والحكم في الوديعة أنه يبرأ عن الضمان إذا عاد إلى الوفاق ولا يبرأ عن الضمان إذا عاد الوفاق في الأمانة والفرق بين الوديعة والأمانة العموم والخصوص فإن كل وديعة أمانة والعكس ليس كذلك وحمل الأعم على الأخص يجوز كما فعله صاحب الدرر دون عكسه كما فعله القدوري لأن الأمانة تشمل ما إذا كان من غير قصد كما إذا هبت الريح في ثوب إنسان فألقته في حجر غيره وما يقال من أن الوديعة قد تكون من غير صنع المودع على ما صرح به صاحب الهداية في آخر باب الاستثناء من كتاب الإقرار فدفعه بحمل الوديعة ثمة على معناها اللغوي لا الاصطلاحي ومثل هذا كثير لا يخفى على من تدرب قوله ( كما حققه المصنف وغيره ) قال المصنف في منحه والفرق بينهما من وجهين أحدهما أن الوديعة خاصة بما ذكرنا والأمانة عامة تشمل ما لو وقع في يده شيء من غير قصد بأن هبت الريح بثوب إنسان وألقته في حجر غيره وحكمها مختلف في بعض الصور لأن في الوديعة يبرأ من الضمان بعد الخلاف إذا عاد إلى الوفاق وفي الأمانة لا يبرأ عن الضمان بعد الخلاف الثاني أن الأمانة علم لما هو غير مضمون فتشمل جميع الصور التي لا ضمان فيها كالعارية والمستأجر والموصي بخدمته في يد الموصى له بها والوديعة مما وضع للأمانة بالإيجاب والقبول فكانا متغايرين واختاره صاحب الهداية والنهاية ونقل الأول عن الإمام بدر الدين الكردي ا ه وقد أوسع الكلام في هذا المقام العلامتان صدر الشريعة وقاضي زاده قوله ( وركنها الإيجاب صريحا ) أي قولا أو فعلا قوله ( أو كناية ) المراد بها ما قابل الصريح مثل كنايات الطلاق لا البيانية كما نذكره قريبا قوله ( كقوله لرجل أعطني الخ ) لو قال كقوله لرجل أعطيتك بعد قوله أعطني كان أوضح لأن الإيجاب هو قوله أعطيتك على أن قوله أعطني ليس بلازم في التصوير ط قوله ( لأن الإعطاء يحتمل الهبة ) أي ويحتمل الوديعة وفيه أن احتمال الوديعة في مثل هذه العبارة بعيد جدا لغة وعرفا فلماذا عدلوا عن المتبادر إلى غيره قوله ( لكن الوديعة أدنى ) هذا التعليل ذكره في البحر أيضا ويشير إلى أن المراد بالكناية الكناية البيانية وهي إطلاق الملزوم وإرادة اللازم كقوله فلان طويل النجاد كثير الرماد على ما عرف في فن البيان وليس كذلك لعدم انتقاله من اللازم إلى الملزوم ولا عكسه فعلمنا أن المراد بالكناية ما احتملها وغيرها كما ذكرنا فلو قال صريحا أو احتمالا لكان أظهر تأمل قوله ( ولم يقل شيئا ) فلو ذهب وتركه ضمن إذا ضاع فهذا من الإيجاب دلالة كما أنه من القبول كذلك أما لو قال لا أقبل الوديعة لا يضمن إذ القبول عرفا لا يثبت عند الرد صريحا قال صاحب جامع الفصولين أقول دل هذا أن البقار لا يصير مودعا في بقرة من بعثها إليه فقال البقار للرسول اذهب بها إلى ربها فإني لا أقبلها فذهب بها فينبغي أن لا يضمن البقار وقد مر خلافه يقول الحقير قوله ينبغي لا ينبغي إذ الرسول لما أتى بها إليه خرج عن حكم الرسالة وصار أجنبيا فلما قال البقار ردها على مالكها صار كأنه ردها إلى أجنبي أو ردها مع أجنبي فلذا يضمن بخلاف مسألة الثوب نور العين وتمامه فيه وفيه أيضا عن الذخيرة ولو قال لم أقبل حتى لم يصر مودعا وترك الثوب ربه فذهب فرفعه من لم يقبل وأدخله بيته ينبغي أن يضمن لأنه لما ثبت الإيداع صار غاصبا برفعه يقول الحقير فيه إشكال وهو أن الغصب إزالة يد المالك ولم توجد ورفعه الثوب لقصد النفع لا للضرر بل ترك المالك ثوبه إيداع ثان ورفع من لم يقبل قبول ضمنا فالظاهر أنه لا يضمن والله تعالى أعلم ا ه وفي البحر عن الخلاصة لو وضع عند قوم فذهبوا وتركوه ضمنوا إذا ضاع وإن قاموا واحدا بعد واحد ضمن الأخير لأنه تعين للحفظ فتعين للضمان ا ه
ابن عابدين - رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)
محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي · AR
