قوله ( مناسبته ) أي للشهادة أن الإنسان خلق مدنيا بالطبع يحتاج في معاشه إلى تعاضد وتعاوض والشهادات من التعاضد والوكالة منه وقد يكون فيه تعاوض أيضا فصارت كالمركب من المفرد فأوثر تأخيرها ولأن في كل واحدة من الشهادة والوكالة إعانة الغير بإحياء حقه وكل من الشاهد والوكيل ساع في تحصيل مراده غيره الموكل والمدعي معتمد عليه كل منهما فتح وعناية قيل في بيان قوله وقد يكون فيها تعاوض كما إذا كان وكيلا ببيع وشراء مثلا قال بعضهم هذا سهو لأن التعارض فيما ذكر إنما هو متعلق الوكالة أعني الموكل به وهو البيع لا في الوكالة والكلام فيها لا في الأول وإلا فقد يكون التعاوض في متعلق الشهادة كما لو شهد ببيع مثلا والصواب أن مراده أن يكون في نفس الوكالة تعاوض كما إذا أخذ الوكيل أجره فإنه لا يمتنع إذ الوكالة عقد جائز لا يجب على الوكيل بخلاف الشهادة إذ هي فرض يجب على الشاهد إقامته فلا يجوز فيها تعاوض ا ه قلت الأظهر أن يقال أن الوكالة ببيع ونحوه ذكروا أنه فيه مبادلة حكمية بين الوكيل والموكل حتى كان له أن يمنع المبيع عن الموكل لا أخذ الثمن إذا نقده من ماله ولا شك أن هذا مفقود في الشهادة قاله المقدسي قوله ( التوكيل صحيح ) أي تفويض التصرف إلى الغير قوله ( بالكتاب والسنة قال تعالى ) حكاية عن أصحاب الكهف فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة الكهف 19 وكان البعث منهم بطريق الوكالة وشرع من قبلنا شرع لنا إذا قصه الله تعالى ورسوله من غير إنكار ولم يظهر نسخه والورق هي الفضة المضروبة قوله ووكل عليه الصلاة والسلام حكيم بن حزام بشراء أضحية رواه أبو داود بسند فيه مجهول ورواه الترمذي عن حبيب بن أبي ثابت عن حكيم وقال لا نعرفه إلا من هذا الوجه وحبيب لم يسمع عندي من حكيم إلا أن هذا داخل في الإرسال عندنا فيصدق قول المصنف أي صاحب الهداية صح إذا كان حبيب إماما ثقة فتح قوله ( وعليه الإجماع ) أي انعقد الإجماع عليه قوله ( وهو خاص ) كأنت وكيلي في شراء هذا البيت مثلا قوله ( كأنت وكيلي في كل شيء ) ونحوه ما صنعت من شيء فهو جائز وجائز أمرك في كل شيء قوله ( عم الكل ) في الفتح عن المحبوبي لو قال أنت وكيلي في كل شيء يكون بالحفظ فلو زاد فقال أنت وكيلي في كل شيء جائز صنعك أو أمرك فعند محمد يصير وكيلا في البايعات والإجارات والهبات والطلاق والعتاق والهبات والطلاق والعتاق حتى ملك أن ينفق على نفسه من ماله وعند أبي حنيفة في المعاوضات فقط ولا يلي العتق والتبرع وفي الفتاوى الزينية وعليه الفتوى ومثله إذا قال وكلتك في جميع أموري ا ه قال في أدب القاضي وإذا وكل الرجل رجلا بطلب حقوقه وقبضها والخصومة فيها فليس لهذا الوكيل أن يوكل بذلك غيره لأن الخصومة أمر يحتاج فيه إلى الرأي والناس يتفاوتون في هذا والموكل رضي برأيه لا برأي غيره فلا يكون له أن يوكل غيره قال وإن كان صاحب الحق أجاز أمره في ذلك وما صنع فيه من شيء بأن قال ما صنعت فيه من شيء فهو جائز فله أن يوكل بذلك لأنه فوض الأمر إليه فيما يراه عاما والتوكيل من جملة ما رآه فيصح وليس للوكيل الثاني أن يوكل غيره لأن الوكيل الثاني ما فوض الأمر إليه عاما وإنما فوض إليه الخصومة قال وإن مات صاحب الحق بطلت وكالتهما جميعا لأن التركة انتقلت إلى الورثة قال ولم يمت صاحب الحق ومات الوكيل الأول فالثاني على وكالته على حاله لأنه نائب عن الموكل وليس بنائب عن الوكيل الأول لكن ملك الوكيل عزل الثاني لأنه في العزل نائب عن صاحب الحق
ابن عابدين - رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)
محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي · AR
قوله ( وخصه قاضيخان بالمعاوضات ) نقل في الشرنبلالية وغيرها عن قاضيخان لو قال لغيره أنت وكيلي في كل شيء أو قال أنت وكيلي في كل قليل أو كثير يكون وكيلا بحفظ غير هو الصحيح ولو قال أنت وكيلي في كل شيء جائز أمرك يصير وكيلا في جميع التصرفات المالية كبيع وشراء وهبة وصدقة واختلفوا في طلاق وعتاق ووقف فقيل يملك ذلك لإطلاق تعميم اللفظ وقيل لا يملك ذلك إلا إذا دل دليل سابقة الكلام ونحوه وبه أخذ الفقيه أو الليث ا ه وبه يعلم ما في كلام الشارح سابقا ولاحقا فتدبر ولابن نجيم رسالة سماها ( المسألة الخاصة في الوكالة العامة ) ذكر فيها ما في الخانية وما في فتاوى أبي جعفر ثم قال وفي البزازية أنت وكيلي في كل شيء جائزة أمرك ملك الحفظ والبيع والشراء ويملك الهبة والصدقة حتى إذا أنفق على نفسه من ذلك المال جاز حتى يعلم خلافه من قصد الموكل وعن الإمام تخصيصه بالمعاوضات ولا