قوله ( حتى الشهود ) أي حجهم صحيح وإن كان عندهم أن هذا اليوم يوم النحر حتى لو وقفوا على رؤيتهم ولم يجز وقوفهم وعليهم أن يعيدوا الوقوف مع الإمام وإن لم يعيدوا فقد فاتهم الحج وعليهم أن يحلوا بالعمرة وقضاء الحج من قابل كما في اللباب وغيره قوله ( للحرج الشديد ) بيان لوجه الاستحسان أي لأن فيه بلوى عامة لتعذر الاحتراز عنه والتدارك غير ممكن وفي الأمر بالإعادة حرج بين فوجب أن يكتفى به عند الاشتباه بخلاف ما إذا وقفوا يوم التروية لأن التدارك ممكن في الجملة بأن يزول الاشتباه في يوم عرفة هداية قوله ( وقبله الخ ) أي ولو شهدوا بعد الوقوف بوقوفهم قبل وقته قبلت شهادتهم وقوله إن أمكن التدارك فيه نظر لأنهم إذا شهدوا أن اليوم الذي وقفوا فيه يوم التروية فلا شك أن التدارك بأن يقفوا يوم عرفة ممكن كما قاله ابن كمال واعترض قول الهداية في الجملة الخ بأن لا حاجة إليه قلت لكن اعتراضه ساقط لأن قول الهداية بأن يزول الاشتباه في يوم عرفة بيان لقوله في الجملة ومعناه أنهم إذا شهدوا يوم عرفة وزال الاشتباه بشهادتهم يمكن تدارك الوقوف بخلاف ما إذا شهدوا يوم النحر فإنه لا يمكن التدارك فلما أمكن التدارك هنا في الجملة أي في بعض الصور قبلت الشهادة بخلاف الشهادة بأنهم وقفوا بعد يومه فإن التدارك غير ممكن أصلا فلذا لم يقبل ومقتضى هذا الفرق المذكور بين المسألتين أنه إذا شهدوا بالوقوف قبل وقته أن تقبل الشهادة وإن لم يمكن التدارك لأنه لما بالوقوف بعد وقته فإنه أمكن التدارك في بعض صورها صار لقبولها محل فقبلت مطلقا بخلاف الشهادة بالوقوف بعد وقته فإنه حيث لم يمكن التدارك فيها أصلا لمن يكن لقبولها محل ثم رأيت التصريح بذلك في شرح الجامع لقاضيخان حيث قال في توجيه القياس في المسألة الأولى ولهذا لو تبين أنهم وقفوا يوم التروية لا يجزئهم وإن لم يعلموا بذلك إلا يوم النحر اه وحاصله أن القياس هناك أن تقبل الشهادة ولا يصح الحج وإن لم يمكن التدارك كما في هذه المسألة إذا لم يعلموا بوقوفهم يوم التروية إلا يوم النحر فهذا صريح فيما قلناه ولله الحمد فإذا علمت ذلك ظهر لك أن قول المصنف قبلت إن أمكن التدارك غير صحيح بل الشهادة في المسألة مقبولة مطلقا نعم ذكروا هذا التقييد في مسألة ثالثة قال في البحر وقد بقي هنا مسألة ثالثة وهي ما إذا شهدوا يوم التروية والناس بمنى أن هذا اليوم يوم عرفة ينظر فإن أمكن للإمام أن يقف مع الناس أو أكثرهم نهارا قبلت شهادتهم قياسا واستحسانا للتمكن من الوقوف فإن لم يقفوا عشية فاتهم الحج وإن أمكنه أن يقف معهم ليلا لا نهارا فكذلك استحسانا وإن لم يمكنه أن يقف ليلا مع أكثرهم لا تقبل شهادتهم ويأمرهم أن يقفوا من الغد استحسانا والشهود في هذا كغيرهم كما قدمناه وفي الظهيرية ولا ينبغي للإمام أن يقبل في هذا شهادة الواحد والاثنين ونحو ذلك اه فإن قلت فهل يمكن حمل كلام المصنف على هذه المسألة تصحيحا لكلامه قلت يمكن بتكلف وذلك بأن يجعل قوله وقبله ظرفا لشهدوا لا لوقوفهم ويجعل المشهود به محذوفا فيصير التقدير ولو شهدوا قبل وقوفهم بأن هذا اليوم يوم عرفة قبلت إن أمكن التدارك الخ واقتصر الشارح على إمكان التدارك ليلا لأنه على تقدير إمكانه يفهم قبول الشهادة بالأولى فافهم واغتنم هذا التحرير المفرد تتمة قال في اللباب ولا عبرة باختلاف المطالع فيلزم برؤية أهل المغرب أهل المشرق وإذا ثبت في مصر لزم سائر الناس في ظاهر الرواية وقيل يعتبر في كل بلد مطلع بلدهم إذا كان بينهما مسافة كثيرة وقدر الكثير بالشهر اه وقدمنا تمام الكلام على ذلك في الصوم وقدمنا هناك أن ظاهر كلامهم هنا اعتبار اختلاف المطالع لما علمته من هذه المسائل تأمل
İbn Âbidîn - Reddü'l-Muhtâr (Hanefî)
İbn Âbidîn · AR
قوله ( أو الثالث أو الرابع أشار إلى أن اليوم الثاني مثال لما يتكرر فيه الرمي فهو للاحتراز عن اليوم الأول فإنه لا رمي فيه إلا جمرة العقبة قوله ( حسن ) الأولى فحسن بالفاء أي هو مسنون لقوله لسنية الترتيب ثم إن رمي في وقت الرمي لا شيء عليه وإن أخره إلى الثاني كان عليه بتأخير الجمرة الواحدة سبع صدقات لأنها أقل رمي يومها وإن أخر الكل أو إحدى عشرة حصاة التي هي أكثر رمي اليوم فعليه دم عند الإمام ولا شيء بالتأخير عندهما رحمتي فافهم وقدمنا في بحث الرمي أن رمي كل يوم فيه أو في ليلة تليه سوى اليوم الرابع أداء وفي اليوم الذي يليه قضاء فيه الجزاء وبغروب الشمس الرابع فات وقت الأداء والقضاء ولزم الجزاء قوله ( لسنية الترتيب ) هو المختار