فكل من الإيجاب والقبول فيه غير صريح كمسألة الخاني الآتية قريبا بل بطريق الدلالة أقول لكن في النفس شيء من بحث نور العين في مسألة البقار وهو أن البقار لما لم يقبل البقرة لم يصر مودعا قطعا والرسول لما أدى الرسالة انتهت يده المأذون بها من المالك وصار كل منهما أجنبيا في حق حفظ البقرة والبقرة في حكم اللقطة حينئذ فإذا أمر أجنبيا برفع اللقطة وحفظها لربها لا يضمن الآمر قطعا فكذا لا يضمن هنا وأما تضمين الرسول فلا وجه له أيضا لأنه من قبيل من رد الضالة لربها وهو مأذون به عادة هذا ما ظهر لي فليراجع فرع في جامع الفصولين لو أدخل دابته دار غيره وأخرجها رب الدال لم يضمن لأنها تضر بالدار ولو وجد دابة في مربطه فأخرجها ضمن قوله ( فهو إيداع ) أي الوضع المرقوم إيداع وفي الفصولين في الغصب والوديعة إذا وضع بين يدي المالك بارىء لا في الدين حتى يضعه في يده أو حجره ا ه فصار ابتداء الإيداع وانتهاؤه سواء قوله ( أو دلالة كما لو سكت ) أي فإنه قبول وبعد أن ذكر هذا في الهندية قال وضع شيئا في بيته بغير أمره فلم يعلم حتى ضاع لا يضمن لعدم التزام الحفظ وضع عند آخر شيئا وقال احفظه فضاع لا يضمن لعدم التزام الحفظ ا ه ويمكن التوفيق بالقرينة الدالة على الرضا وعدمه سائحاني قوله ( دلالة ) أي حالية ولو قال لا أقبل لا يكون مودعا لأن الدلالة لم توجد ذكره المصنف والأولى ما في شرح المنتقى حيث قال لأن الدلالة لا تعارض الصريح ا ه ومثله في كثير من الكتب فظهر من هذا سقوط ما في القنية من أول كتاب الوديعة وضع عنده شيئا وقال له احفظه حتى أرجع فصاح لا أحفظه وتركه صاحبه صار مودعا ويضمن إن ترك حفظه فهو مشكل لأن فيه تقديم الدلالة على الصريح بخلاف ما إذا قال ضعه في الجانب من بيتي إلا أني لا ألتزم حفظه حتى يصير مودعا لتعارض الصريحين فتساقط فبقي وديعة عنده قوله ( بمرأى من الثيابي ) ولا يكون الحمامي مودعا ما دام الثيابي حاضرا فإذا كان غائبا فالحمامي مودع ا ه بحر وفيه عن الخلاصة لبس ثوبا فظن الثيابي أنه ثوبه فإذا هو ثوب الغير ضمن وهو الأصح ا ه أي لأنه بترك السؤال والتفحص يكون مفرطا فلا ينافي ما يأتي من أن اشتراط الضمان على الأمين باطل أفاده أبو السعود والثيابي بكسر الثاء المثلثة هو حافظ الثياب في الحمام وهو المعروف في بلادنا بالناطور قال في القاموس محمود بن عمر المحدث الثيابي كان يحفظ الثياب في الحمام ا ه وفي الذخيرة رجل دخل الحمام وقال لصاحب الحمام احفظ الثياب فلما خرج لم يجد ثيابه فإن أقر صاحب الحمام أن غيره رفعها وهو يراه ويظن أنه رفع ثياب نفسه فهو ضامن لأنه ترك الحفظ حيث لم يمنع القاصد وهو يراه وإن أقر إني رأيت واحدا قد رفع ثيابك إلا أني ظننت أن الرافع أنت فلا ضمان عليه لأنه لم يصر تاركا للحفظ لما ظن أن الرافع هو وإن سرق وهو لا يعلم به فلا ضمان عليه إن لم يذهب عن ذلك الموضع ولم يضيع وهو قول الكل لأن صاحب الحمام مودع في حق الثياب إذا لم يشترط له بإزاء حفظه الثياب أجرا أما إذا شرط له بإزاء حفظ الثياب أجرا وقال الأجرة بإزاء الانتفاع بالحمام والحفظ فحينئذ يكون على الاختلاف وإن دفع الثياب إلى الثيابي وهو الذي يقال بالفارسية جامه دار فعلى الاختلاف لا ضمان عليه فيما سرق عند أبي حنيفة خلافا لهما لأنه أجير مشترك
رجل دخل الحمام ونزع الثياب بين يدي صاحب الحمام ولم يقل بلسانه شيئا فدخل الحمام ثم خرج ولم يجد ثيابه إن لم يكن للحمام ثيابي يضمن صاحب الحمام ما يضمن المودع وإن كان للحمام ثيابي إلا أنه لم يكن حاضرا فكذلك وإن كان حاضرا لا يضمن صاحب الحمام لأن هذا استحفاظ إلا إذا نص على استحفاظ صاحب الحمام بأن قال له أين أضع الثياب فيصير صاحب الحمام مودعا فيضمن ما يضمن المودع وفي التجنيس رجل دخل الحمام ونزع الثياب بمحضر من صاحب الحمام ثم خرج فوجد صاحب الحمام نائما وسرقت ثيابه إن نام قاعدا أو مضطجعا بأن وضع جنبه على الأرض ففي الوجه الأول لا يضمن وفي الوجه الثاني قال بعضهم يضمن ا ه وفي الفصول العمادية رجل دخل حماما وقال للحمامي أين أضع ثيابي فأشار الحمامي إلى موضع فوضعه ثمة ودخل الحمام ثم خرج رجل ورفع الثياب فلم يمنعه الحمامي لما أنه ظنه صاحب الثوب ضمن الحمامي لأنه استحفظه وقد قصر في الحفظ وهذا قول ابن سلمة وأبي نصير الدبوسي وكان أبو القاسم يقول لا ضمان على الحمامي والأول أصح ا ه أقول وهو الموافق لما مر قريبا عن الذخيرة وفي فتاوى الفضلي امرأة دخلت الحمام ودفعت ثيابها إلى المرأة التي تمسك الثياب فلما خرجت لم تجد عندها ثوبا من ثيابها قال محمد بن الفضل إن كانت المرأة دخلت أولا في هذا الحمام ودفعت ثيابها إلى التي تمسك الثياب فلا ضمان على الثيابية في قولهم إذا لم تعلم أنها تحفظ الثياب بأجر لأنها إذا دخلت أول مرة ولم تعلم بذلك ولم تشترط لها الأجر على الحفظ كان ذلك إيداعا والمودع لا يضمن عند الكل إلا بالتضييع وإن كانت هذه المرأة قبل هذه المرأة قد دخلت الحمام وكانت تدفع ثيابها إلى هذه الممسكة وتعطيها الأجر على حفظ الثياب فلا ضمان عليها عند أبي حنيفة خلافا لهما لأنها أجيرة مشتركة والمختار في الأجير المشترك