يلي العتق والتبرع وعليه الفتوى وكذا لو قال طلقت امرأتك ووهبت ووقفت أرضك في الأصح لا يجوز وفي الذخيرة أنه توكيل بالمعاوضات لا بالإعتاق والهبات وبه يفتى وفي الخلاصة كما في البزازية والحاصل أن الوكيل وكالة عامة يملك كل شيء إلا الطلاق والعتاق والوقف والهبة والصدقة على المفتى به وينبغي أن لا يملك الإبراء والحط عن المديون لأنهما من قبيل التبرع فدخلا تحت قول البزازية أنه لا يملك التبرع وظاهره أنه يملك التصرف مرة بعد أخرى وهل له الإقراض والهبة بشرط العوض فإنهما بالنظر إلى الابتداء تبرع فإن القرض عارية ابتداء معاوضة انتهاء والهبة بشرط العوض هبة ابتداء معاوضة انتهاء وينبغي أن لا يملكهما الوكيل بالتوكيل العام لأنه لا يملكهما إلا من يملك التبرعات ولذا لا يجوز إقراض الوصي مال اليتيم ولا هبته بشرط العوض وإن كانت معاوضة في بالانتهاء وظاهر العموم أنه يملك قبض الدين واقتضاءه وإيفاءه والدعوى بحقوق الموكل وسماع الدعوى بحقوق على الموكل والأقارير على الموكل بالديون ولا يختص القاضي لأن ذلك في الوكيل بالخصومة لا في العام فإن قلت لو وكله بصيغة وكلتك وكالة مطلقة عامة فهل يتناول الطلاق والعتاق والتبرعات قلت لم أره صريحا والظاهر أنه لا يملكها على المفتى به لأن من الألفاظ ما صرح قاضيخان وغيره بأنه توكيل عام ومع ذلك قالوا بعدمه ا ه ما ذكره ابن نجيم في رسالته ملخصا قوله ( وسيجيء أن به يفتى ) فيه حذف اسم أن قوله ( ولو لم يكن للموكل صناعة معروفة فالوكالة باطلة ) عبارة الشرنبلالية نقلا عن الخانية وفي فتاوى الفقيه أبي جعفر قال لغيره وكلتك في جميع أموري التي يجوز بها التوكيل وأقمتك مقام نفسي لا تكون الوكالة عامة تتناول البياعات والأنكحة وفي الوجه الأول إذا لم تكن عامة ينظر إن كان الرجل يختلف ليس له صنعة معروفة فالوكالة باطلة وإن كان الرجل تاجرا تجارة معروفة تنصرف إليها ا ه وبه يعلم ما في كلام الشارح إذ صورة البطلان ليست في قوله أنت وكيلي في كل شيء كما بنى عليه الشارح هذه العبارات بل في غيرها وهي وكلتك في جميع أموري الخ إلا أن يقال هما سواء في عدم العموم ولكن مبنى كلامه على أن ما ذكره عام ولكنك قد علمت ما فيه مما نقلناه سابقا أن ما ذكره ليس مما الكلام فيه قوله ( وهو ) أي التوكيل إقامة الغير ولا بد أن يكون معلوما فلا يصح توكيل المجهول فقول الدائن لمديونه من جاءك بعلامة كذا أو من أخذ أصبعك أو قال لك كذا فادفع إليه ما لي عليك لم يصح لأنه توكيل مجهول فلا يبرأ بالدفع إليه كما في القنية قوله ( مقام نفسه ترفها ) أي تنعما لنفسه وإراحة لها من مشقة الخصومة والعمل قوله ( أو عجزا ) بأن كان لا يحسن الخصومة فرب مبطل يحسن التعبير ويصور الباطل حقا ورب محق لا يحسن التعبير لحصول حقه فتتوجه الخصومة عليه
قوله ( في تصرف جائز ) أخرج بذلك ما لو وكل الصبي غيره في طلاق زوجته أو عتق عبده أو هبة ماله قوله ( معلوم ) أو رد عليه التوكيل العام وأجيب بأنه معلوم في الجملة حتى لو لم يكن معلوما أصلا كمن كثرت معاملاته بطل التوكيل قوله ( فلو جهل ) كما قول قال وكلتك بمالي منح وفتح عن المبسوط أو قالت أنت وكيلي في كل شيء قوله ( ثبت الأدنى وهو الحفظ ) أي كان وكيلا بالحفظ كما إذا قال وكلتك بمالي كما في المنح وفي الخانية لا أنهاك عن طلاق امرأتي لا يكون وكيلا ولو قال لعبده لا أنهاك عن التجارة لا يصير مأذونا عند البعض والصحيح يصير قال لغيره اشتر جارية بألف درهم لا يصير وكيلا ويكون مشورة قال لرجلين وكلت أحدكما ببيع هذا صح وأيها باع جاز وكذا لو قال لرجل بع هذا أو هذا وكذا لو دفع المديون لرجل وقال اقض فلانا أو فلانا قوله ( ممن يملكه ) متعلق بقوله صحيح وقوله وهو إقامة الغير الخ معترض بينهما ويجوز أن يكون متعلقا بإقامة وحينئذ فلا اعتراض قال في المنح بيان للشرط في الموكل قال في البحر وشمل قوله ممن يملكه الأب والوصي في ملك الصبي فلهما أن يوكلا بكل ما يفعلانه قال السائحاني قوله ممن يملكه يصح أن يكون حالا من الغير فلا يصح توكيل الذمي مسلما ببيع الخمر لأنه لأبلى بيعه ويؤيد هذا قولهم حكم الوكالة جواز مباشرة الوكيل بما وكل فيه ويصح أن يكون حالا من نفسه أن من يملك تصرفا يملك التوكيل به والذي يملك التصرف الأب والوصي ا ه قوله ( نظرا إلى أصل التصرف ) أي من حيث أنه لا يعارضه غيره فيه من غير نظر إلى حكم شرعي فدخل فيه توكيل المسلم ذميا ببيع خمر أو خنزير ومحرم حلالا ببيع الصيد لأنه صحيح عنده ولا يملكه الموكل وهو جواب عما يرد على هذا الشرط لكن هذا النظر يعكر على