وعن محمد أنه واجب كما قدمناه في بحث الرمي قوله ( وجوبا ) راجع لقوله مشى ولقوله من منزلة وقوله في الأصح راجع للوجوب فيهما ومقابل الأول رواية الأصل أي المبسوط لمحمد بالتخيير بين الركوب والمشي ورواية عن الإمام أن الركوب أفضل ومقابل الثاني القول بأن محل وجوب ابتداء المشي من الميقات والقول بأنه من محل يحرم منه لأن ابتداء الحج الإحرام وانتهاؤه طواف الزيارة فيلزمه بقدر ما التزم والمعول عليه التصحيح الأول لما روي عن أبي حنيفة لو أن بغداديا قال إن كلمت فلانا فعلي أن أحج ماشيا فلقيه بالكوفة فكلمه فعليه أن يمشي من بغداد وتمامه في الفتح والبحر تنبيه صريح كلامهم هنا أن الحج ماشيا أفضل منه راكبا خلافا لما قدمه الشارح أول كتاب الحج وقد قدمنا الكلام عليه هناك قوله ( حتى يطوف الفرض ) وفي النذر بالعمرة حتى يحلق لباب قال شارحه وقياسه في الحج أن يقيد بحلقه قبل الطواف أو بعده ليخرج عن إحرامه اه قلت لكن مجرد الطواف في الحج إحلال عن غير النساء فتأمل قوله ( وفي أقله بحسابه ) أي يلزمه التصدق بقدره من قيمة الشاة الوسط بحر قوله ( لا شيء عليه ) لعدم العرف بالتزام النسك به ولأن مسجد المدينة يجوز دخوله بلا إحرام فلم يصر به ملتزما للإحرام كما في الفتح وغيره قوله ( اشترى محرمة ) وكذا لو اشترى عبدا محرما له أن يحلله بحر قوله ( ولو بالإذن ) أي ولو كانت محرمة بإذن البائع قوله ( لعدم خلف وعده ) أي وعد المشتري فإنه ما وعدها بخلاف البائع لو أذن لها فإنه كان يكره له أن يحللها كما في البحر قوله ( بقص شعرها الخ ) أفاد أنه لا يثبت التحليل بقوله حللتك بل بفعله أو بفعلها بأمره كالامتشاط بأمره بحر قلت وأفاد أيضا أنه لا يتوقف تحليلها على أفعال الحج بل تخرج من الإحرام بمجرد ما هو من المحظورات ولا يرد عليه ما صرحوا به من أن من فسد حجه لا يخرج عن الإحرام إلا بالأفعال ويلزمه التحلل بها كما توهمه الشرنبلالي في الجنايات للفرق الواضح بين المأمور بالرفض والمنهي عنه ألا ترى أن من أحرم بحجين لزمه رفض أحدهما ويتحلل منه بالحلق ولا يلزمه أفعاله وكذا المحصر بعدو أو مرض يتحلل بالهدي فكذا هنا فإن الأمة ممنوعة عن المضي لحق المولى ومثلها الزوجة أما من فسد حجه فإنه مأمور بالمضي في فاسده كما نبهنا على ذلك في الجنايات فافهم وأفاد أيضا أنه لا يتوقف تحليلهما على الهدي وإن وجب عليهما بعد كما صرح به في اللباب فعليهما إرسال هدي وحج وعمرة إن كان إحرامهما بالحج وعمرة إن كان بالعمرة وذلك على الأمة والعبد بعد العتق كما قدمناه أول باب الإحصار قوله ( وهو أولى الخ ) لأن الجماع أعظم محظورات الإحرام حتى تعلق به الفساد بحر وذكر بعده أن جماعها تحليل لها إن علم بإحرامها وإلا فلا وفسد حجها قوله ( وكذا ) أي له أن يحللها ولا يتأخر تحليله إياها إلى ذبح الهدي بحر
قوله إن لها محرم ) فإنها استجمعت حينئذ شرائط الوجوب فليس له منعها ح قوله ( إن لها محرم ) فإنها استجمعت حينئذ شرائط الوجوب فليس له منعها ح قوله ( وإلا ) أي إن لم يكن لها محرم قوله ( فهي محصرة ) لعدم المحرم فللزوج منعها لعدم وجوب خروجه معها فكانت محصرة شرعا قوله ( فلا تتحلل إلا بالهدي ) أي ليس له أن يحللها من ساعته كما في حج النفل بل يتأخر تحليله إياها إلى ذبح الهدي وهذا أحد قولين وعزاه في المنسك الكبير إلى الكرخي والمبسوط وعزا إلى الأصل أن للزوج تحليلها بلا هدي كما في شرح اللباب فعلى رواية الأصل لا فرق بين النفل والفرض قوله ( وكذا المكاتبة ) لأنها حرة من وجه ط قوله ( بخلاف الأمة ) فله أن يرجع بعد الإذن لأنه ملكها منافعها وهي لا تملك فيكون الأمر إليه ط لكنه يكره كما مر قوله ( إلا إذا أذن ) استثناء منقطع ط قوله ( فليس لزوجها منعها ) وذلك لأنها في تصرف السيد بعد زواجها فيجوز له أن يستخدمها ولا يجب عليه تبوئتها ط وهذا أولى من قوله في شرح اللباب لعل هذا إذا لم يبوئها قوله ( حج الغني أفضل من حج الفقير ) لأن الفقير يؤدي الفرض من مكة وهو متطوع في ذهابه وفضيلة الفرض أفضل من فضيلة التطوع ح عن المنح وهذا إنما يظهر في حج الفرض كما قاله ط وفيما إذا أحرما من الميقات أما لو أحرما من بلدهما فقد تساويا في وجوب الذهاب قوله ( حج الفرض أولى من طاعة الوالدين ) لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه وتعالى لكن هذا إذا لم يضيعا بسفره لما قدمه أول الحج أنه يكره بلا إذن ممن يجب استئذانه كأحد الأبوين المحتاج إلى خدمته وقدمنا أن الأجداد والجدات كالأبوين