1 ( باب الوضوء من لحوم الابل ) في اسناده ( موهب ) هو بفتح الهاء والميم وفيه اشعث بن أبي الشعثاء هما بالثاء المثلثه وإسم أبي الشعثاء سليم بن أسود أما أحكام الباب فاختلف العلماء في أكل لحوم الجزور وذهب الاكثرون إلى أنه لاينقض الوضوء ممن ذهب إليه الخلفاء الاربعة الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبن مسعود وابي بن كعب وبن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو امامة وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وذهب إلى انتقاض الوضوء به أحمد بن حنبل واسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر وبن خزيمة واختاره الحافظ أبو بكر البيهقي وحكى عن اصحاب الحديث مطلقا وحكى عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين واحتج هؤلاء بحديث الباب وقوله صلى الله عليه وسلم نعم فتوضأ من لحوم الابل وعن البراء بن عازب قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الابل فأمر به قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى واسحاق بن راهويه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان حديث جابر وحديث البراء وهذا المذهب أقوى دليلا وان كان الجمهور على خلافه وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ولكن هذا الحديث عام وحديث الوضوء من لحوم الابل خاص والخاص مقدم على العام والله أعلم وأما أباحته صلى الله عليه وسلم الصلاة في مرابض الغنم دون مبارك الابل فهو متفق عليه والنهي عن مبارك الابل وهي أعطانها نهي تنزيه وسبب الكراهة ما يخاف من نفارها وتهويشها على المصلى والله أعلم 1 ( باب الدليل على ان من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث ( فله يصلي بطهارته تلك ) )
Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي · AR
فيه قوله ( شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة قال لاينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ( قوله يخيل إليه الشيء يعني خروج الحدث منه وقوله صلى الله عليه وسلم حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا معناه يعلم وجود احدهما ولا يشترط السماع والشم باجماع المسلمين وهذا الحديث أصل من أصول الاسلام وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه وهي ان الاشياء يحكم ببقائها على اصولها حتى يتيقن خلاف ذلك ولا يضر الشك الطارئ عليها فمن ذلك مسألة الباب التي ورد فيها الحديث وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وحكى عن مالك رحمة الله تعالى روايتان إحداهما أنه يلزمه الوضوء ان كان شكه خارج الصلاة ولا يلزمه ان كان في الصلاة والثانية يلزمه بكل حال وحكيت الرواية ألاولى عن الحسن البصري وهو وجه شاذ محكى عن بعض اصحابنا وليس بشيء قال اصحابنا ولافرق في الشك بين أن يستوي الاحتمالان في وقوع الحدث وعدمه أو يترجح أحدهما أو يغلب على ظنه فلا وضوء عليه بكل حال قال أصحابنا ويستحب له أن يتوضأ احتياطا فلوتوضأ احتياطا ودام شكه فذمته بريئة وان علم بعد ذلك أنه كان محدثا فهل تجزيه تلك الطهارة الواقعة في حال الشك فيه وجهان لاصحابنا اصحهما عندهم أنه لاتجزيه لأنه كان مترددا في نيته والله أعلم وأما اذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فانه يلزمه الوضوء باجماع المسلمين وأما اذا تيقن أنه وجد منه بعد طلوع الشمس مثلا حدث وطهارة ولا يعرف السابق منهما فإن كان لايعرف حاله قبل طلوع الشمس لزمه الوضوء وان عرف حاله ففيه أوجه لاصحابنا أشهرهما عندهم أنه يكون بضد ما كان قبل طلوع الشمس فإن كان قبلها محدثا فهو ألان متطهر وان كان قبلها متطهرا فهو الان محدث والثاني وهو الاصح عند جماعات من المحققين أنه يلزمه الوضوء بكل حال والثالث يبني على غالب ظنه والرابع يكون كما كان قبل طلوع الشمس ولا تأثير للامرين الواقعين بعد طلوعها هذا الوجه غلط صريح وبطلانه أظهر من أن يستدل عليه وانما ذكرته لأنبه على بطلانه لئلا يغتر به وكيف يحكم بأنه على حاله مع تيقن بطلانها بما وقع بعدها والله أعلم ومن مسائل القاعدة المذكورة أن من شك في طلاق زوجته أو عتق عبده أو نجاسة الماء الطاهر أو طهارة النجس أو نجاسة الثوب أو الطعام أو غيره أو أنه صلى ثلاث ركعات أو أربعا أو أنه ركع وسجد أم لا أوأنه نوى الصوم أو الصلاة أو الوضوء أو الاعتكاف وهوفي اثناء هذه العبادات وما أشبه هذه الامثلة فكل هذه الشكوك لا تأثير لها والاصل عدم هذا الحادث وقد استثنى العلماء مسائل من هذه القاعدة وهي معروفة في كتب الفقه لايتسع هذا الكتاب لبسطها فانها منتشرة وعليها اعتراضات ولها أجوبة ومنها مختلف فيه فلهذا حذفتها هنا وقد أوضحتها بحمد الله تعالى في باب مسح الخف وباب الشك في نجاسة الماء من المجموع في شرح المهذب وجمعت فيها متفرق كلام الاصحاب وما تمس إليه الحاجة منها والله أعلم قوله ( عن سعيد وعباد بن تميم عن عمه شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه الشيء في الصلاة ) ثم قال مسلم في أخر الحديث قال أبو بكر وزهير بن حرب في روايتهما هو عبد الله بن زيد ) معنى هذا أن في رواية أبي بكر وزهير سميا عم عباد بن تميم فانه رواه أولا عن سعيد هو بن المسيب وعن عباد بن تميم عن عمه ولم يسمه فسماه في هذه الرواية فقال هذا العم هو عبد الله بن زيد وهو بن زيد بن عاصم وهو راوي حديث صفة الوضوء وحديث صلاة الاستسقاء وغيرهما وليس هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي أري الأذان وقوله شكى هوبضم الشين وكسر الكاف والرجل مرفوع ولم يسم هنا الشاكي وجاء في رواية البخاري أن السائل هو عبد الله بن زيد الراوي وينبغي أن لايتوهم بهذا أنه شكى مفتوحة الشين والكاف ويجعل الشاكي هو عمه المذكور فان هذا الوهم غلط والله أعلم
