قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الدم فنجس لحديث عمار رضي الله عنه ، وفي دم السمك وجهان أحدهما : نجس كغيره والثاني : طاهر ، لأنه ليس بأكثر من الميتة ، وميتة السمك طاهرة فكذا دمه . + الشرح : أما حديث عمار فضعيف سبق بيان ضعفه ، ويغني عنه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة : إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة ، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي رواه البخاري ومسلم . وعن أسماء رضي الله عنها قالت : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به قال : تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه رواه البخاري ومسلم . والدلائل على نجاسة الدم متظاهرة ، ولا أعلم فيه خلافا عن أحد من المسملين إلا ما حكاه صاحب الحاوي عن بعض المتكلمين أنه قال : هو طاهر ، ولكن المتكلمين لا يعتد بهم في الإجماع والخلاف ، على المذهب الصحيح الذي عليه جمهور أهل الأصول من أصحابنا وغيرهم لاسيما في المسائل الفقهيات ، وأما الوجهان في دم السمك فمشهوران ونقلهما الأصحاب أيضا في دم الجراد ونقلهما الرافعي أيضا في الدم المتحلب من الكبد والطحال ، والأصح في الجميع النجاسة . وممن قال بنجاسة دم السمك مالك وأحمد وداود . وقال أبو حنيفة : طاهر . وأما دم القمل والبراغيث والقراد والبق ونحوهما مما ليس له نفس سائلة فنجسة عندنا كغيرها من الدماء ، لكن يعفى عنها في الثوب والبدن للحاجة . كما سنوضحه إن شاء الله تعالى . وممن قال بنجاسة هذه الدماء مالك . وقال أبو حنيفة : هي طاهرة ، وهي أصح الروايتين عن أحمد ، وأما قول المصنف لأنه ليس بأكثر من الميتة فكلام ناقص لأنه ينتقض بدم الآدمي ، فإنه نجس مع أن ميتته طاهرة على المذهب ، فينبغي أن يزاد فيقال ميتته طاهرة مأكولة . فرع : مما تعم به البلوى الدم الباقي على اللحم وعظامه ، وقل من تعرض له من أصحابنا فقد ذكره أبو إسحاق الثعلبي المفسر من أصحابنا ، ونقل عن جماعة كثيرة من التابعين أنه لا بأس به ، ودليله المشقة في الاحتراز منه . وصرح أحمد وأصحابه بأن ما يبقى من الدم في اللحم معفو عنه ولو غلبت حمرة الدم في القدر لعسر الاحتراز منه ، وحكوه عن عائشة وعكرمة والثوري وابن عيينة وأبي يوسف وأحمد وإسحاق وغيرهم ، واحتجت عائشة والمذكورون بقوله تعالى : إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا الأنعام : 145 قالوا : فلم ينه عن كل دم بل عن المسفوح خاصة وهو السائل .
Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
النووي · AR
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما القيح فهو نجس لأنه دم استحال إلى نتن ، فإذا كان الدم نجسا فالقيح أولى . وأما ماء القروح فإن كان له رائحة فهو نجس كالقيح وإن لم يكن له رائحة فهو طاهر ، كرطوبة البدن ، ومن أصحابنا من قال : فيه قولان أحدهما : طاهر كالعرق والثاني : نجس لأنه تحلل بعلة فهو كالقيح . + الشرح : القيح نجس بلا خلاف وكذا ماء القروح المتغير نجس بالإتفاق . وأما غير المتغير فطاهر على المذهب ، وبه قطع القاضي أبو الطيب والشيخ أبو حامد وآخرون ونقله أبو حامد عن نصه في الإملاء ، وقيل : في نجاسته قولان ، وقد ذكر المصنف دليل الجميع ، وقوله : تحلل بعلة ، احتراز من الدمع والعرق . وأما قوله : كرطوبات البدن ، فمعناه أنها طاهرة بالاتفاق ، وهو كما قال : وقد ضبط الغزالي وتابعه الرافعي وغيره هذا بعبارة وجيزة ، فقال : ما ينفصل من باطن الحيوان قسمان . أحدهما : ما ليس له اجتماع واستحالة في الباطن ، وإنما يرشح رشحا . والثاني : ما يستحيل ويجتمع في الباطن ثم يخرج . فالأول كالدمع واللعاب والعرق والمخاط وحكمه حكم الحيوان المنفصل منه إن كان نجسا ، وهو الكلب والخنزير ، وفرع أحدهما فهو نجس أيضا ، وإن كان طاهرا وهو سائر الحيوانات فهو طاهر بلا خلاف . وأما الثاني فكالدم والبول والعذرة والروث والقىء والقيح وكله نجس ، ويستثنى اللبن والمني والعلقة على تفصيل في ذلك . واعلم أنه لا فرق في العرق واللعاب والمخاط والدمع بين الجنب والحائض والطاهر والمسلم والكافر والبغل والحمار والفرس والفأرة وجميع السباع والحشرات ، بل هي طاهرة من جميعها ومن كل حيوان طاهر ، وهو ما سوى الكلب والخنزير وفرع أحدهما ، ولا كراهة في شيء من ذلك عندنا ، وكذا لا كراهة في سؤر شيء منها وهو بقية ما شربت منه والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما العلقة ففيها وجهان ، قال أبو إسحاق : هي نجسة لأنه دم خارج من الرحم فهو كالحيض ، وقال أبو بكر الصيرفي : هي طاهرة لأنه دم غير مسفوح ، فهو كالكبد والطحال . + الشرح : العلقة هي المني إذا استحال في الرحم فصار دما عبيطا فإذا استحال بعده فصار قطعة لحم فهو مضغة ، وهذان الوجهان في العلقة مشهوران ، ودليلهما ما ذكره المصنف أصحهما الطهارة ، ونقله الشيخ أبو حامد عن الصيرفي وعامة الأصحاب ، وصرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد والمحاملي والرافعي في المحرر وآخرون ، وأما المضغة فالمذهب القطع بطهارتها كالولد ، وبهذا قطع الأكثرون ونقل القاضي حسين وصاحب العدة و البيان فيها وجهين وكذا وقع في كثير من نسخ الوسيط وأنكروه عليه ، ولا يصح إنكار من أنكر ذلك ، ونسبته إلى الإنفراد بنقل وجه في نجاسة المضغة ، فإن الوجه نقله غيره ممن ذكرناه . وقوله : مسفوح أي سائل ، وقوله : كالكبد هي بفتح الكاف وكسر الباء ، ويجوز إسكان الباء مع فتح الكاف وكسرها كما سبق في نظائرها ، والطحال بكسر الطاء ، وإنما قاس على الكبد والطحال لأنهما طاهران بالإجماع ، والأحاديث الصحيحة مشهورة في أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل الكبد وللحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أحلت لنا ميتتان ودمان فالميتتان : السمك والجراد والدمان الكبد والطحال قال البيهقي : روى هكذا عن ابن عمر وروى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولكن الرواية الأولى هي الصحيحة وهي في معنى المرفوع قلت : ويحصل الاستدلال بها لانها مرفوعة أيضا فإنها كقول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا وهذا عند أصحابنا وعند المحدثين وجمهور الأصوليين والفقهاء في حكم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صريحا كما سبق بيانه في مقدمة الكتاب وأما أبو بكر الصيرفي فهذا أول موضع جرى فيه ذكره في الكتاب وهو أبو بكر محمد بن عبد الله كان إمام بارعا متقنا صاحب مصنفات كثيرة في الأصول وغيره . قال الخطيب البغدادي : توفي لثمان بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثين وثلاثمائة رحمه الله .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الميتة من غير السمك والجراد والآدمي فهي نجسة لأنه محرم الأكل من غير ضرر ، فكان نجسا كالدم ، وأما السمك والجراد فهما طاهران لأنه يحل أكلهما ، ولو كانا نجسين لم يحل ( أكلهما ) . وأما الآدمي ففيه قولان أحدهما : أنه نجس لأنه ميت لا يحل أكله فكان نجسا كسائر الميتات والثاني : أنه طاهر لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا ولأنه لو كان نجسا لما غسل كسائر الميتات . + الشرح : أما الحديث فرواه الحاكم أبو عبد الله وصاحبه البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحاكم في آخر كتاب المستدرك على الصحيحين : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم قال البيهقي : وروى موقوفا على ابن عباس من قوله وكذا ذكره البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز تعليقا عن ابن عباس : المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا ورواية المرفوع مقدمة لأنه فيها زيادة علم كما سبق تقريره في مقدمة الكتاب . وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن المؤمن لا ينجس وهذا عام يتناول الحياة والموت . أما حكم المسألة : فالسمك والجراد إذا ماتا طاهران بالنصوص والإجماع قال الله تعالى : أحل لكم صيد البحر وطعامه المائدة : 96 وقال تعالى : وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر : هو الطهور ماؤه الحل ميتته وقد سبق بيانه وفوائده في أول الكتاب وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد رواه البخاري ومسلم ، وسواء عندنا الذي مات بالاصطياد أو حتف نفسه والطافي من السمك وغير الطافي وسواء قطع رأس الجرادة أم لا وكذا باقي ميتات البحر إذا قلنا بالأصح : إن الجميع حلال فميتتها طاهرة وسيأتي نفصيلها في بابها إن شاء الله تعالى . وأما الآدمي هل ينجس بالموت أم لا فيه هذان القولان الصحيح منهما أنه لا ينجس اتفق الأصحاب على تصحيحه ودليله الأحاديث السابقة والمعنى الذي ذكره ، وعجب إرسال المصنف القولين من غير بيان الراجح منهما في مثل هذه المسألة التي تدعو الحاجة إليها ، وقد ذكر البندنيجي في كتاب الجنائز وصاحب الشامل في باب الآنية أن القول بالطهارة هو نصه في الأم وبالنجاسة هو نصه في البويطي ، وسواء في جريان القولين المسلم والكافر . وأما قوله تعالى : إنما المشركون نجس فليس المراد نجاسة الأعيان والأبدان بل نجاسة المعنى والاعتقاد ولهذا ربط النبي صلى الله عليه وسلم الأسير الكافر في المسجد وقد أباح الله تعالى طعام أهل الكتاب والله أعلم . وأما باقي الميتات فنجسة ودليلها الإجماع ، واستثنى صاحب الحاوي وغيره فقالوا : الميتات نجسة إلا خمسة أنواع : السمك والجراد والآدمي والصيد إذا قتله سهم أو كلب معلم أرسله أهل للذكاة ، والجنين إذا خرج ميتا بعد ذكاة أمه وزاد القفال فحكم بطهارة ما ليس له نفس سائلة في قول كما حكيناه عنه في باب المياه وحكى صاحب الحاوي والشاشي عنه وجهين في نجاسة الضفدع بالموت ولا يرد شيء من هذا على المصنف . أم الصيد والجنين فليسا منه بل جعل الشرع هذا ذكاتهما ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ذكاة الجنين ذكاة أمه فصرح بأنه مذكى شرعا وإن لم تنله السكين مباشرة ، وأما ما زاده القفال وصاحب الحاوي فضعيف انفردا به عن الجمهور والصحيح النجاسة كما أوضحنا هناك وبالله التوفيق . وأما قول المصنف : يحرم الأكل من غير ضرر وكان نجسا .
فينتقض بالمخاط والمني وجلد الميتة إذا دبغ فإنها محرمة الأكل على الأصح من غير ضرر وليست نجسة ، فكان ينبغي أن يقول : من غير ضرر ولا استقذار وقوله في السمك والجراد : يحل أكلها يعني من غير ضرورة ولا حاجة وإلا فالميتة يحل أكلها في المخمصة ، ويحل أكل الدواء النجس للحاجة وإن لم يكن ضرورة ، والله أعلم . فرع : العضو المنفصل من حيوان حي كألية الشاة وسنام البعير وذنب البقرة والأذن واليد وغير ذلك نجس بالإجماع ومما يستدل به من السنة حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم فقال : ما تقطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة رواه أبو داود والترمذي وغيرهما ، وهذا لفظ الترمذي ، قال الترمذي : حديث حسن قال : والعمل على هذا عند أهل العلم . وأما العضو المبان من السمك والجراد والآدمي كيده ورجله وظفره ومشيمة الآدمي ففيها كلها وجهان أصحهما طهارتها ، وهو الذي صححه الخراسانيون كميتاتها . والثاني : نجاستها وإنما يحكم بطهارة الجملة لحرمتها . وبهذا قطع العراقيون أو جمهورهم في يد الآدمي وسائر أعضائه وتكرر نقل القاضي أبي الطيب الاتفاق على نجاسة يد السارق وغيره إذا قطعت أو سقطت ، ونقل القاضي أيضا الاتفاق على نجاسة مشيمة الآدمي ، والصحيح الطهارة كما ذكرناه ، وأما مشيمة الآدمي فنجسة بلا خلاف كما سائر أجزائه المتصلة في حياته والله أعلم . فرع : عصب الميتة غير الآدمي نجس بلا خلاف ، ولا يخرج على الخلاف في الشعر والعظم لأنه يحس ويألم بخلافهما ذكره المتولي وغيره والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في نجاسة الآدمي بالموت ، قد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا ينجس ، وبه قال مالك وأحمد وداود وغيرهم ، وقال أبو حنيفة : ينجس وروى عنه أنه يطهر بالغسل ، وعن مالك وأحمد رواية بنجاسته .