عند فقدهما قوله ( بخلاف النفل ) أي فإن طاعتهما أولى منه مطلقا كما قدمناه عن البحر عن الملتقط مطلب في تفضيل الحج على الصدقة قوله ( ورجح في البزازية أفضلية الحج ) حيث قال الصدقة أفضل من الحج تطوعا كذا روي عن الإمام لكنه لما حج وعرف المشقة أفتى بأن الحج أفضل ومراده أنه لو حج نفلا وأنفق ألفا فلو تصدق بهذه الألف على المحاويج فهو أفضل لا أن يكون صدقة فليس أفضل من إنفاق ألف في سبيل الله تعالى والمشقة في الحج لما كانت عائدة إلى المال والبدن جميعا فضل في المختار على الصدقة اه قال الرحمتي والحق التفصيل فما كانت الحاجة فيه أكثر والمنفعة فيه أشمل فهو الأفضل كما ورد حجة أفضل من عشر غزوات وورد عكسه فيحمل على ما كان أنفع فإذا كان أشجع وأنفع في الحرب فجهاده أفضل من حجه أو بالعكس فحجه أفضل وكذا بناء الرباط إن كان محتاجا إليه كان أفضل من الصدقة وحج النفل وإذا كان الفقير مضطرا أو من أهل الصلاح أو من آل بيت النبي فقد يكون إكرامه أفضل من حجات وعمر وبناء ربط كما حكي في المسامرات عن رجل أراد الحج فحمل ألف دينار يتأهب بها فجاءته امرأة في الطريق وقالت له إني من آل بيت النبي وبي ضرورة فأفرغ لها ما معه فلما رجع حجاج بلده صار كلما لقي رجلا منهم يقول له تقبل الله منك فتعجب من قولهم فرأى النبي في نومه وقال له تعجبت من قولهم تقبل الله منك قال نعم يا رسول الله قال إن الله خلق ملكا على صورتك حج وهو يحج عنك إلى يوم القيامة بإكرامك لامرأة مضطرة من آل بيتي فانظر إلى هذا الإكرام الذي ناله لم ينله بحجات ولا ببناء ربط مطلب في فضل وقفة الجمعة قوله ( لوقفة الجمعة الخ ) في الشرنبلالية ) عن الزيلعي أفضل الأيام يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة وهو أفضل من سبعين حجة في غير جمعة رواه رزين بن معاوية في تجريد الصحاح اه
لكن نقل المناوي عن بعض الحفاظ أن هذا حديث باطل لا أصل له نعم ذكر الغزالي في الإحياء ) قال بعض السلف إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل عرفة وهو أفضل يوم في الدنيا وفيه حج رسول الله حجة الوداع وكان واقفا إذ نزل قوله اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي سورة المائدة الآية 3 فقال أهل الكتاب لو أنزلت هذه الآية علينا لجعلناه يوم عيد فقال عمر رضي الله عنه أشهد لقد أنزلت في يوم عيدين اثنين يوم عرفة ويوم جمعة على رسول الله وهو واقف بعرفة اه قوله ( بلا واسطة ) في المنسك الكبير للسندي فإن قيل قد ورد أنه يغفر لجميع أهل الوقف مطلقا فماوجه تخصيص ذلك بيوم الجمعة قيل لأنه يغفر يوم الجمعة بلا واسطة وفي غيره يهب قوما لقوم وقيل إنه يغفر فيوقفة الجمعة للحاج وغيره وفي غيره للحاج فقط فإن قيل قد يكون في الموقف من لا يقبل حجه فكيف يغفر له قيل يحتمل أن تغفر له الذنوب ولا يثاب ثواب الحج المبرور فالمغفرة غير مقيدة بالقبول والذي يوجب هذا أن الأحاديث وردت بالمغفرة لجميع أهل الموقف فلا بد من هذا القيد والله أعلم مطلب في الحج الأكبر تتمة قال العلامة نوح في رسالته المصنفة في تحقيق الحج الأكبر قيل إنه الذي حج فيه رسول الله وهو المشهور وقيل يوم عرفة جمعة أو غيرها وإليه ذهب ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وغيرهم وقيل يوم النحر وإليه ذهب علي وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة وقيل إنه أيام منى كلها وهو قول مجاهد وسفيان الثوري وقال مجاهد الحج الأكبر القران والأصغر الإفراد وقال الزهري والشعبي وعطاء الأكبر الحج والأصغر العمرة قوله ( ضاق وقت العشاء والوقوف ) بأن كان لو مكث ليصلي العشاء في الطريق يطلع الفجر قبل وصوله إلى عرفة ولو ذهب ووقف يفوت وقت العشاء قوله ( يدع الصلاة الخ ) مشى عليه في ( السراج ) واختار في شرح اللباب عكسه لأن تأخير الوقوف لعذر مع إمكان التدارك في العام القابل جائز وليس في الشرع ترك فرض حاضر لتحصيل فرض آخر قال وهذا هو الظاهر المتبادر من الأدلة النقلية والعقلية وهو مختار الرافعي خلافا للنوي من الأئمة الشافعية وقال صاحب النخبة يصلي ماشيا مومئا على قول من يراه ثم يقضيه احتياطا قال وهذا قول حسن وجمع مستحسن اه مطلب في تكفير الحج الكبائر قوله ( قيل نعم الخ ) أي لحديث ابن ماجه في سننه المروي عن عبد الله بن كنانة ابن عباس بن مرداس أن أباه أخبر عن أبيه أن رسول الله دعا لأمته عشية عرفة فأجيب إني قد غفرت لهم ما خلا المظالم فإني خذ للمظلوم منه فقال أي رب إن شئت أعطيت المظلوم