أهم ما يذكر فى الباب اختلاف العلماء فى الايمان والاسلام وعمومهما وخصوصهما وأن الايمان يزيد وينقص أم لا وأن الأعمال من الايمان أم لا وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين القول فى كل ما ذكرناه وأنا أقتصر على نقل أطراف من متفرقات كلامهم يحصل منها مقصود ما ذكرته مع زيادات كثيرة قال الامام أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابى البستى الفقيه الاديب الشافعى المحقق رحمه الله فى كتابه معالم السنن ما أكثر ما يغلط الناس فى هذه المسألة فأما الزهري فقال الاسلام الكلمة والايمان العمل واحتج بالآية يعنى قوله سبحانه وتعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وذهب غيره إلى أن الاسلام والايمان شيء واحد واحتج بقوله تعالى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين قال الخطابى وقد تكلم فى هذا الباب رجلان من كبراء أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين ورد الآخر منهما على المتقدم وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه المئين قال الخطابى والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام فى هذا ولا يطلق وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنا فى بعض الاحوال ولا يكون مؤمنا فى بعضها والمؤمن مسلم فى جميع الاحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا واذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف شيء منها وأصل الايمان التصديق وأصل الاسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مستسلما فى الظاهر غير منقاد فى الباطن وقد يكون صادقا فى الباطن غير منقاد فى الظاهر وقال الخطابى أيضا فى قول النبى صلى الله عليه وسلم الايمان بضع وسبعون شعبة فى هذا الحديث بيان أن الايمان الشرعى اسم لمعنى ذى شعب وأجزاء له أدنى وأعلى والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها والحقيقة تقتضى جميع شعبه وتستوفى جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضى جميع أجزائها وتستوفيها ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم الحياء شعبة من الايمان وفيه اثبات التفاضل فى الايمان وتباين المؤمنين فى درجاته هذا آخر كلام الخطابى وقال الامام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوى الشافعى رحمه الله فى حديث سؤال جبريل صلى الله عليه وسلم عن الايمان والاسلام وجوابه قال جعل النبى صلى الله عليه وسلم الاسلام اسما لما ظهر من الاعمال وجعل الايمان اسما لما بطن من الإعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الايمان والتصديق بالقلب ليس من الاسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم والتصديق والعمل يتناولهما اسم الايمان والاسلام جميعا يدل عليه قوله سبحانه وتعالى إن الدين عند الله الإسلام ورضيت لكم الإسلام دينا ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه فأخبر سبحانه وتعالى أن الدين الذى رضيه ويقبله من عباده هو الاسلام ولا يكون الدين فى محل القبول والرضا الا بانضمام التصديق إلى العمل هذا كلام البغوى وقال الامام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمى الاصبهانى الشافعى رحمه الله فى كتابه التحرير فى شرح صحيح مسلم الايمان فى اللغة هو التصديق فان عنى به ذلك فلا يزيد ولا ينقص لأن التصديق ليس شيئا يتجزأ حتى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى والايمان فى لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان واذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص وهو مذهب أهل السنة قال فالخلاف فى هذا على التحقيق انما هو أن المصدق بقلبه اذا لم يجمع إلى تصديقه العمل بمواجب الايمان هل يسمى مؤمنا مطلقا أم لا والمختار عندنا أنه لا يسمى به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن لأنه لم يعمل بموجب الايمان فيستحق هذا الاطلاق هذا آخر كلام صاحب التحرير وقال الامام أبو الحسن على بن خلف بن بطال المالكى المغربى فى شرح صحيح البخارى مذهب جماعة أهل السنة من سلف الامة وخلفها أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص والحجة على زيادته ونقصانه ما أورده البخارى من الآيات يعنى قوله عز وجل ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم وقوله تعالى وزدناهم هدى وقوله تعالى ويزيد الله الذين اهتدوا هدى وقوله تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى وقوله تعالى ويزداد الذين آمنوا إيمانا وقوله تعالى أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وقوله تعالى فاخشوهم فزادهم إيمانا وقوله تعالى وما زادهم إلا إيمانا وتسليما قال بن بطال فايمان من لم تحصل له الزيادة ناقص قال فان قيل الايمان فى اللغة التصديق فالجواب أن التصديق يكمل بالطاعات كلها فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان ايمانه أكمل وبهذه الجملة يزيد الايمان وبنقصانها ينقص فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الايمان ومتى زادت زاد الايمان كمالا هذا توسط القول فى الايمان وأما التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا ينقص ولذلك توقف مالك رحمه الله فى بعض الروايات عن القول بالنقصان اذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه اذا نقص صار شكا وخرج عن اسم الايمان وقال بعضهم انما توقف مالك عن القول بنقصان الايمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصى من المؤمنين بالذنوب وقد قال مالك بنقصان الايمان مثل قول جماعة أهل السنة قال عبد الرزاق سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثورى ومالك بن أنس وعبيد الله بن عمر والاوزاعى ومعمر بن راشد وبن جريح وسفيان بن عيينة يقولون الايمان قول وعمل يزيد وينقص وهذا قول بن مسعود وحذيفة والنخعى والحسن البصرى وعطاء وطاوس ومجاهد وعبد الله بن المبارك فالمعنى الذى يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو اتيانه بهذه الامور الثلاثة التصديق بالقلب والاقرار باللسان والعمل بالجوارح وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه لا يستحق اسم مؤمن ولو عرفه وعمل وجحد بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم مؤمن وكذلك اذا أقر بالله تعالى وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمنا بالاطلاق وان كان فى كلام العرب يسمى مؤمنا بالتصديق فذلك غير مستحق فى كلام الله تعالى لقوله عز وجل إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا فأخبرنا سبحانه وتعالى أن المؤمن من كانت هذه صفته وقال بن بطال فى باب من قال الايمان هو العمل فان قيل قد قدمتم أن الايمان هو التصديق قيل التصديق هو أول منازل الايمان ويوجب للمصدق الدخول فيه ولا يوجب له استكمال منازله ولا يسمى مؤمنا مطلقا هذا مذهب جماعة أهل السنة أن الايمان قول وعمل قال أبو عبيد وهو قول مالك والثورى والاوزاعى ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين من أهل الحجاز والعراق والشام وغيرهم قال بن بطال وهذا المعنى أراد البخارى رحمه الله اثباته فى كتاب الايمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال باب أمور الايمان وباب الصلاة من الايمان وباب الزكاة من الايمان وباب الجهاد من الايمان وسائر أبوابه وانما أراد الرد على المرجئة فى قولهم ان الايمان قول بلا عمل وتبيين غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة ثم قال بن بطال فى باب آخر قال المهلب الاسلام على الحقيقة هو الايمان الذى هو عقد القلب المصدق لاقرار اللسان الذى لا ينفع عند الله تعالى غيره وقالت الكرامية وبعض المرجئة الايمان هو الاقرار باللسان دون عقد القلب ومن أقوى ما يرد به عليهم اجماع الأمة على اكفار المنافقين وان كانوا قد أظهروا الشهادتين قال الله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله إلى قوله تعالى وتزهق أنفسهم وهم كافرون هذا آخر كلام بن بطال وقال الشيخ الامام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله قوله صلى الله عليه وسلم الاسلام أن تشهد أن لااله الا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا والايمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال هذا بيان لأصل الايمان وهو التصديق الباطن وبيان لأصل الاسلام وهو الاستسلام والانقياد الظاهر وحكم الاسلام فى الظاهر ثبت بالشهادتين وانما أضاف اليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم لكونها أظهر شعائر الاسلام وأعظمها وبقيامه بها يتم استسلامه وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله ثم ان اسم الايمان يتناول ما فسر به الاسلام فى هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذى هو أصل الايمان ومقويات ومتممات وحافظات له ولهذا فسر صلى الله عليه وسلم الايمان فى حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان واعطاء الخمس من المغنم ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو بدل فريضة لأن اسم الشيء مطلقا يقع على الكامل منه ولا يستعمل فى الناقص ظاهرا الا بقيد ولذلك جاز اطلاق نفيه عنه فى قوله صلى الله عليه وسلم لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن واسم الاسلام يتناول أيضا ما هو أصل الايمان وهو التصديق الباطن ويتناول أصل الطاعات فان ذلك كله استسلام قال فخرج مما ذكرناه وحققنا أن الايمان والاسلام يجتمعان ويفترقان وأن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا قال وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة فى الايمان والاسلام التى طالما غلط فيها الخائضون وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو بن الصلاح فاذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف وأئمة الخلف فهي متظاهرة متطابقة على كون الايمان يزيد وينقص وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه وقالوا متى قبل الزيادة كان شكا وكفرا قال المحققون من أصحابنا المتكلمين نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والايمان الشرعى يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الاعمال ونقصانها قالوا وفى هذا توفيق بين ظواهر النصوص التى جاءت بالزيادة وأقاويل السلف وبين أصل وضعه فى اللغة وما عليه المتكلمون وهذا الذى قاله هؤلاء وان كان ظاهرا حسنا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الادلة ولهذا يكون ايمان الصديقين أقوى من ايمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل ايمانهم بعارض بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وان اختلفت عليهم الاحوال وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن انكاره ولا يتشكك عاقل فى أن نفس تصديق أبى بكر الصديق رضى الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس ولهذا قال البخارى فى صحيحه قال بن أبى مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول انه على ايمان جبريل وميكائيل والله أعلم وأما اطلاق اسم الايمان على الاعمال فمتفق عليه عند أهل الحق ودلائله فى الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر قال الله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم أجمعوا على أن المراد صلاتكم وأما الاحاديث فستمر بك فى هذا الكتاب منها جمل مستكثرات والله أعلم واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذى يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد فى النار لا يكون الا من اعتقد بقلبه دين الاسلام اعتقادا جازما خاليا من الشكوك ونطق بالشهادتين فان اقتصر على أحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا الا اذا عجز عن النطق لخلل فى لسانه أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية أو لغير ذلك فانه يكون مؤمنا أما اذا أتى بالشهادتين فلا يشترط معهما أن يقول وأنا بريء من كل دين خالف الاسلام الا اذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى العرب فانه لا يحكم باسلامه الا بأن يتبرأ ومن أصحابنا أصحاب الشافعى رحمه الله من شرط أن يتبرأ مطلقا وليس بشيء أما اذا اقتصر على قوله لا اله الا الله ولم يقل محمد رسول الله فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء أنه لايكون مسلما ومن أصحابنا من قال يكون مسلما ويطالب بالشهادة الاخرى فان أبى جعل مرتدا ويحتج لهذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فاذا قالوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم وهذا محمول عند الجماهير على قول الشهادتين واستغنى بذكر احداهما عن الأخرى لارتباطهما وشهرتهما والله أعلم أما اذا أقر بوجوب الصلاة أو الصوم أو غيرهما من أركان الاسلام وهو على خلاف ملته التى كان عليها فهل يجعل بذلك مسلما فيه وجهان لاصحابنا فمن جعله مسلما قال كل ما يكفر المسلم بانكاره يصير الكافر بالاقرار به مسلما أما اذا أقر بالشهادتين بالعجمية وهو يحسن العربية فهل يجعل بذلك مسلما فيه وجهان لاصحابنا الصحيح منهما أنه يصير مسلما لوجود الاقرار وهذا الوجه هو الحق ولا يظهر للآخر وجه وقد بينت ذلك مستقصى فى شرح المهذب والله أعلم واختلفا العلماء من السلف وغيرهم فى اطلاق الانسان قوله أنا مؤمن فقالت طائفة لا يقول أنا مؤمن مقتصرا عليه بل يقول أنا مؤمن ان شاء الله وحكى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين وذهب آخرون إلى جواز الاطلاق وأنه لايقول ان شاء الله وهذا هو المختار وقول أهل التحقيق وذهب الأوزاعى وغيره إلى جواز الامرين والكل صحيح باعتبارات مختلفة فمن أطلق نظر إلى الحال وأحكام الايمان جارية عليه فى الحال ومن قال ان شاء الله فقالوا فيه هو اما للتبرك واما لاعتبار العاقبة وما قدر الله تعالى فلا يدرى أيثبت على الايمان أم يصرف عنه والقول بالتخيير حسن صحيح نظرا إلى مأخذ القولين الاولين ورفعا لحقيقة الخلاف وأما الكافر ففيه خلاف غريب لاصحابنا منهم من قال يقال هو كافر ولا يقول ان شاء الله ومنهم من قال هو فى التقييد كالمسلم على ما تقدم فيقال على قول التقييد هو كافر ان شاء الله نظرا إلى الخاتمة وأنها مجهولة وهذا القول اختاره بعض المحققين والله أعلم واعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الاهواء والبدع وأن من جحد ما يعلم من دين الاسلام ضرورة حكم بردته وكفره الا أن يكون قريب عهد بالاسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممن يخفى عليه فيعرف ذلك فان استمر حكم بكفره وكذا حكم من استحل الزنى أو الخمر أو القتل أو غير ذلك من المحرمات التى يعلم تحريمها ضرورة فهذه جمل من المسائل المتعلقة بالايمان قدمتها فى صدر الكتاب تمهيدا لكونها مما يكثر الاحتياج إليه ولكثرة تكررها وتردادها فى الاحاديث فقدمتها لأحيل عليها اذا مررت بما يحرج عليها والله أعلم بالصواب وله الحمد والنعمة وبه التوفيق والعصمة قال الامام أبو الحسين مسلم بن الحجاج رضى الله عنه 8 ( حدثنى أبو خيثمة زهير بن حرب ثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر ح وثنا عبيد الله بن معاذ العنبرى وهذا حديثه ثنا أبى ثنا كهمس عن بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال كان أول من قال فى القدر بالبصرة معبد الجهنى إلى آخر الحديث ) اعلم أن مسلما رحمه الله سلك فى هذا الكتاب طريقة في الاتقان والاحتياط والتدقيق والتحقيق مع الاختصار البليغ والايجاز التام فى نهاية من الحسن مصرحة بغزارة علومه ودقة نظره وحذقه وذلك يظهر فى الاسناد تارة وفى المتن تارة وفيهما تارة فينبغى للناظر فى كتابه أن يتنبه لما ذكرته فانه يجد عجائب من النفائس والدقائق تقر بآحاد أفرادها عينه وينشرح لها صدره وتنشطه للاشتغال بهذا العلم واعلم أنه لا يعرف أحد شارك مسلما فى هذه النفائس التى يشير اليها من دقائق علم الاسناد وكتاب البخارى وان كان أصح وأجل وأكثر فوائد فى الاحكام والمعانى فكتاب مسلم يمتاز بزوائد من صنعة الاسناد وسترى مما أنبه عليه من ذلك ما ينشرح له صدرك ويزداد به الكتاب ومصنفه فى قلبك جلالة ان شاء الله تعالى فاذا تقرر ما قلته ففى هذه الاحرف التى ذكرها من الاسناد أنواع مما ذكرته فمن ذلك أنه قال أولا حدثنى أبو خيثمة ثم قال فى الطريق الآخر وحدثنا عبيد الله بن معاذ ففرق بين حدثنى وحدثنا وهذا تنبيه على القاعدة المعروفة عند أهل الصنعة وهى أنه يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ حدثنى وفيما سمعه مع غيره من لفظ الشيخ حدثنا