قول أبي حنيفة وقيل هو قول محمد والفتوى على قول أبي حنيفة أن الثيابي لا يضمن إلا بما ضمن المودع وذكر قاضيخان أنه ينبغي أن يكون الجواب في هذه المسألة عندهما على التفصيل إن كان الثيابي أجير الحمامي يأخذ منه كل يوم أجرا معلوما بهذا العمل لا يكون ضامنا عند الكل بمنزلة تلميذ القصار والمودع ا ه وفي منهوات الأنقروي دخل الحمام فوضع الحارس له الفوطة ليضع ثيابه عليها فنزع أثوابه ووضعها على الفوطة ودخل واغتسل وخرج ولم يجد عمامته هل يضمنها الحارس أجاب نعم يضمنها لأنه استحفظ وقد قصر في الحفظ كذا في فتاوى ابن نجيم وفي زماننا الثيابي أجير مشترك بلا شبهة والمختار في الأجير المشترك الضمان بالنصف فعلى هذا ينبغي أن يفتى في الثيابي بضمان النصف تأمل ا ه قوله ( كان إيداعا ) هذا من الإيجاب والقبول دلالة قوله ( وهذا ) أي اشتراط القبول أيضا قال في المنح وما ذكرنا من الإيجاب والقبول شرط في حق وجوب الحفظ وأما في حق الأمانة فتتم بالإيجاب ا ه والمراد بحق الأمانة أنه لا يكون مضمونا قوله ( وإن لم يقبل ) قد مر أن القبول صريح ودلالة فنفيه هنا بمعنى الرد أما لو سكت فهو قبول دلالة والحاصل أن المراد نفي القبول بقسميه فتأمل قوله ( وشرطها كون المال قابلا الخ ) فيه تسامح إذ المراد إثبات اليد بالفعل وبه عبر الزيلعي ولا يكفي قبول الإثبات كما أشار إليه في الدرر بقوله وحفظ شيء بدون إثبات اليد عليه محال ا ه وجرى عليه بعضهم كالحموي والشرنبلالي وأجاب عنه العلامة أبو السعود بأنه ليس المراد من جعل القابلية شرطا عدم اشتراط إثبات اليد بالفعل بل المراد الاحتراز عما لا يقبل ذلك بدليل التعليل والتفريع اللذين ذكرهما الشارح فتدبر ا ه
أقول لكن الذي قدمه في الدرر يفيد كفاية قبول وضع اليد فإن من وضع ثيابه بين يدي رجل ساكت كان إيداعا وكذلك وضع الثياب في الحمام وربط الدابة في الخان من أنه ليس فيه إثبات اليد بالفعل وقوله وحفظ الشيء بدون إثبات اليد عليه معناه بدون إمكان إثباتها فتأمل وعليه فيكون المراد بقبولها إثبات اليد وقت الإيداع والطائر ونحوه ساعة الإيداع غير قابل لذلك قوله ( لم يضمن ) الأولى أن يقول لا يصح لأنه إذا وجده بعد ووضع يده عليه وهلك من غير تعد لم يضمن فتدبر ط قال في الجوهرة أودع صبيا وديعة فهلكت منه لا ضمان عليه بالإجماع فإن استهلكها إن كان مأذونا في التجارة ضمنها إجماعا وإن كان محجورا عليه إن قبضها بإذن وليه ضمن أيضا إجماعا وإن قبضها بغير إذن وليه لا ضمان عليه عندهما لا في الحال ولا بعد الإدراك وقال أبو يوسف يضمن في الحال وإن أودعه عبدا فقتله ضمن إجماعا والفرق أن الصبي من عادته تضييع الأموال فإذا سلمه مع علمه بهذه العادة فكأنه رضي بالإتلاف فلم يكن له تضمينه وليس كذلك القتل لأنه ليس من عادة الصبيان فيضمنه ويكون قيمته على عاقلته وإن جنى عليه فيما دون النفس كان أرشه في مال الصبي ا ه قال العلامة الخير الرملي أقول يستثنى من إيداع الصبي ما إذا أودع صبي محجور مثله وهي ملك غيرهما فللمالك تضمين الدافع والأخذ كذا في الفوائد الزينية وأجمعوا على أنه لو استهلك مال الغير من غير أن يكون عنده وديعة ضمن في الحال كذا في العناية لأنه محجور عليه في الأقوال دون الأفعال كما ذكر في الحجر وسيأتي مزيد تفصيل في المسألة في كتاب الجنايات قبل القسامة فأسطر فراجعه إن شئت ا ه قوله ( ولو عبدا محجورا ضمن بعد عتقه ) أي لو بالغا فلو قاصرا لا ضمان عليه أصلا أبو السعود وإنما لم يضمن في الحال لحق مالكه فإن المودع لما سلطه على الحفظ وقبله العبد حقيقة أو حكما كما لو كان ذلك بالتعاطي فكان من قبيل الأقوال والعبد محجور عنها في حق سيده فإذا عتق ظهر الضمان في حقه لتمام رأيه وهذا إذا لم تكن الوديعة عبدا فلو أودع صبيا عبدا فقتله الصبي ضمن عاقلته سواء قتله عمدا أو خطأ لأن عمده خطأ وليس مسلطا على القتل من جانب المولى لأن المولى لا يملك القتل فلا يملك التسليط عليه فإذا أودع العبد عند عبد محجور فقتله خطأ كان من قبيل الأفعال وهو غير محجور عنها ولم تكن من الأقوال لأن مولى العبد لا يملك تفويض قتله للمودع فكان على مولى العبد المودع القاتل أن يدفعه أو يفديه كما هو حكم الخطأ وإن قتله عمدا قتل به إلا أن يعفو وليه رحمتي قوله ( وهي أمانة ) هذا من قبيل حمل العام على الخاص وهو جائز كالإنسان حيوان ولا يجوز عكسه لأن الوديعة عبارة عن كون الشيء أمانة باستحفاظ صاحبه عند غيره قصدا والأمانة قد تكون من غير قصد