قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أصاب الأرض نجاسة ذائبة في موضع ضاح فطلعت عليه الشمس وهبت عليه الريح فذهب أثرها ففيه قولان ، قال في القديم والإملاء : يطهر لأنه لم يبق شيء من النجاسة فهو كما لو غسل بالماء ، وقال في الأم : لا يطهر وهو الأصح لأنه محل نجس فلا يطهر بالشمس كالثوب النجس . + الشرح : هذان القولان مشهوران وأصحهما عند الأصحاب لا يطهر كما صححه المصنف ، ونقله البندنيجي عن نص الشافعي في عامة كتبه ، وحكى في المسألة طريقين أحدهما : فيه القولان والثاني : القطع بأنها لا تطهر وتأويل نصه على أرض مضت عليه سنون وأصابها المطر ، ثم القولان فيما إذا لم يبق من النجاسة طعم ولا لون ولا رائحة ، وممن قال بأنها لا تطهر مالك وأحمد وزفر وداود وممن قال بالطهارة أبو حنيفة وصاحباه ثم قال العراقيون : هما إذا زالت النجاسة بالشمس أو الريح ، فلو ذهب أثرها بالظل لم تطهر عندهم قطعا ، وقال الخراسانيون : فيه خلاف مرتب وأما الثوب النجس ببول ونحوه إذا زال أثر النجاسة منه بالشمس فالمذهب القطع بأنه لا يطهر وبه قطع العراقيون . ونقل إمام الحرمين عن الأصحاب أنهم طردوا فيه القولين كالأرض قال : وذكر بعض المصنفين يعني الفوراني أنا إذا قلنا : يطهر الثوب بالشمس فهل يطهر بالجفاف في الظل فيه وجهان وهذا ضعيف قال الإمام : ولا شك أن الجفاف لا يكفي في هذه الصورة فإن الأرض تجف بالشمس على قرب ولم ينقلع بعد آثار النجاسة ، فالمعتبر إنقلاع الآثار على طول الزمان بلا خلاف ، وكذا القول في الثياب . وقول المصنف : موضع ضاح هو بالضاد المعجمة قال أهل اللغة : هو البارز والله أعلم . قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن طبخ اللبن الذي خلط بطينة السرجين لا يطهر ، لأن النار لا تطهر النجاسة ، وقال أبو الحسن بن المرزبان : إذا غسل طهر ظاهره ، فتجوز الصلاة عليه ولا تجوز الصلاة فيه ، لأن ما فيه من السرجين كالزئبر ( في الثوب ) فيحترق بالنار ، ولهذا يتثقب موضعه فإذا غسل طهر فجازت الصلاة عليه والمذهب الأول . + الشرح : قال أصحابنا : اللبن النجس ضربان مختلط بنجاسة جامدة ، كالروث والعذرة وعظام الميتة وغير مختلط بها ، فالمختلط نجس لا طريق إلى تطهيره لأن الأعيان النجسة لا تطهر بالغسل ، وهذا فيه عين نجسة فإن طبخ أي أحرق فالمذهب أنه لا يطهر ، وبه قطع الجمهور وخرج أبو زيد والخضري وآخرون قولا : أن الناء تؤثر فيطهر خرجوه من القول القديم أن الأرض تطهر بالشمس . قالوا : فالنار أبلغ ، فعلى قول الجمهور لو غسل لم يطهر على الصحيح المنصوص وقال ابن المرزبان والقفال : يطهر ظاهره واختاره ابن الصباغ . قال صاحب البيان : فإذا قلنا : إنه لا يطهر بالإحراق فكسر منه موضع فما ظهر بالكسر نجس لا يطهر بالغسل وتصح الصلاة على ما لم يكسر منه ولكنها مكروهة كما لو صلى في مقبرة غير منبوشة لكونها مدفن النجاسة قال الشافعي والأصحاب : ويكره أن يبني به مسجدا . قال القاضي أبو الطيب : لا يجوز أن يبني به مسجدا ولا يفرش به فإن فرش به وصلى عليه لم تصح صلاته فإن بسط عليه شيئا صحت مع الكراهة ولو حمله مصل ففي صحة صلاته الوجهان فيمن حمل قارورة فيها نجاسة وسد رأسها بنحاس الصحيح أنه لا تصح صلاته . والضرب الثاني : غير المختلط بنجاسة جامدة ، كالمعجون ببول أو بماء نجس أو خمر فيطهر ظاهره بإفاضة الماء عليه ويطهر باطنه بأن ينقع في الماء حتى يصل إلى جميع أجزائه كما لو عجن عجين بماء نجس ، فلو طبخ هذا اللبن طهر على تخريج أبي زيد ظاهره ، وكذا باطنه على