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الخمر فهي نجسة لقوله عز وجل : إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان المائدة : 90 ولأنه يحرم تناوله من غير ضرورة فكان نجسا كالدم ، وأما النبيذ فهو نجس لأنه شراب فيه شدة مطربة فكان نجسا كالخمر . + الشرح : الخمر نجسة عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وأحمد وسائر العلماء إلا ما حكاه القاضي أبو الطيب وغيره عن ربيعة شيخ مالك وداود أنهما قالا : هي طاهرة وإن كانت محرمة كالسم الذي هو نبات وكالحشيش المسكر ، ونقل الشيخ أبو حامد الإجماع على نجاستها ، واحتج أصحابنا بالآية الكريمة ، قالوا : ولا يضر قرن الميسر والأنصاب والأزلام بها مع أن هذه الأشياء طاهرة لأن هذه الثلاثة خرجت بالإجماع فبقيت الخمر على مقتضى الكلام ، ولا يظهر من الآية دلالة ظاهرة لأن الرجس عند أهل اللغة القذر ولا يلزم من ذلك النجاسة ، وكذا الأمر بالاجتناب لا يلزم منه النجاسة وقول المصنف : ولأنه يحرم تناوله من غير ضرر فكان نجسا كالدم لا دلالة فيه لوجهين . أحدهما : أنه منتقض بالمني والمخاط وغيرهما كما ذكرنا قريبا . والثاني : أن العلة في منع تناولهما مختلفة فلا يصح القياس لأن المنع من الدم لكونه مستخبثا ، والمنع من الخمر لكونها سببا للعداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كما صرحت به الآية الكريمة ، وأقرب ما يقال ما ذكره الغزالي أنه يحكم بنجاستها تغليظا وزجرا عنها قياسا على الكلب وما ولغ فيه والله أعلم . واعلم أنه لا فرق في نجاسة الخمر بين الخمر المحترمة وغيرها ، وكذا لو استحال باطن حبات العنب خمرا فإنه نجس ، وحكى إمام الحرمين والغزالي وغيرهما وجها ضعيفا أن الخمر المحترمة طاهرة ووجها أن باطن حبات العنب المستحيل طاهرة ، وهما شاذان والصواب النجاسة . وأما النبيذ فقسمان مسكر وغيره ، فالمسكر نجس عندنا وعند جمهور العلماء وشربه حرام وله حكم الخمر في التنجيس والتحريم ووجوب الحد ، وقال أبو حنيفة وطائفة قليلة : هو طاهر ويحل شربه ، وفي رواية عنه يجوز الوضوء به في السفر ، وقد سبق في باب المياه بيان مذهبنا ومذهبه والدلائل من الطرفين مستقصاة ، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الذي يقتضي مجموعها الإستفاضة أو التواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وهذه الألفاظ مروية في الصحيحين من طرق كثيرة وحكى صاحب البيان وجها أن النبيذ المسكر طاهر لاختلاف العلماء في إباحته ، وهذا الوجه شاذ في المذهب وليس هو بشيء . وأما القسم الثاني من النبيذ فهو ما لم يشتد ولم يصر مسكرا ، وذلك كالماء الذي وضع فيه حبات تمر أو زبيب أو مشمش أو عسل أو نحوها فصار حلوا ، وهذا القسم طاهر بالإجماع يجوز شربه وبيعه ، وسائر التصرفات فيه ، وقد تظاهرت الأحاديث في الصحيحين من طرق متكاثرة على طهارته وجواز شربه . ثم إن مذهبنا ومذهب الجمهور جواز شربه ما لم يصر مسكرا وإن جاوز ثلاثة أيام ، وقال أحمد رحمه الله : لا يجوز بعد ثلاثة أيام . واحتج له بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبذ له من أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجىء والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر فإن بقي شيء سقى الخادم أو أمر به فصب رواه مسلم وفي رواية لمسلم وغيره كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقع له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ، ثم يأمر به فيسقى أو يهراق وفي رواية لمسلم ينبذ له الزبيب في السقاء فيشربه يومه والغد وبعد الغد فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه فإن فضل شيء أهراقه .