والوديعة خاصة والأمانة عامة والوديعة بالعقد والأمانة أعم فتنفرد فيما إذا هبت الريح بثوب إنسان وألقته في حجر غيره وتقدم أنه يبرأ عن الضمان في الوديعة إذا عاد إلى الوفاق والأمانة غيرها لا يبرأ عن الضمان بالوفاق ط ومثله في النهاية والكفاية قال يعقوب باشا وفيه كلام وهو أنه إذا اعتبر في إحداهما القصد وفي الأخرى عدمه كان بينهما تباين لا عموم وخصوص والأولى أن يقال والأمانة قد تكون بغير قصد كما لا يخفى انتهى لكن يمكن الجواب بأن المراد بقوله ( والأمانة ما يقع في يده من غير قصد كونها بلا اعتبار قصد ) لأن عدم القصد معتبر فيها حتى يلزم التباين بل هي أعم من الوديعة لأنها تكون بالقصد فقط والأمانة قد تكون بالقصد بغير تدبر
وما في العناية من أنه قد ذكرنا أن الوديعة في الاصطلاح هي التسليط على الحفظ وذلك يكون بالعقد والأمانة أعم من ذلك فإنها قد تكون بغير عقد فيه كلام وهو أن الأمانة مباينة للوديعة بهذا المعنى لا أنها أعم منها لأن التسليط على الحفظ فعل المودع وهو المعنى والأمانة عين من الأعيان فيكونان متباينين والأول أن يقول والوديعة ما تترك عند الأمين كما في هذا المختصر داماد قوله ( والأداء عند الطلب ) أي إلا في مسائل ستأتي منها ما إذا كانت سيفا وأراد قتل آخر ظلما كما في الدر المنتقى قوله ( واستحباب قبولها ) قال الشمني وشرعية الإيداع بقوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها النساء 58 وأداء الأمانة لا يكون إلا بعدها ولأن قبول الوديعة من باب الإعانة لأن يحفظها لصاحبها وهي مندوبة لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى المائدة 2 وقوله صلى الله تعالى عنه وسلم والله تعالى في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ا ه قال الزيلعي وقال عليه الصلاة والسلام على اليد ما أخذت حتى تؤديه رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وحفظها يوجب سعادة الدارين والخيانة توجب الشقاء فيهما الخ ومن محاسنها اشتمالها على بذل منافع بدنه وماله في إعانة عباد الله واستيجابه الأجر والثناء حموي والحاصل أنه يبتنى على الإيداع أربعة أشياء كون الوديعة أمانة ووجوب الحفظ على المودع ووجوب الأداء عند الطلب واستحباب قبولها قوله ( فلا تضمن بالهلاك ) تفريع على كونها أمانة قوله ( إلا إذا كانت الوديعة بأجر ) سيأتي أن الأجير المشترك لا يضمن وإن شرط عليه الضمان وبه يفتى وأيضا قول المصنف قريبا واشتراط الضمان على الأمين باطل به يفتى فكيف يقال مع عدم الشرط أنه يضمن وفي البزازية دفع إلى صاحب الحمام واستأجره وشرط عليه الضمان إذا تلف فذكر أنه لا أثر له فيما عليه الفتوى لكن قال الخير الرملي صرح الزيلعي في كتاب الإجارة في باب ضمان الأجير الوديعة إذا كانت بأجر تكون مضمونة وسيأتي مثله في الشرح ومثله في النهاية والكفاية وشرح الهداية وكثير من الكتب ا ه وعللوه بأن الحفظ حينئذ مستحق عليه كما قدمنا فأفاد أن الأجرة تخرج الوديعة عن كونها أمانة إلى الضمان وفي صدر الشريعة إذا سرق من الأجير المشترك والحال أنه لم يقصر في المحافظة يضمن عندهما كما في الوديعة التي تكون بأجر فإن الحفظ مستحق عليه وأبو حنيفة يقول الأجرة في مقابلة العمل دون الحفظ فصار كالوديعة بلا أجر ا ه فأفاد أن الوديعة بأجر مضمونة اتفاقا وبلا أجر غير مضمونة اتفاقا وأما الأجير المشترك فيضمن عندهما لأن الأجرة في مقابلة العمل والحفظ ولا يضمن عنده لأنها في مقابلة العمل فقط فحصل الفرق بين المودع بأجر والأجير المشترك قال سيدي الوالد رحمه الله تعالى وقد يفرق بأنه هنا متسأجر على الحفظ قصدا بخلاف الأجير المشترك فإنه مستأجر على العمل ا ه يؤيده ما سمعت وما قدمنا والحاصل أن الأجير المشترك من يعمل لغيره عملا غير مؤقت ولا مخصوص كالحمامي والحارس فهو مستأجر لحفظ المكان الذي فيه المتاع فلم يكن مودعا بخلاف المودع بأجر فإنه يقال له احفظ هذه الوديعة ولك من الأجر كذا فينطبق عليه اسم المودع وهو تسليط الغير على حفظ ماله فتأمل قوله ( معزيا للزيلعي ) ذكره في ضمان الأجير وعلل الضمان بأن الحفظ واجب عليه مقصودا ببدل ا ه قوله ( سواء أمكن التحرز عنه أم لا ) وليس منه النسيان كما لو قال وضعت عندي فنسيت وقمت بل يكون مفرطا بخلاف ما إذا قال ضاعت ولا أدري كيف ذهبت الوديعة من منزلي ولم يذهب من منزلي شيء فإن القول قوله مع يمينه ولا يضمن لأنه أمين ا ه حموي بتصرف ط قال مؤيد زاده إذا قال ذهبت يقبل قوله مع يمينه واقعات