الأصح ، وأما على المذهب وقول الجمهور فهو باق على نجاسته ويطهر بالغسل ظاهره دون باطنه ، وإنما يطهر باطنه بأن يدق حتى يصير ترابا ثم يفاض الماء عليه ، فلو كان بعد الطبخ رخوا لا يمنع نفوذ الماء فهو كما قبل الطبخ . وقول المصنف : كالزئبر هو بزاي مكسورة ثم همزة ثم باء موحدة مكسورة على المشهور عند أهل اللغة . قال الجوهري : ويقال بضم الباء وهو ما يعلو الثوب الجديد كالزغب وقوله : قال ابن المرزبان : هو بميم مفتوحة ثم راء ساكنة ثم زاي مضمونة ثم باء موحدة ، والمرزبان بالفارسية وهو معرب وهو زعيم فلاحى العجم وجمعه مرازبة ، ذكر هذا كله الجوهري في صحاحه . وابن المرزبان هذا هو أبو الحسن علي بن أحمد المرزبان البغدادي صاحب ابن القطان ، تفقه عليه الشيخ أبو حامد ، كان إماما في المذهب ورعا ، قال : ما أعلم أن لأحد على مظلمة . وهو يعلم أن الغيبة مظلمة ، توفي في رجب سنة ستة وستين وثلاثمائة ، ذكرت أحواله في الطبقات و التهذيب .
Nevevî — el-Mecmû' Şerhu'l-Mühezzeb (Şâfiî)
النووي · AR
قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن أصاب أسفل الخف نجاسة فدلكه على الأرض نظرت فإن كانت نجاسة رطبة لم يجزه ، وإن كانت يابسة فقولان . قال في الجديد : لا يجوز حتى يغسله لأنه ملبوس نجس فلا يجزىء فيه المسح كالثوب . وقال في الإملاء والقديم : يجوز لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر نعليه فإن كان بهما خبث فليمسحه على الأرض ثم ليصل فيهما ولأنه تكرر فيه النجاسة فأجزأ فيه المسح كموضع الإستنجاء . + الشرح : إذا أصابت أسفل الخف أو النعل نجاسة رطبة فدلكه بالأرض فأزال عينها وبقى أثرها نظر إن دلكها وهي رطبة لم يجزئه ذلك ولا يجوز الصلاة فيه بلا خلاف لأنها تنتشر من محلها إلى غيره من أجزاء الخف الظاهرة ، وإن جفت على الخف فدلكها وهي جافة بحيث لم تنتشر إلى غير موضعها منه فالخف نجس بلا خلاف ، ولكن هل يعفي عن هذه النجاسة فتصح الصلاة فيه قولان ، ودليلهما ما ذكره المصنف ، أصحهما عند الأصحاب الجديد : وهو أنه لا تصح الصلاة ، وبه قال أحمد في أصح الروايات عنه والقديم : الصحة ، وبه قال أبو حنيفة واتفقوا على أنه لو وقع هذا الخف في مائع أو فيما دون قلتين من الماء نجسه ، كما لو وقع فيه مستنج بالأحجمار قال الرافعي : إذا قلنا بالقديم وهو العفو فله شروط : أحدها : أن يكون للنجاسة جرم يلتصق بالخف ، أما البول ونحوه فلا يكفي دلكه بحال الثاني : أن يدلكه في حال الجفاف ، وأما ما دام رطبا فلا يكفي دلكه قطعا الثالث : أن يكون حصول النجاسة بالمشي من غير تعمد ، فلو تعمد تلطيخ الخف بها وجب الغسل قطعا ، والقولان جاريان فيما لو أصاب أسفل الخف وأطرافه من طين الشوارع المتيقن نجاسته الكثير الذي لا يعفى عنه ، وسائر النجاسات الغالبة في الطرق كالروث وغيره وأعلم أن الغزالي وصاحبه محمد بن يحيى جزما بالعفو عن النجاسة الباقية على أسفل الخف ، وهذا شاذ مردود والله أعلم . وأما حديث أبي سعيد المذكور في الكتاب فحديث حسن رواه أبو داود بإسناد صحيح ولفظه : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذرا أو أذى فليمسحه وليصل فيهما وروى أبو داود بإسانيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا وطىء أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور رواه من طرق كلها ضعيفة والإعتماد على حديث أبي سعيد . وأجاب في الجديد عن الحديث بأن المراد بالقذر والأذى ما يستقذر ولا يلزم منه النجاسة ، وذلك كمخاط ونخامة وشبههما مما هو