التقييد بقوله جائز وهذا إنما يتأتى على أن الأصل في الأشياء الإباحة ويرد على هذا الشرط أيضا العبد المأذون في تزويج نفسه لا يملك التوكيل كما في المحيط مع أنه يملك أن يتزوج بنفسه والجواب أنه بمنزلة الوكيل عن سيده وإن كان عاملا لنفسه والوكيل لا يوكل إلا بإذن أو تعميم كما في البحر قوله ( وإن امتنع في بعض الأشياء بعارض النهي ) هذا جواب عما يرد على قولهم يوكل بكل ما يباشره بنفسه ممن يملكه أنه غير مطرد ولا منعكس مع أن الذمي يملك بيع الخمر ولا يملك توكيل المسلم فيه والمسلم لا يملك بيع الخمر ويوكل الذمي فيه وحاصل الجواب أن الذمي وإن ملك التصرف لا يملك توكيل المسلم لأنه منهي عنه والمسلم لا يملك التصرف في الخمر لعارض النهي وأما أصل التصرف وهو البيع مثلا فجائز ولذلك صح توكيل الذمي ببيعه لكن هذا إنما يتأتى على أن الأصل في الأشياء الإباحة قوله ( ابن كمال ) عبارته اعلم أن من شرط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف لأن الوكيل يستفيد ولاية التصرف منه ويقدر عليه من قبله ومن لا يقدر على شيء كيف يقدر عليه غيره وقيل هذا على قولهما وأما على قوله فالشرط أن يكون التوكيل حاصلا بما يملكه الوكيل فأما كون الموكل مالكا له فليس بشرط حتى يجوز عنده توكيل المسلم الذيم بشراء الخمر وقيل المراد به أن يكون مالكا للتصرف نظرا إلى أصل التصرف وإن امتنع في بعض الأشياء بعارض النهي ومثله في التبيين وذكر بعده أنه لا بد أن يكون الموكل ممن تلزمه الأحكام لأن المطلوب من الأسباب أحكامها فلا يصح توكيل الصبي والعبد المحجور عليهما ا ه قوله ( فلا يصح توكيل مجنون وصبي ) مصدر مضاف للفاعل قوله ( لا يعقل مطلقا ) سواء كان ضارا أو نافعا أو مترددا بينهما قوله ( وصبي يعقل ) أي بأن البيع سالب للمبيع جالب للثمن أو الشراء بالعكس
قوله ( بتصرف ) متعلق بتوكيل قوله ( ضار ) الضرر بالنظر إلى وجه اكتساب المال ظاهرا وإن كان نافعا في نفس الأمر فإنهما سبب الخلف في الدنيا والثواب في العقبى ونفع عباد الله الذي هو غاية الكمال في العبد والتنصل من سيمة البخل لكنها ليست طريق الاكتساب بل تنقيص المال ظاهرا فلا يملكه الصبي وإن كان عاقلا لأن تمام نفعها بحسن النية وهي لا تكون إلا بتمام العقل فلا يصح توكيله به ولهذا حكى ابن الكمال ما نقله عنه الشارح بقبل لأنه لو نظرنا إلى أصل التصرف لصح توكيل الصبي بالصدقة لأنه يملك أصل التصرف ويمتنع في البعض بعارض وهو وأراد أيضا على ما قدمه ابن كمال من أن الشرط أن يكون التوكيل حاصلا بما يملكه الوكيل فإن الوكيل يملك الصدقة ونحوها إذا كان بالغا عاقلا ولا يصح توكيل الصبي له في ذلك والجواب عن الثاني بأن الوكيل يملك التصرف في ذلك من مال نفسه لا من مال غيره إلا بإذنه ولا يصح إذن الصبي في ذلك لقصود تمام عقله بخلاف بيع الخمر والخنزير فإن الذمي يملكه بمال نفسه وبمال غيره بإذنه والعاقل البالغ يصح إذنه في ذلك بإسقاط حقه عن الخمر والخنزير ألا يرى أن له إهراق الخمر وتسييب الخنزير فكذا له أن يسقط حقه للذمي فيتصرف الذمي بولاية نفسه لأن الحقوق ترجح إليه وهو العاقل حقيقة فحينئذ ينبغي أن يقال بما يملكه الوكيل مع صحة التفويض مع الأصيل تأمل رحمتي قوله ( بنحو طلاق ) لأن فيه إلزام المهر أو بعضه وإلزامه النفقة في العدة وغير ذلك قوله ( وعتاق وهبة وصدقة ) تقدم آنفا أن هذا ضار بالنظر إلى وجه اكتساب المال ظاهرا وإن كان نافعا في نفس الأمر الخ قوله ( بلا إذن وليه ) متعلق بصح قوله ( إن مأذونا ) أي إن كان الصبي الموكل مأذونا قوله ( ولا يصح توكيل عبد ) مضاف لفاعله قوله ( وتوقف توكيل مرتد ) أي إذا وكل المرتد أحدا توقف وأما جعله وكيلا فلا توقف فيه وهذا إذا كان بمبادلة مال بمال أو عقد تبرع بناء على توقف تصرفه فيه عند الإمام وينفذ عندهما فيصح توكيله وأما في النكاح والشهادة فلا يصح منه اتفاقا فلا يصح توكيله فيه وأما ما يعتمد المساواة وهو المفاوضة وولاية متعدية وهي التصرف على ولده الصغير فيتوقف اتفاقا فيتوقف توكيله فيه اتفاقا قال في البحر وما يرجع إلى الوكيل أي من الشرائط فالعقل فلا يصح توكيل مجنون وصبي لا يعقل لا البلوغ والحرية وعدم الردة فيصح توكيل المرتد ولا يتوقف لأن المتوقف ملكه والعلم للوكيل بالتوكيل فلو وكله ولم يعلم فتصرف توقف على إجازة الموكل أو الوكيل بعد علمه وثبت العلم بالمشافهة أو الكتاب إليه أو الرسول إليه أو بإخبار رجلين فضوليين أو واحد عدل أو غير عدل وصدقه الوكيل ا ه كما قدمناه أول الوكالة قوله ( خلافا لهما ) فقالا هو