده بعضها إلى بعض أخذت قوة . ومما احتج أصحابنا به ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج في ركب فيه عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو بن العاص : يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع فقال عمر بن الخطاب : يا صاحب الحوض لا تخبره فإنما نرد على السباع وترد . وموضع الدلالة أن عمر قال : نرد على السباع وترد علينا ولم يخالفه عمرو ولا غيره من الصحابة رضي الله عنهم ، وهذا الأثر إسناده صحيح إلى يحيى بن عبد الرحمن لكنه مرسل منقطع ، فإن يحيى وإن كان وثقه فلم يدرك عمر بل ولد في خلافة عثمان ، هذا هو الصواب . قال يحيى بن معين : يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عمر باطل ، وكذا قاله غير ابن معين إلا أن هذا المرسل له شواهد تقوية والمرسل عند الشافعي إذا اعتضد احتج به كما سبق بيانه في مقدمة الكتاب ، وهو حجة عند أبي حنيفة مطلقا فيحتج به عليهم . واحتج أصحابنا من القياس بأنه حيوان يجوز بيعه فكان سؤره طاهرا كالشاة . فإن قال المخالف : لا حجة لكم في هذه الأحاديث لأنها محمولة على ماء كثير فالجواب : أن الحديث عام فلا يخص إلا بدليل . فإن قالوا : هذا الخبر ورد قبل تحريم لحوم السباع ، فالجواب من أوجه أجاب بها الشيخ أبو حامد وغيره أحدها : هذا غلط فلم تكن السباع في وقت حلالا ، وقائل هذا يدعى نسخا والأصل عدمه الثاني : هذا فاسد إذ لا يسألون عن سؤره وهو مأكول اللحم ، فإنه لا فرق حينئذ بين السباع وغيرها الثالث : لو صح هذا وكان لحمها حلالا ثم حرم ، بقي السؤر على ما كان من الطهارة حتى يرد دليل تنجيسه . وأما الجواب عما احتجوا به من الخبر فمن أوجه أحدها : أنه تمسك بدليل الخطاب وهم لا يقولون به الثاني : أن السؤال كان عن الماء الذي ترده الدواب والسباع فتشرب منه وتبول فيه غالبا الثالث : أن الكلاب كانت من جملة ما يرد فالتنجيس بسببها ، ويدل على دخول الكلاب في ذلك أوجه : أحدها : أنه جاء في رواية : الدواب والسباع والكلاب الثاني : أنها من جملة السباع الثالث : أنها داخلة في الدواب . وأما قياسهم على الكلب فهو قياس في مقابلة النص فلا يقبل ولأن الكلب ورد الشرع بتغليظ نجاسته وغسلها سبعا للتنفير منه ، وأن الملائكة عليهم السلام لا تدخل بيتا فيه كلب ، وليس غيره في معناه فلا يصح قياسه عليه ، وهذا ما يتعلق بسؤر السباع جملة . وأما الهرة فاستدل أصحاب أبي حنيفة رحمه الله لكراهة سؤرها بحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا ومن ولوغ الهرة مرة ولأنها لا تجتنب النجاسة فكره سؤرها .
Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
النووي · AR
واحتج أصحابنا بحديث أبي قتادة وحديث عائشة وغير ذلك مما قدمناه واضحا ، ولأنه حيوان يجوز اقتناؤه لغير حاجة فكان سؤره طاهرا غير مكروه كالشاة . وأما الجواب : عن حديث أبي هريرة فهو أن قوله : من ولوغ الهرة مرة ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل هو مدرج في الحديث من كلام أبي هريرة موقوفا عليه ، كذا قاله الحفاظ ، وقد بين البيهقي وغيره ذلك ونقلوا دلائله وكلام الحفاظ فيه ، قال البيهقي : وروي عن أبي صالح عن أبي هريرة يغسل الإناء من الهرة كما يغسل من الكلب ، وليس بمحفوظ ، وعن عطاء عن أبي هريرة وهو خطأ من ليث بن أبي سليم ، إنما رواه ابن جريج وغيره عن عطاء من قوله ، قال : وروى عن ابن عمر كراهة الوضوء بفضل الهرة . قال الشافعي رحمه الله : الهرة ليست بنجس فنتوضأ بفضلها ونكتفي بالخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكون في أحد قال خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة ، قال أصحابنا : ولو صح حديث أبي هريرة لم يكن فيه دليل لأنه متروك الظاهر بالاتفاق ، فإن طاهره يقتضي وجوب غسل الإناء من ولوغ الهرة ولا يجب ذلك بالإجماع . قال البيهقي : وزعم الطحاوي أن حديث أبي هريرة صحيح ولم يعلم أن الثقة من أصحابه ميزه من الحديث وجعله من قول أبي هريرة . وأما قولهم : لا تجتنب النجاسة فمنتقض باليهودي وشارب الخمر فإنه لا يكره سؤرهما والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن ورد على ماء فأخبره رجل بنجاسته لم يقبل حتى يبين بأي شيء نجس لجواز أن يكون رأى سبعا ولغ فيه فاعتقد أنه نجس بذلك . فإن بين النجاسة قبل منه كما يقبل ممن يخبره بالقبلة ، ويقبل في ذلك قول الرجل والمرأة والحر والعبد ، لأن أخبارهم مقبولة . ويقبل قول الأعمى لأن له طريقا إلى العلم بالحس والخبر ، ولا يقبل فيه قول صبي ولا فاسق ولا كافر ، لأن أخبارهم لا تقبل . + الشرح : إذا أخبره ثقة بنجاسة أو ماء أو ثوب أو طعام وغيره فإن بين سبب النجاسة وكان ذلك السبب يقتضي النجاسة بلا خلاف لأن خبره مقبول ، وهذا من باب الخبر لا من باب الشهادة ، ويقبل في هذا المرأة والعبد والأعمى بلا خلاف لأن خبرهم مقبول ولا يقبل فاسق وكافر بلا خلاف ، ولا مجنون وصبي لا يميز ، وفي الصبي المميز وجهان الصحيح لا يقبل وبه قطع الجمهور كما قطع به المصنف ، ونقله البندنيجي والروياني عن نص الشافعي لأنه لا يوثق بقوله . والثاني : يقبل لأنه غير متهم ، حكاه جماعات من الخراسانيين وصاحب البيان وقطع به المحاملي في المجموع والقاضي أبو الطيب ، وقال البغوي : هو الأصح ، وطردوا الوجهين في روايته حديث النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ، والصحيح المنع مطلقا ، أما ما تحمله في الصبا وهو مميز ثم بلغ ورواه وأخبر به فيقبل على المشهور الذي قطع به الجمهور ، وفيه خلاف ضعيف سنوضحه في موضعه ، حيث ذكره المصنف من كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى . هذا إذا بين سبب النجاسة ، فإن لم يبين لم يقبل ، هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب ، قال الشيخ أبو حامد : نص عليه الشافعي رواه عنه المزني في الجامع الكبير . ثم إن الجمهور أطلقوا المسألة كما أطلقها المصنف . ممن أطلقها الشيخ أبو حامد والماوردي وابن الصباغ والمتولي وغيرهم ، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي وغيرهما : قال الشافعي : فإن كان يعلم من حال المخبر أنه يعلم أن سؤر السباع طاهر وأن الماء إذا بلغ قلتين لا ينجس قبل قوله عند الإطلاق ، هكذا نقل هؤلاء نص الشافعي ، وكذا قطع بهذا التفصيل في الفروق والبغوي والروياني وغيرهم ، ونقله صاحب العدة عن أصحابنا العراقيين ، ونقل صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد أنه نقله عن نص الشافعي ولم أر لأحد من أصحابنا تصريحا بمخالفته فهو إذن متفق عليه ، ومن أطلق المسألة فكلامه محمول على ما ذكره الإمام الشافعي صاحب المذهب ثم كبار أصحابنا . فرع : لو أخبره بنجاسته عدلان فهما كالعدل على التفصيل المتقدم ذكره الماوردي وهو ظاهر . فرع : قال أصحابنا : إذا أخبره مقبول الخبر بالنجاسة وجب قبوله ولا يجوز الاجتهاد بلا خلاف كما لا يجتهد المفتي إذا وجد النص ، وكما لا يجتهد إذا أخبره ثقة عن علم بالقبلة ووقت الصلاة وغير ذلك ، وقول المصنف : فإن بين النجاسة قبل منه أي لزمه قبوله . فرع : قال أصحابنا يقبل قول الكافر والفاسق في الإذن في دخول الدار وحمل الهدية كما يقبل قول الصبي فيهما ولا أعلم في هذا خلافا ، ذكر أكثر أصحابنا هذه المسألة في باب استقبال القبلة ، وممن ذكرها هناك صاحب الحاوي والقاضي أبو الطيب في تعليقه ، وقال : سمعت أبا الحسن الماسرجسي يقول : يقبل قول الكافر في ذلك . قلت : ودليل هذه الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدايا الكفار .