قوله ( لحديث الدارقطني ) قال في المنح وإنما كانت الوديعة أمانة لقوله ليس على المستعير غير المغل ضمان ولا على المستودع غير المغل ضمان والغلول والإغلال الخيانة إلا أن الغلول في المغنم خاصة والإغلال عام وهذا الحديث مسند عن عبد الله بن عمر عن النبي ا ه ملخصا ولأن شرعيتها لحاجة الناس إليها ولو ضمنا المودع امتنع الناس عن قبولها وفي ذلك تعطيل المصالح قوله ( واشتراط الضمان إلخ ) ولو ضمن تسليمها صح أبو السعود قوله ( كالحمامي ) أي معلم الحمام الذي يأخذ الأجرة في مقابلة انتفاع الداخل بالحمام أما من جرى العرف بأنه يأخذ في مقابلة حفظه شيئا وهو المسمى بالناطور في زماننا وهو الذي سماه الشارح الثيابي فإنه يضمن لأنه وديعة بأجرة كما تقدم لكن الفتوى على عدمه ويأتي تمامه قوله ( والخاني ) أي فإنه لا نفع له غير الحفظ فينبغي أن يكون من قبيل الحافظ بالأجر إلا أن يقال قد يقصد الخان لدفع الحر والبرد ومنع الدابة عن الهروب فلم يكن مستأجر للحفظ تأمل قوله ( باطل به يفتى ) قال مؤيد زاده في أنواع الضمانات استأجر رجلا لحفظ خان أو حوانيت فضاع منها شيء قيل يضمن عندهما لو ضاع من خارج الحجرة لأنه أجير مشترك وقيل لا في الصحيح وبه يفتى ولو ضاع من داخلها بأن نقب اللص فلا يضمن الحارس في الأصح وحارس السوق على هذا الخلاف واختار أبو جعفر أنه يضمن ما كان خارج السوق لا داخله جامع الفصولين وفي البزازية نقب حانوت رجل وأخذ متاعه لا يضمن حارس الحوانيت على ما عليه الفتوى لأن الأمتعة محروسة بأبوابها وحيطانها والحارس يحرس الأبواب وعلى قول أبي حنيفة لا يضمن مطلقا وإن كان المال في يده لأنه أجير ا ه وفي المنية دفع الثوب إلى الحمامي ليحفظه فضاع لا يضمن إجماعا لأنه مودع لأن محل الأجر بإزاء الانتفاع بالحمام إلا أن يشترط بإزاء الانتفاع به الحفظ فحينئذ على الخلاف وإذا دفع إلى من يحفظ بأجر كالثيابي فعلى الاختلاف خلاصة و صدر الشريعة قوله ( حفظها بنفسه ) قال في المنح وذلك بالحرز وباليد أما الحرز فداره ومنزله وحانوته سواء كان ملكا أو إجارة أو عارية قال الرملي أقول لا يخفى أن لفظ الحرز مشعر باشتراط كونه حصينا حتى لو لم يكن كذلك بحيث يعد الوضع فيه تضييعا يضمن ذلك كالدار التي ليس لها حيطان ولا لبيوتها أبواب وقد سئلت عن خياطة في دار بهذه الصفة خرجت منها هي وزوجها ليلا لعرس جارتها فسرقت أثواب الناس منها فأفتيت بالضمان والحالة هذه لأن مثل ذلك يعد تضييعا تأمل ا ه وفي الأنقروي من الوديعة سوقي قام من حانوته إلى الصلاة وفي حانوته ودائع فضاع شيء منها لا ضمان عليه لأنه غير مضيع لما في حانوته لأن جيرانه يحفظونه إلا أن يكون هذا إيداعا من الجيران فيقال ليس للمودع أن يودع لكن هذا مودع لم يضيع واقعات في الوديعة قوله ليس للمودع أن يودع إلخ ذكر الصدر الشهيد ما يدل على الضمان فتأمل عند الفتوى فصولين من الثالث والثلاثين وفي البزازية قام من حانوته إلى الصلاة وفيه ودائع الناس وضاعت لا ضمان وإن أجلس على بابه ابنا له صغيرا فضاع إن كان الصبي يعقل الحفظ لا يضمن وإلا يضمن ا ه وقال قبيله والحاصل أن العبرة للعرف حتى لو ترك الحانوت مفتوحا أو علق الشبكة على بابه ونام ففي النهار ليس بتضييع وفي الليل إضاعة وفي خوارزم لا يعد إضاعة في اليوم والليلة أقول الذي يظهر في مسألة الحانوتي عدم الضمان سواء أجلس صبيا أو لا حيث جرى عرف أهل السوق لأنه غير مودع قصدا بل تركها في حرزها مع ماله فقد حفظها بما يحفظ به ماله ولهذا نقل في جامع الفصولين بعد ما تقدم رامزا إلى فتاوى القاضي ظهير الدين أنه يبرأ على كل حال لأنه تركها في الحرز فلم يضيع ا ه
والحاصل أنه يجب حرز كل شيء في حرز مثله بخلاف الحرز في السرقة فإن كل ما كان حرز النوع فهو حرز لسائر الأنواع فيقطع بسرقة لؤلؤة من اصطبل أما هنا فإن حرز كل شيء بحسبه ففي البزازية لو قال وضعتها بين يدي وقمت ونسيتها فضاعت يضمن ولو قال وضعتها بين يدي في دار والمسألة بحالها إن مما لا يحفظ في عرصة الدار كصرة النقدين ضمن ولو كانت مما يعد عرصتها حصنا له لا يضمن ا ه وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى قوله ( وعياله ) بالكسر جمع عيل بفتح فتشديد وهو من يقوته لكن المراد هنا في تفسير من في عياله أن يسكن معه سواء كان في نفقته أو لم يكن والعبرة في هذا للمساكنة إلا في حق الزوجة والولد الصغير والعبد لكن يشترط في الولد الصغير أن يقدر على الحفظ فعلى هذا التفسير ينبغي أن لا يضمن بالدفع إلى أجنبي يسكن معه ذكره حفيد السعد في حواشي صدر الشريعة ويؤيده ما في الولوالجية رجل أجر بيتا من داره إنسانا ودفع الوديعة إلى هذا المستأجر إن كان لكل واحد منهما غلق على حدة يضمن لأنه ليس في عياله ولا بمنزلة من في عياله وإن لم يكن لكل منهما غلق على حدة وكل واحد منهما يدخل على صاحبه بغير حشمة لا يضمن لأنه بمنزلة من في عياله ا ه وفي الخلاصة مودع غاب عن بيته ودفع مفتاحه إلى غيره فلما رجع إلى بيته لم يجد الوديعة لا يضمن ويدفع المفتاح إلى غيره وبدفع المفتاح إلى غيره لم يجعل البيت في يد غيره ا ه ط قوله ( أو حكما ) تفسير لمن يسكن معه في عياله قوله ( فلو دفعها ) تفريع على قوله ( أو حكما ) وتفسير له كما تشعر به عبارة المنح قوله ( المميز ) بشرط أن يكون قادرا على الحفظ بحر قوله ( ولا يسكن معها ) لأنها في الحكم كأنها في مسكن زوجها قوله ( خلاصة ) قال فيها وفي النهاية لو دفعها إلى ولده الصغير أو زوجته وهما في محلة والزوج يسكن في محلة أخرى لا يضمن ولو كان لا يجيء إليهما ولا ينفق عليهما لكن يشترط في الصغير أن يكون قادرا على الحفظ فإن الزوجة أي والولد الصغير وإن كانا في مسكن آخر إلا أنهما في الحكم كأنهما في مسكن الزوج والأب ا ه قال الرملي وقد زاد صاحب المجتبى العبد الذي لم يكن في منزله وكل ذلك يرجع إلى قولهم يحفظها بما يحفظ به ماله فتنبه لذلك ا ه قوله ( وقيل يعتبران معا ) أقول وعليه فيدخل عبده وأمته وأجيره الخاص كالمشاهرة بشرط أن يكون طعامه وكسوته عليه دون الأجير بالمياومة وولده الكبير إن كان في عياله كما ذكره بعضهم فتأمل قوله ( عيني ) نصه وتعتبر المساكنة وحدها دون النفقة حتى أن المرأة لو دفعتها إلى زوجها لا تضمن وإن لم يكن الزوج في عيالها لأن العبرة في هذا الباب للمساكنة دون النفقة وقيل تعتبر المساكنة مع النفقة ا ه قوله ( ضمن ) أي بدفعها له وكذا لو تركه في بيته الذي فيه ودائع الناس وذهب فضاعت ضمن بحر عن الخلاصة قال ط فلا يضمن في صورتين أما إذا علم أمانته وما إذا لم يعلم حاله أصلا قوله ( الدفع لمن في عياله ) الضمير في عياله الأخير يصح أن يرجع للعيال الأول وبه صرح الشرنبلالي ويصح أن يرجع للمودع وبه صرح المقدسي وفيه لا يشترط في الأبوين كونهما في عياله وبه يفتى ولو أودع غير عياله وأجاز المالك خرج من البين ولو وضع في حرز غيره بلا استئجار يضمن لأن الوضع في الحرز وضع في يد من في يده الحرز فيكون كالتسليم إليه زيلعي أي فيكون وديعة وليس للمودع أن يودع رملي وفي سكوتهم عن الدفع لعيال المودع بكسر الدال إشارة إلى أنه لا يملكه
ونقل العلامة أبو السعود اختلافا فقال والرد إلى عيال المالك كالرد إلى المالك فلا يكون إيداعا بخلاف الغاصب إذا رد إلى من في عيال المالك فإنه لا يبرأ وفي الخلاصة إذا رد الوديعة إلى منزل المودع أو إلى من في عياله فضاعت لا يضمن وفي رواية القدوري يضمن بخلاف العارية قال في البحر والفتوى على الأول وهذا إذا دفع إلى المرأة للحفظ أما إذا أخذت لتنفق على نفسها وهو دفع يضمن ا ه فعلى ما ذكر إذا كان ابنها في عيالها ولم يكن متهما يلزمها اليمين أنها دفعتها لابنها المذكور ويسأل المدفوع إليه ماذا صنع ويجعل كأنه نفس المودع ويجري الحكم الشرعي فيه لما في فتاوى مؤيد زاده وصور المسائل عن الفصولين أتلفها من في عيال المودع ضمن المتلف صغيرا أو كبيرا لا المودع ا ه المودع إذا قال دفعت الوديعة إلى ابني وأنكر الابن ثم مات الابن فورث الأب مال ابنه كان ضمان الوديعة في تركة الابن خاينة وفي فتاوى قاضيخان عشرة أشياء إذا ملكها إنسان ليس له أن يملك غيره لا قبل القبض ولا بعده المرتهن لا يملك أن يرهن والمودع لا يملك الإيداع والوكيل بالبيع لا يملك أن يوكل غيره ومستأجر الدابة أو الثوب لا يؤجر غيره والمستعير لا يعير ما يختلف بالمستعمل والمزارع لا يدفع الأرض مزارعة إلى غيره والمضارب لا يضارب والمستبضع لا يملك الإبضاع والمودع لا يملك الإيداع ا ه ولم يذكر العاشر في البحر وذكره الخير الرملي فقال العاشر المساقي لا يساقي غيره بغير إذن كما في السراجية وشرح الوهبانية ا ه وفي الخلاصة والوديعة لا تودع ولا تعار ولا تؤجر ولا ترهن وإن فعل شيئا منها ضمن والمستأجر يؤجر ويعار ولم يذكر حكم الرهن وينبغي أن لا يرهن كما هو الصحيح من عبارة الخلاصة ويأتي بيانها في العارية موضحا وفي التجريد وليس للمرتهن أن يتصرف بشيء في الرهن غير