طاهر أو مشكوك فيه ، وهذا الحديث وجوابه تقدما في أول الكتاب في مسألة اشتراط الماء لإزالة النجاسة . وأما قول المصنف : لأنه ملبوس نجس فلا يجوز فيه المسح فاحترز بملبوس عن محل الإستنجاء ، وبقوله : نجس عن خف المحرم إذا علق به طيب فإنه يجزيه إزالته بالمسح ، والله أعلم . فرع : في مسائل تتعلق بالباب مختصرة جدا خشية الإطالة ، وفرارا من السآمة والملالة . إحداها : أن إزالة النجاسة التي لم يعص بالتلطخ بها في بدنه ليس على الفور وإنما تجب عند إرادة الصلاة ونحوها لكن يستحب تعجيل إزالتها .
الثانية : إذا نجس الزيت والسمن والشيرج وسائر الأدهان ، فهل يمكن تطهيره فيه وجهان مشهوران ، وقد ذكرهما المصنف في باب ما يجوز بيعه أصحهما : عند الأكثرين لا يطهر بالغسل ولا بغيره لقوله صلى الله عليه وسلم في الفارة تقع في السمن : إن كان مائعا فلا تقربوه ولم يقل اغسلوه ولو جاز الغسل لبينه لهم ، وقياسا على الدبس والخل وغيرهما من المائعات إذا تنجست فإنه لا طريق إلى تطهيرها بلا خلاف والثاني : يطهر بالغسل بأن يجعل في إناء ويصب عليه الماء ويكاثر به ويحرك بخشبة ونحوها تحريكا يغلب على الظن أنه وصل إلى أجزائه ثم يترك حتى يعلو الدهن ثم يفتح أسفل الإناء فيخرج الماء ويطهر الدهن وهذا الوجه قول ابن سريج ورجحه صاحب العدة ، وقال البغوي وغيره : ليس هو بصحيح ، وقال صاحب العدة : لا يطهر السمن بالغسل قطعا وفي غيره الوجهان والمشهور أنه لا فرق . أما الزئبق فقال المحاملي في اللباب وصاحب التهذيب وغيرهما : إن أصابته نجاسة ولم يتقطع بعد إصابتها طهر بصب الماء عليه ، وإن تقطع فهو كالدهن ولا يمكن تطهيره على الأصح . الثالثة : إذا أصابت النجاسة شيئا صقيلا كالسيف والسكين والمرآة ونحوها لم تطهر بالمسح ولا تطهر إلا بالغسل كغيرها ، وبه قال أحمد وداود ، وقال مالك وأبو حنيفة : تطهر بالمسح . الرابعة : إذا سقيت السكين ماء نجسا ثم غسلها طهر ظاهرها وهل يطهر باطنها بمجرد الغسل أم لا يطهر حتى يسقيه مرة ثانية بماء طهور يورده عليها فيه وجهان حكاهما صاحب البيان وآخرون ولو طبخ لحم بماء نجس صار باطنه وظاهره نجسا ، وفي كيفية طهارته وجهان أحدهما : يغسل ثم يعصر كالبساط ، والثاني : يشترط أن يغلي مرة أخرى بماء طهور ، وقطع القاضي حسين في مسألتي السكين واللحم بأنه يجب سقيها وإغلاؤها ، واختار الشاشي أن الغسل كاف فيهما وهو المنصوص قال الشافعي رحمه الله في الأم في كتاب صلاة الخوف : لو أحمى حديدة ، ثم صب عليها سما أو غسلها فيه فشربته ثم غسلت بالماء طهرت لأن الطهارات كلها إنما جعلت على ما يظهر فيه ليس على الأجواف ، هذا نصه بحروفه . قال المتولي : وإذا غسل السكين طهر ظاهره دون باطنه ، ويجوز استعماله في الأشياء الرطبة كما يجوز في اليابسة لكن لا تصح الصلاة وهو حامله ، وإنما جاز استعماله في الرطب مع قولنا بنجاسة باطنة ، لأن الرطوبة لا تصل باطنه إذ لو وصلت لطهرت بالماء . الخامسة : قال صاحب التتمة وغيره : للماء قوة عند الورود على النجاسة ، فلا ينجس بملاقاتها بل يبقى مطهرا ، فلو صبه على موضع النجاسة من الثوب ، فانتشرت الرطوبة في الثوب لا يحكم بنجاسة موضع الرطوبة ، ولو صب في إناء نجس ولم يتغير بالنجاسة فهو طهور ، فإذا أداره على جوانبه طهرت الجوانب كلها ، هذا كله قبل الإنفصال قال : فلو انفصل الماء متغيرا وقد زالت النجاسة عن المحل فالماء نجس ، وفي المحل وجهان أحدهما : أنه طاهر لانتقال النجاسة إلى الماء والثاني : وهو الصحيح : أن المحل نجس أيضا لأن الماء المنفصل نجس وقد بقيت منه أجزاء في المحل قال : ولو وقع بول على ثوب فغسل بماء موزون فانفصل زائد الوزن فالزيادة بول ، والماء نجس كما لو تغير ، وفي طهارة المحل الوجهان الصحيح لا يطهر قلت : وقد سبق في المياه وجه شاذ أن هذا الماء طاهر مع زيادة الوزن وليس بشيء فالمذهب نجاسته .