نافذ منح قوله ( وصح توكيل مسلم ذميا الخ ) قال في النهر من باب البيع الفاسد صورته بأن أسلم عليهما ومات قبل أن يزيلهما وله وارث مسلم فيرثهما فيوكل كافرا ببيعهما غير أن عليه أن يتصدق بثمنهما وهذا عند الإمام خلافا لهما ا ه وتقدم في بابه بأتم مما هنا فراجعه إن شئت قوله ( وشرائهما ) أي يصح عند الإمام مع أشد كراهة وهي كراهة التحريم كما مر في البيع الفاسد قال في النهر ثمة فيجب عليه أن يخلل الخمر أو يريقها ويسيب الخنزير ا ه قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى وانظر لو لم يقولوا ويقتل الخنزير مع أن تسييب السوائب لا يحل ا ه أقول ولعل ذلك لعدم تمولها قوله ( لعارض النهي ) في بعض النسخ بالباء بدل اللام وهو من إضافة الموصوف لصفته
قوله ( كما قدمنا ) ومثله ما لو اشترى عبدا شراء فاسدا أو أعتقه قبل قبضه لا يصح ولو أمر البائع بإعتاقه يصح لأنه يصير قابضا اقتضاء كما قدمه في البيع الفاسد قوله ( فتنبه ) أشار به إلى أنه لا تنافي بين كلاميه كما قدمه قوله ( ثم ذكر ) عطف على محذوف أي ذكر شرط الموكل ثم ذكر الخ تأمل وإضافته الشرط للوكيل بمعنى في أي ثم ذكر الشرط في الوكيل قاله بعض الأفاضل قوله ( إذا كان يعقل العقد ) أي يعقل أن الشراء جالب للمبيع سالب للثمن والبيع على عكسه ويعرف لغبن الفاحش من اليسير ويقصد بذلك ثبوت الحكم والربح لا الهزل ذكره ابن الكمال لكن نظر فيه في البحر بأنه لا حاجة إلى اشتراط عقلية الغبن الفاحش من اليسير لجواز بيع الوكيل عند الإمام بما قل وكثر نعم إن قيد عليه أن لا يبيعه بغبن فاحش اشترط ا ه واعترضه في المنح بقوله ليس ما ذكر من النظر واقعا موقعه لأن التعريف إنما هو للصبي العاقل وهو المميز مطلقا كما ذكره المحققون في تعريفه لا بالنظر إلى خصوص الوكالة حتى يحتاج إلى ذكر هذا النظر والجواب عنه ا ه ويرد عليه ما في اليعقوبية حيث قال قوله ويعرف الغبن اليسير من الفاحش كذا في أكثر الكتب وهو مشكل لأنهم اتفقوا على أن توكيل الصبي العاقل صحيح وفرق الغبن اليسير من الفاحش مما لا يطلع عليه أحد إلا بعد الاشتغال بعلم الفقه فلا وجه لصحة اشتراطه في صحة التوكيل كما لا يخفى ا ه ولا يخفى عليك أنه حيث كان تعريف الصبي العاقل مأخوذا فيه معرفة الغبن الفاحش من اليسير كان شرطا في الوكالة أيضا ثم كان الظاهر أن يقول إلا بعد الاشتغال بالبيع والشراء ومعرفة أثمان المبيعات لأنه ليس المراد أن يعرف ما حده الفقهاء بل أن يعرف أن هذا الشيء قيمته كذا وأنه لو اشتراه أو باعه بكذا يكون مغبونا تأمل وعلى كل فاشتراط معرفة الغبن مشكل فقد يكون الرجل من أعقل الناس وأذكاهم ويغبن في بعض الأشياء لعدم وقوفه على مقدار قيمة مثلها ولعل مرادهم اشتراط ذلك فيما تكون قيمته معروفة مشهورة وانظر ما يأتي عند قوله وقيد شراؤه بمثل القيمة ثم رأيت في الحواشي السعدية قال ما نصه قوله مما لا يطلع عليه أحد الخ ممنوع فإنا نرى كثيرا من الصبيان يعرف ذلك من غير اشتغال بعلم الفقه بل السماع من الثقات وكثرة المباشرة بالمعاملات ثم قد يقام التمكن من الشيء مقام ذلك الشيء كما سبق في مباحث عدم قبول شهادة الأعمى في هذا الكتاب وأما فيما نحن فيه فالتمكن من المعرفة بالعقل وذلك موجود في الصبي الذي كلامنا فيه فليتأمل ا ه قلت والظاهر أن مرادهم أن يعرف أن الخمسة فيما قيمته عشرة مثلا غبن فاحش وأن الواحد فيها يسير فإن لم يدرك الفرق بينهما غير عاقل كصبي دفع له رجل كعبا وأخذ ثوبه فإذا فرح به ولا يعرف أنه مغبون في ذلك لا يصح تصرفه أصلا وقدمنا عن البحر أن ما يرجع إلى الوكيل العقل فلا يصح توكيل مجنون وصبي لا يعقل الخ وصريح عبارة المصنف وغيره يدل على عدم صحة توكيل المجنون لكن في المقدسي ولو وكل مجنونا بطلاق امرأته فقبل الوكالة في حال جنونه ثم أفاق فهو على وكالته لأن الإفاقة تزيد التمكن من التصرف ولا تزيل الثابت قلت وفيه بحث لأن قبول المجنون لغو فلم يثبت ا ه قلت يؤيد هذا البحث أن هذا الفرع مخالف للمتون التي هي معتمد المذهب وإن أريد به من يعقل البيع والشراء كما ذكرنا فهذا ليس بمجنون بل كصبي محجور وفي الواقعات الحسامية الوكيل إذا اختلط عقله بشراب نبيذ ويعرف الشراء والقبض جاز على الموكل شراؤه ولو اختلط ببنج ويعرف الشراء لم يجز وهو كالمعتوه ا ه