ودليلنا حديث بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في سقاء فانتبذوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا رواه مسلم ، فهذا عام يتناول ما فوق ثلاثة أيام ولم يثبت نهي في الزيادة فوجب القول بإباحة ما لم يصر مسكرا وإن زاد على الثلاثة ، والجواب عن الروايات التي احتج بها لأحمد أنه ليس فيها دليل على تحريم بعد الثلاثة بل فيها دليل على أنه ليس بحرام بعد ثلاثة لأنه كان يسقيه الخادم ولو كان حراما لم يسقه ، وإنما معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يشربه ما لم يصر مسكرا فإذا مضت ثلاثة أيام أو نحوها امتنع من شربه ثم إن كان بعد ذلك قد صار مسكرا أمر بإراقته لأنه صار نجسا محرما ولا يسقيه الخادم لأنه حرام على الخادم كما هو حرام على غيره ، وإن كان لم يصر مسكرا سقاه الخادم ولا يريقه لأنه حلال ومال من الأموال المحترمة ولا يجوز إضاعتها وإنما ترك صلى الله عليه وسلم شربه والحالة هذه تنزها واحتياطا كما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الضب وأكلوه بحضرته ، وقيل له : أحرام هو قال : لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه . وقد حصل مما ذكرناه أن لفظة : أو ، في قوله : سقاه الخادم أو أمر به فصب ، ليست للشك ولا للتخيير بل للتقسيم واختلاف الحال وقد أوضحت هذا الحديث وما يتعلق بالمسألة في شرح صحيح مسلم رحمه الله وبالله التوفيق . فرع : مذهبنا ومذهب الجمهور أنه يجوز الانتباذ في جميع الأوعية من الخزف والخشب والجلود والدباء ( وهي القرع ) والمزفت والنحاس وغيرها ، ويجوز شربه منها ما لم يصر مسكرا كما سبق . وأما الأحاديث المشهورة في الصحيحين عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإنتباذ في الدباء والحنتم وهي جرار خضر وقيل كل الجرار ، والنقير وهي الخشبة المنقورة من النخل والمزفت والمقير وهو المطلي بالزفت والقار فهي المنسوخة بحديث بريدة الذي قدمناه قريبا ، وقد بسطت ذلك بدلائله في أول شرح صحيح البخاري ، ثم في شرح مسلم وبالله التوفيق . فرع : شرب الخليطين والمنصف إذا لم يصر مسكرا ليس بحرام لكن يكره ، فالخليطان ما نقع من بسر أو رطب أو تمر أو زبيب ، والمنصف ما نقع من تمر ورطب وسبب الكراهة أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أنه ليس مسكرا وهو مسكر ، ودليل الكراهة حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخلط الزبيب والتمر ، والبسر والتمر وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعا ، ونهى أن ينبذ الرطب والبسر جميعا وفي رواية : لا تجمعوا بين الرطب والبسر ، وبين الزبيب والتمر نبيذا . وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شرب النبيذ منكم فليشربه زبيبا فردا أو تمرا فردا أو بسرا فردا . وعن قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تنبذوا الزهو والرطب جميعا ، ولا تنبذوا الزبيب والتمر جميعا ، وانتبذوا كل واحد منهما على حدته . وعن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وروى هذه الروايات كلها مسلم وروى البخاري وغيره بعضها أيضا والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الكلب فهو نجس لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعي إلى دار فأجاب ودعي إلى دار فلم يجب فقيل له في ذلك ، فقال : إن في دار فلان كلبا ، فقيل له : وفي دار فلان هرة فقال : الهرة ليست بنجسة فدل على أن الكلب نجس . + الشرح : مذهبنا أن الكلاب كلها نجسة المعلم وغيره الصغير والكبير ، وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ، وقال الزهري ومالك وداود : هو طاهر وإنما