الجنة وغفرت للظالم فلم يجب عشية عرفة فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل الحديث وقال ابن حبان إن كنانة روى عنه ابنه منكر الحديث كلاهما ساقط الاحتجاج وقال البيهقي هذا الحديث له شواهد كثيرة ذكرناها في كتاب الشعب فإن صح بشواهده ففيه الحجة وإلا فقد قال تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء سورة النساء الآية 48 وظلم بعضهم بعضا دون الشرك اه وروى ابن المبارك أنه قال إن الله عز وجل قد غفر لأهل عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات فقام عمر فقال يا رسول الله هذا لنا خاصة قال هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة فقال عمر رضي الله عنه كثر خير ربنا وطاب وتمامه في الفتح وساق فيه أحاديث أخر
والحاصل أن حديث ابن ماجه وإن ضعف فله شواهد تصححه والآية أيضا تؤيده ومما يشهد له أيضا حديث البخاري مرفوعا من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه وحديث مسلم مرفوعا إن الإسلام يهدم ما كان قبله وإن الهجرة تهدم ما كان قبلها وإن الحج يهدم ما كان قبله لكن ذكر الأكمل في الشرح مشارق في هذا الحديث أن الحربي تحبط ذنوبه كلها بالإسلام والهجرة والحج حتى لو قتل وأخذ المال وأحرزه بدار الحرب ثم أسلم لم يؤاخذ بشيء من ذلك وعلى هذا كان الإسلام كافيا في تحصيل مراده ولكن ذكر الهجرة والحج تأكيدا في بشارته وترغيبا في مبايعته فإن الهجرة والحج لا يكفران المظالم ولا يقطع فيهما بمحو الكبائر وإنما يكفران الصغائر ويجوز أن يقال والكبائر التي ليست من حقوق أحد كإسلام الذمي اه ملخصا وكذا ذكر الإمام الطبي في شرحه وقال إن الشارحين اتفقوا عليه وهكذا ذكر النووي والقرطبي في شرح مسلم كما في البحر وفي شرح اللباب ) ومشى الطيبي على أن الحج يهدم الكبائر والمظالم ووقع منازعة غريبة بين أمير بادشاه من الحنفية حيث مال إلى قول الطيبي وبين الشيخ ابن حجر المكي من الشافعية وقد مال إلى قول الجمهور وكتبت رسالة في بيان هذه المسألة اه قلت وظاهر كلام الفتح الميل إلى تكفير المظالم أيضا وعليه مشى الإمام والسرخسي في شر السير الكبير وقاس عليه الشهيد الصابر المحتسب وعزاه أيضا المناوي إلى القرطبي من شرح حديث من حج فلم يرفث الخ فقال وهو يشمل الكبائر والتبعات وإليه ذهب القرطبي وقال عياض هو محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها وقال الترمذي هو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحق الله تعالى لا العباد ولا يسقط الحق نفسه بل من عليه صلاة يسقط عنه إثم تأخيرها لا نفسها فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر اه ونحوه في البحر وحقق ذلك البرهان اللقاني في شرحه الكبير على جوهرة التوحيد بأن قوله خرج من ذنوبه لا يتناول حقوق الله تعالى وحقوق عباده لأنها في الذمة ليست ذنبا وإنما الذنب المطل فيها فالذي يسقط إثم مخالفة الله تعالى اه والحاصل أن تأخير الدين وغيره وتأخير نحو الصلاة والزكاة من حقوقه تعالى فيسقط إثم التأخير فقط عما مضى دون الأصل ودون التأخير المستقبل قال في البحر فليس معنى التكفير كما يتوهمه كثير من الناس أن الدين يسقط عنه وكذا قضاء الصلاة والصوم والزكاة إذ لم يقل أحد بذلك اه وبهذا ظهر أن قول الشارح كحربي أسلم في غير محله لاقتضائه كما قال ح سقوط نفس الحق ولا قائل به كما علمته بل هذا الحكم يخص الحربي كما مر عن الأكمل قلت قد يقال بسقوط نفس الحق إذا مات قبل المقدرة على أدائه سواء كان حق الله تعالى أو حق عباده وليس في تركته ما يفي به لأنه إذا سقط إثم التأخير ولم يتحقق منه إثم بعده فلا مانع من سقوط نفس الحق أما حق الله تعالى فظاهر وأما حق العبد فالله تعالى يرضي خصمه عنه كما مر في الحديث والظاهر أن هذا هو مراد القائلين بتكفير المظالم أيضا وإلا لم يبق للقول بتكفيرها محل على أن نفس مطل الدين حق عبد أيضا لأن فيه جناية عليه بتأخير حقه عنه فحيث قالوا بسقوطه فليسقط نفس الدين أيضا عند العجز كما تقدم عن عياض لكن تقييد عياض بالتوبة والعجز غير ظاهر لأن التوبة مكفرة بنفسها وهي إنما تسقط حق الله تعالى لا حق العبد فتعين كون المسقط هو الحج كما اقتضته الأحاديث المارة وأما إنه لا قائل بسقوط الدين فنقول نعم ذلك عند القدرة عليه بعد الحج وعليه يحمل كلام الشارحين المار وحينئذ صح قول الشارح كحربي أسلم بهذا الاعتبار فافهم