الإمساك لا يبيع ولا يؤجر ولا يعير ولا يلبس ولا يستخدم فإن فعل كان متعديا ولا يبطل الرهن انتهى قوله ( بأن كان له عيال غيره ) أي غير البعض الذي نهاه عنه ضمن بدفعه إلى المنهي عنه وإن لم يكن له إلا ذلك البعض لا يضمن بدفعه إليه قوله ( وإلا لا ) يعني مع كون المدفوع إليه أمينا لأنه شرط جواز الدفع كما مر قوله ( وإن حفظها بغيرهم ضمن ) أي لأن صاحبها لم يرض بيد غيره والأيدي تختلف بالأمانة ولأن الشيء لا يتضمن مثله كالمضارب لا يضارب أبو السعود قال الرملي إنما يضمن إذا كان بغير إذن صاحبها ا ه فرع لو قال ادفعها لمن شئت يوصلها إلي فدفعها إلى أمين فضاعت قيل يضمن وقيل لا يضمن تاترخانية آخر حضرتها الوفاة فدفعت الوديعة إلى جارتها فهلكت عند الجارة قال البلخي إن لم يكن بحضرتها عند الوفاة أحد ممن يكون في عيالها لا تضمن كما لو وقع الحريق في مال المودع له دفعها لأجنبي خانية قوله ( وعن محمد ) رحمه الله تعالى أن المودع إذا دفع الوديعة إلى وكيله وليس في عياله أو دفع إلى أمين من أمنائه من يثق في ماله وليس في عياله لا يضمن لأنه حفظه مثل ما يحفظ ماله وجعله مثله فلا يجب عليه أكثر من ذلك ذكره في النهاية ثم قال وعليه الفتوى وعزاه إلى التمرتاشي وهو إلى الحلواني ثم قال وعلى هذا لم يشترط في التحفة في حفظ الوديعة العيال فقال ويلزم المودع حفظه إذا قبل الوديعة على الوجه الذي يحفظ ماله وذكر فيه أشياء حتى ذكر أن له أن يحفظ بشريك العنان والمفاوضة وعبده المأذون له الذي في يده ماله وبهذا يعلم أن العيال ليس بشرط في حفظ الوديعة ا ه وسيأتي ذكره ط قوله ( كوكيله ) أتى بالكاف لأن أمينه كذلك وإن لم يكن في عياله وعليه الفتوى كما علمت وبه صرح في الذخيرة
وفي التاترخانية ولو قال ادفعها لمن شئت يوصلها إلي فدفعها إلى أمين فضاعت قيل يضمن وقيل لا يضمن قوله ( واعتمده ابن الكمال ) حيث قال وله حفظها بنفسه وأمينه لم يقل وعياله لأن الدفع إلى العيال إنما يجوز بشرط الأمانة وعند تحققه لا حاجة إلى كونه عيالا قال في الذخيرة لو دفعها إلى أمين من أمنائه ليس في عياله يجوز وعليه الفتوى ا ه قوله ( وأقره المصنف ) ونقله في البحر وقال قبله وظاهر المتون أن كون الغير في عياله شرط واختاره في الخلاصة وقال والأبوان كالأجنبي حتى يشترط كونهما في عياله لكن قد علمت ما قدمناه قريبا عن المقدسي من أن المفتى به عدم اشتراط كونهما في عياله فلا تنسه قوله ( إلا إذا خاف الحرق أو الغرق ) الحرق بالسكون من النار وبالتحريك من دق القصار وقد روى فيه السكون مغرب وفي المصباح الحرق بفتحتين اسم من إحراق النار ا ه وللغرق بفتحتين مصدر غرق في الماء فهو غريق مكي ومثل خوف الغرق والحرق خوف اللصوص وفي الخلاصة فإن دفع لضرورة بأن احترق بيت المودع فدفعها إلى جاره وكذا فيما يشبه هذا ا ه إتقاني أي فإنه لا يضمن ط قوله ( وكان غالبا محيطا ) لا حاجة إليه لأن فرض المسألة أنه خاف الحرق أو الغرق وهو إنما يكون عند كونه غالبا محيط إلا أن يراد الغالب الكثير وحينئذ فلا منافاة والمراد أن ذلك في بيت المودع قال الحموي لا بد أن يكون غالبا محيط بمنزلة المودع وفي القهستاني إلا إذا خاف الحرق أي حرقا يحيط بجميع محلها انتهى قوله ( فلو غير محيط ضمن ) إذ الخوف منتف عند عدم الغلبة والإحاطة فتأمل قاله الرملي قال في الخلاصة أما إذا لم يكن محيطا يضمن بالدفع إلى الأجنبي ا ه قوله ( فسلمها إلى جاره ) الظاهر من أساليب الكلام أنه لا يجب أن يسلمها إلى جاره حتى لو تركها في داره فحرقت لا يضمن وليحرر أفاده سري الدين عن المجتبى لكن في الهندية عن التمرتاشي أنه يضمن ط وفي التاترخانية عن التتمة وسئل حميد الوبري عن مودع احترق بيته ولم ينقل الوديعة إلى مكان آخر إن مع تمكنه منه فتركها حتى احترقت ضمن ا ه ومثله في الحاوي وجامع الفتاوى ومثله ما لو تركها حتى أكلها العث خلافا لما يأتي في النظم قال في الحاوي ويعرف من هذا كثير من الواقعات وفي نور العين ذكر محمد في حريق وقع في دار المودع فدفعها إلى أجنبي لم يضمن فلو خرج من ذلك ولم يستردها ضمن كما لو دفعها إلى امرأته ثم طلقها ومضت عدتها فلو لم يستردها ضمن إذ يجب عليه الاسترداد ولأن الإيداع عقد غير لازم فكان لبقائه حكم الابتداء وقال قاضيخان لا يضمن إذ المودع إنما ضمن بالدفع وحين دفع كان غير مضمون عليه فلا يضمن عليه يقول الحقير هذا الدليل عليل إذ للبقاء حكم الابتداء فلو دفع الوديعة إلى أجنبي ابتداء ضمن فكذا إذا لم يستردها في كلتا المسألتين خصوصا في مسألة الحريق فإن الثابت بالضرورة يتقدر بقدرها فبعد زوال الحريق ارتفعت الضرورة فلم يستردها من الأجنبي فكأنه أودعها إياه ابتداء فالصواب أن يضمن في كلتا المسألتين كما ذكره صاحب المحيط والله تعالى أعلم وفي عدة الفتاوى لا يضمن بدفعها إلى جاره لضرورة كحريق قال أبو جعفر في فتاويه هذا لو لم يجد بدا من الدفع إلى أجنبي أما لو أمكنه الدفع إلى من في عياله ضمن بدفعها إلى أجنبي قال الإمام خواهر زاده هذا لو أحاط الحريق بالمنزل وإلا ضمن بدفعها إلى أجنبي ا ه وفي العتابية لا يشترط هذا الشرط في الفتوى تاترخانية في الفصل الثاني من الوديعة قوله ( إلا إذا أمكنه الخ ) أي وقت الحرق والغرق قوله ( أو ألقاها ) أي أو ألقى الوديعة في السفينة فوقعت في البحر يضمن لأنها قد تلفت بفعله وإن كان ذلك بالتدحرج لأنه منسوب إليه فهو كفعله
والظاهر أن قيد في السفينة ساقط من النساخ لوجوده في الأصل قال الزيلعي هذا إذا لم يمكنه أن يدفعها إلى من هو في عياله وإن أمكنه أن يحفظها في ذلك الوقت بعياله فدفعها إلى الأجنبي يضمن لأنه لا ضرورة فيه وكذا لو ألقاها في سفينة أخرى وهلكت قبل أن تستقر فيها بأن وقعت في البحر ابتداء بالتدحرج يضمن لأن الإتلاف حصل بفعله ا ه قوله ( صدق ) أي بيمينه كما هو الظاهر أبو السعود قوله ( أي بدار المودع ) كأن هذا من قبيل الاحتباك وأصلها أي الحرق أو الغرق وقوله ( بدار المودع ) راجع إلى الحرق وحذف من الثاني أو سفينته الراجع إلى الغرق لدلالة كل مذكور على ما حذف بإزائه وهذا على ما نحاه الشارح في شرحه وأما على ما بينا من أصل عبارة الزيلعي فالأمر ظاهر وأما جوهر المتن على أنه يصدق إن علم دفعه لها عند خوف الحرق أو الغرق بالبينة وهو الذي ذكره الشارح بعد قوله ( وإلا يعلم الخ ) وحاصله أن صاحب المتن ذكر أنه لا يصدق مدعي الدفع للحرق أو الغرق إلا ببينة والشارح صرف كلامه وقال إن علم ذلك بالبينة على وقوعه في داره وفلكه أغنى عن البينة عن الدفع للخوف على نفس الوديعة وإن لم تقم البينة على وقوع الحرق والغرق في داره وفلكه فلا بد من البينة على الدفع لخوف ذلك على نفس الوديعة ثم إن الغرق كما يخشى منه على نفس السفينة قد يخشى منه على نفس الدار إذا كانت البيوت متصلة بطرف البحر أوالنهر أو مجرى السيل ومثل خوف الحرق والغرق لو خاف فسادها بخرير أسقفه من كثرة الأمطار وعند وقوع النهب في داره ودفعها إلى جاره عند توهم سلامتها عنده قوله ( فحصل بين كلامي الخلاصة والهداية التوفيق وبالله التوفيق ) وقد ذكر أيضا صاحب الذخيرة عن المنتقى قال المصنف فإن ادعاه أي ادعى المودع التسليم إلى جاره أو إلى فلك آخر صدق إن علم وقوعه ببينة أي بينة المودع وإلا لا أي وإن لم يعلم لا يصدق وفي الهداية وشرح الكنز للزيلعي أنه لا يصدق على ذلك إلا ببينة لأن تسليم الوديعة إلى غيره يوجب الضمان ودعوى الضرورة دعوى مسقط فلا تقبل إلا ببينة كما إذا أتلفها في الصرف في حاجته بإذن صاحبها وفي الخلاصة أنه إذا علم أن وقع الحريق في بيته قبل قوله وإلا فلا ويمكن حمل كلام الهداية على ما إذا لم يعلم وقوع الحريق في بيته وبه يحصل التوفيق والذي أحوجه إلى ذلك حمل كلام صاحب الهداية والزيلعي قولهما لا يصدق على ذلك أي على تسليم الوديعة ولو حمل لا يصدق على ذلك أي على وقوع الحرق أو الغرق بدليل قولهما ودعوى الضرورة الخ فإن الضرورة إنما هي في الحرق والغرق لا في التسليم لا تحدث مع عبارة الخلاصة تأمل قوله ( فلو لحملها إليه لم يضمن ) لأن مؤنة الرد على المالك حموي وإنما الضمان بمنع التخلية بينه وبين الوديعة بعد الطلب أما لو كلفه حملها وردها إليه فامتنع عن ذلك لم يضمن لأنه لا يلزمه سوى التخلية فلو كان طلب المودع بكسر الدال بحملها إليه فامتنع المودع من ذلك لم يضمن هكذا صريح عبارة ابن ملك المنقول عنه وأما ما وقع في نسخة الشيخ أبي الطيب فإنه تحريف والنسخة التي كتب عليها فلو حملها إليه أي لو حمل المودع الوديعة إلى ربها يعني لو طلب استردادها من المودع فحملها إليه لم يضمن لأن حملها إليه يخرجه عن المنع وفي القهستاني لو استردها فقال لم أقدر أحضر هذه الساعة فتركها فهلكت لم يضمن لأنه بالترك صار مودعا ابتداء ا ه وعزاه إلى المحيط وفي البحر إن تركها عن رضا وذهب لا يضمن وإن كان من غير رضا يضمن كذا في الخلاصة ولو قال له بعد طلبه اطلبها ثم ادعى ضياعها فإن قال ضاعت بعد الإقرار فلا ضمان وإلا ضمن