1 ( باب طهارة جلود الميتة بالدباغ ) فيه قوله صلى الله عليه وسلم في الشاة الميتة ( هلا اخذتم اهابها فدبغتموه فانتفعتم به فقالوا انها ميتة فقال انما حرم أكلها وفي الرواية الاخرى ( هلا انتفعتم بجلدها قالوا انها ميتة فقال انما حرم أكلها ) وفي الرواية الاخرى ( ألا أخذتم اهابها فاستمتعتم به ) وفي الرواية الاخرى ( ألا انتفعتم باهابها ) وفي الحديث الاخر ( اذا دبغ الاهاب فقد طهر ) وفي الرواية الاخرى ( عن بن وعلة قال سألت بن عباس قلت انا نكون بالمغرب فيأتينا المجوس بالاسقية فيها الماء والودك فقال اشرب فقلت أرأي تراه فقال بن عباس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دباغه طهوره ) اختلف العلماء في دباغ جلود الميتة وطهارتها بالدباغ على سبعة مذاهب احدها مذهب الشافعي أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة الا الكلب والخنزير والمتولد من احدهما وغيره ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه ويجوز استعماله في الاشياء المائعة واليابسة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره وروى هذا المذهب عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما والمذهب الثاني لايطهر شيء من الجلود بالدباغ وروى هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعائشة رضي الله عنهم وهو أشهر الروايتين عن أحمد واحدى الروايتين عن مالك والمذهب الثالث يطهر بالدباغ جلد ماكول اللحم ولا يطهر غيره وهومذهب الاوزاعي وبن المبارك وأبى ثور واسحاق بن راهويه والمذهب الرابع يطهر جلود جميع الميتات الا الخنزير وهو مذهب أبي حنيفة والمذهب الخامس يطهر الجميع الا أنه يطهر ظاهره دون باطنه ويستعمل في اليابسات دون المائعات ويصلى عليه لافيه وهذا مذهب مالك المشهور في حكاية اصحابه عنه والمذهب السادس يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرا وباطنا وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكى عن أبي يوسف والمذهب السابع أنه ينتفع بجلود الميتة وان لم تدبغ ويجوزاستعم الها في المائعات واليابسات وهو مذهب الزهري وهو وجه شاذ لبعض اصحابنا لا تفريع عليه ولا التفات إليه واحتجت كل طائفة من اصحاب هذه المذاهب بأحاديث وغيرها وأجاب بعضهم عن دليل بعض وقد أوضحت دلائلهم في اوراق من شرح المهذب والغرض هنا بيان الاحكام والاستنباط من الحديث وفي حديث بن وعلة عن بن عباس دلالة لمذهب الاكثرين أنه يطهر ظاهره وباطنه فيجوز استعماله في المائعات فإن جلود ما ذكاه المجوس نجسة وقد نص على طهارتها بالدباغ واستعمالها في الماء والودك وقد يحتج الزهري بقوله صلى الله عليه وسلم ألا انتفعتم باهابها ولم يذكر دباغها ويجاب عنه بأنه مطلق وجاءت الروايات الباقية ببيان الدباغ وإن دباغه طهوره والله أعلم واختلف أهل اللغة في الاهاب فقيل هو الجلد مطلقا وقيل هو الجلد قبل الدباغ فأما بعده فلا يسمى أهابا وجمعه أهب بفتح الهمزة والهاء وبضمهما لغتان ويقال طهر الشيء وطهر بفتح الهاء وضمها لغتان والفتح أفصح والله أعلم 1 ( فصل )
يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه وذلك كالشت والشب والقرظ وقشور الرمان وما أشبه ذلك من الادوية الطاهرة ولا يحصل بالتشميس عندنا وقال اصحاب أبي حنيفة يحصل ولا يحصل عندنا بالتراب والرماد والملح على الاصح في الجميع وهل يحصل بالادوية النجسه كذرق الحمام والشب المتنجس فيه وجهان اصحهما عند الاصحاب حصوله ويجب غسله بعد الفراغ من الدباغ بلا خلاف ولو كان دبغه بطاهر فهل يحتاج إلى غسله بعد الفراغ فيه وجهان وهل يحتاج إلى استعمال الماء في اول الدباغ فيه وجهان قال اصحابنا ولا يفتقر الدباغ إلى فعل فاعل فلو أطارت الريح جلد ميته فوقع في مدبغه طهر والله أعلم واذا طهر بالدباغ جاز الانتفاع به بلا خلاف وهل يجوز بيعه فيه قولان للشافعي أصحهما يجوز وهل يجوز أكله فيه ثلاثة أوجه أو أقوال أصحها لا يجوز بحال والثاني يجوز والثالث يجوز أكل جلد مأكول اللحم ولا يجوز غيره والله أعلم واذا طهر الجلد بالدباغ فهل يطهر الشعر الذي عليه تبعا للجلد اذا قلنا بالمختار في مذهبنا أن شعر الميته نجس فيه قولان للشافعي أصحهما واشهرهما لايطهر لأن الدباغ لايؤثر فيه بخلاف الجلد قال أصحابنا لا يجوز استعمال جلد الميتة قبل الدباغ في الاشياء الرطبه ويجوز في اليابسات مع كراهته والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( أنما حرم أكلها ) رويناه على وجهين حرم بفتح الحاء وضم الراء وحرم بضم الحاء وكسر الراء المشددة في هذا اللفظ دلالة على تحريم اكل جلد الميتة وهو الصحيح كما قدمته وللقائل الاخر ان يقول المراد تحريم لحمها والله أعلم قوله ( قال أبو بكر وبن أبي عمر في حديثهما عن ميمونه ) يعني انهما ذكرا في روايتهما ان بن عباس رواه عن ميمونه قوله ( أن داجنة كانت ) هي بالدال المهملة