قال المقدسي يشكل نفاذ تصرفه على الموكل لأنا عاملناه معاملة الصحيح زجرا له ولا ذنب للموكل حتى ينصرف الزجر له ويعامل عليه بنفاذ فعل الوكيل المذكور عليه ثم رأيت بحثى هذا منقولا قال قاضيخان إن أبا سليمان الجوزجاني قال يجوز على الموكل وقال غيره لا يسري عليه وعلل بما ذكرته فليراجع ا ه قال في جامع أحكام الصغار فإن كان الصبي مأذونا في التجارة فصار وكيلا بالبيع بثمن حال ومؤجل فباع جاز بيعه ولزمته العهدة وإن كان وكيلا بالشراء فإن كان بثمن مؤجل لا تلزمه العهدة قياسا واستحسانا وتكون العهدة على الأمر حتى أن البائع يطالب الآمر بالثمن دون الصبي وإن وكله بالشراء بثمن حال فالقياس أن لا تلزمه العهدة وفي استحسان تلزمه ا ه قال في البحر وقوله أي صاحب الكنز إن لم يكن محجورا شامل للحر الذي لم يحجر عليه لسفه والعبد المأذون والصبي المأذون ولم يذكر شارحو الهداية المحجور عليه بالسفه هنا وإنما زدته هنا لدخوله تحت المحجور عليه في كلامهم ولقول قاضيخان في الحجر أن المحجور عليه بالسفه بمنزلة الصبي إلا في أربعة فلا تلزمه عهدة كهو وظاهر كلام المصنف أن العهدة على المأذون مطلقا وفصل في الذخيرة بين أن يكون وكيلا بالبيع فالعهدة عليه سواء باع بثمن حال أو مؤجل وبين أن يكون وكيلا بالشراء فإن كان بثمن مؤجل فهي على الموكل لأنه في معنى الكفالة وإن كا نبثمن حال فهي على الوكيل لكونه ضمان ثمن ا ه وخالف في الإيضاح فيما إذا اشترى بثمن مؤجل فجعل الشراء له لا للموكل لا أن الشراء للموكل والعهدة عليه كما في الذخيرة وإيضاحه في الشرح أي الزيلعي وقيد بقوله إن لم يكن محجورا لأن المحجور تتعلق الحقوق بموكله كالرسول والقاضي وأمينه ولو قبضه مع هذا صح قبضه لأنه هو العاقد فكان أصيلا فيه وانتفاء اللزوم لا يدل على انتفاء الجواز ثم العبد إذا أعتق تلزمه تلك العهدة والصبي إذا بلغ لا تلزمه لأن المانع المولى مع أهليته وقد زال وفي الصبي حق نفسه ولا يزول بالبلوغ ولو وقع التنازع في كونه محجورا أو مأذونا حال كونه وكيلا لم أره وفي الخانية من الحجر عبد اشترى من رجل شيئا فقال البائع لا أسلم إليك المبيع لأنك محجور وقال العبد أنا مأذون كن القول قول العبد فإن أقام البائع بينة على أن العبد أقر أنه محجور قبل أن يتقدم إلى القضاء بعد الشراء لم تقبل بينته ثم قال عبد باع من رجل شيئا ثم قال هذا الذي بعتك لمولاي وأنا محجور وقال المشتري بل أنت مأذون كان القول قول المشتري ولا يقبل قول العبد ا ه وحاصلهما أن القول لمن يدعي الإذن لأن الأصل النفاذ وإقدامهما يدل عليه ومن هنا يقع الفرق بينهما وبين ما إذا كان وكيلا فإن النفاذ حاصل بدون الإذن ولزوم العهدة بشيء إخر فينبغي أن يقبل قول العبد أنه محجور عليه لتنتفي العهدة عنه ا ه قوله ( محجورا ) صفة لهما وهو من باب التنازع يعني بأن يكون كل واحد منهما محجورا وأفرده بالعطف بأو والأولى بالواو قال في الإصلاح وصبيا وعبدا محجورين وقدمنا عن ابن الكمال أنه قال وأما على قول الإمام فالشرط أن يكون التوكيل حاصلا بما يملكه الوكيل والعبد المحجور والصبي لا يملكان التصرف فكيف صح توكيلهما ويجاب بأن العبد يملك التصرف لكمال أهليته وإنما يمتنع لأنه لا مال له وتصرفه واقع في مال مولاه فتوقف على إذن المولى لأنه لا يتصرف في ماله بدون إذنه فإذا كان من أهل التصرف جاز توكيله ولا ترجع الحقوق إليه لئلا يستضربه مولاه وكذا الصبي من أهل التصرف بصحة عبارته ووجود عقله إلا أنه يمتنع ذلك لقصور في رأيه خشية أن يضر بنفسه فجاز أن يباشر العقد بغيره برأي ذلك الموكل ولا ترجع الحقوق إليه كذلك
وفي الشمني وعن أبي يوسف أن المشتري إذا لم يعلم بحال البائع ثم علم أنه صبي محجورا أو عبد محجور له خيار الفسخ وإن كانا مأذونين لزمهما الثمن ورجعا به على الآمر استحسانا قوله ( فلذا لم يقل ويقصده ) أي البيع احترازا عن بيع الهازل والمكره كما ذكره صاحب الهداية قال يعقوب باشا بعد كلام والأولى أن قوله ويقصده تأكيد لقوله يعقد والعطف عطف تفسير لأنه بالقصد يعلم كمال العقد كما لا يخفى فليتأمل قوله ( تبعا للكنز ) مفعول لأجله عامله لم يقل أو حال من فاعله أي حال كونه تابعا للكنز في عدم القول أشار بهذا إلى ما وقع في الهداية وغيرها من زيادة إنما هو للاحتراز عن بيع المكره والهازل فإنه لا يقع عن الأمر قال في البحر هذا خارج عن المقصود لأن لكلام في صحة التوكيل وهذا في صحة بيع الوكيل فلذا تركه المصنف ا ه وهذا معنى قول الشارح هنا تبعا للكنز أي تابعا للكنز في تركه هذا القول قوله ( ثم ذكر ضابط الموكل فيه ) أي ما ذكره المصنف ضابط لا حد فلا يرد عليه أن المسلم لا يملك بيع الخمر ويملك تمليك الذمي به لأن إبطال القواعد بإبطال الطرد لا العكس ولا يبطل طرده عدم توكيل الذمي مسلما ببيع خمر وهو يملكه لأنه يملك التوصل به بتوكيل الذمي به فصدق الضابط لأنه لم يقل كل عقد يملكه يملك توكيل كل أحد به بل التوصل به في الجملة وإنما يرد عليه توكيل الوكيل بلا إذن وتعميم فإنه يملك العقد الذي وكل به ولا يملك التوكيل به وأجابوا بأن المراد لنفسه لكن يرد عليه الأب والجد يملكان شراء مال ولده الصغير ولا يملكان التوكيل به كما في السراج وفي التبيين قبيل الغصب إنه يصح فلا يرد قال شيخنا ثم ظهر لي تسليم الورود وأنه لا مخالفة بين ما في السراج والتبيين وذلك أن ما في السراج من أنه لا يملك تملك مال ولده بالتوكيل بشرائه أي قصدا وما في التبيين إنما ملك تملكه لكونه في ضمن التوكيل ببيعه فملك الشراء ممن وكله بالبيع ا ه بأن قال الأب لشخص وكلتك ببيع عبد ابني مني ويرد عليه الاستقراض أيضا فإنه يباشره بنفسه لنفسه ولا يملك التوكيل به فيقع للوكيل والجواب منع عدم صحته به لما في الخانية إن وكل بالاستقراض فإن إضاف الوكيل الاستقراض إلى الموكل كان للموكل وإلا كان للوكيل ا ه وفي البزازية استقرض منه ألفا وأمره أن يعطيه رسوله فلانا وزعم المقرض الإعطاء وأقر الرسول أي بالقبض وأنكر المستقرض دفع المقرض لا يلزم المستقرض شيء ا ه وهل يلزم الرسول الجواب لا لأنه أمين يقبل قوله في حق براءة نفسه لا في لزوم الدين ذمة المستقرض كرسول المديون بالدين إلى الدائن إذا أنكر وصوله إليه وادعى الرسول إيصاله إليه يقبل قوله في حق براءة نفسه لا في حق الدين تأمل ثم قال بعده صح التوكيل بالإقراض لا بالاستقراض وفي القنية التوكيل بالاستقراض لا يصح والتوكيل بقبض القرض يصح بأن يقول لرجل أقرضني ثم يوكل رجلا بقبضه يصح ا ه قال في الحواشي اليعقوبية ولا يرد الاستقراض لأن محل العقد من شروطه وليس بموجود في التوكيل بالاستقراض لأن الدراهم التي يستقرضها الوكيل ملك المقرض والأمر بالتصرف في ملك الغير باطل وهذا من باب التخلف لمانع وقيد عدم المانع في الأحكام الكلية غير لازم وعن أبي يوسف أن التوكيل بالاستقراض جائز فعلى هذا لا نقضي به على مذهبه فليتأمل ا ه قال في أواخر الفصل التاسع والعشرين من نور العين برمز جف بعث رجلا ليستقرضه فأقرضه فضاع في يده فلو قال أقرض للمرسل ضمن مرسله ولو قال أقرضني للمرسل ضمن رسوله والحاصل أن التوكيل بالإقراض جائز لا بالاستقراض والرسالة بالاستقراض تجوز ولو أخرج وكيل الاستقراض كلامه مخرج الرسالة يقع القرض للآمر ولو مخرج الوكالة بأن أضافه إى نفسه يقع للوكيل وله منعه من أمره
يقول الحقير إنما لم يجوزوا التوكيل بالاستقراض ظنا أنه لا محل فيه لعقد الوكالة وقد أطال شراح الهداية الكلام في هذا المقام وفي زمان تدريسي كنت كتبت في هذا المبحث رسالة طويلة الذيول لطيفة بحيث قبلها كثير من الفحول وحاصلها أن محل العقد فيه عبارة الموكل كما في التوكيل بالنكاح ونحوه مما يكون فيه الوكيل سفيرا محضا فلا بأس أصلا بأن تسمى الرسالة بالاستقراض وكالة كما تسمى الرسالة بالنكاح ونحوه وكاله ويؤيد ما ذكرناه ما قال الإمام الكاشاني في البدائع ويجوز التوكيل في الاستقراض والقرض وما قال الإمام الزيلعي أيضا في شرح الكنز وعند أبي يوسف أن التوكيل بالاستقراض جائز لا يقال لو كان وكالة لما دفع للموكل فيما إذا أضافه إلى نفسه لأنا نقول حال الوكالة بالشراء أيضا كذلك لأن الوكيل بشراء شيء لا بعين إذا شراه يكون هو له إلا أن ينوي الشراء لموكله إذا العقد إلى دراهم موكله كما ذكره في الهداية وغيرها والله تعالى أعلم انتهى قوله ( بكل ) متعلق بقول الماتن أول الباب التوكيل صحيح أي التوكيل صحيح بكل شيء يباشره الموكل ولما ورد عليه الوكيل فإنه ليس له أن يوكل غيره مع أنه يباشر بنفسه دفعه الشارح بقوله لنفسه قوله ( لنفسه ) جواب عما يقال إن الوكيل يملك التصرف فيما وكل فيه مع أنه لا يملك التوكيل إلا بتفويض أو نص وحاصل الجواب أن الوكيل يملك التصرف لغيره لا لنفسه ح فإن قلت أنه يوكل بإذن مع أنه لا يصدق عليه التعريف يجاب بأنه إذا وكل بإذن صار الوكيل الثاني وكيلا عن الموكل الأول والموكل الأول يباشر لنفسه وأورد على هذا القيد الأب والوصي إذا وكلا في مال الصبي فإنه يصح مع أنهما يتصرفان فيه لغيرهما فراجع ويرد عليه الاستقراض فإنه يجوز أن يباشره لنفسه لا لغيره ولا يجوز أن يوكل فيه غيره كما تقدم بيانه مفصلا والجواب أن عقد القرض لا يفيد الملك بمجرده بل لا بد من القبض أيضا فلو صح التوكيل به لكن توكيلا بقبض ما لم يملك اللموكل وهو لا يجوز وفي معين المفتي يشكل على الأصل المذكور أنه لا يجوز توكيل الأب أنه يزوج بنته الصغيرة بأقل من مهر المثل كما في القنية أقول لا إشكال فإنه لم يوكله بأن يزوجها بأقل من مهر مثلها وإنما وكل بتزويجها فزوجها بأقل من مهر مثلها كما هو صريح عبارة القنية فتأمل وأورد أيضا أن المأذون بالنكاح يباشره لنفسه ومع ذلك ليس له أن يوكل غيره وأجيب بأنه وكيل عن سيده في العقد قوله ( فشمل الخصومة ) تفريع على قوله بكل ما يباشره وهو أولى من قول الكنز بكل ما يعقده لشموله العقد وغيره كالخصومة والقبض كما في البحر قوله ( فصح بخصومة ) هي في لغة الجدل والخصم المخاصم والجمع خصوم وقد يكون للجمع والاثنين والمؤنث وفي الشرع الجواب بنعم أو لا وفسرها في الجوهرة بالدعوى الصحيحة أو الجواب الصريح قوله ( في حقوق العباد ) شمل بعضها معينا وجميعها كما في البحر وفيه عن منية المفتي ولو وكله في الخصومة له لا عليه فله إثبات ما للموكل فلو أراد المدعى عليه الدفع لم يسمع وإذ أثبت الحق على الموكل لم يلزمه ولا يحبس عليه ولو كان وكيلا عاما لأنها لم تنتظم الأمر بالأداء ولا الضمان فالحاصل أنها تتخصص بتخصيص الموكل وتعمم بتعميمه ولا يقبل من الوكيل بينة على وكالته من غير خصم حاضر ولو قضى بها صح لأنه قضاء في مختلف فيه وفيه عن البزازية ولو وكله بكل حق هو له وبخصومته في كل حق له ولم يعين المخاصم به والمخاصم فيه جاز ا ه وتمامه فيه قوله ( برضا الخصم ) أطلق فيه فشمل الطالب والمطلوب كما شملها الموكل والشريف والوضيع قال الإمام قاضيخان التوكيل بالخصومة لا يجوز عند أبي حنيفة سواء كان التوكيل من قبل الطالب أو من قبل المطلوب ا ه
قال في البزازية وأصله أن التوكيل بلا رضا الخصم من الصحيح المقيم طالبا كان أو مطلوبا وضيعا أو شريفا إذا لم يكن الموكل حاضرا في مجلس الحكم لا يصح عند الإمام أي لا يجبر خصمه على قبول الوكالة وعندهما والشافعي يصح أي يجبر على قبوله وبه أفتى الفقيه وقال العتابي وهذا هو المختار وبه أخذ الصفار انتهى ويأتي تمامه أقول ويقول أبي حنيفة أفتى الرملي قائلا وعليه المتون واختاره غير واحد والمحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وأبو الفضل المعلى ورجح دليله في كل مصنف فلزم العمل به ولا سيما في هذا الزمان الفاسد كما في الخيرية أقول لكن العمل الآن على صحة التوكيل وإن لم يرض به الخصم وبه صدر أمر السلطان نصره الرحمن كما في 1516 من المجلة قوله ( وجوازه بلا رضاه ) قال في الهداية ولا خلاف في الجواز وإنما الخلاف في اللزوم ومعناه أنه إذا وكل من غير رضاه هل يرتد برده أو لا فعند أبي حنيفة نعم وعندهما لا ويجبر فعلى هذا يكون قوله لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضا الخصم مجازا لقوله ولا يلزم ذكر الجواز وأراد اللزوم فإن الجواز لازم للزوم فيكون ذكر اللازم وأراد الملزوم وفيه نظر لأنا لا نسلم أن الجواز لازم للزوم عرف ذلك في أصول الفقه سلمناه لكن ذلك ليس بمجاز والحق أن قوله لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضا الخصم في قوة قولنا التوكيل بالخصومة غير لازم بل إن رضي به الخصم صح وإلا فلا حاجة إلى قوله ولا خلاف في الجواز وإلى التوجيه بجعله مجازا لهما أن التوكيل تصرف في خالص حقه أي في حق الموكل وهذا لأنه وكله إما بالجواب أو بالخصومة وكلاهما حق الموكل فإذا كان كذلك فلا يتوقف على رضا غيره كالتوكيل بتقاضي الديون أي بقبض الديون لأنه وكله بالجواب والخصومة لدفع الخصم عن نفسه وذلك حقه لا محالة والتصرف في خالص حقه لا يتوقف على رضا غيره كالتوكيل بالتقاضي أي بقبض الديون وإيفائها ولأبي حنيفة رحمه الله تعالى أنا لا نسلم أنه تصرف في خالص حقه فإن الجواب مستحق على الخصم ولهذا يستحضره في مجلس القاضي والناس يتفاوتون في الخصومة وفي جوابها فرب إنسان يصور الباطل بصورة الحق ورب إنسان لا يمكنه تمشية الحق على وجهه فيحتمل أن الوكيل ممن له حذق في الخصومات فيتضرر بذلك الخصم فيشترط رضاه والمستحق للغير لا يكون خالصا له سلمنا خلوصه له لكن تصرف الإنسان في خالص حقه إنما يصح إذا لم يتضرر به غيره وها هنا ليس كذلك لأن الناس متفاوتون في الخصومة فلو قلنا بلزومه أي التوكيل بالخصومة لتضرر به الخصم فيتوقف على رضاه كالعبد المشترك إذا كاتبه أحد الشريكين فإنها تتوقف على رضا الآخر وإن كان تصرفا في خالص حقه لمكان ضرر الشريك الآخر بين أن يرضى به وبين أن يفسخه دفعا للضرر عنه فيتخير بين القضاء والفسخ وعلى هذا فإذا كانت الوكالة برضا الخصم كانت لازمة بالاتفاق فلا ترتد برد الخصم ويلزمه الحضور والجواب بخصومة الوكيل وإذا كانت بلا رضاه صحت