السادسة : قال أصحابنا : إذا اختلطت العذرة أو الروث وغيرهما من الأعيان النجسة بتراب نجس ولم يتميز لم يطهر بصب الماء عليها لأن العين النجسة لا تطهر بالغسل وطريقه أن يزال التراب الذي وصلته أو يطرح عليه تراب طاهر يغطيه والأول أولى ، قال صاحب الشامل وغيره : لو طين على النجاسة أو طرح عليها ترابا طاهرا وصلى عليه جاز ، لكن تكره الصلاة لأنه مدفن النجاسة ، وكذا لو دفن ميتة ، وسوى فوقها الطاهر تصح الصلاة عليه وتكره . السابعة : ما ذكر صاحب التتمة بعد أن ذكر الوجهين في مسألة ابن القاص السابقة وهي : إذا غسل نصف الثوب ثم عاد فغسل نصفه قال : لو غسل الثوب عن النجاسة ثم وقعت عليه نجاسة عقب فراغه من غسله ، هل يجب عليه غسل جميع الثوب أم يكفي غسل موضع النجاسة فيه هذان الوجهان ، قلت والصحيح أنه يكفي غسل موضعها وهو الموافق للدليل ولما ذكره الأصحاب هناك . قال : ولو خرز الخف بشعر خنزير رطب صار نجسا ، فإذا غسله هل يطهر ظاهره فيه هذان الوجهان أحدهما : لا يطهر لأن الذي يتخلل ثقب الخف من الخيط نجس لملاصقته الشعر مع الرطوبة فإذا غسل ظاهره اتصلت الرطوبة بالموضع النجس ولا ينفذ الماء فيه ليطهر الجميع فيعود المغسول نجسا والثاني : يطهر فيجوز أن يصلي عليه لا فيه ، ولو عرقت رجله فيه أو أدخلها فيه رطبة لم ينجس ولا تتعدى النجاسة من الخرز الذي في ثقب الخف إلى المغسول وكان القاضي حسين يختار هذا الوجه . الثامنة : صب الماء على ثوب نجس وعصره في إناء وهو متغير ثم صب عليه ماء آخر وعصره فخرج متغير ثم جمع الماءين فزال التغير ، ولم يبلغ قلتين فهو نجس هذا هو الصواب ، وبه قطع الجمهور ، وحكى صاحب المستظهري وجها أنه طاهر وليس بشيء . التاسعة : قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتاب التبصرة في الوسوسة : إذا غسل فمه النجس فليبالغ في الغرغرة ليغسل كل ما هو في حد الظاهر ولا يبتلع طعاما ولا شرابا قبل غسله لئلا يكون أكل نجاسة . العاشرة : إذا كانت أعضاؤه رطبة فهبت الريح فأصابه غبار الطريق أو غبار السرجين لم يضره ، وقد ذكر المصنف المسألة في باب المياه . الحادية عشرة : لو صبغ يده بصبغ نجس أو خصب يده أو شعره بحناء نجس بأن خلط ببول أو خمر أو دم وغسله فزالت العين وبقي اللون فهو طاهر ، هذا هو الصحيح ، وبه قطع الأكثرون منهم البغوي ، ونقله المتولي عن عامة الأصحاب قال : وقال الأستاذ أبو إسحاق : لا يطهر مع بقاء اللون وقال صاحب الحاوي : إن بقي لون النجاسة فنجس ، وإن بقي لون الخضاب فوجهان ، ونقل صاحب المستظهري هذا عن الحاوي ثم ضعفه ، وقال هذا عجيب واعتبار زوال اللون لا معنى له قال : وقد نص الشافعي رحمه الله في موضع آخر أنه يطهر بالغسل مع بقاء اللون والمذهب ما سبق وهو الجزم بالطهارة . قال صاحب الحاوي : فإن قلنا لا يطهر فإن كان الخضاب على شعر كاللحية لم يلزمه حلقه ، بل يصلي فيه ويتركه حتى ينصل لأنه ينصل عن قرب فإذا نصل أعاد الصلوات ، وإن كان على بدن ، وهو مما ينصل كالحناء انتظر فصوله ثم يعيد ما صلى معه ، فإن كان مما لا ينصل كالوشم فإن أمن التلف في إزالته لزمه كشطه لأنه ليس له أمد ينتظر بخلاف الحناء ، وإن خاف التلف فإن كان غيره أكرهه تركه بحاله ، وإن كان هو الذي فعله فوجهان كما لو صلى بعظم نجس والله أعلم . فرع : في استعمال النجاسات في البدن وغيره خلاف وتفصيل نوضحه إن شاء الله تعالى في باب ما يكره لبسه .