والجيم والنون قال اهل اللغة وداجن البيوت ما الفها من الطير والشاه وغيرهما وقد دجن في بيته اذا ألزمه والمراد بالداجنة هنا الشاة قوله ( عبد الرحمن بن وعلة السبئي ) هو بفتح الواو وإسكان العين المهملة والسبئي بفتح السين المهملة وبعدها الباء الموحدة ثم الهمزة ثم ياء النسب قوله بمثله يعني حديث يحيى بن يحيى هكذا هو في الاصول يعني بالياء المثناة من تحت ولعله من كلام الراوي عن مسلم ولو روي بالنون في اوله على انه من كلام مسلم لكان حسنا ولكن لم يرو قوله ( أن أبا الخير ) هو بالخاء المعجمه واسمه مرثد بن عبد الله اليزني بفتح الياء والزاي وقوله ( يأتونا بالسقاء يجعلون فيه الودك ) هكذا هو في الأصول ببلادنا يجعلون بالعين بعد الجيم وكذا نقله القاضي عياض عن اكثر الرواة قال ورواه بعضهم يجملون بالميم ومعناه يذيبون يقال بفتح الياء وضمها لغتان يقال جملت الشحم واجملته أذبته والله أعلم قوله ( رأيت على بن وعلة السبئي فروا ) هكذا هو في النسخ فروا وهوالصحيح المشهور في اللغة وجمع الفرو فراء ككعب وكعاب وفيه لغة قليلة أنه يقال فروة بالهاء كما يقولها العامة حكاها بن فارس في المجمل والزبيدي في مختصر العين قوله ( فمسسته ) هو بكسر السين الاولى على الاخيرة المشهورة وفي لغة قليلة بفتحها فعلى الأول المضارع يمسه بفتح الميم وعلى الثانية بضمها والله سبحانه وتعالى أعلم 1 ( باب التيمم )
التيمم في اللغة هو القصد قال الامام أبو منصور الازهري التيمم في كلام العرب القصد يقال تيممت فلانا ويممته وتأممته وأممته أي قصدته والله أعلم وأعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الامة وهو خصيصة خص الله سبحانه وتعالى به هذه الامة زادها الله تعالى شرفا وأجمعت ألامة على أن التيمم لا يكون الا في الوجه واليدين سواء كان عن حدث أصغر أوأكبر وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها والله أعلم واختلف العلماء في كيفية التيمم فمذهبنا ومذهب الاكثرين أنه لا بد من ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وممن قال بهذا من العلماء على بن أبي طالب وعبد الله بن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد الله بن عمر وسفيان الثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحاب الرأي وآخرون رضي الله عنهم أجمعين وذهبت طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة للوجه والكفين وهو مذهب عطاء ومكحول والأوزاعي وأحمد واسحاق وبن المنذر وعامة اصحاب الحديث وحكى عن الزهري أنه يجب مسح اليدين إلى الابطين هكذا حكاه عنه اصحابنا في كتب المذهب وقد قال الامام أبو سليمان الخطابي لم يختلف أحد من العلماء في انه لايلزم مسح ماوراء المرفقين وحكى أصحابنا ايضا عن بن سيرين أنه قال لا يجزيه أقل من ثلاث ضربات ضربة للوجه وضربة ثانية لكفيه وثالثه لذراعيه واجمع العلماء على جواز التيمم عن الحدث الاصغر وكذلك أجمع أهل هذه الاعصار ومن قبلهم على جوازه للجنب والحائض والنفساء ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا أحد من السلف الا ما جاء عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما وحكى مثله عن إبراهيم النخعي الامام التابعي وقيل أن عمر وعبد الله رجعا عنه وقد جاءت بجوازه للجنب الاحاديث الصحيحة المشهورة والله أعلم واذا صلى الجنب بالتيمم ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال باجماع العلماء الا ما حكى عن أبي سلمه بن عبد الرحمن الامام التابعي أنه قال لا يلزمه وهو مذهب متروك باجماع من قبله ومن بعده وبالاحاديث الصحيحة المشهورة في أمره صلى الله عليه وسلم للجنب بغسل بدنه اذا وجد الماء والله أعلم ويجوز للمسافر والمعزب في الابل وغيرهما أن يجامع زوجته وان كانا عادمين للماء ويغسلان فرجيهما ويتيممان ويصليان ويجزيهما التيمم ولا أعادة عليهما اذا غسلا فرجيهما فإن لم يغسل الرجل ذكره وما أصابه من المرأة وصلى بالتيمم على حاله فإن قلنا أن رطوبة فرج المرأة نجسة لزمه أعادة الصلاة والا فلا يلزمه الاعادة والله أعلم وأما اذا كان على بعض أعضاء المحدث نجاسة فأراد التيمم بدلا عنها فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه لا يجوز وقال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يجوز أن يتيمم اذا كانت النجاسة على بدنه ولم يجز اذا كانت على ثوبه واختلف أصحابه في وجوب أعادة هذه الصلاة وقال بن المنذر كان الثوري والاوزاعي وأبو ثور يقولون يمسح موضع النجاسة بتراب ويصلى والله أعلم وأما أعادة الصلاة التي يفعلها بالتيمم فمذهبنا أنه لايعيد اذا تيمم للمرض أو الجراحة ونحوهما وأما إذا تيمم للعجز عن الماء فان كان في موضع يعدم فيه الماء غالبا كالسفر لم تجب الاعادة وان كان في موضع لا يعدم فيه الماء الا نادرا وجبت الاعادة على المذهب الصحيح والله أعلم وأما جنس ما يتيمم به فاختلف العلماء فيه فذهب الشافعي وأحمد وبن المنذر وداود الظاهري وأكثر الفقهاء إلى أنه لايجوز التيمم الا بتراب طاهر له غبار يعلق بالعضو وقال أبو حنيفة ومالك يجوز التيمم بجميع أنواع الأرض حتى بالصخرة المغسولة وزاد بعض اصحاب مالك فجوزه بكل ما اتصل بالارض من الخشب وغيره وعن مالك في الثلج روايتان وذهب الاوزاعي وسفيان الثوري إلى أنه يجوز بالثلج وكل ما على الأرض والله أعلم