ولكن يقبل عند الإمام الارتداد برده ولا يلزمه الحضور والجواب بخصومة الوكيل كما في الشروح قوله ( والمختار للفتوى تفويضه للحاكم ) أي القاضي بحيث أنه إذا علم من الخصم التعنت في الإباء عن قبول التوكيل لا يمكنه من ذلك وإن علم من الموكل قصد الإضرار لخصمه بالحيل كما هو صنيع وكلاء المحكمة لا يقبل منه التوكيل إلا برضاه وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي كذا في الكافي ونحوه في الزيلعي وزاد في معراج الدراية وبه أخذ الصفار وقال الإمام السرخسي إذا علم القاضي التعنت من المدعي في إباء التوكيل يفتي بالقبول بغير رضاه وهو الصحيح وفي الخلاصة قال شمس الأئمة الحلواني في أدب القاضي المتفي مخير في هذه المسألة إن شاء أفتى بقول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وإن شاء أفتى بقولهما ونحن نفتي أن الرأي إلى القاضي ا ه هذا في قضاتهم لما علموا من أحوالهم من الصلاح والدين
أما قضاة زماننا فلا يلاحظون ما قالوه بيقين بل قصدهم حصول المحصول ولو علموا من الوكيل التزوير أو الإضرار في الدعوى وفي غاية البيان الأولى أن لا يحضر مجلس الخصومة بنفسه عندنا وعند العامة وقال البعض الأول أن يحضر بنفسه لأنه الامتناع من الحضور إلى مجلس القاضي من علامات المنافقين والجواب الرد من المنافقين والإجابة من المؤمنين اعتقادا ا ه وفي خزانة المفتين وإذا وكله بالخصومة عند القاضي فلان كان للوكيل أن يخاصمه إلى قاض آخر ولو وكله بالخصومة إلى فلان الفقيه لم يكن له أن يخاصمه إلى فقيه آخر ا ه أقول وكأن وجهه أنه جعل هذا الفقيه حكما فلا يكون الآخر حكما بدون أمره بخلاف القاضي الآخر فإن ولايته ثابتة وإن لم يأمر تأمل قوله ( إلا أن يكون الموكل مريضا ) أي فيلزم التوكيل من غير رضا الخصم ووجه لزوم التوكيل بلا توقف على رضا الخصم إذا وجد عذر من مرض ونحوه أن جواب خصمه حينئذ غير مستحق عليه أبو السعود قوله ( لا يمكنه حضور مجلس الحكم بقدميه ) سواء كان مدعيا أو مدعى عليه وإن قدر على الخصومة على ظهر دابة أو إنسان فإن زاد مرضه بذلك لزم توكيله فإن لم يزدد فالصحيح لزومه بزازية وفي الجوهرة أما المريض الذي لا يمنعه المرض من الحضور وهو كالصحيح ا ه فالمفهوم فيه تفصيل ط لكن في الشمني ومنلا مسكين يلزم منه بلا رضاه وإن كان لا يزيده الركوب مرضا في الأصح وظاهره المخالفة لما في البزازية ووجه المخالفة ما ذكره السيد الحموي حيث قال وظاهره أنه لو لم يزد مرضه بالركوب لا يصح توكيله قلت هذا الظاهر إنما يتم لو كان المراد بالصحيح ما قابل الفاسد ولا يتعين إذ يحتمل أن يراد به ما قابل الأصح وعليه فلا تخالف ألا ترى إلى ما ذكره في العناية في بحث الاختلاف بين الرازي والكرخي فيما إذا اختلف الزوجان في المهر فإنهما لا يتحالفان في الوجوه كلها أي فيما إذا شهد مهر المثل له أو لها أو لم يشهد لواحد منهما واختلف شراح الهداية في الترجيح ففي النهاية ذكر أن قول الرازي أصح وغيره من الشارحين ذكر أن قول الكرخي هو الصحيح فقال في العناية إن أرادوا بقولهم هو الصحيح أن غيره يجوز أن يكون أصلح فلا كلام وإن أرادوا أن غيره فاسد فالحق ما قاله في النهاية الخ قوله ( أو غائبا مدة سفر ) قيد بمدة السفر لأن ما دونها كالحاضر كذا في الجوهرة وفي المحيط إن كان الموكل مريضا أو مسافرا فالتوكيل منهما لا يلزم بدون رضا الخصم بل يقال للمدعي إن شئت جواب خصمك فاصبر حتى يرتفعا لعذر وإن لم تصبر فسبيلك الرضا بالتوكيل فإذا رضي لزمه التوكيل برضاه في ظاهر الرواية ا ه وهو خاص بتوكيل المدعى كما لا يخفى بحر قوله ( أو مريدا له الخ ) قال في البحر وإرادة السفر أمر باطني فلا بد من دليلها وهو إما تصديق الخصم بها أو القرينة الظاهرة ولا يقبل قوله إني أريد السفر لكن القاضي ينظر في حاله وفي عدته فإنها لا تخفي هيئة من يسافر كذا ذكره الشارح وفي البزازية وإن قال أخرج بالقافلة الفلانية سألهم عنه كما في فسخ الإجارة ا ه وفي خزانة المفتين وإن كذبه الخصم في إرادته السفر يحلفه القاضي بالله أنك تريد السفر ا ه والمتأخرون من أصحابنا اختاروا للفتوى أن القاضي إن علم التعنت من إبائه من قبول التوكيل لا يمكنه من ذلك وإن علم من الموكل قصد الإضرار بالخصم لا يقبل منه التوكيل إلا برضاه فقول الشارح بعد ويكفي قوله إذا أريد السفر محمول على ما إذا صدقه الخصم قوله ( أو مخدرة ) فإنه يلزم التوكيل منها كما قاله الإمام الكبير أبو بكر الجصاص أحمد بن علي الرازي لأنها لو حضرت لم تستطع أن تنطق بحقها لحيائها فيلزم توكيلها أو يضيع حقها