الثانية عشر : إذا توضأ إنسان في طست ثم صب ذلك الماء في بئر فيها ماء كثير لم يفسد الماء ولم يجب نزح شيء منه عندنا وعند جماهير العلماء . وقال أبو يوسف : يجب نزح جميعها ، وقال محمد : ينزح منه عشرون دلوا . الثالثة عشرة : لا يشترط في غسل النجاسة فعل مكلف ولا غيره بل يكفي ورود الماء عليها وإزالة العين ، سواء حصل ذلك بغسل مكلف أو مجنون أو صبي أو إلقاء الريح أو نحوها أو بنزول المطر عليه أو مرور السيل أو غيره ، نص عليه الشافعي في الأم ، واتفق عليه لكن يجىء فيه الوجه السابق في اشتراط النية في إزالة النجاسة ، لكنه وجه باطل مخالف للإجماع كما سبق ، قال الشافعي والأصحاب : فلو وقع البول ونحوه على أرض فقلع التراب الذي أصابه فإن استظهر حتى علم أنه لم ينزل البول عن ذلك كان الموضع طاهرا وإلا فلا والله أعلم . 33 = كتاب الصلاة =
قال المصنف رحمه الله تعالى : الصلاة المكتوبة خمس لما روى طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال : جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أهل نجد ثائر الرأس ، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا ، فإذا هو يسأل عن الإسلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات في اليوم والليلة ، قال : هل علي غيرهن قال : لا إلا أن تطوع . + الشرح : الصلاة في اللغة الدعاء ، وسميت الصلاة الشرعية صلاة لاشتمالها عليه ، هذا هو الصحيح وبه قال الجمهور من أهل اللغة وغيرهم من أهل التحقيق وقيل في اشتقاقها ومعناه أقوال كثيرة أكثرها فاسدة لا سيما قول من قال : هي مشتقة من صليت العود على النار إذا قومته ، والصلاة تقيم العبد على الطاعة وبطلان هذا الخطأ أظهر من أن نذكره لأن لام الكلمة في الصلاة واو ، وفي صليت ياء ، فكيف يصح الاشتقاق مع اختلاف الحروف الأصلية . وأما حديث طلحة فرواه البخاري ومسلم وهو بعض حديث طويل مشهور . وقوله : ثائر أي منتفش شعره وهو برفع الراء وقوله : نسمع ولا نفقه هو بالنون المفتوحة فيهما ، وروي بالياء المثناة من تحت مضمومة ، وكلاهما صحيح لكن النون أصح وأشهر . وقوله : 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 المثناة من تحت مضمومة ، وكلاهما صحيح لكن النون أصح وأشهر . وقوله : 4 @ دوي هو بفتح الدال المهملة هذا هو المشهور وحكى صاحب المطالع ضمها وهو شاذ ضعيف ومعناه بعده في الهواء وعلوه وقوله صلى الله عليه وسلم إلا أن تطوع هو بتشديد الطاء والواو على إدغام إحدى التاءين في الطاء ويجوز تخفيف الطاء على الحذف وأما طلحة الراوي فهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة رضي الله عنهم وهو أبو محمد طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة بن كعب ومناقبة كثيرة مشهورة سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة الخير وطلحة الجود قتل يوم الجمل لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين ودفن بالبصرة وحديثه هذا مشتمل على فوائد كثيرة جمعتها واضحة في أول شرح صحيح البخاري ومختصرها أن فيه بطولة وجوب الصلوات الخمس كل يوم وليلة ووجوب الصيام ووجوب الزكاة وأنه لا يجب من الصلوات إلا الخمس ولا من الصيام غير رمضان وأن من حافظ على الواجبات ولم يفعل شيئا من النوافل دخل الجنة وأن الإيمان والإسلام يطلق على الصلاة والصيام وغيرهما من الطاعات وفيه أنه ليس في المال حق متأصل غير الزكاة وفيه جواز قول رمضان من غير ذكر الشهر وجواز الحلف بالله تعالى من غير استحلاف وتقرير هذه الفوائد وما يتعلق بها موضح هناك أما حكم المسألة فأجمعت الأمة على أن الصلوات الخمس فرض عين وأجمعوا أنه لا فرض عين سواهن واختلفوا في العيد هل هو فرض كفاية أم سنة وفي الوتر هل هو سنة أم واجب مع إجماعهم أنه ليس بفرض وأما صلاة الجنازة ففرض كفاية وأما ركعتا الطواف فالأصح أنهما سنة ومن قال بوجوبهما فإنما وجبتا عنده لعارض وهو الطواف لا بالأصالة فأشبهت المنذورة وقد كان قيام الليل واجبا في أول الإسلام ثم نسخ في حق الأمة وهل نسخ في حق النبي صلى الله عليه وسلم فيه وجهان للأصحابنا قال أكثرهم لم ينسخ والصحيح أنه نسخ ونقله الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي رحمه الله ويدل عليه حديث سعد بن هشام عن عائشة وهو حديث طويل قال فيه قلت أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ألست تقرأ القرآن فذكرته إلى أن قالت فصار قيام الليل تطوعا بعد أن كان فريضة رواه مسلم في صحيحه والله أعلم
قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجب ذلك إلا على مسلم بالغ عاقل طاهر ، فأما الكافر فإن كان أصليا لم تجب عليه ، وإذا أسلم لا يخاطب بقضائها لقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ولأن في إيجاب ذلك عليهم تنفيرا فعفى عنه ، وإن كان مرتدا وجبت عليه ، وإذا أسلم لزمه قضاؤها لأنه اعتقد وجوبها وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث . + الشرح : أما الكافر المرتد فيلزمه الصلاة في الحال ، وإذا أسلم لزمه قضاء ما فات في الردة لما ذكره المصنف ، هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا . وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية عنه وداود : لا يلزم المرتد إذا أسلم قضاء ما فات في الردة ولا في الإسلام قبلها ، وجعلوه كالكافر الأصلي يسقط عنه بالإسلام ما قد سلف والله أعلم . وأما الكافر الأصلي فاتفق أصحابنا في كتب الفروع على أنه لا يجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام ، فأما في كتب الأصول فقال جمهورهم : هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان ، وقيل لا يخاطب بالفروع . وقيل : يخاطب بالمنهي عنه كتحريم الزنا والسرقة والخمر والربا وأشباهها دون المأمور به كالصلاة ، والصحيح الأول . وليس هو مخالفا لقولهم في الفروع لأن المراد هنا غير المراد هناك ، فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون بها في الدنيا مع كفرهم ، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي ، ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة ومرادهم في كتب الأصول أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر ، فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعا لا على الكفر وحده ، ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين وفي الفروع حكم الطرف الآخر ، والله أعلم . فرع : لا يصح من كافر أصلي ولا مرتد صلاة ، ولو صلى في كفره ثم أسلم لم نتبين صحتها بل هي باطلة بلا خلاف . أما إذا فعل الكافر الأصلي قربة لا يشترط النية لصحتها كالصدقة والضياقة وصلة الرحم والاعتاق والقرض والعارية والمنحة وأشباه ذلك فإن مات على كفره فلا ثواب له عليها في الآخرة لكن يطعم بها في الدنيا ويوسع في رزقه وعيشه وإن أسلم فالصواب المختار أنه يثاب عليها في الآخرة للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أسلم العبد فحسن إسلامه كتب الله له بكل حسنة كان زلفها أي قدمها ومعنى حسن إسلامه أي أسلم إسلاما محققا لا نفاق فيه . وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قلت : يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو إعتاق أو صلة رحم أفيها أجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسلمت على ما أسلفت من خير وفي رواية الصحيح أسلمت على ما أسلفت لك من الخير قوله : أتحنث أي أتعبد فهذان حديثان صحيحان لا يمنعهما عقل ولم يرد الشرع بخلافهما فوجب العمل بهما . وقد نقل الإجماع على ما ذكرته من إثبات ثوابه إذا أسلم وقد أوضحت المسألة بدلائلها وما يتعلق بها مبسوطا في أول شرحي صحيحي البخاري ومسلم . وأما قول أصحابنا وغيرهم : لا يصح من كافر عبادة ولو أسلم لم يعتد بها . فمرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا وليس فيه تعرض لثواب الآخرة فإن أطلق مطلق أنه لا يثاب عليها في الآخرة وصرح بذلك فهو مجازف غالط مخالف للسنة الصحيحة التي لا معارض لها . وقد قال الشافعي والأصحاب وغيرهم من العلماء إذا لزم الكافر كفارة ظهار أو قتل أو غيرهما فكفر في حال كفره أجزأه ، وإذا أسلم لا يلزمه إعادتها والله أعلم .
فرع : إذا صلى المسلم ثم ارتد ثم أسلم ووقت تلك الصلاة باق لم يجب إعادتها وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه يجب والمسألة مبنية على أصل سبق وهو أن عندنا تبطل الأعمال بالردة إلا أن يتصل بها الموت وعندهم يبطل بنفس الارتداد . احتجوا بقول الله تعالى : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله واحتج أصحابنا بقول الله تعالى : ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم فعلق الحبوط بشرطين : الردة والموت عليها والمعلق بشرطين لا يثبت بأحدهما والآية التي احتجوا بها مطلقة وهذه مقيدة فيحمل المطلق على المقيد . قال الشافعي والأصحاب : يلزم المرتد إذا أسلم أن يقضي كل ما فاته في الردة أو قبلها وهو مخاطب في حال الردة بجميع ما يخاطب به المسلم وإذا أسلم لا يلزمه إعادة ما كان فعله قبل الردة من حج وصلاة وغيرهما والله أعلم . فرع : إذا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر وجبت عليه الصلاة كما لو هاجر فإن تركها لزمه القضاء سواء علم وجوبها أم جهله وهذا مذهبنا . وقال أبو حنيفة رحمه الله : لا يلزمه ما لم يعلم وجوبها دليلنا عموم النصوص والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الصبي فلا تجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق ولا يجب عليه القضاء إذا بلغ لأن زمن الصغر يطول فلو أوجبنا القضاء شق فعفى عنه . + الشرح : هذا الحديث صحيح رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم علي وعائشة رضي الله عنهما رواه أبو داود والنسائي في كتاب الحدود من سننهما من رواية علي بإسناد صحيح وروياه هما وابن ماجه في كتاب الطلاق من رواية عائشة ، وقد كرره المصنف في مواضع كثيرة من المهذب ، وقل أن يذكر رواية وقد ذكره في كتاب السير من رواية علي رضي الله عنه ، وأما المسألتان اللتان ذكرهما وهما أن الصلاة لا تجب على صبي ولا صبية ولا يلزمهما قضاؤها بعد البلوغ فمتفق عليهما لما ذكره ، ويقال زمن وزمان لغتان مشهورتان واتفقوا على أن الصبي لا تكليف عليه ولا يأثم بفعل شيء ولا بترك شيء لكن يجب على وليه أداء الزكاة ونفقة القريب من ماله ، وكذا غرامة إتلافه ونحوها والله أعلم .
قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما من زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض فلا يجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاثة فنص على المجنون وقسنا عليه كل من زال عقله بسبب مباح . وإن زال عقله بمحرم كمن شرب المسكر أو تناول دواء من غير حاجة فزال عقله وجب عليه القضاء إذا أفاق لأنه زال عقله بمحرم فلم يسقط عنه الفرض . + الشرح : من زال عقله بسبب غير محرم ، كمن جن أو أغمي عليه أو زال عقله بمرض أو بشرب دواء لحاجة أو أكره على شرب مسكر فزال عقله فلا صلاة عليه ، وإذا أفاق فلا قضاء عليه ، بلا خلاف للحديث ، سواء قل زمن الجنون والإغماء أو كثر . هذا مذهبنا ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : إن كان الإغماء دون يوم وليلة لزمه قضاء ما فات فيه وإن كان أكثر فلا ، ونقل ابن حزم عن عمار بن ياسر وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وقتادة : أن المغمى عليه يقضي ، دليلنا القياس على المجنون وعلى ما فوق يوم وليلة ، أما إذا زال عقله بمحرم بأن شرب المسكر عمدا عالما به مختارا أو شرب دواء لغير حاجة ، وهو مما يزول به العقل ، فزال عقله لم تصح صلاته في ذلك الحال ، فإذا عاد عقله لزمه القضاء . قال الشافعي رحمه الله في الأم : أقل السكر أن يذهب عنه لغلبته بعض ما لم يكن يذهب . وقال الشافعي في موضع آخر : ( السكران من اختل كلامه المنظوم ، وباح بسره المكتوم ) وقال أصحابنا : هو أن تختل أحواله فلا تنتظم أفعاله وأقواله ، وإن كان له بقية تمييز وفهم كلام ، فأما من حصل به بشرب الخمر نشاط وهزة لدبيب الخمر ولكن لم يستول عليه بعد ولم يختل شيء من عقله فهو في حكم الصاحي ، فتصح صلاته في هذه الحال وجميع تصرفاته بلا خلاف ولا ينتقض وضوؤه ، وقد سبق هذا في باب ما ينقض الوضوء ، وسنعيده إيضاحا في كتاب الطلاق وحيث بسطه المصنف والأصحاب إن شاء الله تعالى . فرع : قد ذكرنا أن الجنون والإغماء وما في معناهما مما يزيل العقل بغير معصية يمنع وجوب الصلاة ولا إعادة سواء كثر زمن الجنون والإغماء ونحوهما أم قل ، حتى لو كان لحظة أسقط فرض الصلاة . ويتصور إسقاط الفرض بجنون لحظة وإغماء لحظة فيما إذا بلغ مجنونا وقد بقي من وقت الصلاة لحظة ، ثم زال الجنون عقب خروج الوقت . وحكى أصحابنا عن أبي حنيفة أنه قال : يلزم المغمى عليه بعد الإفاقة قضاء يوم وليلة ، ولا يلزمه ما زاد . وقال أحمد : يلزمه الجميع وإن كثر . وروى هذا عن طاوس وعطاء ومجاهد ، وروي مثل مذهبنا عن مالك وأحمد ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : يجوز شرب الدواء المزيل للعقل للحاجة ، كما أشار إليه المصنف بقوله : شرب دواء من غير حاجة ، وإذا زال عقله والحالة هذه لم يلزمه قضاء الصلوات بعد الإفاقة لأنه زال بسبب غير محرم ، ولو احتيج في قطع يده المتآكلة إلى تعاطي ما يزيل عقله فوجهان أصحهما جوازه ، وسنوضح هذه المسألة إن شاء الله تعالى بفروعها في باب حد الخمر . أما إذا أراد تناول دواء فيه سم ، قال الشيخ أبو حامد في التعليق وصاحب البيان : قال الشافعي رحمه الله في كتاب الصلاة : إن غلب على ظنه أنه يسلم منه جاز تناوله ، وإن غلب على ظنه أنه لا يسلم منه لم يجز ، وذكر في كتاب الأطعمة أن في تناوله إذا كان الغالب منه السلامة قولين ، قال الشيخ أبو حامد والبندنيجي : فإن حرمناه وزال عقله بتناوله وجب القضاء ، وإن لم نحرمه فلا قضاء .