وأما حكم التيمم فمذهبنا ومذهب الاكثرين أنه لايرفع الحدث بل يبيح الصلاة فيستبيح به فريضة وماشاء من النوافل ولايجمع بين فريضتين بتيمم واحد وان نوى بتيممه الفرض استباح الفريضة والنافلة وان نوى النفل استباح النفل ولم يستبح به الفرض وله أن يصلي على جنائز بتيمم واحد وله أن يصلي بالتيمم الواحد فريضة وجنائز ولا يتيمم قبل دخول وقتها واذا رأى المتيمم لفقد الماء ماء وهو في الصلاة لم تبطل صلاته بل له ان يتمها الا اذا كان ممن تلزمه الاعادة فإن صلاته تبطل برؤية الماء والله أعلم قوله ( عن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض اسفاره ) فيه جواز مسافرة الزوج بزوجته الحرة قولها ( حتى اذا كان بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه وأقام الناس معه وليس معهم ماء وليسوا على ماء ) وفي الرواية ألاخرى ( عن عائشة أنها أستعارت من أسماء قلاده فهلكت ) أما البيداء فبفتح الباء الموحده في أولها وبالمد وأما ذات الجيش فبفتح الجيم وأسكان الياء وبالشين المعجمة والبيداء وذات الجيش موضعان بين المدينة وخيبر وأما العقد فهو بكسر العين وهو كل ما يعقد ويعلق في العنق فيسمى عقدا أو قلاده وأما قولها عقد لي وفي الرواية الاخرى استعارت من أسماء قلاده فلا مخالفة بينهما فهو في الحقيقة ملك لاسماء واضافته في الرواية إلى نفسها لكونه في يدها وقولها فهلكت معناه ضاعت وفي هذا الفصل من الحديث فوائد منها جواز العارية وجواز عارية الحلي وجواز المسافرة بالعارية اذا كان باذن المعير وجواز اتخاذ النساء القلائد وفيه الاعتناء بحفظ حقوق المسلمين وأموالهم وان قلت ولهذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم على التماسه وجواز الاقامة في موضع لا ماء فيه وان احتاج إلى التيمم وفيه غير ذلك والله أعلم قولها ( فعاتبني أبو بكر رضي الله عنه وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي ) فيه تأديب الرجل ولده بالقول والفعل والضرب ونحوه وفيه تأديب الرجل ابنته وأن كانت كبيرة مزوجة خارجة عن بيته وقولها يطعن هو بضم العين وحكى فتحها وفي الطعن في المعاني عكسه قوله ( فقال اسيد بن حضير ) هو بضم الهمزة وفتح السين وحضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وهذا وان كان ظاهرا فلا يضر بيانه لمن لا يعرفه قولها ( فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته ) كذا وقع هنا وفي رواية البخاري فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فوجدها وفي رواية رجلين وفي رواية ناسا وهي قضية واحده قال العلماء المبعوث هو اسيد بن حضير وأتباع له فذهبوا فلم يجدوا شيئا ثم وجدها اسيد بعد رجوعه تحت البعير والله أعلم قوله ( فصلوابغير وضوء ) فيه دليل على أن من عدم الماء والتراب يصلي على حاله وهذه المسألة فيها خلاف للسلف والخلف وهي أربعة أقوال للشافعي أصحها عند اصحابنا أنه يجب عليه أن يصلي ويجب عليه أن يعيد الصلاة أما الصلاة فلقوله صلى الله عليه وسلم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وأما ألاعادة فلأنه عذر نادر فصار كما لو نسي عضوا من أعضاء طهارته وصلى فإنه يجب عليه الاعادة والقول الثاني لا يجب عليه الصلاة ولكن يستحب ويجب القضاء سواء صلى أم لم يصل والثالث يحرم عليه الصلاة لكونه محدثا ويجب الاعادة والرابع يجب الصلاة ولا يجب الاعادة وهذا مذهب المزني وهو أقوى الاقوال دليلا ويعضده هذا الحديث وأشباهه فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ايجاب اعادة مثل هذه الصلاة والمختار أن القضاء انما يجب بأمر جديد ولم يثبت الامر فلا يجب وهكذا يقول المزني في كل صلاة وجبت في الوقت على نوع من الخلل لا تجب اعادتها وللقائلين بوجوب الاعادة أن يجيبوا عن هذا الحديث بأن الاعادة ليست على الفور ويجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة على المختار والله أعلم قوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا اختلف في الصعيد على ما قدمناه في اول الباب فالاكثرون على أنه هنا التراب وقال الاخرون هو جميع ما صعد على وجه الأرض وأما الطيب فالاكثرون على أنه الطاهر وقيل الحلال والله أعلم واحتج أصحابنا بهذه الاية على أن القصد إلى الصعيد واجب قالوا فلو ألقت الريح عليه ترابا فمسح به وجهه لم يجزئه بل لابد من نقله من الأرض أو غيرها وفي المسألة فروع كثيرة مشهورة في كتب الفقه والله أعلم قوله ( لأوشك اذا برد عليهم الماء أن يتيمموا ) معنى اوشك قرب وأسرع وقد زعم بعض أهل اللغة أنه لا يقال أوشك وانما يستعمل مضارعا فيقال يوشك كذا وليس كما زعم هذا القائل بل يقال أوشك أيضا ومما يدل عليه هذا الحديث مع أحاديث كثيرة في الصحيح مثله وقوله برد هو بفتح الباء والراء وقال الجوهري برد بضم الراء والمشهور الفتح والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم إنما كان يكفيك أن تقول كذا ) وضرب بيديه إلى الأرض فنفض يديه فمسح وجهه وكفيه فيه دلالة لمذهب من يقول يكفي ضربة واحده للوجه والكفين جميعا وللاخرين أن يجيبوا عنه بأن المراد هنا صورة الضرب للتعليم وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم وقد أوجب الله تعالى غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء ثم قال تعالى في التيمم فامسحوا بوجوهكم وأيديكم والظاهر أن