وفيما قرأه وحده على الشيخ أخبرنى وفيما قرئ بحضرته فى جماعة على الشيخ أخبرنا وهذا اصطلاح معروف عندهم وهو مستحب عندهم ولو تركه وأبدل حرفا من ذلك بآخر صح السماع ولكن ترك الأولى والله أعلم ومن ذلك أنه قال فى الطريق الاول حدثنا وكيع عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر ثم فى الطريق الثانى أعاد الرواية عن كهمس عن بن بريدة عن يحيى فقد يقال هذا تطويل لا يليق باتقان مسلم واختصاره فكان ينبغى أن يقف بالطريق الأول على وكيع ويجتمع معاذ ووكيع فى الرواية عن كهمس عن بن بريدة وهذا الاعتراض فاسد لا يصدر الا من شديد الجهالة بهذا الفن فان مسلما رحمه الله يسلك الاختصار لكن بحيث لا يحصل خلل ولا يفوت به مقصود وهذا الموضع يحصل فى الاختصار فيه خلل ويفوت به مقصود وذلك لأن وكيعا قال عن كهمس ومعاذ قال حدثنا كهمس وقد علم بما قدمناه فى باب المعنعن أن العلماء اختلفوا فى الاحتجاج بالمعنعن ولم يختلفوا فى المتصل بحدثنا فأتى مسلم بالروايتين كما سمعتا ليعرف المتفق عليه من المختلف فيه وليكون راويا باللفظ الذى سمعه ولهذا نظائر فى مسلم ستراها مع التنبيه عليها ان شاء الله تعالى وان كان مثل هذا ظاهرا لمن له أدنى اعتناء بهذا الفن الا أنى أنبه عليه لغيرهم ولبعضهم ممن قد يغفل ولكلهم من جهة أخرى وهو أنه يسقط عنهم النظر وتحرير عبارة عن المقصود وهنا مقصود آخر وهو أن في رواية وكيع قال عن عبد الله بن بريدة وفى رواية معاذ قال عن بن بريدة فلو أتى بأحد اللفظين حصل خلل فانه ان قال بن بريدة لم ندر ما اسمه وهل هو عبد الله هذا أو أخوه سليمان بن بريدة وان قال عبد الله بن بريدة كان كاذبا على معاذ فانه ليس فى روايته عبد الله والله أعلم وأما قوله فى الرواية الاولى عن يحيى بن يعمر فلا يظهر لذكره أولا فائدة وعادة مسلم وغيره فى مثل هذا أن لا يذكروا يحيى بن يعمر لأن الطريقين اجتمعتا فى بن بريدة ولفظهما عنه بصيغة واحدة الا أنى رأيت فى بعض النسخ فى الطريق الاولى عن يحيى فحسب وليس فيها بن يعمر فان صح هذا فهو مزيل للانكار الذى ذكرناه فانه يكون فيه فائدة كما قررناه فى بن بريدة والله أعلم ومن ذلك قوله حدثنا عبيد الله بن معاذ وهذا حديثه فهذه عادة لمسلم رحمه الله قد أكثر منها وقد استعملها غيره قليلا وهى مصرحة بما ذكرته من تحقيقه وورعه واحتياطه ومقصوده أن الراويين اتفقا فى المعنى واختلفا فى بعض الالفاظ وهذا لفظ فلان والآخر بمعناه والله أعلم وأما قوله ( ح ) بعد يحيى بن يعمر فى الرواية الاولى فهي حاء التحويل من اسناد إلى اسناد فيقول القارىء اذا انتهى اليها ح قال وحدثنا فلان هذا هو المختار وقد قدمت فى الفصول السابقة بيانها والخلاف فيها والله أعلم فهذا ما حضرنى فى الحال فى التنبيه على دقائق هذا الاسناد وهو تنبيه على ما سواه وأرجو أن يتفطن به لما عداه ولا ينبغى للناظر فى هذا الشرح أن يسأم من شيء من ذلك يجده مبسوطا واضحا فانى انما أقصد بذلك ان شاء الله الكريم الايضاح والتيسير والنصيحة لمطالعه واعانته واغنائه من مراجعة غيره فى بيانه وهذا مقصود الشروح فمن استطال شيئا من هذا وشبهه فهو بعيد من الاتقان مباعد للفلاح فى هذا الشان فليعز نفسه لسوء حاله وليرجع عما ارتكبه من قبيح فعاله ولا ينبغى لطالب التحقيق والتنقيح والاتقان والتدقيق أن يلتفت إلى كراهة أو سآمة ذوى البطالة وأصحاب الغباوة والمهانة والملالة بل يفرح بما يجده من العلم مبسوطا وما يصادفه من القواعد والمشكلات واضحا مضبوطا ويحمد الله الكريم على تيسيره ويدعو لجامعه الساعى فى تنقيحه وايضاحه وتقريره وفقنا الله الكريم لمعالى الامور وجنبنا بفضله جميع أنواع الشرور وجمع بيننا وبين أحبابنا فى دار الحبور والسرور والله أعلم وأما ضبط أسماء المذكورين فى هذا الاسناد فخيثمة بفتح المعجمة واسكان المثناة تحت وبعدها مثلثة وأما كهمس فبفتح الكاف واسكان الهاء وفتح الميم وبالسين المهملة وهو كهمس بن الحسن أبو الحسن التميمى البصرى وأما يحيى بن يعمر فبفتح الميم ويقال بضمها وهو غير مصروف لوزن الفعل كنية يحيى بن يعمر أبو سليمان ويقال أبو سعيد ويقال أبو عدى البصرى ثم المروزى قاضيها من بنى عوف بن بكر بن أسد قال الحاكم أبو عبد الله فى تاريخ نيسابور يحيى بن يعمر فقيه أديب نحوى مبرر أخذ النحو عن أبى الاسود نفاه الحجاج إلى خراسان فقبله قتيبة بن مسلم وولاه قضاء خراسان وأما معبد الجهنى فقال أبو سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور السمعانى التميمى المروزى فى كتابه الانساب الجهنى بضم الجيم نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة نزلت الكوفة وبها محلة تنسب اليهم وبقيتهم نزلت البصرة قال وممن نزل جهينة فنسب اليهم معبد بن خالد الجهنى كان يجالس الحسن البصرى وهو أول من تكلم فى البصرة بالقدر فسلك أهل البصرة بعده مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله قتله الحجاج بن يوسف صبرا وقيل انه معبد بن عبد الله بن عويمر هذا آخر كلام السمعانى وأما البصرة فبفتح الباء وضمها وكسرها ثلاث لغات حكاها الأزهرى والمشهور الفتح ويقال لها البصيرة بالتصغير قال صاحب المطالع ويقال لها تدمر ويقال لها المؤتفكة لأنها ائتفكت بأهلها فى أول الدهر والنسب اليها بصرى بفتح الباء وكسرها وجهان مشهوران قال السمعانى يقال البصرة قبة الاسلام وخزانة العرب بناها عتبة بن غزوان فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه بناها سنة سبع عشرة من الهجرة وسكنها الناس سنة ثمانى عشرة ولم يعبد الصنم قط على أرضها هكذا كان يقول لى أبو الفضل عبد الوهاب بن أحمد بن معاوية الواعظ بالبصرة قال أصحابنا والبصرة داخلة فى أرض سواد العراق وليس لها حكمه والله أعلم وأما قوله أول من قال فى القدر فمعناه أول من قال بنفى القدر فابتدع وخالف الصواب الذى عليه أهل الحق ويقال القدر والقدر بفتح الدال واسكانها لغتان مشهورتان وحكاهما بن قتيبة عن الكسائى وقالهما غيره واعلم أن مذهب أهل الحق اثبات القدر ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الاشياء فى القدم وعلم سبحانه أنها ستقع فى أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدرها ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها وأنها مستأنفة العلم أى انما يعلمها سبحانه بعد وقوعها وكذبوا على الله سبحانه وتعالى وجل عن أقوالهم الباطلة علوا كبيرا وسميت هذه الفرقة قدرية لانكارهم القدر قال أصحاب المقالات من المتكلمين وقد انقرضت القدرية القائلون بهذا القول الشنيع الباطل ولم يبق أحد من أهل القبلة عليه وصارت القدرية فى الأزمان المتأخرة تعتقد اثبات القدر ولكن يقولون الخير من الله والشر من غيره تعالى الله عن قولهم وقد حكى أبو محمد بن قتيبة فى كتابه غريب الحديث وأبو المعالى امام الحرمين فى كتابه الارشاد فى أصول الدين أن بعض القدرية قال لسنا بقدرية بل أنتم القدرية لاعتقادكم اثبات القدر قال بن قتيبة والامام هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة وتواقح فان أهل الحق يفوضون أمورهم إلى الله سبحانه وتعالى ويضيفون القدر والافعال إلى الله سبحانه وتعالى وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم ومدعى الشيء لنفسه ومضيفه اليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه قال الامام وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القدرية مجوس هذه الامة شبههم بهم لتقسيمهم الخير والشر فى حكم الارادة كما قسمت المجوس فصرفت الخير إلى يزدان والشر إلى أهرمن ولا خفاء باختصاص هذا الحديث بالقدرية هذا كلام الامام وبن قتيبة وحديث القدرية مجوس هذه الامة رواه أبو حازم عن بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود فى سننه والحاكم أبو عبد الله فى المستدرك على الصحيحين وقال صحيح على شرط الشيخين ان صح سماع أبى حازم من بن عمر قال الخطابى انما جعلهم صلى الله عليه وسلم مجوسا لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس فى قولهم بالاصلين النور والظلمة يزعمون أن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة فصاروا ثنوية وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر إلى غيره والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر جميعا لا يكون شيء منهما الا بمشيئته فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى خلقا وايجادا والى الفاعلين لهما من عبادة فعلا واكتسابا والله أعلم قال الخطابى وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر اجبار الله سبحانه وتعالى العبد وقهره على ما قدره وقضاه وليس الامر كما يتوهمونه وانما معناه الاخبار عن تقدم علم الله سبحانه وتعالى بما يكون من اكتساب العبد وصدورها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها قال والقدر اسم لما صدر مقدرا عن فعل القادر يقال قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد والقضاء فى هذا معناه الخلق كقوله تعالى فقضاهن سبع سماوات في يومين أى خلقهن قلت وقد تظاهرت الأدلة القطعيات من الكتاب والسنة واجماع الصحابة وأهل الحل والعقد من السلف والخلف على اثبات قدر الله سبحانه وتعالى وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه ومن أحسن المصنفات فيه وأكثرها فوائد كتاب الحافظ الفقيه أبى بكر البيهقى رضى الله عنه وقد قرر أئمتنا من المتكلمين ذلك أحسن تقرير بدلائلهم القطعية السمعية والعقلية والله أعلم قوله ( فوفق لنا عبد الله بن عمر ) هو بضم الواو وكسر الفاء المشددة قال صاحب التحرير معناه جعل وفقا لنا وهو من الموافقة التى هي كالالتحام يقال أتانا لتيفاق الهلال وميفاقه أى حين أهل لا قبله ولا بعده وهى لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام وفى مسند أبى يعلى الموصلى فوافق لنا بزيادة ألف والموافقة المصادفة قوله ( فاكتنفته أنا وصاحبى ) يعنى صرنا فى ناحيتيه ثم فسره فقال أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله وكنفا الطائر جناحاه وفى هذا تنبيه على أدب الجماعة فى مشيهم مع فاضلهم وهو أنهم يكتنفونه ويحفون به قوله ( فظننت أن صاحبى سيكل الكلام إلى ) معناه يسكت ويفوضه إلى لاقدامى وجرأتى وبسطة لسانى فقد جاء عنه فى رواية لأنى كنت أبسط لسانا قوله ( ظهر قبلنا ناس يقرؤن القرآن ويتقفرون العلم ) هو بتقديم القاف على الفاء ومعناه يطلبونه ويتتبعونه هذا هو المشهور وقيل معناه يجمعونه ورواه بعض شيوخ المغاربة من طريق بن ماهان يتفقرون بتقديم الفاء وهو صحيح أيضا معناه يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفيه وروى فى غير مسلم يتفقون بتقديم القاف وحذف الراء وهو صحيح أيضا ومعناه أيضا يتتبعون قال القاضي عياض ورأيت بعضهم قال فيه يتقعرون بالعين وفسره بأنهم يطلبون قعره أى غامضه وخفيه ومنه تقعر فى كلامه اذا جاء بالغريب منه وفى رواية أبى يعلى الموصلى يتفقهون بزيادة الهاء وهو ظاهر قوله ( وذكر من شأنهم ) هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر والظاهر أنه من بن بريدة الراوى عن يحيى بن يعمر يعنى وذكر بن يعمر من حال هؤلاء ووصفهم بالفضيلة فى العلم والاجتهاد فى تحصيله والاعتناء به قوله ( يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف ) هو بضم الهمزة والنون أى مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى وانما يعلمه بعد وقوعه كما قدمنا حكايته عن مذهبهم الباطل وهذا القول قول غلاتهم وليس قول جميع القدرية وكذب قائله وضل وافترى عافانا الله وسائر المسلمين قوله ( قال يعنى بن عمر رضى الله عنهما فاذا لقيت أولئك فأخبرهم أنى بريء منهم وأنهم برآء منى والذى يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ) هذا الذى قاله بن عمر رضى الله عنهما ظاهر فى تكفيره القدرية قال القاضي عياض رحمه الله هذا فى القدرية الاول الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات قال والقائل بهذا كافر بلا خلاف وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة فى الحقيقة قال غيره ويجوز أنه لم يرد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة فيكون من قبيل كفران النعم الا أن قوله ما قبله الله منه ظاهر فى التكفير فان احباط الاعمال انما يكون بالكفر الا أنه يجوز أن يقال فى المسلم لا يقبل عمله لمعصيته وان كان صحيحا كما أن الصلاة فى الدار المغصوبة صحيحة غير محوجة إلى القضاء عند جماهير العلماء بل باجماع السلف وهى غير مقبولة فلا ثواب فيها على المختار عند أصحابنا والله أعلم وقوله فأنفقه يعنى فى سبيل الله تعالى أى طاعته كما جاء فى رواية أخرى قال نفطويه سمى الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى قوله ( لا يرى عليه أثر السفر ) ضبطناه بالياء المثناة من تحت المضمومة وكذلك ضبطناه فى الجمع بين الصحيحين وغيره وضبطه الحافظ أبو حازم العدوى هنا نرى بالنون المفتوحة وكذا هو فى مسند أبى يعلى الموصلى وكلاهما صحيح قوله ( ووضع كفيه على فخذيه ) معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذى نفسه وجلس على هيئة المتعلم والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( الاسلام أن تشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله والايمان أن تؤمن بالله إلى آخره ) هذا قد تقدم بيانه وايضاحه بما يغنى عن اعادته قوله ( فعجبنا له يسأله ويصدقه ) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل انما هذا كلام خبير بالمسئول عنه ولم يكن فى ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبى صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم ( الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك ) هذا من جوامع الكلم التى أوتيها صلى الله عليه وسلم لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام فى عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها الا أتى به فقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله فى جميع أحوالك كعبادتك فى حال العيان فان التتميم المذكور فى حال العيان انما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه فلا يقدم العبد على تقصير فى هذا الحال للاطلاع عليه وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد فينبغى أن يعمل بمقتضاه فمقصود الكلام الحث على الاخلاص فى العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى فى اتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعا من تلبسه بشيء من النقائص احتراما لهم واستحياء منهم فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعا عليه فى سره وعلانيته قال القاضي عياض رحمه الله وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الايمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر والتحفظ من آفات الأعمال حتى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه قال وعلى هذا الحديث وأقسامه الثلاثة ألفنا كتابنا الذى سميناه بالمقاصد الحسان فيما يلزم الانسان اذ لا يشذ شيء من الواجبات والسنن والرغائب والمحظورات والمكروهات عن أقسامه الثلاثة والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ) فيه أنه ينبغى للعالم والمفتى وغيرهما اذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم وأن ذلك لا ينقصه بل يستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه وقد بسطت هذا بدلائله وشواهده وما يتعلق به فى مقدمة شرح المهذب المشتملة على أنواع من الخير لا بد لطالب العلم من معرفة مثلها وادامة النظر فيه والله أعلم قوله ( فأخبرنى عن أماراتها ) هو بفتح الهمزة والأمارة والأمار باثبات الهاء وحذفها هي العلامة قوله صلى الله عليه وسلم ( أن تلد الأمة ربتها ) وفى الرواية الأخرى ربها على التذكير وفى الأخرى بعلها وقال يعنى السراري ومعنى ربها وربتها سيدها ومالكها وسيدتها ومالكتها قال الأكثرون من العلماء هو اخبار عن كثرة السرارى وأولادهن فان ولدها من سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الانسان صائر إلى ولده وقد يتصرف فيه فى الحال تصرف المالكين إما بتصريح أبيه له بالاذن واما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال وقيل معناه أن الاماء يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وهذا قول إبراهيم الحربى وقيل معناه أن تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد فى آخر الزمان فيكثر تردادها فى أيدى المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدرى ويحتمل على هذا القول أن لا يختص هذا بأمهات الاولاد فانه متصور