يجب غسل الإناء من ولوغه تعبدا ، وحكى هذا عن الحسن البصري وعروة بن الزبير واحتج لهم بقول الله تعالى : فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة : 4 ولم يذكر غسل موضع إمساكها وبحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك ذكره البخاري في صحيحه فقال : وقال أحمد بن شبيب حدثنا أبي إلى آخر الإسناد والمتن ، وأحمد هذا شيخه ، ومثل هذه العبارة محمول على الإتصال وأن البخاري رواه عنه كما هو معروف عند أهل هذا الفن ، وذلك واضح في علوم الحديث . وروى البيهقي وغيره هذا الحديث متصلا وقال فيه : وكانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات رواه مسلم . وعن أبي هريرة أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب رواه مسلم وفي رواية له : طهر إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبع مرات والدلالة من الحديث الأول ظاهرة لأنه لو لم يكن نجسا لما أمر بإراقته لأنه يكون حينئذ إتلاف مال وقد نهينا عن إضاعة المال ، والدلالة من الحديث الثاني ظاهرة أيضا فإن الطهارة تكون من حدث أو نجس وقد تعذر الحمل هنا على طهارة الحدث فتعينت طهارة النجس وأجاب أصحابنا عن احتجاجهم بالآية بأن لنا خلافا معروفا في أنه يجب غسل ما أصابه الكلب أم لا فإن لم نوجبه فهو معفو للحاجة والمشقة في غسله بخلاف الإناء وأما الجواب عن حديث ابن عمر فقال البيهقي مجيبا عنه أجمع المسلمون على نجاسة بول الكلب ووجوب الرش على بول الصبي فالكلب أولى قال : فكان حديث ابن عمر قبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب أو أن بولها خفي مكانه فمن تيقنه لزمه غسله والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الخنزير فنجس لأنه أسوأ حالا من الكلب لأنه مندوب إلى قتله من غير ضرر فيه ومنصوص على تحريمه فإذا كان الكلب نجسا فالخنزير أولى ، وأما ما تولد منهما أو من أحدهما فنجس لأنه مخلوق من نجس فكان مثله . + الشرح : نقل ابن المنذر في كتاب الإجماع إجماع العلماء على نجاسة الخنزير وهو أولى ما يحتج به لو ثبت الإجماع ، ولكن مذهب مالك طهارة الخنزير ما دام حيا وأما ما احتج به المصنف فكذا احتج به غيره ولا دلالة فيه وليس لنا دليل واضح على نجاسة الخنزير في حياته ، وقوله : مندوب إلى قتله من غير ضرر فيه احتراز من الحية والعقرب والحدأة وسائر الفواسق الخمس وما في معناها فإنها طاهرة وإن كان مندوبا إلى قتلها لكن لضررها ، وأما قوله : إن المتولد منهما أو من أحدهما حيوان طاهر من نجس ، فهو متفق عليه عندنا . ولو ارتضع جدي من كلبة ونبت لحمه على لبنها ففي نجاسته وجهان أصحهما ليس بنجس وقد سبقا في أول الباب ، وقوله : لأنه مخلوق من نجس فكان مثله ينقض بالدود المتولد من الميتة ومن السرجين فإنه طاهر على المذهب وبه قطع الجمهور كما سنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى ، وكان ينبغي أن يقول : لأنه مخلوق من حيوان نجس ليحترز عما ذكرناه فإن الميتة لا تسمى حيوانا ، وقد يمنع هذا الإعتراض ويقال : الدود لا يخلق من نفس الميتة ونفس السرجين ، وإنما يتولد فيها كدود الخل لا يخلق من نفس الخل بل يتولد فيه ، وقد أجاب القاضي أبو الطيب بهذا الجواب عن نحو هذا الاعتراض في مسألة طهارة المني والله أعلم . وأما باقي الحيوانات غير الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما فهي طاهرة كلها وسيأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى في مسائل الفرع . قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما لبن ما لا يؤكل لحمه غير الآدمي ففيه وجهان قال أبو سعيد الإصطخري : هو طاهر لأنه حيوان طاهر فكان لبنه طاهرا كالشاة ( والبقرة ) والمنصوص إنه نجس لأن اللبن كلحم المذكى بدليل أنه يتناول من الحيوان ويؤكل كما يتناول اللحم المذكى ولحم ما لا يؤكل نجس فكذا لبنه . + الشرح : الألبان أربعة أقسام : أحدها : لبن مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم والخيل والظباء وغيرها من الصيود وغيرها ، وهذا طاهر بنص القرآن والأحاديث الصحيحة والإجماع . والثاني : لبن الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وهو نجس بالاتفاق . الثالث : لبن الآدمي وهو طاهر على المذهب وهو المنصوص ، وبه قطع الأصحاب إلا صاحب الحاوي فإنه حكى عن الأنماطي من أصحابنا أنه نجس ، وإنما يحل شربه للطفل للضرورة ذكره في كتاب البيوع وحكاه الدارمي في أواخر كتاب السلم وحكاه هناك الشاشي والروياني وهذا ليس بشيء ، بل هو خطأ ظاهر ، وإنما حكى مثله للتحذير من الإغترار به وقد نقل الشيخ أبو حامد في تعليقه عقب كتاب السلم إجماع المسلمين على طهارته ، قال الروياني في آخر باب بيع الغرر : إذا قلنا بالمذهب أن الآدمية لا تنجس بالموت فماتت وفي ثديها لبن فهو طاهر يجوز شربه وبيعه . الرابع : لبن سائر الحيوانات الطاهرة غير ما ذكرنا ، والصحيح المنصوص نجاستها ، وقال الإصطخري : طاهرة وقد ذكر المصنف دليل الوجهين ، وممن قال بطهارته أبو حنيفة وبنجاسته مالك وأحمد وداود ، فإن قلنا بالطهارة فهل يحل شربه فيه وجهان حكاهما المتولي وغيره أصحهما : جواز شربه لأنه طاهر والثاني : تحريمه ، وبه قطع الغزالي في البسيط ، لأنه يقال إنه يؤذي ، ولأنه مستقذر فأشبه المخاط وجمع جماعة هذا الخلاف وحكى الدارمي في آخر كتاب السلم في لبن الأتان ونحوها ثلاثة أوجه ، الصحيح : أنه نجس لا يجوز بيعه والثاني : أنه طاهر ويجوز بيعه وشربه والثالث : طاهر لا يجوز بيعه ولا شربه . وقول المصنف : لبن ما لا يؤكل غير الآدمي ، فيه وجهان : إطلاقه يقتضي دخول الكلب والخنزير ، وكان ينبغي أن يقول من الحيوان الطاهر ، وكأنه ترك بيانه لظهوره والله أعلم . فرع : الأنفحة إن أخذت من السخلة بعد موتها أو بعد ذبحها وقد أكلت غير اللبن فهي نجسة بلا خلاف ، وإن أخذت من سخلة ذبحت قبل أن تأكل غير اللبن فوجهان ، الصحيح الذي قطع به كثيرون طهارتها ، لأن السلف لم يزالوا يجبنون بها ولا يمتنعون من أكل الجبن المعمول بها . وحكى العبدري عن مالك وأحمد في أصح الروايتين عنه نجاسة الأنفحة الميتة كمذهبنا ، وعن أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى أنها طاهرة كالبيض . دليلنا أنها جزء من السخلة فأشبهت اليد بخلاف البيضة فإنها ليست جزءا . ولنا في البيضة في جوف الدجاجة الميتة ثلاثة أوجه سبقت في باب الآنية أحدها : أنها طاهرة والثاني : نجسة وأصحها : إن كانت تصلبت فطاهرة وإلا فنجسة ، وأما اللبن في ضرع شاة ميتة فنجس عندنا بلا خلاف ، وسبق بيانه في باب الآنية والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : أما رطوبة فرج المرأة فالمنصوص أنها نجسة لأنها رطوبة متولدة في محل النجاسة فكانت نجسة . ومن أصحابنا من قال : هي طاهرة كسائر رطوبات البدن . + الشرح : رطوبة الفرج ماء أبيض متردد بين المذي والعرق ، فلهذا اختلف فيها ثم أن المصنف رحمه الله رجح هنا وفي التنبيه النجاسة ، ورجحه أيضا البندنجي وقال البغوي والرافعي وغيرهما : الأصح الطهارة ، وقال صاحب الحاوي في باب ما يوجب الغسل : نص الشافعي رحمه الله في بعض كتبه على طهارة رطوبة الفرج ، وحكى التنجيس عن ابن سريج فحصل في المسألة قولان منصوصان للشافعي ، أحدهما ما نقله المصنف ، والآخر نقله صاحب الحاوي ، والأصح طهارتهما ، ويستدل للنجاسة أيضا بحديث زيد بن خالد رضي الله عنه أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره ، قال عثمان : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم ، زاد البخاري فسأل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب فأمروه بذلك . وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل قال : يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي رواه البخاري ومسلم ، وهذان الحديثان في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل منسوخان كما سبق في باب ما يوجب الغسل . وأما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فثابت غير منسوخ وهو ظاهر في الحكم بنجاسة رطوبة الفرج ، والقائل الآخر بحمله على الإستحباب لكن مطلق الأمر للوجوب عند جمهور الفقهاء والله أعلم . وقول المصنف : رطوبة فرج المرأة فيه نقص والأحسن رطوبة الفرج ، فإنه لا فرق بين رطوبة فرج المرأة وغيرها من الحيوان الطاهر كما سبق ، والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما ما تنجس بذلك فهو الأعيان الطاهرة إذا لاقاها شيء من هذه النجاسات وأحدهما رطب ( والآخر يابس ) فينجس بملاقاتها . + الشرح : هذا الذي قاله واضح لا خفاء به لكن يستثنى من هذا الإطلاق أشياء ، أحدها : الميتة التي لا نفس لها سائلة فإنها نجسة على المذهب ولا تنجس ما ماتت فيه على الصحيح . الثاني : النجاسة التي لا يدركها الطرف لا تنجس الماء والثوب على الأصح كما سبق الثالث : الهرة إذا كانت أكلت نجاسة ثم ولغت في ماء قليل أو مائع قبل أن تغيب لا تنجسه على أحد الأوجه الرابع : إذا لاقت النجاسة قلتين فصاعدا من الماء فلم تغيره لا تنجسه . فرع : في مسائل تتعلق بالنجاسات أحدها : شعر الميتة نجس على المذهب إلا من الآدمي فطاهر على المذهب سواء انفصل في حياته أو بعد موته ، وقد سبق تفصيل الشعور في باب الآنية ، وسبق فيه أن المذهب نجاسة عظم الميتة ، وسبق فيه أن ما لا يؤكل لحمه إذا ذبح كان نجسا . الثانية : قال أصحابنا : الأعيان جماد وحيوان وما له تعلق بالحيوان ، فالجماد كله طاهر إلا الخمر وكل نبيذ مسكر . وحكى وجه أن النبيذ طاهر ووجه أن الخمرة المحترمة طاهرة وأن باطن العنقود إذا استحال خمرا طاهر . وهذه الأوجه سبق بيانها وهي شاذة ضعيفه ، والمراد بالجماد ما ليس بحيوان ولا كان حيوانا ولا جزءا من حيوان ولا خرج من حيوان . وقولنا ولا كان حيوانا احتراز من الميتة وقولنا ولا جزءا من حيوان احتراز من العضو المبان من الشاة ونحوها في الحياة وقولنا ولا خرج من حيوان احتراز من البول والروث وغيرهما من النجاسات المنفصلة عن باطن الحيوان . وأما الحيوان فكله طاهر إلا الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما ، وحكى صاحب البيان وجها عن الصيدلاني أن الدود المتولد من الميتة نجس وهذا شاذ مردود ، والصواب الجزم بطهارته كسائر الحيوان ، وأما ما له تعلق بالحيوان كالميتة والفضلات فقد سبق تفصيله وبيان الطاهر منه من النجس والله أعلم . الثالثة : النجاسة المستقرة في الباطن لا حكم لها ما لم يتصل بها شيء من الظاهر مع بقاء حكم الظاهر عليه ، كما إذا ابتلع بعض خيط فحصل بعضه في المعدة وبعضه خارج في الفم أو أدخل في دبره أصبعه أو عودا وبقي بعضه خارجا فوجهان سبقا في أول باب ما ينقض الوضوء . أصحهما : وبه قطع الأكثرون يثبت لها حكم النجاسة فلا تصح صلاته ولا طوافه في هذه الحال لأنه مستصحب بمتصل بالنجاسة والثاني : لا يثبت حكم النجاسة وقد سبق هناك توجيههما وبيان قائلهما وما يتفرع عليهما من المسائل والله أعلم . الرابعة : في الفتاوى المنقولة عن صاحب الشامل أن الولد إذا خرج من الجوف طاهر لا يحتاج إلى غسله بإجماع المسلمين ، قال : ويجب أن يكون البيض كذلك فلا يجب غسل ظاهره ، والنجاسة الباطنة لا حكم لها . ولهذا اللبن يخرج من بين فرث ودم ، وهو طاهر حلال ، وهذا الذي قاله أن النجاسة الباطنة لا حكم لها وفي البيض ، هو اختياره وقد قدمنا الخلاف فيهما . الخامسة : قال صاحب التتمة : الوسخ المنفصل من بدن الآدمي في الحمام وغيره حكمه حكم ميتة الآدمي لأنه متولد من البشرة قال : وكذا الوسخ المنفصل عن سائر الحيوان حكمه حكم ميتته ، وهذا الذي قاله في وسخ الآدمي ضعيف لم أره لغيره ، والمختار القطع بطهارته لأنه عرق جامد .