1 ( باب تحريم الزكاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم ))
Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي · AR
1069 قوله ( أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة ) وفي رواية لا تحل لنا الصدقة قال القاضي يقال كخ كخ بفتح الكاف وكسرها وتسكين الخاء ويجوز كسرها مع التنوين وهي كلمة يزجر بها الصبيان عن المستقذرات فيقال له كخ أي اتركه وارم به قال الداودى هي عجمية معربة بمعنى بئس وقد أشار إلى هذا البخارى بقوله في ترجمة باب من تكلم بالفارسية والرطانة وفي الحديث أن الصبيان يوقون ما يوقاه الكبار وتمنع من تعاطيه وهذا واجب على الولى قوله صلى الله عليه وسلم ( أما علمت أنا لا نأكل الصدقة ) هذه اللفظة تقال في الشيء الواضح التحريم ونحوه وان لم يكن المخاطب عالما به وتقديره عجب كيف خفى عليك هذا مع ظهور تحريم الزكاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب هذا مذهب الشافعي وموافقيه أن آله صلى الله عليه وسلم هم بنو هاشم وبنو المطلب وبه قال بعض المالكية وقال أبو حنيفة ومالك هم بنو هاشم خاصة قال القاضي وقال بعض العلماء هم قريش كلها وقال أصبغ المالكي هم بنو قصى دليل الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان بنى هاشم وبنى المطلب شيء واحد وقسم بينهم سهم ذوى القربى وأما صدقة التطوع فللشافعى فيها ثلاثة أقوال أصحها أنها تحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحل لآله والثاني تحرم عليه وعليهم والثالث تحل له ولهم وأما موالى بنى هاشم وبنى المطلب فهل تحرم عليهم الزكاة فيه وجهان لأصحابنا أصحهما تحرم للحديث الذي ذكره مسلم بعد هذا حديث أبي رافع والثاني تحل وبالتحريم قال أبو حنيفة وسائر الكوفيين وبعض المالكية وبالاباحة قال مالك وادعى بن بطال المالكي أن الخلاف انما هو في موالي بنى هاشم وأما موالى غيرهم فتباح لهم بالاجماع وليس كما قال بل الأصح عند أصحابنا تحريمها على موالي بنى هاشم وبنى المطلب ولا فرق بينهما والله أعلم 1070 قوله صلى الله عليه وسلم ( انا لا تحل لنا الصدقة ) ظاهره تحريم صدقة الفرض والنفل وفيهما الكلام السابق قوله صلى الله عليه وسلم ( انى لأنقلب إلى أهلى فاجد التمرة ساقطة على فراشي ثم أرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها ) فيه تحريم الصدقة عليه صلى الله عليه وسلم وأنه لا فرق بين صدقة الفرض والتطوع لقوله صلى الله عليه وسلم الصدقة بالألف واللام وهي تعم النوعين ولم يقل الزكاة وفيه استعمال الورع لأن هذه التمرة لا تحرم بمجرد الاحتمال لكن الورع تركها قوله ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بتمرة في الطريق فقال لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها ) فيه استعمال الورع كما سبق وفيه أن التمرة ونحوها من محقرات الأموال لا يجب تعريفها بل يباح أكلها والتصرف فيها في الحال لأنه صلى الله عليه وسلم انما تركها خشية أن تكون من الصدقة لا لكونها لقطة وهذا الحكم متفق عليه وعلله أصحابنا وغيرهم بأن صاحبها في العادة لا يطلبها ولا يبقى له فيها مطمع والله أعلم 1072 قوله ( فانتحاه ربيعة بن الحارث ) هو بالحاء ومعناه عرض له وقصده ( قوله ما تفعل هذا الا نفاسة منك علينا ) معناه حسدا منك لنا قوله ( فما نفسنا عليك ) هو بكسر الفاء أي ما حسدناك ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( أخرجا ما تصرران ) هكذا هو في معظم الأصول ببلادنا وهو الذي ذكره الهروى والمازرى وغيرهما من أهل الضبط تصرران بضم التاء وفتح الصاد وكسر الراء وبعدها راء أخرى ومعناه تجمعانه في صدوركما من الكلام وكل شيء جمعته فقد صررته ووقع في بعض النسخ تسرران بالسين من السر أي ما تقولانه لي سرا وذكر القاضي عياض فيه أربع روايات هاتين الثنتين والثالثة تصدران باسكان الصاد وبعدها دال مهملة معناه ماذا ترفعان إلى قال وهذه رواية السمرقندى والرابعة تصوران بفتح الصاد وبواو مكسورة قال وهكذا ضبطه الحميدى قال القاضي وروايتنا عن أكثر شيوخنا بالسين واستبعد رواية الدال والصحيح ما قدمناه عن معظم نسخ بلادنا ورجحه أيضا صاحب المطالع فقال الأصوب تصرران بالصاد والرائين قوله ( قد بلغنا النكاح ) أي الحلم كقوله تعالى حتى إذا بلغوا النكاح قوله ( وجعلت زينب تلمع الينا من وراء الحجاب ) هو بضم التاء واسكان اللام وكسر الميم ويجوز فتح التاء والميم يقال ألمع ولمع اذا أشار بثوبه أو بيده قوله صلى الله عليه وسلم لعبد المطلب بن ربيعة والفضل بن عباس وقد سألاه العمل على الصدقة بنصيب العامل ( ان الصدقة لا تنبغى لآل محمد ) دليل على أنها محرمة سواء كانت بسبب العمل أو بسبب الفقر والمسكنة وغيرهما من الأسباب الثمانية وهذا هو الصحيح عند أصحابنا وجوز بعض أصحابنا لبنى هاشم وبنى المطلب العمل عليها بسهم العامل لأنه اجارة وهذا ضعيف أو باطل وهذا الحديث صريح في رده قوله صلى الله عليه وسلم ( انما هي أوساخ الناس ) تنبيه على العلة في تحريمها على بنى هاشم وبنى المطلب وأنها لكرامتهم وتنزيههم عن الأوساخ ومعنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم كما قال تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها فهي كغسالة الأوساخ قوله ( حدثنا هارون بن معروف حدثنا بن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن بن شهاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أخبره ) هكذا وقع في مسلم من رواية يونس عن بن شهاب وسبق في الرواية التي قبل هذه عن جويرية عن مالك عن الزهري أن عبد الله بن عبد الله بن نوفل وكلاهما صحيح والأصل هو رواية مالك ونسبه في رواية يونس إلى جده ولا يمتنع ذلك قال النسائي ولا نعلم أحدا روى هذا الحديث عن مالك الا جويرية بن أسماء قوله صلى الله عليه وسلم ( أصدق عنهما من الخمس ) يحتمل أن يريد من سهم ذوى القربى من الخمس لأنهما من ذوى القربى ويحتمل ان يريد من سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الخمس قوله عن علي رضي الله عنه ( وقال أنا أبو حسن القرم ) هو بتنوين حسن وأما القرم فالبراء مرفوع وهو السيد وأصله فحل الابل قال الخطابي معناه المقدم في المعرفة بالأمور والرأي كالفحل هذا أصح الأوجه في ضبطه وهو المعروف في نسخ بلادنا والثاني حكاه القاضي أبو الحسن القوم بالواو باضافة حسن إلى القوم ومعناه عالم القوم وذو رأيهم والثالث حكاه القاضي أيضا أبو حسن بالتنوين والقوم بالواو مرفوع أي أنا من علمتم رأيه أيها القوم وهذا ضعيف لأن حروف النداء لا تحذف في نداء القوم ونحوه قوله ( لا أريم مكاني ) هو بفتح الهمزة وكسر الراء أي لا أفارقه قوله ( والله لا أريم مكاني حتى يرجع اليكما ابناكما بحور ما بعثتما به قوله بحور هو بفتح الحاء المهملة أي بجواب ذلك قال الهروى في تفسيره يقال كلمته فما رد على حورا ولا حويرا أي جوابا قال ويجوز أن يكون معناه الخيبة أي يرجعا بالخيبة واصل الحور الرجوع إلى النقص قال القاضي هذا أشبه بسياق الحديث أما قوله ابناكما فهكذا ضبطناه ابناكما بالتثنية ووقع في بعض الأصول أبناؤكما بالواو على الجمع وحكاه القاضي ايضا قال وهو وهم والصواب الأول وقال وقد يصح الثاني على مذهب من جمع الأثنين قوله صلى الله عليه وسلم ( أدعوا لي محمية بن جزء وهو رجل من بني أسد ) أما محمية فبميم مفتوحة ثم حاء مهملة ساكنة ثم ميم أخرى مكسورة ثم ياء مخففة وأما جزء فبجيم مفتوحة ثم زاي ساكنة ثم همزة هذا هو الأصح قال القاضي هكذا تقوله عامة الحفاظ وأهل الإتقان ومعظم الرواة وقال عبد الغنى بن سعيد يقال جزى بكسر الزاي يعنى وبالياء وكذا وقع في بعض النسخ في بلادنا قال القاضي وقال أبو عبيد هو عندنا جز مشدد الزاي وأما قوله وهو رجل من بنى أسد فقال القاضي كذا وقع والمحفوظ أنه من بنى زبيد لا من بنى أسد
1 ( باب اباحة الهدية للنبي صلى الله عليه وسلم ( ولبنى هاشم وبنى المطلب وان كان المهدى ملكها بطريق الصدقة ) ( وبيان أن الصدقة اذا قبضها المتصدق عليه زال عنها وصف الصدقة ) ( وحلت لكل أحد ممن كانت الصدقة محرمة عليه ) ) 1073 قوله ( أن عبيد بن السباق ) هو بفتح السين المهملة وتشديد الباء الموحدة قوله صلى الله عليه وسلم في لحم الشاة الذي أعطيته مولاة جويرية من الصدقة ( قربيه فقد بلغت محلها ) هو بكسر الحاء أي زال عنها حكم الصدقة وصارت حلالا لنا وفيه دليل للشافعي وموافقيه أن لحم الأضحية اذا قبضه المتصدق عليه وسائر الصدقات يجوز لقابضها بيعها ويحل لمن أهداها إليه أو ملكها منه بطريق آخر وقال بعض المالكية لا يجوز بيع لحم الأضحية لقابضها 1075 قوله ( كلاهما عن شعبة عن قتادة عن أنس ) ثم قال في الطريق الآخر ( حدثنا شعبة عن قتادة سمع أنس بن مالك ) فيه التنبيه على انتفاء تدليس قتادة لأنه عنعن في الرواية الأولى وصرح بالسماع في الثانية وقد سبق مرات أن المدلس لا يحتج بعنعنته الا أن يثبت سماعه لذلك الحديث من ذلك الشيخ من طريق آخر فنبه مسلم رحمه الله تعالى على ذلك قوله ( عن الأسود عن عائشة وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بلحم بقر ) هكذا هو في كثير من الأصول المعتمدة أو أكثرها وأتى بالواو وفي بعضها أتى بغير واو وكلاهما صحيح والواو عاطفة على بعض من الحديث لم يذكره هنا قوله ( كان في بريرة ثلاث قضيات ) فذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم هو عليها صدقة ولكم هدية ولم يذكر هنا الثانية والثالثة وهما الولاء لمن أعتق وتخييرها في فسخ النكاح حين أعتقت تحت عبد وسيأتى بيان الثلاث مشروحة ان شاء الله تعالى في كتاب النكاح 1076 قولها ( الا أن نسيبة بعثت الينا ) هي نسيبة بضم النون وفتح السين المهملة واسكان الياء ويقال فيها أيضا نسيبة بفتح النون وكسر السين وهي أم عطية 1077 قوله ( ان النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا أتي بطعام سأل عنه فان قيل هدية أكل منها وان قيل صدقة لم يأكل منها ) فيه استعمال الورع والفحص عن أصل المآكل والمشارب 1 ( باب الدعاء لمن أتى بصدقتة )