فى غيرهن فان الأمة تلد ولدا حرا من غير سيدها بشبهة أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة فى الصورتين بيعا صحيحا وتدور فى الايدى حتى يشتريها ولدها وهذا أكثر وأعم من تقديره فى أمهات الاولاد وقيل فى معناه غير ما ذكرناه ولكنها أقوال ضعيفة جدا أو فاسدة فتركتها وأما بعلها فالصحيح في معناه أن البعل هو المالك أو السيد فيكون بمعنى ربها على ما ذكرناه قال أهل اللغة بعل الشيء ربه ومالكه وقال بن عباس رضى الله عنهما والمفسرون فى قوله سبحانه وتعالى أتدعون بعلا أى ربا وقيل المراد بالبعل فى الحديث الزوج ومعناه نحو ما تقدم أنه يكثر بيع السرارى حتى يتزوج الانسان أمه وهو لا يدرى وهذا أيضا معنى صحيح الا أن الاول أظهر لانه اذا أمكن حمل الروايتين فى القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى والله أعلم واعلم أن هذا الحديث ليس فيه دليل على اباحة بيع أمهات الاولاد ولا منع بيعهن وقد استدل امامان من كبار العلماء به على ذلك فاستدل أحدهما على الاباحة والآخر على المنع وذلك عجب منهما وقد أنكر عليهما فانه ليس كل ما أخبر صلى الله عليه وسلم بكونه من علامات الساعة يكون محرما أو مذموما فان تطاول الرعاء فى البنيان وفشو المال وكون خمسين امرأة لهن قيم واحد ليس بحرام بلا شك وانما هذه علامات والعلامة لا يشترط فيها شيء من ذلك بل تكون بالخير والشر والمباح والمحرم والواجب وغيره والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان ) أما العالة فهم الفقراء والعائل الفقير والعيلة الفقر وعال الرجل يعيل عيلة أى افتقر والرعاء بكسر الراء وبالمد ويقال فيهم رعاة بضم الراء وزيادة الهاء بلا مد ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون فى البنيان والله أعلم قوله ( فلبث مليا ) هكذا ضبطناه لبث آخرة ثاء مثلثة من غير تاء وفى كثير من الاصول المحققة لبثت بزيادة تاء المتكلم وكلاهما صحيح وأما مليا بتشديد الياء فمعناه وقتا طويلا وفى رواية أبى داود والترمذى أنه قال ذلك بعد ثلاث وفى شرح السنة للبغوى بعد ثالثة وظاهر هذا أنه بعد ثلاث ليال وفى ظاهر هذا مخالفة لقوله فى حديث أبى هريرة بعد هذا ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوا على الرجل فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا فقال النبى صلى الله عليه وسلم هذا جبريل فيحتمل الجمع بينهما أن عمر رضى الله عنه لم يحضر قول النبى صلى الله عليه وسلم لهم فى الحال بل كان قد قام من المجلس فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم الحاضرين فى الحال وأخبر عمر رضى الله عنه بعد ثلاث اذ لم يكن حاضرا وقت اخبار الباقين والله أعلم قوله ( صلى الله عليه وسلم هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ) فيه أن الايمان والاسلام والاحسان تسمى كلها دينا واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعا من العلوم والمعارف والآداب واللطائف بل هو أصل الاسلام كما حكيناه عن القاضي عياض وقد تقدم فى ضمن الكلام فيه جمل من فوائده ومما لم نذكره من فوائده أن فيه أنه ينبغى لمن حضر مجلس العالم اذا علم بأهل المجلس حاجة إلى مسألة لا يسألون عنها أن يسأل هو عنها ليحصل الجواب للجميع وفيه أنه ينبغى للعالم أن يرفق بالسائل ويدنيه منه ليتمكن من سؤاله غير هائب ولا منقبض وانه ينبغى للسائل أن يرفق فى سؤاله والله أعلم قوله ( حدثنى محمد بن عبيد الغبرى وأبو كامل الجحدرى وأحمد بن عبدة ) أما الغبرى فبضم الغين المعجمة وفتح الموحدة وقد تقدم بيانه واضحا فى أول مقدمة الكتاب والجحدرى اسمه الفضيل بن حسين وهو بفتح الجيم وبعدها حاء ساكنة وتقدم أيضا بيانه فى المقدمة وعبدة باسكان الباء وقد تقدم فى الفصول بيان عبدة وعبيدة وفى هذا الاسناد مطر الوراق هو مطر بن طهمان أبو رجاء الخرسانى سكن البصرة كان يكتب المصاحف فقيل له الوراق قوله ( فحججنا حجة ) هي بكسر الحاء وفتحها لغتان فالكسر هو المسموع من العرب والفتح هو القياس كالضربة وشبهها كذا قاله أهل اللغة قوله ( عثمان بن غياث ) هو بالغين المعجمة وحجاج بن الشاعر هو حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفى أبو محمد البغدادى وقد تقدم فى أوائل الكتاب بيانه واتفاقه مع الحجاج بن يوسف الوالى الظالم المعروف وافتراقه وفى الاسناد يونس وقدم تقدم فيه ست لغات ضم النون وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وتركه وفى الاسناد الآخر أبو بكر بن أبى شيبة واسمعيل بن علية وهو إسماعيل بن إبراهيم فى الطريق الاخرى وقد تقدم بيانه وبيان حال أبى بكر بن أبى شيبة وحال أخيه عثمان وأبيهما محمد وجدهما أبى شيبة إبراهيم وأخيهما القاسم وأن اسم أبى بكر عبد الله والله أعلم وفى هذا الاسناد أبو حيان عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلى فأبو حيان بالمثناة تحت واسمه يحيى بن سعيد بن حيان التيمي تيم الرباب الكوفى وأما أبو زرعة فاسمه هرم وقيل عمرو بن عمرو وقيل عبيد الله وقيل عبد الرحمن قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا ) أى ظاهرا ومنه قول الله تعالى وترى الأرض بارزة وبرزوا لله جميعا وبرزت الجحيم ولما برزوا لجالوت قوله صلى الله عليه وسلم ( أن تؤمن بالله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر ) هو بكسر الخاء واختلف فى المراد بالجمع بين الايمان بلقاء الله تعالى والبعث فقيل اللقاء يحصل بالانتقال إلى دار الجزاء والبعث بعده عند قيام الساعة وقيل اللقاء ما يكون بعد البعث عند الحساب ثم ليس المراد باللقاء رؤية الله تعالى فان أحدا لا يقطع لنفسه برؤية الله تعالى لأن الرؤية مختصة بالمؤمنين ولا يدرى الانسان بماذا يختم له وأما وصف البعث بالآخر فقيل هو مبالغة فى البيان والايضاح وذلك لشدة الاهتمام به وقيل سببه أن خروج الانسان إلى الدنيا بعث من الارحام وخروجه من القبر للحشر بعث من الأرض فقيد البعث بالآخر ليتميز والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( الاسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة إلى آخره ) أما العبادة فهي الطاعة مع خضوع فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى والاقرار بوحدانيته فعلى هذا يكون عطف الصلاة والصوم والزكاة عليها لادخالها فى الاسلام فانها لم تكن دخلت فى العبادة وعلى هذا انما اقتصر على هذه الثلاث لكونها من أركان الاسلام وأظهر شعائره والباقى ملحق بها ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا فيدخل جميع وظائف الاسلام فيها فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام تنبيها على شرفه ومزيته كقوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ونظائره وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا تشرك به فانما ذكره بعد العبادة لأن الكفار كانوا يعبدونه سبحانه وتعالى فى الصورة ويعبدون معه أوثانا يزعمون أنها شركاء فنفى هذا والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة وتصوم رمضان ) أما تقييد الصلاة بالمكتوبة فلقوله تعالى إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وقد جاء فى أحاديث وصفها بالمكتوبة كقوله صلى الله عليه وسلم اذا أقيمت الصلاة فلا صلاة الا المكتوبة وأفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل وخمس صلوات كتبهن الله وأما تقييد الزكاة بالمفروضة وهى المقدرة فقيل احتراز من الزكاة المعجلة قبل الحول فانها زكاة وليست مفروضة وقيل انما فرق بين الصلاة والزكاة فى التقييد لكراهة تكرير اللفظ الواحد ويحتمل أن يكون تقييد الزكاة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع فانها زكاة لغوية وأما معنى اقامة الصلاة فقيل فيه قولان أحدهما أنه ادامتها والمحافظة عليها والثانى اتمامها على وجهها قال أبو على الفارسى والأول أشبه قلت وقد ثبت فى الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اعتدلوا فى الصفوف فان تسوية الصف من اقامة الصلاة معناه والله أعلم من اقامتها المأمور بها فى قوله تعالى وأقيموا الصلاة وهذا يرجح القول الثانى والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم وتصوم رمضان ففيه حجة لمذهب الجماهير وهو المختار الصواب أنه لا كراهة فى قول رمضان من غير تقييد بالشهر خلافا لمن كرهه وستأتى المسألة فى كتاب الصيام ان شاء الله تعالى موضحة بدلائلها وشواهدها والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( سأحدثك عن أشراطها ) هي بفتح الهمزة واحدها شرط بفتح الشين والراء والاشراط العلامات وقيل مقدماتها وقيل صغار أمورها قبل تمامها وكله متقارب قوله صلى الله عليه وسلم ( واذا تطاول رعاء البهم ) هو بفتح الباء واسكان الهاء وهى الصغار من أولاد الغنم الضأن والمعز جميعا وقيل أولاد الضأن خاصة واقتصر عليه الجوهرى فى صحاحه والواحدة بهمة قال الجوهرى وهى تقع على المذكر والمؤنث والسخال أولاد المعزى قال فاذا جمعت بينهما قلت بهام وبهم أيضا وقيل ان البهم يختص بأولاد المعز واليه أشار القاضي عياض بقوله وقد يختص بالمعز وأصله كل ما استبهم عن الكلام ومنه البهيمة ووقع فى رواية البخارى رعاء الابل البهم بضم الباء وقال القاضي عياض رحمه الله ورواه بعضهم بفتحها ولا وجه له مع ذكر الابل قال ورويناه برفع الميم وجرها فمن رفع جعله صفة للرعاء أى انهم سود وقيل لاشىء لهم وقال الخطابى هو جمع بهيم وهو المجهول الذى لا يعرف ومنه أبهم الامر ومن جر الميم جعله صفة للابل أى السود لرداءتها والله أعلم قوله ( يعنى السرارى ) هو بتشديد الياء ويجوز تخفيفها لغتان معروفتان الواحدة سرية بالتشديد لا غير قال بن السكيت فى اصلاح المنطق كل ما كان واحده مشددا من هذا النوع جاز فى جمعه التشديد والتخفيف والسرية الجارية المتخذة للوطء مأخوذة من السر وهو النكاح قال الازهرى السرية فعلية من السر وهو النكاح قال وكان أبو الهيثم يقول السر السرور فقيل لها سرية لأنها سرور مالكها قال الازهرى وهذا القول أحسن والأول أكثر قوله 10 ( عن عمارة وهو بن القعقاع ) فعمارة بالضم والقعقاع بفتح القاف الاولى وقوله وهو بن قد قدمنا بيان فائدته فى الفصول وفى المقدمة وأنه لم يقع فى الرواية نسبه فأراد بيانه بحيث لا يزيد فى الرواية على ما سمع والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( سلونى ) هذا ليس بمخالف للنهى عن سؤاله فان هذا المأمور به هو فيما يحتاج إليه وهو موافق لقول الله تعالى فاسألوا أهل الذكر قوله صلى الله عليه وسلم ( واذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها ) المراد بهم الجهلة السفلة الرعاع كما قال سبحانه وتعالى صم بكم عمي أى لما لم ينتفعوا بجوارحهم هذه فكأنهم عدموها هذا هو الصحيح فى معنى الحديث والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( هذا جبريل أراد أن تعلموا إذ لم تسألوا ) ضبطناه على وجهين أحدهما تعلموا بفتح التاء والعين وتشديد اللام أى تتعلموا والثانى تعلموا باسكان العين وهما صحيحان والله أعلم 11
Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي · AR
1 ( باب بيان الصلوات التى هي أحد أركان الاسلام)
فيه قتيبة بن سعيد الثقفى اختلف فيه فقيل قتيبة اسمه وقيل بل هو لقب واسمه علي قاله أبو عبد الله بن منده وقيل اسمه يحيى قاله بن عدى وأما قوله الثقفى فهو مولاهم قيل ان جده جميلا كان مولى للحجاج بن يوسف الثقفى وفيه أبو سهيل عن أبيه اسم أبى سهيل نافع بن مالك بن أبى عامر الأصبحى ونافع عم مالك بن أنس الامام وهو تابعى سمع أنس بن مالك قوله ( رجل من أهل نجد ثائر الرأس ) هو برفع ثائر صفة لرجل وقيل يجوز نصبه على الحال ومعنى ثائر الرأس قائم شعره منتفشه وقوله ( نسمع دوى صوته ولا نفقه ما يقول ) روى نسمع ونفقه بالنون المفتوحة فيهما وروى بالياء المثناة من تحت المضمومة فيهما والاول هو الاشهر الأكثر الاعرف وأما دوى صوته فهو بعده فى الهواء ومعناه شدة صوت لا يفهم وهو بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء هذا هو المشهور وحكى صاحب المطالع فيه ضم الدال أيضا قوله ( هل على غيرها قال لا الا أن تطوع ) المشهور فيه تطوع بتشديد الطاء على ادغام احدى التاءين فى الطاء وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى هو محتمل للتشديد والتخفيف على الحذف قال أصحابنا وغيرهم من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم الا أن تطوع استثناء منقطع ومعناه لكن يستحب لك أن تطوع وجعله بعض العلماء استثناء متصلا واستدلوا به على أن من شرع فى صلاة نفل أو صوم نفل وجب عليه اتمامه ومذهبنا أنه يستحب الاتمام ولا يجب والله أعلم قوله ( فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح ان صدق ) قيل هذا الفلاح راجع إلى قوله لا أنقص خاصة والا ظهر أنه عائد إلى المجموع بمعنى أنه اذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحا لأنه أتى بما عليه ومن أتى بما عليه فهو مفلح وليس فى هذا أنه اذا أتى بزائد لا يكون مفلحا لأن هذا مما يعرف بالضرورة فانه اذا أفلح بالواجب فلأن يفلح بالواجب والمندوب أولى فان قيل كيف قال لا أزيد على هذا وليس فى هذا الحديث جميع الواجبات ولا االمنهيات الشرعية ولا السنن المندوبات فالجواب أنه جاء فى رواية البخارى فى آخر هذا الحديث زيادة توضح المقصود قال فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الاسلام فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد ولا أنقص مما فرض الله تعالى على شيئا فعلى عموم قوله بشرائع الاسلام وقوله مما فرض الله على يزول الاشكال فى الفرائض وأما النوافل فقيل يحتمل أن هذا كان قبل شرعها وقيل يحتمل أنه أراد لا أزيد فى الفرض بتغيير صفته كأنه يقول لا أصلى الظهر خمسا وهذا تأويل ضعيف ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلى النافلة مع أنه لا يخل بشيء من الفرائض وهذا مفلح بلا شك وان كانت مواظبته على ترك السنن مذمومة وترد بها الشهادة الا أنه ليس بعاص بل هو مفلح ناج والله أعلم واعلم انه لم يأت فى هذا الحديث ذكر الحج ولا جاء ذكره فى حديث جبريل من رواية أبى هريرة وكذا غير هذا من هذه الأحاديث لم يذكر فى بعضها الصوم ولم يذكر فى بعضها الزكاة وذكر فى بعضها صلة الرحم وفى بعضها أداء الخمس ولم يقع فى بعضها ذكر الايمان فتفاوتت هذه الاحاديث فى عدد خصال الايمان زيادة ونقصا واثباتا وحذفا وقد أجاب القاضي عياض وغيره رحمهم الله عنها بجواب لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى وهذبه فقال ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو من تفاوت الرواة فى الحفظ والضبط فمنهم من قصر فاقتصر على ما حفظه فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفى ولا اثبات وان كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه الكل فقد بان بما أتى به غيره من الثقات أن ذلك ليس بالكل وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه ألا ترى حديث النعمان بن قوقل الآتى قريبا اختلفت الروايات فى خصاله بالزيادة والنقصان مع أن راوي الجميع راو واحد وهو جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قضية واحدة ثم ان ذلك لا يمنع من ايراد الجميع فى الصحيح لما عرف فى مسألة زيادة الثقة من أنا نقبلها هذا آخر كلام الشيخ وهو تقرير حسن والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( أفلح وأبيه ان صدق ) هذا مما جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه مع قوله صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله وقوله صلى الله عليه وسلم ان الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم وجوابه أن قوله صلى الله عليه وسلم أفلح وأبيه ليس هو حلفا انما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها فى كلامها غير قاصدة بها حقيقة الحلف والنهى انما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف لما فيه من اعظام المحلوف به ومضاهاته به الله سبحانه وتعالى فهذا هو الجواب المرضى وقيل يحتمل أن يكون هذا قبل النهى عن الحلف بغير الله تعالى والله أعلم وفى هذا الحديث أن الصلاة التى هي ركن من أركان الاسلام التى أطلقت فى باقى الأحاديث هي الصلوات الخمس وأنها فى كل يوم وليلة على كل مكلف بها وقولنا بها احتراز من الحائض والنفساء فانها مكلفة بأحكام الشرع الا الصلاة وما ألحق بها مما هو مقرر فى كتب الفقه وفيه أن وجوب صلاة الليل منسوخ فى حق الامة وهذا مجمع عليه واختلف قول الشافعى رحمه الله فى نسخه فى حق رسول الله صلى الله عليه وسلم والأصح نسخه وفيه أن صلاة الوتر ليست بواجبة وأن صلاة العيد أيضا ليست بواجبة وهذا مذهب الجماهير وذهب أبو حنيفة رحمه الله وطائفة إلى وجوب الوتر وذهب أبو سعيد الاصطخرى من أصحاب الشافعى إلى أن صلاة العيد فرض كفاية وفيه أنه لا يجب صوم عاشوراء ولا غيره سوى رمضان وهذا مجمع عليه واختلف العلماء هل كان صوم عاشوراء واجبا قبل ايجاب رمضان أم كان الأمر به ندبا وهما وجهان لأصحاب الشافعى أظهرهما لم يكن واجبا والثانى كان واجبا وبه قال أبو حنيفة رحمه الله وفيه أنه ليس فى المال حق سوى الزكاة على من ملك نصابا وفيه غير ذلك والله أعلم 12