ثم اعلم أن تجويزهم تكفير الكبائر بالهجرة والحج مناف لنقل عياض الإجماع على أنه لا يكفرها إلا التوبة ولا سيما على القول بتكفير المظالم أيضا بل القول بتكفير إثم المطل وتأخير الصلاة ينافيه لأنه كبيرة وقد كفرها الحج بلا توبة وكذا ينافيه عموم قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وهو اعتقاد أهل الحق أن من مات مصرا على الكبائر كلها سوى الكفر فإنه قد يعفى عنه بشفاعة أو بمحض الفضل والحاصل كما في البحر أن المسألة ظنية فلا يقطع بتكفير الحج للكبائر من حقوقه تعالى فضلا عن حقوق العباد والله تعالى أعلم قوله ( ضعيف ) أي بكنانة وابنه عبد الله فإنهما ساقطا الاحتجاج كما مر لا بأبيه العباس بن مرداس كما وقع في البحر فإنه صحابي والصحابة كلهم عدول كما بين في محله فافهم مطلب في دخول البيت قوله ( يندب دخول البيت ) ويبنغي أن يقصد مصلاه وكان عمر إذا دخله مشى قبل وجهه وجعل الباب قبل ظهره حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريب من ثلاثة أذرع ثم يصلي يتوخى مصلى رسول الله وليست البلاطة الخضراء بين العمودين مصلاه عليه الصلاة والسلام فإذا صلى إلى الجدار المذكور يضع خده عليه ويستغفر ويحمد ثم يأتي الأركان فيحمد ويهلل ويسبح ويكبر ويسأل الله تعالى ما شاء ويلزم الأدب ما استطاع بظاهره وباطنه فتح قوله ( إذا لم يشتمل الخ ) ومثله فيما يظهر دفع الرشوة على دخوله لقوله في شرح اللباب ويحرم أخذ الأجرة ممن يدخل البيت أو يقصده زيارة مقام إبراهيم عليه السلام بلا خلاف بين علماء الإسلام وأئمة الأنام كما صرح به في البحر وغيره اه وقد صرحوا بأن ما حرم أخذه حرم دفعه إلا لضرورة ولا ضرورة هنا لأن دخول البيت ليس من مناسك الحج مطلب في استعمال كسوة الكعبة قوله ( ولا يجوز الخ ) قيل ذكر المرشدي في تذكرته ما نصه قال العلامة قطب الدين الحنفي والذي يظهر لي أن الكسوة إن كانت من قبل السلطان من بيت المال فأمرها راجع إليه يعطيها لمن شاء من الشيبيين أو غيرهم وإن كانت من أوقات السلاطين وغيرهم فأمرها راجع إلى شرط الواقف فيها فهي لمن عينها له وإن جهل شرط الواقف فيها عمل فيها بما جرت به العوائد السالفة كما هو الحكم في سائر الأوقاف وكسوة الكعبة الشريفة الآن من أوقاف السلاطين ولم يعلم شرط الواقف فيها وقد جرت عادة بني شيبة أنهم يأخذون لأنفسهم الكسوة العتيقة بعد وصول الكسوة الجديدة فيبقون على عاتدهم فيها والله أعلم قوله ( وله لبسها ) أي للشاري إن كان امرأة أو كان رجلا وكانت الكسوة من غير الحرير كما في شرح اللباب ونقل بعض المحشين عن المنسك الكبير للسندي تقييد ذلك أيضا بما إذا لم تكن عليها كتابة لا سيما كلمة التوحيد مطلب فيمن جنى في غير الحرم ثم التجأ إليه قوله ( إلا إذا قتل فيه ) وإلا المرتد فإنه يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قتل كذا في شرح الشيخ إسماعيل عن المنتقى لكن عبارة اللباب هكذا من جنى في غير الحرم بأن قتل أو ارتد أو زنى أو شرب الخمر أو فعل غير ذلك مما يوجب الحد ثم لاذ إليه لا يتعرض له ما دام في الحرم ولكن لا يبايع ولا يؤاكل ولا يجالس ولا يؤوي إلى أن يخرج منه فيقتص منه وإن فعل شيئا من ذلك في الحرم يقام عليه الحد فيه ومن دخل الحرم مقاتلا فتل فيه اه وكذا سيأتي في المتن قبيل باب القود من الجنايات مباح الدم التجأ إلى الحرام لم يقتل فيه ولم يخرج عنه للقتل الخ زاد الشارح هناك وأما فيما دون النفس فيتقص منه في الحرم إجماعا اه ونقل في شرح اللباب ) عن النتف مثل ما مر عن المنتقى من التفصيل وقال إنه مخالف بظاهره لإطلاقهم
ثم أجاب بتقييد إطلاقهم عدم قتله بما إذا لم يحصل أعراض وإباء لأن إباءه عن الإسلام جناية في الحرم وذكر أيضا عن الخانية عن أبي حنيفة لا تقطع يد السارق في الحرم خلافا لهما اه قلت وتمام عبارة الخانية وإن فعل شيئا من ذلك في الحرم يقام عليه الحد فيه فأفاد كلام الخانية وكلام اللباب المار أن الحدود لا تقام في الحرم على من جنى خارجه ثم لجأ إليه ولو كان ذلك فيما دون النفس بخلاف ما إذا كانت الجناية فيه وعلى هذا فيفرق فيما دون النفس بين إقامة الحد وبين القصاص من حيث إن الحد فيه لا يقام في الحرم إلا إذا كانت الجناية فيه بخلاف القصاص ولعل وجه الفرق ما صرحوا به من أن الأطراف يسلك بها مسلك الأموال ومن جنى على المال إذا لجأ إلى الحرم يؤخذ منه لأنه حق العبد فكذا يقتص منه في الأطراف بخلاف الحد لأنه حق الرب تعالى وبخلاف القصاص في النفس لأنه ليس بمنزلة المال وأما ما في صحيح البخاري من قطعه صلى الله عليه وسلم