1078 قوله ( كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا أتاه قوم بصدقتهم قال اللهم صل عليهم فأتاه أبى أبو أوفى بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى ) هذا الدعاء وهو الصلاة امتثال لقول الله عز وجل وصل عليهم ومذهبنا المشهور ومذهب العلماء كافة أن الدعاء لدافع الزكاة سنة مستحبة ليس بواجب وقال أهل الظاهر هو واجب وبه قال بعض اصحابنا حكاه أبو عبد الله الحناطى بالحاء المهملة واعتمدوا الأمر في الآية قال الجمهور الأمر في حقنا للندب لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا وغيره لأخذ الزكاة ولم يأمرهم بالدعاء وقد يجيب الآخرون بأن وجوب الدعاء كان معلوما لهم من الآية الكريمة وأجاب الجمهور أيضا بأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته سكن لهم بخلاف غيره واستحب الشافعي في صفة الدعاء أن يقول آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت وأما قول الساعى اللهم صل على فلان فكرهه جمهور أصحابنا وهو مذهب بن عباس ومالك وبن عيينة وجماعة من السلف وقال جماعة من العلماء ويجوز ذلك بلا كراهة لهذا الحديث قال أصحابنا لا يصلى على غير الانبياء الا تبعا لأن الصلاة في لسان السلف مخصوصة بالأنبياء صلاة الله وسلامه عليهم كما أن قولنا عز وجل مخصوص بالله سبحانه وتعالى فكما لا يقال محمد عز وجل وان كان عزيزا جليلا لا يقال أبو بكر صلى الله عليه وسلم وان صح المعنى واختلف أصحابنا في النهى عن ذلك هل هو نهى تنزيه أم محرم أو مجرد أدب على ثلاثة أوجه الأصح الاشهر أنه مكروه كراهة تنزيه لانه شعار لاهل البدع وقد نهينا عن شعارهم والمكروه هو ما ورد فيه نهى مقصود واتفقوا على أنه يجوز أن يجعل غير الانبياء تبعا لهم في ذلك فيقال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته وأتباعه لأن السلف لم يمنعوا منه وقد أمرنا به في التشهد وغيره قال الشيخ أبو محمد الجوينى من أئمة أصحابنا السلام في معنى الصلاة ولا يفرد به غير الانبياء لأن الله تعالى قرن بينهما ولا يفرد به غائب ولا يقال قال فلان عليه السلام وأما المخاطبة به لحي أو ميت فسنة فيقال السلام عليكم أو عليك أو سلام عليك أو عليكم والله أعلم ( فاقدروا له ) وفي رواية فاقدروا له ثلاثين وفي رواية اذا رأيتم الهلال فصوموا واذا رأيتموه فافطروا فان غم عليكم فاقدروا له وفي رواية فان غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما وفي رواية فان غمى عليكم فأكملوا العدد وفي رواية فان غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين وفي رواية فان أغمى عليكم فعدوا ثلاثين هذه الروايات كلها في الكتاب على هذا الترتيب وفي رواية للبخارى فان غبى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين واختلف العلماء في معنى فاقدروا له فقالت طائفة من العلماء معناه ضيقوا له وقدروه تحت السحاب وممن قال بهذا أحمد بن حنبل وغيره ممن يجوز صوم يوم ليلة الغيم عن رمضان كما سنذكره ان شاء الله تعالى وقال بن سريج وجماعة منهم مطرف بن عبد الله وبن قتيبة وآخرون معناه قدروه بحساب المنازل وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف والخلف إلى أن معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما قال أهل اللغة يقال قدرت الشيء أقدره وأقدره وقدرته وأقدرته بمعنى واحد وهو من التقدير قال الخطابى ومنه قول الله تعالى فقدرنا فنعم القادرون واحتج الجمهور بالروايات المذكورة فأكملوا العدة ثلاثين وهو تفسير لاقدروا له ولهذا لم يجتمعا في رواية بل تارة يذكر هذا وتارة يذكر هذا ويؤكده الرواية السابقة فاقدروا له ثلاثين قال المازرى حمل جمهور الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم فاقدروا له على أن المراد اكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر قالوا ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم لأنه لا يعرفه الا أفراد والشرع انما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( فان غم عليكم ) فمعناه حال بينكم وبينه غيم يقال غم وأغمى وغمى وغمى بتشديد الميم وتخفيفها والغين مضمومة فيهما ويقال غبى بفتح الغين وكسر الباء وكلها صحيحة وقد غامت السماء وغيمت وأغامت وتغيمت وأغمت وفي هذه الأحاديث دلالة لمذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا يجوز صوم يوم الشك ولا يوم الثلاثين 1079 قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين ) وفي الرواية الأخرى ( اذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين ) وفي رواية ( اذا دخل رمضان ) فيه دليل للمذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه البخارى والمحققون أنه يجوز أن يقال رمضان من غير ذكر الشهر بلا كراهة وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب قالت طائفة لا يقال رمضان على انفراده بحال وانما يقال شهر رمضان هذا قول أصحاب مالك وزعم هؤلاء أن رمضان اسم من أسماء الله تعالى فلا يطلق على غيره الا بقيد وقال أكثر أصحابنا وبن الباقلاني ان كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر فلا كراهة والا فيكره قالوا فيقال صمنا رمضان قمنا رمضان ورمضان أفضل الأشهر ويندب طلب ليلة القدر في أواخر رمضان وأشباه ذلك ولا كراهة في هذا كله وانما يكره أن يقال جاء رمضان ودخل وحضر رمضان وأحب رمضان ونحو ذلك والمذهب الثالث مذهب البخاري والمحققين أنه لا كراهة في اطلاق رمضان بقرينة وبغير قرينة وهذا المذهب هو الصواب والمذهبان الأولان فاسدان لأن الكراهة انما تثبت بنهى الشرع ولم يثبت فيه نهى وقولهم انه اسم من اسماء الله تعالى ليس بصحيح ولم يصح في شيء وان كان قد جاء فيه أثر ضعيف وأسماء الله تعالى توقيفية لا تطلق الا بدليل صحيح ولو ثبت أنه اسم لم يلزم منه كراهة وهذا الحديث المذكور في الباب صريح في الرد على المذهبين ولهذا الحديث نظائر كثيرة في الصحيح في اطلاق رمضان على الشهر من غير ذكر الشهر وقد سبق التنبيه على كثير منها في كتاب الايمان وغيره والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين فقال القاضي عياض رحمه الله تعالى يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب جهنم وتصفيد الشياطين علامة لدخول الشهر وتعظيم لحرمته ويكون التصفيد ليمتنعوا من ايذاء المؤمنين والتهويش عليهم قال ويحتمل ان يكون المراد المجاز ويكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو وان الشياطين يقل اغواؤهم وايذاؤهم ليصيرون كالمصفدين ويكون تصفيدهم عن أشياء دون أشياء ولناس دون ناس ويؤيد هذه الرواية الثانية فتحت أبواب الرحمة وجاء في حديث آخر صفدت مردة الشياطين قال القاضي ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله تعالى لعباده من الطاعات في هذا الشهر التي لا تقع في غيره عموما كالصيام والقيام وفعل الخيرات والانكفاف عن كثير من المخالفات وهذه أسباب لدخول الجنة وأبواب لها وكذلك تغليق أبواب النار وتصفيد الشياطين عبارة عما ينكفون عنه من المخالفات ومعنى صفدت غللت والصفد بفتح الفاء الغل بضم الغين وهو معنى سلسلت في الرواية الأخرى هذا كلام القاضي أو فيه أحرف بمعنى كلامه
1 ( باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال ( وأنه اذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما ))
1080 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان أغمى عليكم فاقدروا له ) وفي رواية فاقدروا له ثلاثين وفي رواية اذا رأيتم الهلال فصوموا واذا رأيتموه فافطروا فان غم عليكم فاقدروا له وفي رواية فان غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما وفي رواية فان غمى عليكم فأكملوا العدد وفي رواية فان عمى عليكم الشهر فعدوا ثلاثين وفي رواية فان أغمى عليكم فعدوا ثلاثين هذه الروايات كلها في الكتاب على هذا الترتيب وفي رواية للبخارى فان غبى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين واختلف العلماء في معنى فاقدروا له فقالت طائفة من العلماء معناه ضيقوا له وقدروه تحت السحاب وممن قال بهذا أحمد بن حنبل وغيره ممن يجوز صوم يوم ليلة الغيم من رمضان كما سنذكره ان شاء الله تعالى وقال بن سريج وجماعة منهم مطرف بن عبد الله وبن قتيبة وآخرون معناه قدروه بحساب المنازل وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف والخلف إلى أن معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يوما قال أهل اللغة يقال قدرت الشيء أقدره وأقدره وقدرته وأقدرته بمعنى واحد وهو من التقدير قال الخطابي ومنه قول الله تعالى فقدرنا فنعم القادرون واحتج الجمهور بالروايات المذكورة فأكملوا العدة ثلاثين وهو تفسير لاقدروا له لهذا لم يجتمعا في رواية بل تارة يذكر هذا وتارة يذكر هذا ويؤكده الرواية السابقة فاقدروا له ثلاثين قال المازري حمل جمهور الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم فاقدروا له على أن المراد اكمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر قالوا ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم لأنه لا يعرفه الا أفراد والشرع انما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( فان غم عليكم ) فمعناه حال بينكم وبينه غيم يقال غم وأغمى وغمى وغمى بتشديد الميم وتخفيفها والغين مضمومة فيهما ويقال غبى بفتح الغين وكسر الباء وكلها صحيحة وقد غامت السماء وغيمت وأغامت وتغيمت وأغمت وفي هذه الأحاديث دلالة لمذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا يجوز صوم يوم الشك ولا يوم الثلاثين من شعبان عن رمضان اذا كانت ليلة الثلاثين ليلة غيم قوله صلى الله عليه وسلم ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ) المراد رؤية بعض المسلمين ولا يشترط رؤية كل انسان بل يكفي جميع الناس رؤية عدلين وكذا عدل على الأصح هذا في الصوم وأما الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء الا أبا ثور فجوزه بعدل قوله صلى الله عليه وسلم ( الشهر هكذا وهكذا ) وفي رواية الشهر تسع وعشرون معناه أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين وحاصله أن الاعتبار بالهلال فقد يكون تاما ثلاثين وقد يكون ناقصا تسعا وعشرين وقد لا يرى الهلال فيجب اكمال العدد ثلاثين قالوا وقد يقع النقص متواليا في شهرين وثلاثة وأربعة ولا يقع في أكثر من أربعة وفي هذا الحديث جواز اعتماد الاشارة المفهمة في مثل هذا قوله ( حدثنا زياد بن عبد الله البكائي ) هو بفتح الباء وتشديد الكاف قوله صلى الله عليه وسلم ( انا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا ) قال العلماء أمية باقون على ما ولدتنا عليه الامهات لا نكتب ولا نحسب ومنه النبي الأمي وقيل هو نسبة إلى الأم وصفتها لأن هذه صفة النساء غالبا قوله ( سمع بن عمر رجلا يقول الليلة النصف فقال له وما يدريك أن الليلة النصف ) وذكر الحديث معناه أنك لا تدري أن الليلة النصف أم لا لأن الشهر قد يكون تسعا وعشرين وأنت أردت أن الليلة ليلة اليوم الذي بتمامه يتم النصف وهذا انما يصح على تقدير تمامه ولا تدرى أنه تام أم لا قوله صلى الله عليه وسلم ( فان غمى عليكم الشهر ) هو بضم الغين وكسر الميم مشددة ومخففة 1082 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين الا رجل كان يصوم صوما فليصمه ) فيه التصريح بالنهى عن استقبال رمضان بصوم يوم ويومين لمن لم يصادف عادة له أو يصله بما قبله فان لم يصله ولا صادف عادة فهو حرام هذا هو الصحيح في مذهبنا لهذا الحديث وللحديث الآخر في سنن أبي داود وغيره اذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان فان وصله بما قبله أو صادف عادة له فان كانت عادته صوم يوم الأثنين ونحوه فصادفه فصامه تطوعا بنية ذلك جاز لهذا الحديث وسواء في النهى عندنا لمن لم يصادف عادته ولا وصله يوم الشك وغيره فيوم الشك داخل في النهي وفيه مذاهب للسلف فيمن صامه تطوعا وأوجب صومه عن رمضان أحمد وجماعة بشرط أن يكون هناك غيم والله أعلم 1083 قوله في حلفه صلى الله عليه وسلم ( لا يدخل على أزواجه شهرا ثم دخل لما مضت تسع وعشرون ليلة ثم قال الشهر تسع وعشرون ) وفي رواية فخرج الينا في تسعة وعشرين فقلنا له انما اليوم تسعة وعشرون وفي رواية فخرج الينا صباح تسع وعشرين فقال ان الشهر يكون تسعا وعشرين وفي رواية فلما مضى تسع وعشرون يوما غدا عليهم أو راح قال القاضي رحمه الله تعالى معناه كله بعد تمام تسعة وعشرين يوما يدل عليه رواية فلما مضى تسع وعشرون يوما وقوله صباح تسع وعشرين أي صباح الليلة التي بعد تسعة وعشرين يوما وهي صبيحة ثلاثين ومعنى الشهر تسعة وعشرون أنه قد يكون تسعة وعشرين كما صرح به في بعض هذا الروايات والله أعلم
1 ( باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم ( وأنهم اذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم ) ) فيه حديث كريب عن بن عباس وهو ظاهر الدلالة للترجمة والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس بل تختص بمن قرب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة وقيل ان اتفق المطلع لزمهم وقيل ان اتفق الاقليم والا فلا وقال بعض أصحابنا تعم الرؤية في موضع جميع أهل الأرض فعلى هذا نقول انما لم يعمل بن عباس بخبر كريب لأنه شهادة فلا تثبت بواحد لكن ظاهر حديثه أنه لم يرده لهذا وانما رده لأن الرؤية لم يثبت حكمها في حق البعيد 1087 قوله ( واستهل على رمضان ) هو بضم التاء من استهل 1 ( باب بيان أنه لا اعتبار بكبر الهلال وصغره ( وأن الله تعالى أمده للرؤية فان غم فليكمل ثلاثون )) فيه حديث أبي البختري عن بن عباس وهو ظاهر الدلالة للترجمة 1088 وقوله ( تراءينا الهلال ) أي تكلفنا النظر إلى جهته لنراه قوله ( عن بن عباس فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مده للرؤية ) هكذا هو في بعضالنسخ وفي بعضها فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله مده للرؤية وجميع النسخ متفقة على مده من غير ألف فيها وفي الرواية الثانية فقال بن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله قد أمده لرؤيته هكذا هو في جميع النسخ أمده بألف في أوله قال القاضي قال بعضهم الوجه أن يكون أمده بالتشديد من الامداد ومده من الامتداد قال القاضي والصواب عندى بقاء الرواية على وجهها ومعناه أطال مدته إلى الرؤية يقال منه مد وأمد قال الله تعالى وإخوانهم يمدونهم في الغي قرئ بالوجهين أي يطيلون لهم قال وقد يكون أمده من المدة التي جعلت له قال صاحب الأفعال أمددتكها أي أعطيتكها قوله في الاسناد ( عن أبي البختري ) هو بفتح الموحدة واسكان الخاء المعجمة وفتح التاء واسمه سعيد بن فيروز ويقال بن عمران ويقال بن أبي عمران الطائي توفى سنة ثلاث وثمانين عام الجماجم 1 ( باب بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم شهرا عيد لا ينقصان ) 1089 قوله صلى الله عليه وسلم ( شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة ) الأصح أن معناه لا ينقص أجرهما والثواب المرتب عليهما وان نقص عددهما وقيل معناه لا ينقصان جميعا في سنة واحدة غالبا وقيل لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان لأن فيه المناسك حكاه الخطابي وهو ضعيف والأول هو الصواب المعتمد ومعناه أن قوله صلى الله عليه وسلم من صام رمضان ايمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وقوله صلى الله عليه وسلم من قام رمضان ايمانا واحتسابا وغير ذلك فكل هذه الفضائل تحصل سواء تم عدد رمضان أم نقص والله أعلم 1 ( باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر ( وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام ) ( من الدخول في الصوم ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك وهو الفجر الثاني ) ( ويسمى الصادق والمستطير وأنه لا أثر للفجر الأول في الأحكام وهو الفجر الكاذب ) ( المستطيل باللام كذنب السرحان وهو الذئب ))
1090 قوله ( عن عدى بن حاتم لما نزلت حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر قال له عدى يا رسول الله أنى أجعل تحت وسادتي عقالين عقالا أبيض وعقالا اسود أعرف الليل من النهار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان وسادك لعريض انما هو سواد الليل وبياض النهار ) هكذا هو في كثير من النسخ أو أكثرها فقال له عدى وفي بعضها قال عدى بحذف له وكلاهما صحيح ومن أثبتها أعاد الضمير إلى معلوم أو متقدم الذكر عند المخاطب وفي أكثر النسخ أو كثير منها ان وسادك لعريض وفي بعضها أن وسادتك لعريض بزيادة تاء وله وجه أيضا مع قوله عريض ويكون المراد بالوسادة الوساد كما في الرواية الأخرى فعاد الوصف على المعنى لا على اللفظ وأما معنى الحديث فللعلماء فيه شروح أحسنها كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى قال انما أخذ العقالين وجعلهما تحت رأسه وتأول الآية لكونه سبق إلى فهمه أن المراد بها هذا وكذا وقع لغيره ممن فعل فعله حتى نزل قوله تعالى من الفجر فعلموا أن المراد به بياض النهار وسواد الليل وليس المراد أن هذا كان حكم الشرع أولا ثم نسخ بقوله تعالى من الفجر كما أشار إليه الطحاوى والداودى قال القاضي وانما المراد أن ذلك فعله وتأوله من لم يكن مخالطا للنبي صلى الله عليه وسلم بل هو من الأعراب ومن لا فقه عنده أو لم يكن من لغته استعمال الخيط في الليل والنهار لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على عدى بقوله صلى الله عليه وسلم ان وسادك لعريض انما هو بياض النهار وسواد الليل قال وفيه ان الألفاظ المشتركة لا يصار إلى العمل بأظهر وجوهها وأكثر استعمالها الا اذا عدم البيان وكان البيان حاصلا بوجود النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيد الخيط الأبيض الفجر الصادق والخيط الأسود الليل والخيط اللون وفي هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم سواد الليل وبياض النهار دليل على أن ما بعد الفجر هو من النهار لا من الليل ولا فاصل بينهما وهذا مذهبنا وبه قال جماهير العلماء وحكى فيه شيء عن الأعمش وغيره لعله لا يصح عنهم قوله صلى الله عليه وسلم ان وسادك لعريض قال القاضي معناه إن جعلت تحت وسادك الخيطين الذين أرادهما الله تعالى وهما الليل والنهار فوسادك يعلوهما ويغطيهما وحينئذ يكون عريضا وهو معنى الرواية الأخرى في صحيح البخاري انك لعريض القفا لان من يكون هذا وساده يكون عظم قفاه من نسبته بقدره وهو معنى الرواية الأخرى إنك لضخم وأنكر القاضي قول من قال إنه كناية عن الغباوة أو عن السمن لكثرة أكله إلى بيان الخيطين وقال بعضهم المراد بالوساد النوم أي ان نومك كثير وقيل أراد به الليل أي من لم يكن النهار عنده الا إذا بان له العقالان طال ليله وكثر نومه والصواب ما اختاره القاضي والله أعلم قوله ( ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رئيهما ) هذه اللفظة ضبطت على ثلاثة أوجه أحدها رئيهما براء مكسورة ثم همزة ساكنة ثم ياء ومعناه منظرهما ومنه قول الله تعالى أحسن أثاثا ورئيا والثاني زيهما بزاي مكسورة وياء مشددة بلا همزة ومعناه لونهما والثالث ريهما بفتح الراء وكسرها وتشديد الياء قال القاضي هذا غلط هنا لأن الرى التابع من الجن قال فان صح رواية فمعناه مرى والله أعلم 1092 قوله صلى الله عليه وسلم ( ان بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين بن أم مكتوم ) فيه جواز الاذان للصبح قبل طلوع الفجر وفيه جواز الأكل والشرب والجماع وسائر الأشياء إلى طلوع الفجر وفيه جواز أذان الأعمى قال أصحابنا هو جائز فان كان معه بصير كابن أم مكتوم مع بلال فلا كراهة فيه وان لم يكن معه بصير كره للخوف من غلطه وفيه استحباب أذانين للصبح أحدهما قبل الفجر والآخر بعد طلوعه أول الطلوع وفيه اعتماد صوت المؤذن واستدل به مالك والمزنى وسائر من يقبل شهادة الأعمى وأجاب الجمهور عن هذا بأن الشهادة يشترط فيها العلم ولا يحصل علم بالصوت لأن الأصوات تشتبه وأما الاذان ووقت الصلاة فيكفي فيها الظن وفيه دليل لجواز الأكل بعد النيه ولا تفسد نية الصوم بالأكل بعدها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح الأكل إلى طلوع الفجر ومعلوم أن النية لا تجوز بعد طلوع الفجر فدل على أنها سابقة وأن الأكل بعدها لا يضر وهذا هو الصواب المشهور من مذهبنا ومذهب غيرنا وقال بعض أصحابنا متى أكل بعد النية أو جامع فسدت ووجب تجديدها والا فلا يصح صومه وهذا غلط صريح وفيه استحباب السحور وتأخيره وفيه اتخاذ مؤذنين للمسجد الكبير قال أصحابنا وان دعت الحاجة جاز اتخاذ أكثر منهما كما اتخذ عثمان أربعة وان احتاج إلى زيادة على أربعة فالأصح اتخاذهم بحسب الحاجة والمصلحة قوله ( ولم يكن بينهما الا أن ينزل هذا ويرقى هذا ) قال العلماء معناه أن بلالا كان يؤذن قبل الفجر ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه ثم يرقب الفجر فاذا قارب طلوعه نزل فأخبر بن أم مكتوم فيتأهب بن أم مكتوم بالطهارة وغيرها ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال أو نداء بلال من سحوره فانه يؤذن أو قال ينادي ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم ) فلفظة قائمكم منصوبة مفعول يرجع قال الله تعالى فان رجعك الله ومعناه أنه انما يؤذن بليل ليعلمكم بأن الفجر ليس ببعيد فيرد القائم المتهجد إلى راحته لينام غفوة ليصبح نشيطا أو يوتر ان لم يكن أوتر أو يتأهب للصبح ان احتاج إلى طهارة أخرى أو نحو ذلك من مصالحه المترتبة على علمه بقرب الصبح وقوله صلى الله عليه وسلم ويوقظ نائمكم أي ليتأهب للصبح أيضا بفعل ما أراد من تهجد قليل أو ايتار ان لم يكن أوتر أو سحور أن اراد الصوم أو اغتسال أو وضوء أو غير ذلك مما يحتاج إليه قبل الفجر قوله صلى الله عليه وسلم في صفة الفجر ( ليس أن يقول هكذا وهكذا وصوب يده ورفعها حتى يقول هكذا وفرج بين إصبعيه ) وفي الرواية الأخرى ( ان الفجر ليس الذي يقول هكذا وجمع أصابعه ثم نكسها إلى الأرض ولكن الذي يقول هكذا ووضع المسبحة على المسبحة ومد يده ) وفي الرواية الأخرى ( هو المعترض وليس بالمستطيل ) وفي الرواية الأخرى ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا ) قال الراوي يعنى معترضا في هذه الأحاديث بيان الفجر الذي يتعلق به الأحكام وهو الفجر الثاني الصادق والمستطير بالراء وقد سبق في ترجمة الباب بيان الفجرين وفيها أيضا الايضاح في البيان والاشارة لزيادة البيان في التعليم والله أعلم 1094 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يغرن أحدكم نداء بلال من السحور ) ضبطناه بفتح السين وضمها فالمفتوح اسم للمأكول والمضموم اسم للفعل وكلاهما صحيح هنا
1 ( باب فضل السحور وتأكيد استحبابه ( واستحباب تأخيره وتعجيل الفطر )) 1095 قوله صلى الله عليه وسلم ( تسحروا فان في السحور بركة ) روى بفتح السين من السحور وضمها وسبق قريبا بيانهما فيه الحث على السحور وأجمع العلماء على استحبابه وأنه ليس بواجب وأما البركة التي فيه فظاهره لأنه يقوى على الصيام وينشط له وتحصل بسببه الرغبة في الازدياد من الصيام لخفة المشقة فيه على المتسحر فهذا هو الصواب المعتمد في معناه وقيل لأنه يتضمن الاستيقاظ والذكر والدعاء في ذلك الوقت الشريف وقت تنزل الرحمة وقبول الدعاء والاستغفار وربما توضأ صاحبه وصلى أو أدام الاستيقاظ للذكر والدعاء والصلاة أو التأهب لها حتى يطلع الفجر 1096 قوله ( عن موسى بن على ) هو بضم العين على المشهور وقيل بفتحها قوله صلى الله عليه وسلم ( فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر ) معناه الفارق والمميز بين صيامنا وصيامهم السحور فانهم لا يتسحرون ونحن يستحب لنا السحور وأكلة السحر هي السحور وهي بفتح الهمزة هكذا ضبطناه وهكذا ضبطه الجمهور وهو المشهور في روايات بلادنا وهي عبارة عن المرة الواحدة من الأكل كالغدوة والعشوة وان كثر المأكول فيها وأما الأكلة بالضم فهي اللقمة وادعى القاضي عياض أن الرواية فيه بالضم ولعله أراد رواية أهل بلادهم فيها بالضم قال والصواب الفتح لأنه المقصود هنا 1097 قوله ( تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة قلت كم بينهما قال خمسين آية ) معناه بينهما قدر قراءة خمسين آية أو أن يقرأ خمسين وفيه الحث على تأخير السحور إلى قبيل الفجر 1098 قوله صلى الله عليه وسلم ( لايزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ) فيه الحث على تعجيله بعد تحقق غروب الشمس ومعناه لا يزال أمر الأمة منتظما وهم بخير ما داموا محافظين على هذه السنة واذا أخروه كان ذلك علامة على فساد يقعون فيه قوله ( لا يألوا عن الخير ) أي لا يقصر عنه 1 ( باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار ) 1100 قوله صلى الله عليه وسلم ( اذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم ) معناه انقضى صومه وتم ولا يوصف الآن بأنه صائم فان بغروب الشمس خرج النهار ودخل الليل والليل ليس محلا للصوم وقوله صلى الله عليه وسلم أقبل الليل وأدبر النهار وغربت الشمس قال العلماء كل واحد من هذه الثلاثة يتضمن الآخرين ويلازمهما وانما جمع بينها لأنه قد يكون في واد ونحوه بحيث لا يشاهد غروب الشمس فيعتمد اقبال الظلام وادبار الضياء والله أعلم 1101 قوله صلى الله عليه وسلم ( انزل فاجدح لنا فنزل فجدح ) هو بجيم ثم حاء مهملة وهو خلط الشيء بغيره والمراد هنا خلط السويق بالماء وتحريكه حتى يستوى والمجدح بكسر الميم عود مجنح الرأس ليساط به الأشربة وقد يكون له ثلاث شعب قوله ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فلما غابت الشمس قال لرجل أنزل فاجدح لنا فقال يا رسول الله لو أمسيت فقال إنزل فاجدح لنا قال ان علينا نهارا فنزل فجدح فشرب ثم قال اذا رأيتم الليل إلى آخره ) معنى الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا صياما وكان ذلك في شهر رمضان كما صرح به في رواية يحيى بن يحيى فلما غربت الشمس أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالجدح ليفطروا فرأى المخاطب آثار الضياء والحمرة التي بعد غروب الشمس فظن أن الفطر لا يحل الا بعد ذهاب ذلك واحتمل عنده ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرها فأراد تذكيره واعلامه بذلك ويؤيد هذا قوله إن عليك نهارا لتوهمه أن ذلك الضوء من النهار الذي يجب صومه وهو معنى لو أمسيت أي تأخرت حتى يدخل المساء وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده على أن ذلك نهار يحرم فيه الأكل مع تجويزه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى ذلك الضوء نظرا تاما فقصد زيادة الاعلام ببقاء الضوء وفي هذا الحديث جواز الصوم في السفر وتفضيله على الفطر لمن لا تلحقه بالصوم مشقة ظاهرة وفيه بيان انقضاء الصوم بمجرد غروب الشمس واستحباب تعجيل الفطر وتذكير العالم ما يخاف أن يكون نسيه وأن الفطر على التمر ليس بواجب وانما هو مستحب لو تركه جاز وأن الأفضل بعده الفطر على الماء وقد جاء هذا الترتيب في الحديث الآخر في سنن أبي داود وغيره في الأمر بالفطر على تمر فان لم يجد فعلى الماء فانه طهور
1 ( باب النهى عن الوصال ) اتفق أصحابنا على النهى عن الوصال وهو صوم يومين فصاعدا من غير أكل أو شرب بينهما ونص الشافعي وأصحابنا على كراهته ولهم في هذه الكراهة وجهان أصحهما أنها كراهة تحريم والثاني كراهة تنزيه وبالنهي عنه قال جمهور العلماء وقال القاضي عياض اختلف العلماء في أحاديث الوصال فقيل النهى عنه رحمة وتخفيف فمن قدر فلا حرج وقد واصل جماعة من السلف الأيام قال وأجازه بن وهب وأحمد واسحاق إلى السحر ثم حكى عن الأكثرين كراهته وقال الخطابي وغيره من أصحابنا الوصال من الخصائص التي أبيحت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمت على الأمة واحتج لمن اباحه بقوله في بعض طرق مسلم نهاهم عن الوصال رحمة لهم وفي بعضها لما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال لو تأخر الهلال لزدتكم وفي بعضها لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم واحتج الجمهور بعموم النهى وقوله صلى الله عليه وسلم لا تواصلوا وأجابوا على قوله رحمة بأنه لا يمنع ذلك كونه منهيا عنه للتحريم وسبب تحريمه الشفقة عليهم لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم وأما الوصال بهم يوما ثم يوما فاحتمل للمصلحة في تأكيد زجرهم وبيان الحكمة في نهيهم والمفسدة المترتبة على الوصال وهي الملل من العبادة والتعرض للتقصير في بعض وظائف الدين من اتمام الصلاة بخشوعها وأذكارها وآدابها وملازمة الأذكار وسائر الوظائف المشروعة في نهاره وليله والله أعلم 1103 قوله صلى الله عليه وسلم ( أني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ) معناه يجعل الله تعالى في قوة الطاعم الشارب وقيل هو على ظاهره وأنه يطعم من طعام الجنة كرامة له والصحيح الأول لأنه لو أكل حقيقة لم يكن مواصلا ومما يوضح هذا التأويل ويقطع كل نزاع قوله صلى الله عليه وسلم في الرواية التي بعد هذا أني أظل يطعمني ربي ويسقيني ولفظة ظل لا يكون الا في النهار كما سنوضحه قريبا ان شاء الله تعالى ولا يجوز الاكل الحقيقي في النهار بلا شك والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون ) هو بفتح اللام ومعناه خذوا وتحملوا 1104 قوله ( فلما حس النبي صلى الله عليه وسلم أنا خلفه جعل يتجوز في الصلاة ثم دخل رحله ) هكذا هو في جميع النسخ حس بغير ألف ويقع في طرق بعض النسخ أحس بالألف وهذا هو الفصيح الذي جاء به القرآن وأما حس بحذف الألف فلغة قليلة وهذه الرواية تصح على هذه اللغة وقوله يتجوز أي يخفف ويقتصر على الجائز المجزى مع بعض المندوبات والتجوز هنا للمصلحة وقوله دخل رحله اي منزله قال الأزهرى رحل الرجل عند العرب هو منزله سواء كان من حجر أو مدر أو وبر أو شعر وغيرها قوله صلى الله عليه وسلم ( أما والله لو تماد لي الشهر ) هكذا هو في معظم الأصول وفي بعضها تمادى وكلاهما صحيح وهو بمعنى مد في الرواية الأخرى قوله صلى الله عليه وسلم ( يدع المتعمقون تعمقهم ) هم المشددون في الأمور المجاوزون الحدود في قول أو فعل قوله في حديث عاصم بن النضر ( واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول شهر رمضان ) كذا هو في كل النسخ ببلادنا وكذا نقله القاضي عن أكثر النسخ قال وهو وهم من الراوي وصوابه آخر شهر رمضان وكذا رواه بعض رواة صحيح مسلم وهو الموافق للحديث الذي قبله ولباقي الأحاديث 1105 قوله صلى الله عليه وسلم ( أني أظل يطعمنى ربي ويسقيني ) قال أهل اللغة يقال ظل يفعل كذا اذا عمله في النهار دون الليل وبات يفعل كذا اذا عمله في الليل ومنه قول عنترة ولقد أبيت على الطوى وأظله أي أظل عليه فيستفاد من هذه الرواية دلالة للمذهب الصحيح الذي قدمناه في تأويل أبيت يطعمنى ربي لأن ظل لا يكون الا في النهار ) ولا يجوز أن يكون أكلا حقيقيا في النهار والله أعلم