1 ( باب السؤال عن أركان الاسلام )
فيه حديث أنس رضى الله عنه قال نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله تعالى أرسلك قال صدق إلى آخر الحديث قوله ( نهينا أن نسأل ) يعنى سؤال ما لا ضرورة إليه كما قدمنا بيانه قريبا فى الحديث الآخر سلونى أى عما تحتاجون إليه وقوله ( الرجل من أهل البادية ) يعنى من لم يكن بلغه النهى عن السؤال وقوله ( العاقل ) لكونه أعرف بكيفية السؤال وآدابه والمهم منه وحسن المراجعة فان هذه أسباب عظم الانتفاع بالجواب ولأن أهل البادية هم الاعراب ويغلب فيهم الجهل والجفاء ولهذا جاء فى الحديث من بدا جفا والبادية والبدو بمعنى وهو ما عدا الحاضرة والعمران والنسبة اليها بدوى والبداوة الاقامة بالبادية وهى بكسر الباء عند جمهور أهل اللغة وقال أبو زيد هي بفتح الباء قال ثعلب لا أعرف البداوة بالفتح الا عن أبى زيد قوله ( فقال يا محمد ) قال العلماء لعل هذا كان قبل النهى عن مخاطبته صلى الله عليه وسلم باسمه قبل نزول قول الله عز وجل لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا على أحد التفسيرين أى لا تقولوا يا محمد بل يا رسول الله يا نبى الله ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية ولم تبلغ الآية هذا القائل وقوله ( زعم رسولك أنك تزعم أن الله تعالى أرسلك قال صدق ) فقوله زعم وتزعم مع تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم اياه دليل على أن زعم ليس مخصوصا بالكذب والقول المشكوك فيه بل يكون أيضا فى القول المحقق والصدق الذى لاشك فيه وقد جاء من هذا كثير فى الاحاديث وعن النبى صلى الله عليه وسلم قال زعم جبريل كذا وقد أكثر سيبويه وهو امام العربية فى كتابه الذى هو امام كتب العربية من قوله زعم الخليل زعم أبو الخطاب يريد بذلك القول المحقق وقد نقل ذلك جماعات من أهل اللغة وغيرهم ونقله أبو عمر الزاهد فى شرح الفصيح عن شيخه أبى العباس ثعلب عن العلماء باللغة من الكوفيين والبصريين والله أعلم ثم اعلم أن هذا الرجل الذى جاء من أهل البادية اسمه ضمام بن ثعلبة بكسر الضاد المعجمة كذا جاء مسمى فى رواية البخارى وغيره قوله ( قال فمن خلق السماء قال الله قال فمن خلق الأرض قال الله قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل قال الله قال فبالذى خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات فى يومنا وليلتنا قال صدق قال فبالذى أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم ) هذه جملة تدل على أنواع من العلم قال صاحب التحرير هذا من حسن سؤال هذا الرجل وملاحة سياقته وترتيبه فانه سأل أولا عن صانع المخلوقات من هو ثم أقسم عليه به أن يصدقه فى كونه رسولا للصانع ثم لما وقف على رسالته وعلمها أقسم عليه بحق مرسله وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رصين ثم ان هذه الأيمان جرت للتأكيد وتقرير الأمر لا لافتقاره اليها كما أقسم الله تعالى على أشياء كثيرة هذا كلام صاحب التحرير قال القاضي عياض والظاهر أن هذا الرجل لم يأت الا بعد اسلامه وانما جاء مستثبتا ومشافها للنبى صلى الله عليه وسلم والله أعلم وفى هذا الحديث جمل من العلم غير ما تقدم منها أن الصلوات الخمس متكررة فى كل يوم وليلة وهو معنى قوله فى يومنا وليلتنا وأن صوم شهر رمضان يجب فى كل سنة قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله وفيه دلالة لصحة ما ذهب إليه أئمة العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحق جزما من غير شك وتزلزل خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قرر ضماما على ما اعتمد عليه فى تعرف رسالته وصدقه ومجرد اخباره اياه بذلك ولم ينكر عليه ذلك ولا قال يجب عليك معرفة ذلك بالنظر فى معجزاتى والاستدلال بالأدلة القطعية هذا كلام الشيخ وفى هذا الحديث العمل بخبر الواحد وفيه غير ذلك والله أعلم
1 ( باب بيان الايمان الذى يدخل به الجنة ( وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة )
فيه حديث أبى أيوب وأبى هريرة وجابر رضى الله عنهم أما حديثا أبى أيوب وأبى هريرة فرواهما أيضا البخارى وأما حديث جابر فانفرد به مسلم أما ألفاظ الباب فأبو أيوب اسمه خالد بن زيد الانصارى وأبو هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو ثلاثين قولا وقد تقدم بيانه بزيادات فى مقدمة الكتاب قول مسلم رحمه الله تعالى ( حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ثنا أبى ثنا عمرو بن عثمان ثنا موسى بن طلحة حدثنى أبو أيوب وفى الطريق الآخر حدثنى محمد بن حاتم وعبد الرحمن بن بشر قالا ثنا بهز قال ثنا شعبة قال ثنا محمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب وأبوه عثمان أنهما سمعا موسى بن طلحة ) هكذا هو فى جميع الاصول فى الطريق الأول عمرو بن عثمان وفى الثانى محمد بن عثمان واتفقوا على أن الثانى وهم وغلط من شعبة وأن صوابه عمرو بن عثمان كما فى الطريق الأول قال الكلاباذى وجماعات لا يحصون من أهل هذا الشان هذا وهم من شعبة فانه كان يسميه محمدا وانما هو عمرو وكذا وقع على الوهم من رواية شعبة فى كتاب الزكاة من البخارى والله أعلم وموهب بفتح الميم والهاء واسكان الواو بينهما قوله ( أن أعرابيا ) هو بفتح الهمزة وهو البدوى أى الذى يسكن البادية وقد تقدم قريبا بيانها قوله ( فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها ) هما بكسر الخاء والزاى قال الهروى فى الغريبين قال الازهرى الخطام هو الذى يخطم به البعير وهو أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان فيجعل فى أحد طرفيه حلقة يسلك فيها الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة ثم يقلد البعير ثم يثنى على مخطمه فاذا ضفر من الأدم فهو جرير فاما الذى يجعل فى الأنف دقيقا فهو الزمام هذا ) كلام الهروى عن الأزهرى وقال صاحب المطالع الزمام للابل ما تشد به رؤسها من حبل وسير ونحوه لتقاد به والله أعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( لقد وفق هذا ) قال أصحابنا المتكلمون التوفيق خلق قدرة الطاعة والخذلان خلق قدرة المعصية قوله صلى الله عليه وسلم ( تعبد الله لا تشرك به شيئا ) قد تقدم بيان حكمة الجمع بين هذين اللفظين وتقدم بيان المراد باقامة الصلاة وسبب تسميتها مكتوبة وتسمية الزكاة مفروضة وبيان قوله لاأزيد ولا أنقص وبيان اسم أبى زرعة الراوى عن أبى هريرة وأنه هرم وقيل عمرو وقيل عبد الرحمن وقيل عبيد الله قوله صلى الله عليه وسلم ( وتصل الرحم ) أى تحسن إلى أقاربك ذوى رحمك بما تيسر على حسب حالك وحالهم من انفاق أو سلام أو زيادة أو طاعتهم أو غير ذلك وفى الرواية الاخرى وتصل ذا رحمك وقد تقدم بيان جواز اضافة ذى إلى المفردات فى آخر المقدمة وقوله صلى الله عليه وسلم ( دع الناقة ) انما قاله لأنه كان ممسكا بخطامها أو زمامها ليتمكن من سؤاله بلا مشقة فلما حصل جوابه قال دعها قوله ( حدثنا أبو الاحوص عن أبى إسحاق قد تقدم بيان اسميهما فى مقدمة الكتاب فأبو الاحوص سلام بالتشديد بن سليم وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعى قوله صلى الله عليه وسلم ( ان تمسك بما أمر به دخل الجنة ) كذا هو فى معظم الاصول المحققة وكذا ضبطناه أمر بضم الهمزة وكسر الميم وبه بباء موحدة مكسورة مبنى لما لم يسم فاعله وضبطه الحافظ أبو عامر العبدرى أمرته بفتح الهمزة وبالتاء المثناة من فوق التى هي ضمير المتكلم وكلاهما صحيح والله أعلم وأما ذكره صلى الله عليه وسلم صلة الرحم في هذا الحديث وذكر الأوعية فى حديث وفد عبد القيس وغير ذلك فى غيرهما فقال القاضي عياض وغيره رحمهم الله ذلك بحسب ما يخص السائل ويعنيه والله أعلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم 14 ( من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ) فالظاهر منه أن النبى صلى الله عليه وسلم علم أنه يوفى بما التزم وأنه يدوم على ذلك ويدخل الجنة 15 وأما قول مسلم فى حديث جابر ( حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وأبو كريب قالا ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر ) فهذا اسناد كلهم كوفيون الا جابرا وأبا سفيان فان جابرا مدنى وأبا سفيان واسطى ويقال مكى وقد تقدم أن اسم أبى بكر بن أبى شيبة عبد الله بن محمد بن إبراهيم وابراهيم هو أبو شيبة وأما أبو كريب فاسمه محمد بن العلاء الهمدانى باسكان الميم وبالدال المهملة وأبو معاوية محمد بن خازم بالخاء المعجمة والاعمش سليمان بن مهران أبو محمد وأبو سفيان طلحة بن نافع القرشى مولاهم وقد تقدم أن فى سين سفيان ثلاث لغات الضم والكسر والفتح وقول الاعمش عن أبى سفيان مع أن الاعمش مدلس والمدلس اذا قال عن لا يحتج به الا أن يثبت سماعه من جهة أخرى وقد قدمنا فى الفصول وفى شرح المقدمة أن ما كان فى الصحيحين عن المدلسين بعن فمحمول على ثبوت سماعهم من جهة أخرى والله أعلم قوله ( أتى النعمان بن قوقل النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت اذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أأدخل الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ) أما قوقل فبقافين مفتوحتين بينهما واو ساكنة وآخره لام وأما قوله وحرمت الحرام فقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى الظاهر أنه أراد به أمرين أن يعتقده حراما وأن لا يفعله بخلاف تحليل الحلال فانه يكفى فيه مجرد اعتقاده حلالا قوله ( عن الاعمش عن أبى صالح ) تقدم فى أوائل مقدمة الكتاب أن اسم أبى صالح ذكوان ( قول الحسن بن أعين ثنا معقل وهو بن عبيد الله عن أبى الزبير ) أما أعين فهو بفتح الهمزة وبالعين المهملة وآخره نون وهو الحسن بن محمد بن أعين القرشى مولاهم أبو على الحرانى والأعين من فى عينيه سعة وأما معقل فبفتح الميم واسكان العين المهملة وكسر القاف وأما أبو الزبير فهو محمد بن مسلم بن تدرس بمثناة فوق مفتوحة ثم دال مهملة ساكنة ثم راء مضمومة ثم سين مهملة وقوله وهو بن عبيد الله قد تقدم مرات بيان فائدته وهو أنه لم يقع فى الرواية لفظة بن عبيد الله فأراد ايضاحه بحيث لا يزيد فى الرواية 16
1 ( باب بيان أركان الاسلام ودعائمه العظام )
قال مسلم رحمه الله ( حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمدانى ثنا أبو خالد يعنى سليمان بن حيان الاحمر عن أبى مالك الاشجعى عن سعد بن عبيدة عن بن عمر رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال بنى الاسلام على خمسة على أن يوحد الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة وصيام رمضان والحج فقال رجل الحج وصيام رمضان فقال لا صيام رمضان والحج هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى الرواية الثانية بنى الاسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه واقام الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وفى الرواية الثالثة بنى الاسلام على خمس شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وفى الرواية الرابعة أن رجلا قال لعبد الله بن عمر رضى الله عنهما ألا تغزو فقال انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الاسلام بنى على خمس شهادة ان لا اله الا الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصيام رمضان وحج البيت ) أما الاسناد الأول المذكور هنا فكله كوفيون الا عبد الله بن عمر رضى الله عنهما فانه مكى مدنى وأما الهمدانى فباسكان الميم وبالدال المهملة وضبط هذا للاحتياط واكمال الايضاح والا فهو مشهور معروف وأيضا فقد قدمت فى آخر الفصول أن جميع ما فى الصحيحين فهو همدانى بالاسكان والمهملة وأما حيان فبالمثناة وتقدم أيضا فى الفصول بيان ضبط هذه الصورة وأما أبو مالك الاشجعى فهو سعد بن طارق المسمى فى الرواية الثانية وأبوه صحابى وأما ضبط ألفاظ المتن فوقع فى الاصول بنى الاسلام على خمسة فى الطريق الاول والرابع بالهاء فيها وفى الثانى والثالث خمس بلا هاء وفى بعض الاصول المعتمدة فى الرابع بلا هاء وكلاهما صحيح والمراد برواية الهاء خمسة أركان أو أشياء أو نحو ذلك وبرواية حذف الهاء خمس خصال أو دعائم أو قواعد أو نحو ذلك والله أعلم وأما تقديم الحج وتأخيره ففى الرواية الاولى والرابعة تقديم الصيام وفى الثانية والثالثة تقديم الحج ثم اختلف العلماء فى انكار بن عمر على الرجل الذى قدم الحج مع أن بن عمر رواه كذلك كما وقع فى الطريقين المذكورين والاظهر والله أعلم أنه يحتمل أن بن عمر سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم مرتين مرة بتقديم الحج ومرة بتقديم الصوم فرواه أيضا على الوجهين فى وقتين فلما رد عليه الرجل وقدم الحج قال بن عمر لا ترد على ما لا علم لك به ولا تعترض بما لا تعرفه ولا تقدح فيما لا تتحققه بل هو بتقديم الصوم هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في هذا نفى لسماعه على الوجه الآخر ويحتمل أن بن عمر كان سمعه مرتين بالوجهين كما ذكرنا ثم لما رد عليه الرجل نسى الوجه الذى رده فأنكره فهذان الاحتمالان هما المختاران فى هذا وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى محافظة بن عمر رضى الله عنهما على ما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهيه عن عكسه تصلح حجة لكون الواو تقتضى الترتيب وهو مذهب كثير من الفقهاء الشافعيين وشذوذ من النحويين ومن قال لا تقتضى الترتيب وهو المختار وقول الجمهور فله أن يقول لم يكن ذلك لكونها تقتضى الترتيب بل لأن فرض صوم رمضان نزل فى السنة الثانية من الهجرة ونزلت فريضة الحج سنة ست وقيل سنة تسع بالتاء المثناة فوق ومن حق الأول أن يقدم فى الذكر على الثانى فمحافظة بن عمر رضى الله عنهما لهذا وأما رواية تقديم الحج فكأنه وقع ممن كان يرى الرواية بالمعنى ويرى أن تأخير الأول أو الأهم فى الذكر شائع فى اللسان فتصرف فيه بالتقديم والتأخير لذلك مع كونه لم يسمع نهى بن عمر رضى الله عنهما عن ذلك فافهم ذلك فانه من المشكل الذى لم أرهم بينوه هذا آخر كلام الشيخ أبى عمرو بن الصلاح وهذا الذى قاله ضعيف من وجهين احدهما ان الروايتين قد ثبتتا فى الصحيح وهما صحيحتان فى المعنى لا تنافى بينهما كما قدمنا ايضاحه فلا يجوز ابطال احداهما الثانى أن فتح باب احتمال التقديم والتأخير فى مثل هذا قدح فى الرواة والروايات فانه لو فتح ذلك لم يبق لنا وثيق بشيء من الروايات الا القليل ولا يخفى بطلان هذا وما يترتب عليه من المفاسد وتعلق من يتعلق به ممن فى قلبه مرض والله أعلم ثم اعلم أنه وقع فى رواية أبى عوانة الاسفراينى فى كتابه المخرج على صحيح مسلم وشرطه عكس ما وقع فى مسلم من قول الرجل لابن عمر قدم الحج فوقع فيه أن بن عمر رضى الله عنهما قال للرجل اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله لايقاوم هذه الرواية ما رواه مسلم قلت وهذا محتمل أيضا صحته ويكون قد جرت القضية مرتين لرجلين والله أعلم وأما اقتصاره فى الرواية الرابعة على احدى الشهادتين فهو اما تقصير من الراوى فى حذف الشهادة الأخرى التى أثبتها غيره من الحفاظ واما أن يكون وقعت الرواية من أصلها هكذا ويكون من الحذف للاكتفاء بأحد القرينتين ودلالته على الآخر المحذوف والله أعلم وقوله صلى الله عليه وسلم على أن يوحد الله هو بضم الياء المثناة من تحت وفتح الحاء مبنى لما لم يسم فاعله أما اسم الرجل الذى رد عليه بن عمر رضى الله عنهما تقديم الحج فهو يزيد بن بشر السكسكى ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادى فى كتابه الأسماء المبهمة وأما قوله ألا تغزو فهو بالتاء المثناة من فوق للخطاب ويجوز أن يكتب تغزوا بالألف وبحذفها فالأول قول الكتاب المتقدمين والثانى قول بعض المتأخرين وهو الأصح حكاهما بن قتيبة فى أدب الكاتب وأما جواب بن عمر له بحديث بنى الاسلام على خمس فالظاهر أن معناه ليس الغزو بلازم على الأعيان فان الاسلام بنى على خمس ليس الغزو منها والله أعلم ثم ان هذا الحديث أصل عظيم فى معرفة الدين وعليه اعتماده وقد جمع أركانه والله أعلم 17
1 ( باب الامر بالايمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وحفظه وتبليغه من لم يبلغه)