عام الفتح يد المخزومية بمكة فلا ينافي ما قلناه إلا إذا ثبت أنها سرقت خارج الحرم والله تعالى أعلم قوله ( لا يقتل فيه ) لأن فيه تقدير البيت الشريف وقد أمر الله تعالى بتطهيره وكذا الحكم في سائر المسجد لأنه يجب تطهيره عن الأقذار رحمتي قلت إن كانت هذه هي العلة فهي شاملة لكل مسجد مطلب في كراهية الاستنجاء بماء زمزم قوله ( يكره الاستنجاء بماء زمزم ) وكذا إزالة النجاسة الحقيقية من ثوبه أو بدنه حتى ذكر بعض اللعماء تحريم ذلك ويستحب حمله إلى البلاد فقد روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمله وتخبر أن رسول الله كان يحمله وفي غير الترمذي أنه كان يحمله وكان يصبه على المرضى ويسقيهم وأنه حنك به الحسن والحسين رضي الله عنهما من اللباب وشرحه تنبيه لا بأس بإخراج التراب والأحجار التي في الحرم وكذا قيل في تراب البيت المعظم إذا كان قدرا يسيرا للتبرك به بحيث لا تكون به عمارة المكان كذا في الظهيرية وصوب ابن وهبان المنع عن تراب البيت لئلا يتسلط عليه الجهال فيفضي إلى خراب البيت والعياذ بالله تعالى لأن القليل من الكثير كثير كذا في معين المفتي للمصنف قوله ( لا حرم للمدينة عندنا ) أي خلافا للأئمة الثلاثة قال في الكافي لأنا عرفنا حل الاصطياد بالنص القاطع فلا يحرم إلا بدليل قطعي ولم يوجد قال ابن المنذر وقال الشافعي في الجديد ومالك في المشهور وأكثر من لقينا من علماء الأمصار لا جزاء على قاتل صيده ولا على قاطع شجره وأوجب الجزاء ابن أبي ليلى وابن أبي ذئب وابن نافع المالكي وهو القديم للشافعي ورجحه النووي وتمامه في المعراج قوله ( على الراجح ) يوهم أن فيه خلافا في المذهب ولم أره مطلب في تفضيل مكة على المدينة وفي آخر اللباب وشرحه أجمعوا على أن أفضل البلاد مكة والمدينة زادهما الله تعالى شرفا وتعظيما واختلفوا أيهما أفضل فقيل مكة وهو مذهب الأئمة والمروي عن بعض الصحابة وقيل المدينة وهو قول بعض المالكية والشافعية قيل وهو المروي عن بعض الصحابة ولعل هذا مخصوص بحياته أو بالنسبة إلى المهاجرين من مكة وقيل بالتسوية بينهما وهو قول مجهول لا منقول ولا معقول مطلب في تفضيل قبره المكرم صلى الله عليه وسلم قوله ( إلا الخ ) قال في اللباب والخلاف فيما عدا موضع القبر المقدس فما ضم أعضاؤه الشريفة فهو أفضل بقاع الأرض بالإجماع اه قال شارحه وكذا أي الخلاف في غير البيت فإن الكعبة أفضل من المدينة ما عدا الضريح الأقدس وكذا الضريح أفضل من المسجد الحرام وقد نقل القاضي عياض وغيره الإجماع على تفضيله حتى على الكعبة وأن الخلاف فيما عداه ونقل عن ابن عقيل الحنبلي أن تلك البقعة أفضل من العرش وقد وافقه السادة البكريون على ذلك
وقد صرح التاج الفاكهي بتفضيل الأرض على السموات لحلوله بها وحكاه بعضهم على الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها وقال النووي الجمهور على تفضيل السماء على الأرض فينبغي أن يستثنى منها مواضع ضم أعضاء الأنبياء للجمع بين أقوال العلماء قوله ( مندوبة ) أي بإجماع المسلمين كما في اللباب وما نسب إلى الحافظ ابن تيمية الحنبلي من أنه يقول بالنهي عنها فقد قال بعض العلماء إنه لا أصل له وإنما يقول بالنهى عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة أما نفس الزيارة فلا يخالف فيها كزيارة سائر القبور ومع هذا فقد رد كلامه كثير من العلماء وللأمام السبكي فيه تأليف منيف قال في شرح اللباب وهل تستحب زيارة قبره للنساء الصحيح نعم بلا كراهة بشروطها على ما صرح به بعض العلماء أما على الأصح من مذهبنا وهو قول الكرخي وغيره من أن الرخصة في زيارة القبور ثابتة للرجال والنساء جميعا فلا إشكال وأما على غيره فكذلك نقول بالاستحباب لإطلاق الأصحاب والله أعلم بالصواب قوله ( بل قيل واجبة ) ذكره في شرح اللباب وقال كما بينته في الدرة المضية في الزيارة المصطفوية وذكره أيضا الخير الرملي في حاشية المنح عن ابن حجر وقال وانتصر له نعم عبارة اللباب والفتح وشرح المختار أنها قريبة من الوجوب لمن له سعة وقد ذكر في الفتح ما ورد في فضل الزيارة وذكر كيفيتها وآدابها وأطال في ذلك وكذا في شرح المختار واللباب فليراجع ذلك من أراده قوله ( ويبدأ الخ ) قال في شرح اللباب وقد روى الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا كان الحج فرضا فالأحسن للحاج أن يبدأ بالحج ثم يثني بالزيارة وإن بدأ بالزيارة جاز اه وهو ظاهر إذ يجوز تقديم النفل على الفرض إذا لم يخش الفوت بالإجماع اه قوله ( ما لم يمر به ) أي بالقبر المكرم أي ببلده فإن مر بالمدينة كأهل الشام بدأ بالزيارة لا محالة لأن تركها مع قربها يعد من القساوة والشقاوة وتكون الزيارة حينئذ بمنزلة الوسيلة وفي مرتبة السنة القبلية للصلاة شرح اللباب قوله ( ولينو معه الخ ) قال ابن الهمام والأولى فيما يقع عند العبد الضعيف تجريد النية لزيارة قبره عليه الصلاة والسلام ثم يحصل له إذا قدم زيارة المسجد أو يستمنح فضل الله تعالى في مرة أخرى ينويها فيها لأن في ذلك زيادة تعظيمه وإجلاله ويوافقه ظاهر ما ذكرناه من قوله من جاءني زائرا لا تحمله حاجة إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون شفيعا له يوم القيامة اه ح ونقل الرحمتي عن العارف المنلا جامي أنه أفرز الزيارة عن الحج حتى لا يكون له مقصد غيرها في سفره قوله ( فقد أخبر الخ ) أي بقوله صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي رواه أحمد وابن حبان في صحيحه وصححه ابن عبد البر وقال إنه مذهب عامة أهل الأثر شرح اللباب وقدمنا الكلام على المضاعفة المذكورة قبيل باب القران وفي الحديث المتفق عليه لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى والمعنى كما أفاده في الإحياء أنه لا تشد الرحال لمسجد من المساجد إلا لهذه الثلاثة لما فيها من المضاعفة بخلاف بقية المساجد فإنها متساوية في ذلك فلا يرد أنه قد تشد الرحال لغير ذلك كصلة رحم وتعلم علم وزيادة المشاهد كقبر النبي وقبر الخليل عليه السلام وسائر الأئمة قوله ( وكذا بقية القرب ) أي كالصوم والاعتكاف والصدقة والذكر والقراءة ونقل الباقاني عن الطحاوي اختصاص هذه المضاعفة بالفرائض وعن غيره النوافل كذلك مطلب في المجاورة بالمدينة المشرفة ومكة المكرمة
قوله ( ولا تكره المجاورة بالمدينة الخ ) وقيل تكره كمكة وقيل إنها على الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه وقدمناه قبيل القران واختار في اللباب أن المجاورة بالمدينة أفضل منها بمكة وأيده بوجوه وبحث فيها شارحه القاري ترجيحا لما اختاره في الفتح حيث ذكر فضل المجاورة بمكة ثم قال لكن الفائز بهذا مع السلامة أقل القليل فلا يبنى الفقه باعتبارهم ولا يذكر حالهم قيدا في الجواز لأن شأن النفوس الدعوى الكاذبة وأنها لأكذب ما تكون إذا حلفت فكيف إذا ادعت وعلى هذا فيجب كون الجوار بالمدينة المشرفة كذلك فإن تضاعف السيئات أو تعاظمها إن فقد فيها فمخافة السآمة وقلة الأدب المفضي إلى الإخلال بواجب التوقير والإجلال قائم اه قال ح وهو وجيه فكان ينبغي للشارح أن ينص على الكراهة ويترك التقييد بالوثوق أي اعتبارا للغالب من حال الناس لا سيما أهل هذا الزمان والله المستعان خاتمة يستحب إذا عزم على الرجوع إلى أهله أن يودع المسجد بصلاة ويدعو بعدها بما أحب وأن يأتي القبر الكريم فيسلم ويدعو ويسأل الله تعالى أن يوصله إلى أهله سالما ويقول غير مودع يا رسول الله ويجتهد في خروج الدمع فإنه من أمارات القبول وينبغي أن يتصدق بشيء على جيران النبي ثم ينصرف متباكيا متحسرا على مفارقة الحضرة النبوية كما في الفتح وفيه ومن سنن الرجوع أن يكبر على كل شرف من الأرض ويقول آيبون تائبون عبادون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده وهذا متفق عليه عنه عليه الصلاة والسلام وإذا أشرف على بلده حرك دابته ويقول آيبون الخ ويرسل إلى أهله من يخبرهم ولا يبغتهم فإنه منهي عنه وإذا دخلها بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين إن لم يكن وقت كراهة ثم يدخل منزلة ويصلي فيه ركعتين ويحمد الله ويشكره على ما أولاه من إتمام العبادة والرجوع بالسلامة ويديم حمده وشكره مدة حياته ويجتهد في مجانبة ما يوجب الإحباط في باقي عمره وعلامة الحج المبرور أن يعود خيرا مما كان وهذا إتمام ما يسر الله تعالى لعبده الضعيف من ربع العبادات أسأل الله رب العالمين ذا الجود العميم أن يحقق لي فيه الإخلاص ويجعله نافعا إلى يوم القيامة إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وأن يسهل إكمال هذا الكتاب مع الإخلاص والنفع العميم لي ولعامة العباد في أكثر البلاد والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كتاب النكاح ذكره عقب العبادات الأربع أركان الدين لأنه بالنسبة إليها كالبسيط إلى المركب لأنه عبادة من وجه معاملة من وجه وقدمه على الجهاد وإن اشتركا في أن كلا منهما سبب لوجود المسلم والإسلام لأن ما يحصل بأنكحة أفراد المسلمين أضعاف ما يحصل بالقتال فإن الغالب في الجهاد حصول القتل والذمة على أن في كونه سببا لوجود المسلم تسامحا نظرا إلى أن تجدد الصفة بمنزلة تجدد الذات وكذا على العتق والوقف والأضحية وإن كانت عبادات أيضا لأنه أقرب إلى الأركان الأربع حتى قالوا إن الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادات أي الاشتغال به وما يشتمل عليه من القيام بمصالحه وإعفاف النفس عن الحرام وتربية الولد ونحو ذلك قوله ( ليس لنا عبادة الخ ) كذا في الأشباه وفيه نظر أما أولا فإن كونه عبادة في الدنيا إنما هو لكونه سببا لكثرة المسلمين ولما فيه من الإعفاف ونحوه مما ذكرناه وهذا مفقود في الجنة بل ورد أن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد لكن ورد في حديث آخر المؤمن إذا شتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة كما يشتهى وهذا أولى لقول الترمذي إنه حديث حسن غريب وأما ثانيا فلأن الذكر والشكر في الجنة أكثر منهما في الدنيا لأن حال العبد يصير كحال الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون غايته أن هذه العبادة ليست بتكليف بل هي مقتضى الطبع لأن خدمة الملوك لذة وشرف وتزاد بالقرب وتمامه في حاشية الحموي على الأشباه
قوله ( عقد ) العقد مجموع إيجاب أحد المتكلمين مع قبول الآخر أو كلام الواحد القائم مقامهما أعني متولي الطرفين بحر وفيه كلام يأتي قوله ( أي حل استمتاع الرجل ) أي المراد أنه عقد يفيد حكمه بحسب الوضع الشرعي وفي البدائع أن من أحكامه ملك المتعة وهو اختصاص الزوج بمنافع بضعها وسائر أعضائها استمتاعا أو ملك الذات والنفس في حق التمتع على اختلاف مشايخنا في ذلك اه بحر وعزا الدبوسي المعنى الأول إلى الشافعي لكن كلام المصنف كالكنز صريح في اختياره على أن الظاهر كما في النهر أن الخلف لفظي لقول الدبوسي إن هذا الملك ليس حقيقيا بل في حكمه في حق تحليل الوطء دون ما سواه من الأحكام التي لا تتصل بحق الزوجية اه فعلى القول الذي عزاه الدبوسي إلى أصحابنا من أنه ملك الذات ليس ملكا للذات حقيقة بل ملك التمتع بها أي اختصاص الزوج به كما عبر به في البدائع وهو المراد من القول بأنه ملك المتعة وبه ظهر أن تفسير الملك هنا بالاختصاص كما عبر به في البدائع أولى من تفسيره بالحل تبعا للبحر لأن الاختصاص أقرب إلى معنى الملك لأن الملك نوع منه بخلاف الحل لأنه لازم لملك المتعة وهو لازم لاختصاصها بالزوج شرعا أيضا على أن ملك كل شيء بحسبه فملك الزوج المتعة بالعقد ملك شرعي كملك المستأجر المنفعة بمن استأجره للخدمة مثلا ولا يرد عليه قوله في البحر إن المراد بالملك الحل لا الملك الشرعي لأن المنكوحة لو وطئت بشبهة فمهرها لها ولو ملك الانتفاع ببضعها حقيقة لكان بدله له اه لأن ملكه الانتفاع بالبضع حقيقة لا يستزلم ملكه البدل وإنما يستلزمه ملك نفس البضع كما لو وطئت أمته فإن العقد له لملكه نفس البضع بخلاف الزوج فافهم تنبيه كلام الشارح والبدائع يشير إلى أن الحق في التمتع للرجل لا للمرأة كما ذكره السيد أبو السعود في حواشي مسكين قال يتفرع عليه ما ذكره الأبياري شارح الكنز في شرحه للجامع الصغير في شرح قوله عليه الصلاة والسلام حفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك من أن للزوج أن ينظر إلى فرج زوجته وحلقة دبرها بخلافها حيث لا تنظر إليه إذا منعها من النظر اه ونقله ط وأقره والظاهر أن المراد ليس لها إجبار على ذلك لا بمعنى أنه لا يحل لها إذا منعها منه لأن من أحكام النكاح حل استمتاع كل منهما بالآخر نعم له وطؤها جبرا إذا امتنعت بلا مانع شرعي وليس لها إجباره على الوطء بعد ما وطئها مرة وإن وجب عليه ديانة أحيانا على ما سيأتي تأمل قوله ( من امرأة الخ ) من ابتدائية والأولى أن يقول بامرأة والمراد بها المحققة أنوثتها بقرينة الاحتراز بها عن الخنثى وهذا بيان لمحلية العقد قال في البحر بعد نقله عن الفتح إن محليته الأنثى والأولى أن يقال إن محليته أنثى محققة من بنات آدم ليست من المحرمات وفي العناية محله امرأة لم يمنع من نكاحها مانع شرعي فخرج الذكر للذكر والخنثى مطلقا والجنية للإنسي وما كان من النساء محرما على التأييد كالمحارم اه وبه ظهر أن المراد بالنكاح في قوله لم يمنع من نكاحها العقد لا الوطء لأن المراد بيان محلية العقد ولذا احتراز بالمانع الشرعي عن المحارم فالمراد منه المحرمية بنسب أو سبب كالمصاهرة والرضاع وأما نحو الحيض والنفاس والإحرام والظهار قبل التكفير فهو مانع من حل الوطء لا من محلية العقد فافهم