فرع : قول المصنف : يقبل في ذلك قول الأعمى لأن له طريقا إلى العلم بالحس والخبر الحس بالحاء يعني يدركه بإحدى الحواس الخمس ، وأما الخبر فهو السماع من ثقة واحد أو جماعة ، واعلم أن أصحابنا وغيرهم من الفقهاء يطلقون لفظ العلم واليقين والمعرفة ويريدون به الإعتقاد القوي ، سواء كان علما حقيقيا أو ظنا ، وهذا نحو ما قدمناه في استعمالهم لفظ الشك والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان معه إناءان فأخبره رجل أن الكلب ولغ في أحدهما قبل قوله ولم يجتهد لأن الخبر مقدم على الاجتهاد كما نقوله في القبلة ، وإن أخبره رجل أنه ولع في هذا دون ذاك وقال آخر : بل ولع في ذاك دون هذا حكم بنجاستهما ، لأنه يمكن صدقهما بأن يكون ولغ فيهما في وقتين ، وإن قال أحدهما : ولغ في هذا دون ذاك في وقت معين ، وقال الآخر : بل ولغ في ذلك دون هذا في ذلك الوقت بعينه فهما كالبينتين إذا تعارضتا ، فإن قلنا : أنهما تسقطان سقط خبرهما وجازت الطهارة بهما ، لأنه لم يثبت نجاسة واحد منهما ، وإن قلنا : لا تسقطان أراقهما أو صب أحدهما في الآخر ثم تيمم . + الشرح : أما المسألة الأولى وهي إذا أخبره ثقة بولوغ الكلب في أحد الإناءين بعينه فصورتها أن يكون له إناءان يعلم أن الكلب ولغ في أحدهما ولا يعلم عنه كذا صورها الإمام الشافعي في حرملة وكذا نقله عنه المحاملي في كتابيه ، وكذا صورها الشيخ أبو حامد وآخرون وهو واضح فيجب قبول خبره ويحكم بنجاسة ذلك المعين وطهارة الآخر ، وهذا لا خلاف فيه وحينئذ لا يجوز الاجتهاد . وأما المسألة الثانية وهي إذا أخبره ثقة بولوغه في ذا ، وثقة بولوغه في ذاك ، فيحكم بنجاستهما بلا خلاف أيضا نص عليه الشافعي في الأم وحرملة واتفق عليه الأصحاب لما ذكر المصنف من احتمال الولوغ في وقتين ، ومتى أمكن صدق المخبرين الثقتين وجب العمل بخبرهما . وأما المسألة الثالثة : وهي إذا أخبره ثقة بولوغه في ذا دون ذاك حين بدا حاجب الشمس يوم الخميس ، فقال الآخر : بل ولغ في ذاك دون ذا في ذلك الوقت ، فقد اختلف الأصحاب فيها فقطع الصيدلاني والبغوي بأنه يجتهد فيهما ويستعمل ما غلب على ظنه طهارته ، ولا يجوز أخذ أحدهما بغير اجتهاد لأن المخبرين اتفقا على نجاسة أحدهما فلا يجوز إلغاء قولهما ، وقطع أصحابنا العراقيون وجمهور الخراسانيين بأن المسألة تبنى على القولين المشهورين في البينتين إذا تعارضتا أصحهما تسقطان والثاني : يستعملان وفي الاستعمال ثلاثة أقوال : أحدها : بالقرعة والثاني : بالقسمة والثالث : يوقف حتى يصطلح المتنازعان . قالوا : إن قلنا يسقطان سقط خبر الثقتين وبقي الماء على أصل الطهارة ، فيتوضأ بأيهما شاء ، وله أن يتؤضأ بهما جميعا ، قالوا : لأن تكاذبهما وهن خبرهما ولا يمكن العمل بقولهما للتعارض فسقط ، قالوا : وإن قلنا تستعملان لم يجيء قول القسمة بلا خلاف وامتناعه واضح ، وأما القرعة فقطع الجمهور بأنها لا تجيء أيضا كما قطع به المصنف وحكى صاحب المذهب بضم الميم وإسكان الذال وجها أنه يقرع ويتوضأ بما اقتضت القرعة طهارته . وحكى هذا الوجه صاحب البيان وأشار إليه المحاملي في المجموع فقال : ويمكن الإقراع وهو شاذ ضعيف ، وأما الوقف فقد جزم المصنف بأنه لا يجيء فإنه جزم بأنه على قول الاستعمال يريقهما ووافقه على هذا صاحبه الشاشي صاحب المستظهري وهو شاذ . والصحيح الذي عليه الجمهور مجيء الوقف ، وممن صرح به الشيخ أبو حامد وصاحباه القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي في كتابيه المجموع والتجريد والبندينجي وصاحب الشامل وآخرون من العراقيين وصاحبا التتمة ، والبحر وآخرون من الخراسانيين ، قال القاضي أبو الطيب وصاحبا الشامل والتتمة وغيرهم : فعلى هذا يتيمم ويصلي ويعيد الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء محكوم بطهارته ، ووجه جريان الوقف أنه ليس هنا ما يمنعه بخلاف القسمة والقرعة . ووجه قول المصنف : لا يجيء الوقف القياس على من اشتبه عليه إناءان واجتهد وتحير فيهما ، فإنه يريقهما ويصلي بالتيمم بلا إعادة ، لأنه معذور في الإراقة ولم يقولوا بالوقف فكذا هنا .
فهذا ما ذكره الأصحاب واختار الشيخ أبو عمرو بن الصلاح أنه يجتهد على جميع أقوال الاستعمال ، لأن قول المخبرين على هذا القول مقبول ، وقد اتفقا على نجاسة أحد الإناءين دون الآخر فيجب العمل بذلك ويميز بالاجتهاد لأنه طريق للتمييز في هذا الباب بخلاف البينتين . وسلك إمام الحرمين طريقة أخرى انفرد بها فقال : إذا تعارض خبراهما وكان أحد المخبرين أوثق وأصدق عنده اعتمده كما إذا تعارض خبران وأحد الروايتين أوثق ، قال فإن استويا فلا تعلق بخبرهما . هذا كلام الإمام ومقتضاه : أنه إذا كان المخبر في أحد الطرفين أكثر رجح وعمل به وقد ذكر مثله صاحب البحر وهو الصحيح بل الصواب ، وخالف في ذلك صاحب البيان فقال : لا فرق بين أن يستوي المخبرون وبين أن يكون أحد الطرفين أكثر فالحكم واحد . وهذا الذي قاله ليس بشيء ، وليس هذا من باب الشهادات التي لها نصاب لا تأثير للزيادة عليه فلا يقع فيها ترجيح بزيادة العدد ، بل هو من باب الأخبار التي يترجح فيها بالعدد . ودليله أنه يقبل في النجاسة قول الثقة الواحد والعبد والمرأة بلا خلاف ، بخلاف الشهادة . فهذا ما ذكره الأصحاب وحاصله أوجه أرجحها عند الأكثرين أنه يحكم بطهارة الإناءين فيتوضأ بهما والثاني : يحكم بنجاسة أحدهما ويجب الاجتهاد وبه قطع الصيدلاني والبغوي الثالث : يقرع وهو ضعيف أو غلط والرابع : يوقف حتى يبين ويصلي بالتيمم ويعيد ، وهذه الأوجه إذا استوى المخبران في الثقة ، فإن رجح أحدهما أو زاد العدد عمل به على المذهب كما سبق والله أعلم . فرع : قوله : إن قلنا : تستعملان ، هو بالتاء المثناة فوق وكذا كل مؤنثتين غائبتين فبالمثناة فوق ، سواء ما له فرج حقيقي وغيره قال الله تعالى : إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا آل عمران : 221 ، ووجد من دونهم امرأتين تذودان القصص : 32 ، إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا فاطر : 14 ، فيهما عينان تجريان الرحمن : 05 وإنما نبهت بهذا لكثرة ما يلحن في ذلك والله أعلم . فرع : قال ثقة : ولغ الكلب في هذا الإناء في وقت بعينه ، وقال آخر : كان هذا الكلب في ذلك الوقت في مكان آخر ، فوجهان محكيان في المستظهري وغيره أصحهما أنه طاهر للتعارض كما سبق والثاني : نجس لأن الكلاب تشتبه وقال صاحب المستظهري : وهذا الوجه ليس بشيء . فرع : أدخل كلب رأسه في إناء وأخرجه ولم يعلم هل ولغ فيه قال صاحب الحاوي وغيره : إن كان فمه يابسا فالماء طاهر بلا خلاف ، وإن كان رطبا فوجهان أحدهما : يحكم بنجاسة الماء لأن الرطوبة دليل ظاهر على ولوغه فصار كالحيوان إذا بال في ماء لأن الرطوبة دليل ظاهر في ولوغه فصار كالحيوان إذا بال في ماء ثم وجده متغيرا حكم بنجاسته بناء على هذا السبب المعين ، وأصحهما : أن الماء باق على طهارته لأن الطهارة يقين ، والنجاسة مشكوك فيها ، ويحتمل كون الرطوبة من لعابه وليس كمسألة بول الحيوان ، لأن هناك تيقنا حصول النجاسة وهو سبب ظاهر في تغير الماء ، بخلاف هذا والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن اشتبه عليه ماءان طاهر ونجس تحرى فيهما فما غلب على ظنه طهارته منهما توضأ به لأنه سبب من أسباب الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال ، فجاز له الاجتهاد فيه عند الاشتباه كالقبلة . + الشرح : إذا اشتبه ماءان طاهر ونجس ففيه ثلاثة أوجه ، الصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور وتظاهرت عليه نصوص الشافعي رحمه الله أنه لا تجوز الطهارة بواحد منهما إلا إذا اجتهد وغلب على ظنه طهارته بعلامة تظهر ، فإن ظنه بغير علامة تظهر لم تجز الطهارة به والثاني : تجوز الطهارة به إذا ظن طهارته وإن لم تظهر علامة بل وقع في نفسه طهارته ، فإن لم يظن لم تجز . حكاه الخراسانيون وصاحب البيان والثالث : يجوز استعمال أحدهما بلا اجتهاد ، ولا ظن ، لأن الأصل طهارته حكاه الخراسانيون أيضا . قال إمام الحرمين وغيره : الوجهان الأخيران ضعيفان . والتفريع بعد هذا على المذهب وهو وجوب الاجتهاد واشتراط ظهور علامة ، سواء عندنا كان عدد الطاهر أكثر أو أقل حتى لو اشتبه إناء طاهر بمائة إناء نجسة تحرى فيها ، وكذلك الأطعمة والثياب ، وهذا مذهبنا وبمثله قال بعض أصحاب مالك ، وكذا قال بمثله أبو حنيفة في القبلة والأطعمة والثياب ، وأما الماء فقال : لا يتحرى إلا بشرط أن يكون عدد الطاهر أكثر من عدد النجس ، وقال أحمد وأبو ثور والمزني : لا يجوز التحري في المياه بل يتيمم ، وهذا هو الصحيح عند أصحاب مالك . ثم اختلف هؤلاء فقال أحمد : لا يتيمم حتى يريد الماء في إحدى الروايتين وقال المزني وأبو ثور : يتيمم ويصلي ولا إعادة وإن لم يرقه ، وقال عبد الملك بن الماجشون بكسر الجيم وضم الشين المعجمة من أصحاب مالك : يتوضأ بكل واحد ويصلي بعد الوضوءين ولا يعيد الصلاة وقال محمد بن سلمة من أصحاب مالك : يتوضأ بأحدهما ثم يصلي ثم يتوضأ بالآخر ثم يعيد الصلاة ، ونقل القاضي أبو الطيب عن أكثر العلماء جواز الاجتهاد في الثياب . قال ابن الماجشون ومحمد بن سلمة : يصلي في كل ثوب مرة ، وأجمعت الأمة على الاجتهاد في القبلة . احتج لأحمد والمزني بأنه إذا اجتهد قد يقع في النجس ، ولأنه اشتبه طاهر بنجس فلم يجز الاجتهاد كما لو اشتبه ماء وبول ، وأما الماجشون وابن سلمة فقالا : هو قادر على إسقاط الفرض بيقين باستعمالهما فلزمه ، واحتج أصحابنا على الطائفتين بالقياس على القبلة ، وبالقياس على الاجتهاد في الأحكام وفي التقويم المتلفات وإن كان قد يقع في الخطأ . وأما الجواب عن الماء والبول من أوجه أحدها : أن الاجتهاد يرد الماء إلى أصله بخلاف البول والثاني : أن الاشتباه في الماء يكثر فدعت الحاجة إلى الاجتهاد فيهما بخلاف الماء والبول والثالث : أن إلحاق المياه بالقبلة أولى ، وأما قول ابن الماجشون فضعيف بل باطل ، لأن أمره بالصلاة بنجاسة متيقنة وبالوضوء بماء نجس ، وأما أبو حنيفة فاحتج له في اشتراط زيادة عدد الطاهر بحديث الحسن بن علي رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك حديث حسن رواه الترمذي والنسائي ، قال الترمذي : حديث حسن صحيح . قالوا : فكثرة النجس تريب فوجب تركه والعدول إلى ما لا ريب فيه وهو التيمم قالوا : ولأن الأصول مقررة على أن كثرة الحرام واستواء الحلال والحرام يوجب تغليب حكمه في المنع كأخت أو زوجة اختلطت بأجنبية ، ولأنه استوى الطاهر والنجس فأشبه الماء والبول ، واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا واجد فلم يجز التيمم ، وقياسا على الثياب والأطعمة والقبلة فإنه يجوز الاجتهاد فيها باتفاقنا مع زيادة عدد الخطأ .
فإن قالوا : إنما جاز الاجتهاد في الثياب لأنها أخف حكما بدليل أنه يعفي عن النجاسة اليسيرة فيها ، فالجواب من وجهين أحدهما : لا نسلم أن الماء يخالف الثياب في هذا بل يعفى عن النجاسة فيه إذا بلغ قلتين ، وكذا في دون القلتين إذا كانت نجاسة لا يدركها الطرف أو ميتة لا نفس لها سائلة على الأصح فيهما الثاني : أن هذا الفرق لما لم يوجب فرقا بينهما إذا زاد عدد الطاهر لم يوجبه إذا استويا . فإن قالوا : إنما جاز الاجتهاد في الثياب لأن الضرورة تبيحها إذا لم يجد غيرها بخلاف الماء ، فالجواب من وجهين . أحدهما : لا نسلم أن الثوب النجس تباح الصلاة فيه لعدم غيره بل يصلي عاريا ولا إعادة . الثاني : لا يجوز اعتبار الاشتباه بحال الضرورة بل بحال الاختيار وهما فيه سواء . وأما الجواب : عن الحديث فهو أن الريبة زالت بغلبة الظن بطهارته وبقيت الريبة في صحة التيمم مع وجود هذا الماء ، وأما قياسهم على الأجنبية المشتبهة بأخته فجوابه من وجهين أحدهما : أنه قياس فاسد لأن الأخت مع أجنبية أو أجنبيات لا يجري فيهن التحري بحال ، بل إن اختلطت الأخت بمحصورات لم يجز نكاح واحدة منهن . وإن اختلطت بغير محصورات نكح من أراد منهن بلا تحر . وإذا لم يجز فيهن التحري بحال وقد اتفقنا على جريانه في الماء إذا كان الطاهر أكثر لم يصح إلحاق أحدهما بالآخر الثاني : أن الاشتباه في النساء نادر بخلاف الماء فدعت الحاجة إلى التحري فيه دونهن . وأما قياسهم على اختلاط زوجته بأجنبيات فجوابه من أربعة أوجه أحدها : ندرة ذلك بخلاف الماء الثاني : أن التحري يرد الشيء إلى أصله فالماء يرجع إلى أصله وهو الطهارة فأثر فيه الاجتهاد ، وأما الوطء فالأصل تحريمه الثالث : أن في مسألة الزوجة لو زاد عدد المباح لم يتحر بخلاف الماء الرابع : إذا تردد في فرع بين أصلين ألحق بأشبههما به وشبه المياه بالثياب والقبلة أكثر فألحق بها دون الزوجة . وأما قياسهم على الماء والبول فجوابه من أوجه ، أحدها : التحري يرد الماء إلى أصله وهو الطهارة بخلاف البول الثاني : الاشتباه في المياه يكثر وتعم به البلوى بخلاف الماء والبول الثالث : لا نسلم أن امتناع التحري في الماء والبول لعدم زيادة الطاهر ، بل لأن البول ليس مما يجتهد فيه بحال ولهذا ، لو زاد عدده لم يجز التحري والله أعلم . فرع : قول المصنف : توضأ به لأنه سبب من أسباب الصلاة يمكن التوصل إليه بالاستدلال فجاز الاجتهاد فيه عند الاشتباه كالقبلة الضمير في لأنه يعود إلى الوضوء أو التطهير الذي دل عليه قوله توضأ به ، وقوله : سبب أراد به الشرط ، فإن الوضوء شرط للصلاة لا سبب لها فإن الشرط ما يعدم الحكم لعدمه ، والسبب ما توصل به إلى الحكم ، فتساهل المصنف بإطلاق السبب على الشرط واحترز به عن الشك في عدد الركعات والركوع والسجود وغير ذلك من أجزاء الصلاة . وقوله : من أسباب الصلاة أي شروطها وقد صرح بما ذكرناه في باب طهارة البدن فيما إذا اشتبه ثوبان فقال : تحرى فيهما ، لأنه شرط من شروط الصلاة ، وفيه احتراز من الذكاة فإنها شرط ، ولكن ليست شرطا في الصلاة بل في حل الحيوان ولا يدخلها الاجتهاد فيما إذا اشتبهت ميتة بمذكاة . وقوله : يمكن التوصل إليه بالاستدلال احتراز مما إذا شك هل توضأ أم لا أو هل غسل عضوه أم لا ، ومن القبلة في حق الأعمى ، وقاس المصنف على القبلة لأنها مجمع على الاجتهاد فيها . وقوله : فجاز الاجتهاد فيه عند الاشتباه كالقبلة كلام صحيح ومراده الرد على من منع الاجتهاد كما سبق .
وإذا ثبت جوازه فقد يجب إذا لم يقدر على غيره وضاق وقت الصلاة ، وقد لا يجب بأن لا يكون كذلك ، وقد يعترض على المصنف فيقال : كان ينبغي أن يقول : فوجب الاجتهاد ، وهذا اعتراض باطل لما ذكرناه . فرع : أما كيفية الاجتهاد فقال صاحب البيان : قال أصحابنا العراقيون هو أن ينظر إلى الإناءين ويميز الطاهر منهما بتغير لون أو ريح أو اضطراب فيه أو رشاش حوله أو يرى أثر كلب إلى أحدهما أقرب ونحو ذلك ، فإذا فعل ذلك غلب على ظنه نجاسة أحدهما لوجود بعض هذه العلامات وطهارة الآخر لعدمها قال : فأما ذوق الماء فلا يجوز لاحتمال نجاسته ، قال : وأما الخراسانيون فقالوا : هل يحتاج إلى نوع دليل فيه وجهان ، أحدهما : نعم كالمجتهد في الأحكام والثاني : لا ، قال : وهذا ليس بشيء وهذا الذي حكاه عن العراقيين هو كذلك في كتبهم ، وكذا نقله أيضا البغوي عن العراقيين . وقد قدمنا ثلاثة أوجه في أنه يشترط العلامة أم يكفيه الظن بلا علامة أو يجوز الهجوم بلا علامة ولا ظن ولا اجتهاد والصحيح اشتراط العلامة كما إذا اشتبهت القبلة فإنه لا بد من علامة بلا خلاف وكذا القاضي والمفتي يشترط ظهور دليل له بلا خلاف ، قال إمام الحرمين : ولأن الأمور الشرعية لا تبنى على الإلهامات والخواطر ، ومن اكتفى بالظن قال : يجوز استعماله اعتمادا على الأصل والظاهر . وفرق القاضي حسين وصاحبه البغوي وغيرهما بينه وبين القبلة بأن جهة القبلة مشاهدة . ولها علامات ظاهرة تعلم بها إذ أتقن النظر علما يقينا . والأواني لا طريق إلى اليقين فيها فكفى الظن والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن انقلب أحدهما قبل الاجتهاد ففيه وجهان ، أحدهما : أنه يتحرى في الثاني ، لأنه ثبت جواز الاجتهاد فيه فلم يسقط بالانقلاب والثاني : وهو الأصح لا يجتهد لأن الاجتهاد يكون بين أمرين ، فإن قلنا : يجتهد فما الذي يصنع فيه وجهان قال أبو علي الطبري : يتوضأ به لأن الأصل فيه الطهارة فلا يزال اليقين بالشك ، وقال القاضي أبو حامد : يتيمم ولا يتوضأ لأن حكم الأصل زال بالاشتباه بدليل أنه منع من استعماله من غير تحر فوجب التيمم . + الشرح : حاصل ما ذكره ثلاثة أوجه أصحها عند أكثر الأصحاب لا يتحرى في الباقي بل يتيمم ويصلي ولا يعيد ، لأنه ممنوع من استعماله غير قادر على الاجتهاد فسقط فرضه بالتيمم والثاني : يتوضأ به بلا اجتهاد والثالث : يجتهد فإن ظهر له نجاسته تركه ويتيمم ، وإن ظن طهارته توضأ به ولا إعادة على التقديرين ودليل الأوجه مذكور في الكتاب ، وممن صحح الأول المصنف ، ولو قلبه صاحبه فهو كما لو انقلب ففيه الأوجه ، صرح به الشيخ أبو حامد والمحاملي والغزالي وغيرهم . وأما قول المصنف لا يزال حكم اليقين بالشك ، فهي عبارة مشهور للفقهاء قد أكثر المصنف وغيره منها وأنكرها بعض أهل الأصول على الفقهاء ، وقال : الشك إذا طرأ لم يبق هناك يقين لأن اليقين الإعتقاد الجازم ، والشاك متردد وهذا الإنكار فاسد لأن مرادهم أن حكم اليقين لا يزال بالشك لا أن اليقين نفسه مع الشك . فإن ذلك محال لا يقوله أحد ، ودليل هذه القاعدة وهي كون حكم اليقين لا يزال بالشك الحديث الذي ذكرناه في أول الباب والله أعلم . وأبو علي الطبري والقاضي أبو حامد تقدم بيانهما قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن اجتهد فيهما فلم يغلب على ظنه شيء أراقهما أو صب أحدهما في الآخر وتيمم ، فإن تيمم وصلى قبل الإراقة أو الصب أعاد الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء طاهر بيقين . + الشرح : إذا اجتهد فلم يظهر له شيء فليرقهما أو يخلطهما ثم يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه بلا خلاف ، بخلاف ما لو أراق ماء تيقن طهارته في الوقت لغير عذر وتيمم فإنه يعيد الصلاة على وجه لأنه مقصر ، وهنا معذور . ولو أراق الماءين في مسألتنا قبل الاجتهاد فهو كإراقة الماء الذي تيقن طهارته سفها ، فإن كان قبل الوقت فلا إعادة . وإن كان في الوقت فلا إعادة في أصح الوجهين لكنه يعصى قطعا ، قال أصحابنا : ولو اجتهد فظن طهارة إناء فأراقه أو أراقهما فهو كالإراقة سفها على ما ذكرنا . فأما إذا تيمم وصلى قبل الإراقة فتيممه باطل وتلزمه إعادة الصلاة لأنه تيمم ومعه ماء طاهر بيقين ، هكذا قطع به الجمهور وهو الصحيح ، وفي البيان وجه آخر أنه لا إعادة لأنه ممنوع من هذين الماءين . فكانا كالعدم ، كما لو حال بينه وبينه سبع . وهذا وإن كان له وجه فالمختار الأول لأن معه ماء طاهرا وقد ينسب إلى تقصير في الاجتهاد وله طريق إلى إعدامه بخلاف السبع . وذكر صاحب الحاوي في الإراقة المذكورة فيما إذا لم يغلب على ظنه شيء وجهين : أحدهما : أنها واجبة ليصح تيممه بلا إعادة والثاني : قال وهو قول جمهور أصحابنا : لا تجب الإراقة لكن تستحب لأنه ليس معه ماء يقدر على استعماله فجاز له التيمم ويلزمه الإعادة لأن معه ماء طاهرا فلو كانا لو خلطا بلغا قلتين وجب خلطهما بلا خلاف والله أعلم .