اليد المطلقة هنا هي المقيدة في الوضوء في أول الاية فلا يترك هذا الظاهر الا بصريح والله أعلم وقوله فنفض يده قد احتج به من جوز التيمم بالحجارة وما لاغبار عليه قالوا اذا لو كان الغبار معتبرا لم ينفض اليد وأجاب الاخرون بأن المراد بالنفض هنا تخفيف الغبار الكثير فانه يستحب اذا حصل على اليد غبار كثير أن يخفف بحيث يبقى ما يعم العضو والله أعلم قوله ( عبد الرحمن بن أبزى ) هو بفتح الهمزة واسكان الباء الموحدة وبعدها زاي ثم باء وعبد الرحمن صحابي قوله ( فقال عمر اتق الله تعالى يا عمار قال ان شئت لم أحدث به ) معناه قال عمر لعمار اتق الله تعالى فيما ترويه وتثبت فلعلك نسيت أو اشتبه عليك الامر وأما قول عمار ان شئت لم أحدث به فمعناه والله أعلم ان رايت المصلحه في امساكي عن التحديث به راجحة على مصلحة تحديثي به أمسكت فإن طاعتك واجبه على في غير المعصية وأصل تبليغ هذه السنة وأداء العلم قد حصل فإذا أمسك بعد هذا لايكون داخلا فيمن كتم العلم ويحتمل انه اراد إن شئت لم أحدث به تحديثا شائعا بحيث يشتهر في الناس بل لا احدث به الا نادرا والله أعلم وفي قصة عمار جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإن عمارا رضي الله عنه اجتهد في صفة التيمم وقد اختلف اصحابنا وغيرهم من أهل الأصول في هذه المسألة على ثلاثة اوجه اصحها يجوز الاجتهاد في زمنه صلى الله عليه وسلم بحضرته وفي غير حضرته والثاني لايجوز بحال والثالث لايجوز بحضرته ويجوز في غير حضرته والله أعلم قوله ( وروى الليث بن سعد عن جعفر بن ربيعة ) هكذا وقع في صحيح مسلم من جميع الروايات منقطعا بين مسلم والليث وهذا النوع يسمى معلقا وقد تقدم بيانه وايضاح هذا الحديث وغيره مما في معناه في الفصول السابقة في مقدمة الكتاب وذكرنا أن في صحيح مسلم أربعة عشر أواثني عشر حديثا منقطعة هكذا وبيناها والله أعلم قوله في حديث الليث هذا ( اقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونه ) هكذا هو في أصول صحيح مسلم قال أبو علي الغساني وجميع المتكلمين على اسانيد مسلم قوله عبد الرحمن خطأ صريح وصوابه عبد الله بن يسار وهكذا رواه البخاري وابو داود والنسائي وغيرهم على الصواب فقالوا عبد الله بن يسار قال القاضي عياض ووقع في روايتنا صحيح مسلم من طريق السمرقندي عن الفارسي عن الجلودى عن عبد الله بن يسار على الصواب وهم اربعة أخوة عبد الله وعبد الرحمن وعبد الملك وعطاء مولى ميمونه والله أعلم قوله ( دخلنا على أبي الجهم بن الحارث بن الصمة ) أما الصمة فبكسر الصاد المهملة وتشديد الميم وأما أبو الجهم فبفتح الجيم وبعدها هاء ساكنه هكذا هو في مسلم وهو غلط وصوابه ما وقع في صحيح البخاري وغيره أبو الجهيم بضم الجيم وفتح الهاء وزيادة ياء هذا هو المشهور في كتب ألاسماء وكذا ذكره مسلم في كتابه في أسماء الرجال والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وغيرهم وكل من ذكره من المصنفين في الاسماء والكنى وغيرهما واسم أبي الجهيم عبد الله كذا سماه مسلم في كتاب الكنى وكذا سماه أيضا غيره والله أعلم وأعلم ان أبا الجهيم هذا هو المشهور أيضا في حديث المرور بين يدي المصلى واسمه عبد الله بن الحارث بن الصمه الانصاري البخاري وهو غير أبي الجهم المذكور في حديث الخميصة والانبجانية ذلك بفتح الجيم بغير ياء واسمه عامر بن حذيفة بن غانم القرشي العدوى من بني عدى بن كعب وسنوضحه في موضعه ان شاء الله تعالى قوله ( أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل ) هو بفتح الجيم والميم ورواية النسائي بئر الجمل بالالف واللام وهو موضع بقرب المدينة والله أعلم قوله ( اقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل ) فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ثم رد عليه السلام هذا الحديث محمول على أنه صلى الله عليه وسلم كان عادما للماء حال التيمم فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله ولا فرق بين أن يضيق وقت الصلاة وبين أن يتسع ولا فرق أيضا بين صلاة الجنازة والعيد وغيرهما هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يجوز أن يتيمم مع وجود الماء لصلاة الجنازة والعيد اذا خاف فوتهما وحكى البغوى من أصحابنا عن بعض اصحابنا أنه اذا خاف فوت الفريضة لضيق الوقت صلاها بالتيمم ثم توضأ وقضاها والمعروف الاول والله أعلم وفي هذا الحديث جواز التيمم بالجدارإذا كان عليه غبار وهذا جائز عندنا وعند الجمهور من السلف والخلف واحتج به من جوز التيمم بغير التراب وأجاب الآخرون بأنه محمول على جدار عليه تراب وفيه دليل على جواز التيمم للنوافل والفضائل كسجود التلاوة والشكر ومس المصحف ونحوها كما يجوز للفرائض وهذا مذهب العلماء كافة الا وجها شاذا منكرا لبعض أصحابنا أنه لايجوز التيمم الا للفريضة وليس هذا الوجه بشيء فان قيل كيف تيمم بالجدار بغير اذن مالكه فالجواب أنه محمول على أن هذا الجدار كان مباحا أومملوكا لانسان يعرفه فأدل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وتيمم به لعلمه بأنه لا يكره مالكه ذلك ويجوز مثل هذا والحالة هذه لآحاد الناس فالنبي صلى الله عليه وسلم أولى والله أعلم قوله ( أن رجلا مر ورسول الله صلى الله عليه وسلم 1 ( يبول فسلم فلم يرد عليه ) فيه أن المسلم في هذا الحال لايستحق جوابا وهذا متفق عليه قال اصحابنا ويكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط فان سلم عليه كره له رد السلام قالوا ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشيء من الاذكار قالوا فلا يسبح ولا يهلل ولا يرد السلام ولا يشمت العاطس ولا يحمد الله تعالى اذا عطس ولا يقول مثل ما يقول المؤذن قالوا وكذلك لا يأتي بشيء من هذه الأذكار في حال الجماع واذا عطس في هذه الاحوال يحمد الله تعالى في نفسه ولا يحرك به لسانه وهذا الذي ذكرناه من كراهة الذكر في حال البول والجماع هو كراهة تنزيه لا تحريم فلا اثم على فاعله وكذلك يكره الكلام على قضاء الحاجة بأي نوع كان من أنواع الكلام ويستثنى من هذا كله موضع الضرورة كما إذا رأى ضريرا يكاد ان يقع في بئر أو رأى حية أو عقربا أو غير ذلك يقصد انسانا أو نحو ذلك فإن الكلام في هذه المواضع ليس بمكروه بل هو واجب وهذا الذي ذكرناه من الكراهة في حال الاختيار هو مذهبنا ومذهب الاكثرين وحكاه بن المنذر عن بن عباس وعطاء وسعيد الجهني وعكرمة رضي الله عنهم وحكى عن إبراهيم النخعي وبن سيرين انهما قالا لا بأس به والله أعلم )
1 ( باب الدليل على أن المسلم لا ينجس )
فيه قوله صلى الله عليه وسلم ( سبحان الله أن المؤمن لاينجس ) وفي الرواية الاخرى ( إن المسلم لاينجس هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا فأما الحي فطاهر باجماع المسلمين حتى الجنين إذا ألقته امه وعليه رطوبة فرجها قال بعض أصحابنا هو طاهر بإجماع المسلمين قال ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة فرج المرأة ولا الخلاف المذكور في كتب اصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه فإن فيه وجهين بناء على رطوبة الفرج هذا حكم المسلم الحي وأما الميت ففيه خلاف للعلماء وللشافعي فيه قولان الصحيح منهما أنه طاهر ولهذا غسل ولقوله صلى الله عليه وسلم ان المسلم لا ينجس وذكر البخاري في صحيحه عن بن عباس تعليقا المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا هذا حكم المسلم وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف وأما قول الله عز وجل إنما المشركون نجس فالمراد نجاسة الإعتقاد والاستقذار وليس المراد أن أعضاءهم نجسه كنجاسة البول والغائط ونحوهما فاذا ثبتت طهارة الادمي مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات سواء كان محدثا أو جنبا أو حائضا أو نفساء وهذا كله باجماع المسلمين كما قدمته في باب الحيض وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة فتجوزالصلاة في ثيابهم والاكل معهم من المائع اذا غمسوا أيديهم فيه ودلائل هذا كله من السنة والاجماع مشهورة والله أعلم وفي هذا الحديث استحباب احترام أهل الفضل وأن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم فيكون على أكمل الهيئات وأحسن الصفات وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله في حال مجالسة شيخه فيكون متطهرا متنظفا بازالة الشعور المأمور بأزالتها وقص الأظفار وازالة الروائح الكريهة والملابس المكروهة وغير ذلك فإن ذلك من اجلال العلم والعلماء والله أعلم وفي هذا الحديث أيضا من من الآداب أن العالم اذا رأى من تابعه أمرا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه وقال له صوابه وبين له حكمه والله أعلم وأما ألفاظ الباب ففيه قوله صلى الله عليه وسلم ( المؤمن لاينجس ) يقال بضم الجيم وفتحها لغتان وفي ماضيه لغتان نجس ونجس بكسر الجيم وضمها فمن كسرها في الماضي فتحها في المضارع ومن ضمها في الماضي ضمها في المضارع أيضا وهذا قياس مطرد معروف عند أهل العربية الا أحرفا مستثناه من المكسور والله أعلم وفيه قوله فانسل أي ذهب في خفية ) وفيه قوله صلى الله عليه وسلم ( سبحان الله أن المؤمن لا ينجس ) وقد قدمنا في مواضع أن سبحان الله في هذا الموضع وشبهه يراد بها التعجب وبسطنا الكلام فيه في باب وجوب الغسل على المرأة اذا انزلت المني وفيه قوله ( فحاد عنه ) أي مال وعدل وفيه أبو رافع عن أبي هريره واسم أبي رافع نفيع وفيه أبو وائل واسمه شقيق بن سلمه وأما ما يتعلق بأسانيد الباب ففيه قول مسلم في الاسناد الثاني ( وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا وكيع عن مسعر عن واصل عن أبي وائل عن حذيفة ) هذا الاسناد كله كوفيون الا أن حذيفة كان معظم مقامه بالمدائن وأما قوله في الاسناد الأول ( حدثني زهير بن حرب حدثنا يحيى بن سعيد قال حميد حدثنا ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واللفظ له قال حدثنا إسماعيل بن علية عن حميد الطويل عن أبي رافع عن أبي هريرة ) فقد يلتبس على بعض الناس قوله قال حميد حدثنا وليس فيه ما يوجب اللبس على من له أدنى اشتغال بهذا الفن فان اكثر ما فيه أنه قدم حميدا على حدثنا والغالب أنهم يقولون حدثنا حميد فقال هو حميد حدثنا ولا فرق بين تقديمه وتأخيره في المعنى والله أعلم وأما قوله عن حميد عن أبي رافع فهكذا هو في صحيح مسلم في جميع النسخ قال القاضي عياض قال الامام أبو عبد الله المازري هذا الاسناد منقطع انما يرويه حميد عن بكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع هكذا أخرجه البخاري وأبوبكر بن أبي شيبه في مسنده وهذا كلام القاضي عن المازري وكما أخرجه البخاري عن حميد عن بكر عن أبي رافع كذلك أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وبن ماجة وغيرهم من الائمة ولا يقدح هذا في أصل متن الحديث فان المتن ثابت على كل حال من رواية أبي هريرة ومن رواية حذيفة والله أعلم
1 ( باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها ) قول عائشة رضي الله عنها ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على كل احيانه ) هذا الحديث أصل في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الاذكار وهذا جائز باجماع المسلمين وانما اختلف العلماء في جواز قراءة القرأن للجنب والحائض فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعا ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية فان الجميع يحرم ولو قال الجنب بسم الله أو الحمدلله ونحو ذلك ان قصد به القرآن حرم عليه وان قصد به الذكر أو لم يقصد شيئا لم يحرم ويجوز للجنب والحائض أن يجريا القرآن على قلوبهما وأن ينظرا في المصحف ويستحب لهما اذاأرادا الاغتسال أن يقولا بسم الله على قصد الذكر واعلم أنه يكره الذكر في حالة الجلوس على البول والغائط وفي حالة الجماع وقد قدمنا بيان هذا قريبا في اخر باب التيمم وبينا الحالة التي تستثنى منه وذكرنا هناك اختلاف العلماء في كراهته فعلى قول الجمهور أنه مكروه يكون الحديث مخصوصا بما سوى هذه الاحوال ويكون معظم المقصود أنه صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله تعالى متطهرا ومحدثا وجنبا وقائما وقاعدا ومضطجعا وماشيا والله أعلم قوله في اسناد حديث الباب ( حدثنا البهي عن عروة ) هو بفتح الباء الموحده وكسرالهاء وتشديد الياء وهو لقب له واسمه عبد الله بن بشار قال يحيى بن معين وأبو على الغساني وغيرهما قالا وهو معدود في الطبقة الاولى من الكوفيين وكنيته أبو محمد وهو مولى مصعب بن الزبير والله أعلم 1 ( باب جواز اكل المحدث الطعام وانه لا كراهة في ذلك ( وأن الوضوء ليس على الفور ) ) أعلم ان العلماء مجمعون على أن للمحدث أن يأكل ويشرب ويذكر الله سبحانه وتعالى ويقرأ القرأن ويجامع ولا كراهة في شيء من ذلك وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السنة الصحيحة المشهورة مع إجماع الامة وقد قدمنا أن اصحابنا رحمهم الله تعالى اختلفوا في وقت وجوب الوضوء هل هو بخروج الحدث ويكون وجوبا موسعا أم لا يجب إلا بالقيام إلى الصلاة أم يجب بالخروج والقيام فيه ثلاثة اوجه أصحها عندهم الثالث والله أعلم قوله ( وأتى بطعام فقيل له ألا توضأ فقال لم أصلي فأتوضأ ) أما لم فبكسر اللام وفتح الميم وأصلي باثبات الياء في اخره وهو استفهام انكار ومعناه الوضوء يكون لمن أراد الصلاة وأنا لا أريد أن أصلي الان والمراد بالوضوء الوضوء الشرعي وحمله القاضي عياض على الوضوء اللغوي وجعل المراد غسل الكفين وحكى اختلاف العلماء في كراهته غسل الكفين قبل الطعام واستحبابه وحكى الكراهة عن مالك والثوري رحمهما الله تعالى والظاهر ما قدمناه أن المراد الوضوء الشرعي والله سبحانه وتعالى اعلم 1 ( باب ما يقال اذا أراد دخول الخلاء )
قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دخل الخلاء قال اللهم اني أعوذ بك من الخبث والخبائث ) وفي رواية إذا دخل الكنيف وفي رواية ( أعوذ بالله من الخبث والخبائث أما الخلاء فبفتح الخاء والمد والكنيف بفتح الكاف وكسر النون والخلاء والكنيف والمرحاض كلها موضع قضاء الحاجة وقوله اذا دخل معناه إذا أراد الدخول وكذا جاء مصرحا به في رواية البخاري قال كان اذا اراد أن يدخل وأما الخبث فبضم الباء واسكانها وهما وجهان مشهوران في رواية هذا الحديث ونقل القاضي عياض رحمه الله تعالى أن اكثر روايات الشيوخ الاسكان وقد قال الامام أبو سليمان الخطابي رحمة الله تعالى الخبث بضم الباء جماعة الخبيث والخبائث جمع الخبيثه قال يريد ذكران الشياطين واناثهم قال وعامة المحدثين يقولون الخبث باسكان الباء وهو غلط والصواب الضم هذا كلام الخطابي وهذا الذي غلطهم فيه ليس بغلط ولا يصح انكاره جواز الاسكان فإن الاسكان جائز على سبيل التخفيف كما يقال كتب ورسل وعنق وأذن ونظائره فكل هذا وما أشبهه جائز تسكينه بلا خلاف عند أهل العربية وهو باب معروف من أبواب التصريف لايمكن أنكاره ولعل الخطابي أراد الانكار على من يقول أصله الاسكان فإن كان اراد هذا فعبارته موهمة وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنه منهم الامام أبوعبيد امام هذا الفن والعمدة فيه واختلفوا في معناه فقيل هو الشر وقيل الكفر وقيل الخبث الشياطين والخبائث المعاصي قال بن الاعرابي الخبث في كلام العرب ألمكروه فان كان من الكلام فهو الشتم وان كان من الملل فهو الكفر وان كان من الطعام فهو الحرام وان كان من الشراب فهو الضار والله أعلم وهذا الادب مجمع على استحبابه ولا فرق فيه بين البنيان والصحراء والله اعلم 1 ( باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء )
فيه قول مسلم ( وحدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال أقيمت الصلاة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناجي الرجل ) وفي رواية ( نجى لرجل فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم ) قال مسلم ( حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة عن عبد العزيز بن صهيب سمع أنس بن مالك رضي الله عنه اقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلا فلم يزل يناجيه حتى نام اصحابه ثم جاء فصلى بهم ) قال مسلم ( وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد وهو بن الحارث حدثنا شعبة عن قتادة قال سمعت انسا يقول كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون قال قلت سمعته من أنس قال إي والله ) هذه الاسانيد الثلاثة رجالها بصريون كلهم وقد قدمنا مرات أن شعبة واسطى بصرى وقد قدمنا بيان كون فروخ والد شيبان لا ينصرف للعجمة وقد قدمنا بيان الفائدة في قوله وهو بن الحارث وأوضحنا ذلك في الفصول المتقدمه وفي مواضع بعدها وأما قوله قلت سمعته من أنس قال إي والله مع أنه قال أولا سمعت أنسا فاراد به الاستثبات فان قتادة رضي الله عنه كان من المدلسين وكان شعبة رحمه الله تعالى من أشد الناس ذما للتدليس وكان يقول الزنى أهون من التدليس وقد تقرر أن المدلس اذا قال عن لا يحتج به واذا قال سمعت احتج به على المذهب الصحيح المختار فأراد شعبة رحمة الله تعالى الاستثبات من قتادة في لفظ السماع والظاهر أن قتادة علم ذلك من حال شعبة ولهذا حلف بالله تعالى والله أعلم وأما قوله نجى لرجل فمعناه مسار له والمناجاة التحديث سرا ويقال رجل نجى رجلان ونجى ورجال نجى بلفظ واحد قال الله تعالى وقربناه نجيا وقال تعالى خلصوا نجيا والله أعلم وأما فقه الحديث ففيه جواز مناجاة الرجل بحضرة الجماعة وانما نهى عن ذلك بحضرة الواحد وفيه جواز الكلام بعد اقامة الصلاة لاسيما في الامور المهمة ولكنه مكروه في غير المهم وفيه تقديم الاهم فالأهم من الامور عند ازدحامها فإنه صلى الله عليه وسلم انما ناجاه بعد الاقامة في امر مهم من امور الدين مصلحته راجحة على تقديم الصلاة وفيه أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء وهذه هي المسألة المقصودة بهذا الباب وقد اختلف العلماء فيها على مذاهب احدها أن النوم لا ينقض الوضوء على اي حال كان وهذا محكي عن أبي موسى الاشعري وسعيد بن المسيب وابي مجلز وحميد الاعرج وشعبة والمذهب الثاني أن النوم ينقض الوضوء بكل حال وهو مذهب الحسن البصري والمزني وابي عبيد القاسم بن سلام واسحاق بن راهويه وهو قول غريب للشافعي قال بن المنذر وبه أقول قال وروي معناه عن بن عباس وأنس وابي هريرة رضي الله عنهم والمذهب الثالث أن كثير النوم ينقض بكل حال وقليله لا ينقض بحال وهذا مذهب الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك واحمد في أحدى الروايتين عنه والمذهب الرابع أنه اذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع والساجد والقائم والقاعد لاينتقض وضوؤه سواء كان في الصلاة أو لم يكن وان نام مضطجعا أو مستلقيا على قفاه انتقض وهذا مذهب أبي حنيفة وداود وهو قول للشافعي غريب والمذهب الخامس أنه لا ينقض الا نوم الراكع والساجد روى هذا عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى والمذهب السادس أنه لا ينقض الانوم الساجد وروي أيضا عن أحمد رضي الله عنه والمذهب السابع أنه لاينقض النوم في الصلاة بكل حال وينقض خارج الصلاة وهو قول ضعيف للشافعي رحمه الله تعالى والمذهب الثامن أنه اذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينتقض والا انتقض سواء قل أو كثر سواء كان في الصلاة أو خارجها وهذا مذهب الشافعي وعنده أن النوم ليس حدثا في نفسه وانما هو دليل على خروج الريح فاذا نام غير ممكن المقعدة غلب على الظن خروج الريح فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقق وأما اذا كان ممكنا فلا يغلب على الظن الخروج والاصل بقاء الطهارة وقد وردت احاديث كثيرة في هذه المسألة يستدل بها لهذه المذاهب وقد قررت الجمع بينها ووجه الدلالة منها في شرح المهذب وليس مقصودي هنا الاطناب بل الاشارة إلى المقاصد والله أعلم واتفقوا على أن زوال العقل بالجنون والاغماء والسكر بالخمر أو النبيذ أو البنج أو الدواء ينقض الوضوء سواء قل أو كثر سواء كان ممكن المقعدة أوغير ممكنها قال اصحابنا وكان من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لاينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعا للحديث الصحيح عن بن عباس قال نام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ثم صلى ولم يتوضأ والله أعلم ( فرع ) قال الشافعي والأصحاب لاينقض الوضوء بالنعاس وهوالسنة قالوا وعلامة النوم أن فيه غلبة على العقل وسقوط حاسة البصر وغيرها من الحواس وأما النعاس فلا يغلب على العقل وانما تفتر فيه الحواس من غير سقوطها ولو شك هل نام أم نعس فلا وضوء عليه ويستحب أن يتوضأ ولو تيقن النوم وشك هل نام ممكن المقعدة من الأرض أم لا لم ينقض وضوؤه ويستحب أن يتوضأ ولو نام جالسا ثم زالت اليتاه أو إحداهما عن الأرض فإن زالت قبل الانتباه انتقض وضوؤه لانه مضى عليه لحظة وهو نائم غير ممكن المقعدة وان زالت بعد الانتباه أو معه أو شك في وقت زوالها لم ينتقض وضوؤه ولو نام ممكنا مقعدته من الأرض مستندا إلى حائط أوغيره لم ينتقض وضوؤه سواء كانت بحيث لو رفع الحائط لسقط أو لم يكن ولونام محتبيا ففيه ثلاثة أوجه لاصحابنا أحدها لاينتقض كالمتربع والثاني ينتقض كالمضطجع والثالث أن كان نحيف البدن بحيث لاتنطبق اليتاه على الأرض انتقض وان كان الحم البدن بحيث ينطبقان لم ينتقض والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة