1 ( باب النهي عن الإصرار على اليمين فيما ( يتأذى به أهل الحالف مما ليس بحرام ) ) 1655 قوله صلى الله عليه وسلم ( لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي فرض الله ) أما قوله صلى الله عليه وسلم لأن فبفتح اللام وهو لام القسم وقوله صلى الله عليه وسلم يلج هو بفتح الياء واللام وتشديد الجيم وآثم بهمزة ممدودة وثاء مثلثة أي أكثر إثما ومعنى الحديث أنه إذا حلف يمينا تتعلق بأهله ويتضررون بعدم حنثه ويكون الحنث ليس بمعصية فينبغي له أن يحنث فيفعل ذلك الشيء ويكفر عن يمينه فإن قال لا أحنث بل أتورع عن إرتكاب الحنث وأخاف الإثم فيه فهو مخطئ بهذا القول بل استمراره في عدم الحنث وادامة الضرر على أهله أكثر إثما من الحنث واللجاج في اللغة هو الإصرار على الشيء فهذا مختصر بيان معنى الحديث ولا بد من تنزيله على ما إذا كان الحنث ليس بمعصية كما ذكرنا وأما قوله صلى الله عليه وسلم ) آثم فخرج على لفظ المفاعلة المقتضية للإشتراك في الإثم لأنه قصد مقابلة اللفظ على زعم الحالف وتوهمه فإنه يتوهم أن عليه إثما في الحنث مع أنه لا إثم عليه فقال صلى الله عليه وسلم الإثم عليه في اللجاج أكثر لو ثبت الإثم والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب 1 ( باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم ) 1656 فيه حديث عمر رضي الله عنه أنه نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية وفي رواية نذر اعتكاف يوم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أوف بنذرك اختلف العلماء في صحة نذر الكافر فقال مالك وأبو حنيفة وسائر الكوفيين وجمهور أصحابنا لا يصح وقال المغيرة المخزومي وأبو ثور والبخاري وبن جرير وبعض أصحابنا يصح وحجتهم ظاهر حديث عمر وأجاب الأولون عنه أنه محمول على الإستحباب أي يستحب لك أن تفعل الآن مثل ذلك الذي نذرته في الجاهلية وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه في صحة الاعتكاف بغير صوم وفي صحته بالليل كما يصح بالنهار سواء كانت ليلة واحدة أو بعضها أو أكثر ودليله حديث عمر هذا وأما الرواية التي فيها اعتكاف يوم فلا تخالف رواية اعتكاف ليلة لأنه يحتمل أنه سأله عن اعتكاف ليلة وسأله عن اعتكاف يوم فأمره بالوفاء بما نذر فحصل منه صحة اعتكاف الليل وحده ويؤيده رواية نافع عن بن عمر أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فقال له أوف بنذرك فاعتكف عمر ليلة رواه الدارقطني وقال اسناده ثابت هذا مذهب الشافعي وبه قال الحسن البصري وأبو ثور وداود وبن المنذر وهو أصح الروايتين عن أحمد قال بن المنذر وهو مروى عن علي وبن مسعود وقال بن عمر وبن عباس وعائشة وعروة بن الزبير والزهري ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق في رواية عنهما لا يصح إلا بصوم وهو قول أكثر العلماء قوله ( ذكر عند بن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانه فقال لم يعتمر منها ) هذا محمول على نفي علمه أي أنه لم يعلم ذلك وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة والإثبات مقدم على النفي لما فيه من زيادة العلم وقد ذكر مسلم في كتاب الحج إعتمار النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة عام حنين من رواية أنس رضي الله عنه والله أعلم 1 ( باب صحبة المماليك )
Nevevî — el-Minhâc (Müslim şerhi)
أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي · AR
1657 قوله صلى الله عليه وسلم ( من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه ) قال العلماء في هذا الحديث الرفق بالمماليك وحسن صحبتهم وكف الأذى عنهم وكذلك في الأحاديث بعده وأجمع المسلمون على أن عتقه بهذا ليس واجبا وإنما هو مندوب رجاء كفارة ذنبه فيه إزالة إثم ظلمه ومما استدلوا به لعدم وجوب اعتاقه حديث سويد بن مقرن بعده أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم حين لطم أحدهم خادمهم بعتقها قالوا ليس لنا خادم غيرها قال فليستخدموها فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها قال القاضي عياض وأجمع العلماء أنه لا يجب إعتاق العبد لشيء مما يفعله به مولاه مثل هذا الأمر الخفيف قال واختلفوا فيما كثر من ذلك وشنع من ضرب مبرح منهك لغير موجب لذلك أو حرقه بنار أو قطع عضوا له أو أفسده أو نحو ذلك مما فيه مثلة فذهب مالك وأصحابه والليث إلى عتق العبد على سيده بذلك ويكون ولاؤه له ويعاقبه السلطان على فعله وقال سائر العلماء لا يعتق عليه واختلف أصحاب مالك فيما لو حلق رأس الأمة أو لحية العبد واحتج مالك بحديث بن عمرو بن العاص في الذي جب عبده فأعتقه النبي صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم ( من ضرب غلاما له حدا لم يأته أو لطمه فإن كفارته أن يعتقه هذه الرواية مبينة أن المراد بالأولى من ضربه بلا ذنب ولا ) على سبيل التعليم والأدب قوله ( أن بن عمر أعتق مملوكا فأخذ من الأرض عودا أو شيئا فقال ما فيها من الأجر ما يسوي هذا إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه ) هكذا وقع في معظم النسخ ما يسوى وفي بعضها ما يساوى بالألف وهذه هي اللغة الصحيحة المعروفة والأولى عدها أهل اللغة في لحن العوام وأجاب بعض العلماء عن هذه اللفظة بأنها تغيير من بعض الرواة لا أن بن عمر نطق بها ومعنى كلام بن عمر أنه ليس في اعتاقه أجر المعتق تبرعا وإنما عتقه كفارة لضربه وقيل هو إستثناء منقطع وقيل بل هو متصل ومعناه ما أعتقته إلا لأني سمعت كذا قوله ( لطمت مولى لنا فهربت ثم جئت قبيل الظهر 1658 فصليت خلف أبي فدعاه ودعاني ثم قال امتثل منه فعفا ) قوله امتثل قيل معناه عاقبه قصاصا وقيل افعل به مثل ما فعل بك وهذا محمول على تطييب نفس المولى المضروب وإلا فلا يجب القصاص في الله ونحوها وإنما واجبه التعزير لكنه تبرع فأمكنه من القصاص فيها وفيه الرفق بالموالي واستعمال التواضع قوله ( ليس لنا إلا خادم واحدة ) هكذا هو في جميع النسخ والخادم بلا هاء يطلق على الجارية كما يطلق على الرجل ولا يقال خادمة بالهاء إلا في لغة شاذة قليلة أوضحتها في تهذيب الأسماء واللغات قوله ( هلال بن يساف ) هو بفتح الياء وكسرها ويقال أيضا أساف قوله ( عجز عليك إلا حر وجهها ) معناه عجزت ولم تجد أن تضرب إلا حر وجهها وحر الوجه صفحته ومارق من بشرته وحر كل شيء أفضله وأرفعه قيل ويحتمل أن يكون مراده بقوله عجز عليك أي امتنع عليك وعجز بفتح الجيم على اللغة الفصيحة وبها جاء القرآن أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ويقال بكسرها قوله ( فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نعتقها ) هذا محمول على أنهم كلهم رضوا بعتقها وتبرعوا به وإلا فاللطمة إنما كانت من واحد منهم فسمحوا له بعتقها تكفيرا لذنبه قوله ( أما علمت أن الصورة محرمة ) فيه إشارة إلى ما صرح به في الحديث الآخر إذا ضرب أحدكم العبد فليجتنب الوجه اكراما له لأن فيه محاسن الإنسان وأعضاءه اللطيفة وإذا حصل فيه شين أو أثر كان أقبح قوله في حديث أبي مسعود ( أنه ضرب 1659 غلامه بالسوط فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام ) فيه الحث على الرفق بالمملوك والوعظ والتنبيه على إستعمال العفو وكظم الغيظ والحكم كما يحكم الله على عباده قوله ( حدثنا محمد بن حميد المعمري ) هو بفتح الميم واسكان العين قيل له المعمري لأنه رحل إلى معمر بن راشد وقيل لأنه كان يتبع أحاديث معمر قوله ( عن أبي مسعود أنه كان يضرب غلامه فجعل يقول أعوذ بالله فجعل يضربه فقال أعوذ برسول الله فتركه ) قال العلماء لعله لم يسمع إستعاذته الأولى لشدة غضبه كما لم يسمع نداء النبي صلى الله عليه وسلم أو يكون لما إستعاذ برسول الله صلى الله عليه وسلم تنبه لمكانه قوله صلى الله عليه وسلم ( من قذف 1660 مملوكه بالزنى يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال ) فيه إشارة إلى أنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا وهذا مجمع عليه لكن يعزر قاذفه لأن العبد ليس بمحصن وسواء في هذا كله من هو كامل الرق وليس فيه سبب حرية والمدبر والمكاتب وأم الولد ومن بعضه حر هذا في حكم الدنيا أما في حكم الآخرة فيستوفي له الحد من قاذفه لاستواء الأحرار والعبيد في الآخرة قوله ( سمعت أبا القاسم نبي التوبة ) قال القاضي وسمى بذلك لأنه بعث صلى الله عليه وسلم بقبول التوبة بالقول والإعتقاد وكانت توبة من قبلنا بقتل أنفسهم قال ويحتمل أن يكون المراد بالتوبة الإيمان والرجوع عن الكفر إلى الإسلام وأصل التوبة الرجوع قوله عن المعرور 1661 بن سويد هو بالعين المهملة وبالراء المكررة قوله لو جمعت بينهما كانت حلة انما قال ذلك لأن الحلة عند العرب ثوبان ولا تطلق على ثوب واحد قوله في حديث أبي ذر ( كان بيني وبين رجل من اخواني كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية ) أما قوله رجل من اخواني فمعناه رجل من المسلمين والظاهر أنه كان عبدا وإنما قال من اخواني لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أخوانكم خولكم فمن كان أخوه تحت يده قوله صلى الله عليه وسلم فيك جاهلية أي هذا التعيير من أخلاق الجاهلية ففيك خلق من أخلاقهم وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه شيء من أخلاقهم ففيه النهي عن التعيير وتنقيص الآباء والأمهات وأنه من أخلاق الجاهلية قوله ( قلت يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية ) معنى كلام أبي ذر الإعتذار عن سبه أم ذلك الإنسان يعني أنه سبني ومن سب إنسانا سب ذلك الإنسان أبا الساب وأمه فأنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال هذا من أخلاق الجاهلية وإنما يباح للمسبوب أن يسب الساب نفسه بقدر ما سبه ولا يتعرض لأبيه ولا لأمه قوله صلى الله عليه وسلم ( هم أخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم ) الضمير في هم أخوانكم يعود إلى المماليك والأمر بإطعامهم مما يأكل السيد والباسهم مما يلبس محمول على الإستحباب لا على الإيجاب وهذا باجماع المسلمين وأما فعل أبي ذر في كسوة غلامه مثل كسوته فعمل بالمستحب وإنما يجب على السيد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو دونه أو فوقه حتى لو قتر السيد على نفسه تقتيرا خارجا عن عادة أمثاله إما زهدا وإما شحا لا يحل له التقتير على المملوك والزامه وموافقته إلا برضاه وأجمع العلماء على أنه لا يجوز أن يكلفه من العمل مالا يطيقه فإن كان ذلك لزمه إعانته بنفسه أو بغيره قوله ( فإن كلفة ما يغلبه فليبعه ) وفي رواية فليعنه عليه وهذه الثانية هي الصواب الموافقة لباقي الروايات وقد قيل أن هذا الرجل المسبوب هو بلال المؤذن 1662 قوله صلى الله عليه وسلم ( للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) هو موافق لحديث أبي ذر وقد شرحناه والكسوة بكسر الكاف وضمها لغتان الكسر أفصح وبه جاء القرآن ونبه بالطعام والكسوة على سائر المؤن التي يحتاج إليها العبد والله أعلم قوله صلى الله 1663 عليه وسلم ( إذا صنع لأحدكم خادمه طعامه ثم جاءه به وقد ولى حره ودخانه فليقعده معه فليأكل فإن كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين ) قال داود يعني لقمة أو لقمتين أما الأكلة فبضم الهمزة وهي اللقمة كما فسره وأما المشفوه فهو القليل لأن الشفاه كثرت عليه حتى صار قليلا قوله صلى الله عليه وسلم مشفوها قليلا أي قليلا بالنسبة إلى من اجتمع عليه وفي هذا الحديث الحث على مكارم الأخلاق والمواساة في الطعام لا سيما في حق من صنعه أو حمله لأنه ولى حره ودخانه وتعلقت به نفسه وشم رائحته وهذا كله محمول على الإستحباب قوله صلى الله عليه وسلم ( العبد إذا نصح 1664 لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين ) وفي الرواية الأخرى للعبد المملوك المصلح أجران فيه فضيلة ظاهرة للمملوك المصلح وهو الناصح لسيده والقائم بعبادة ربه المتوجهة عليه وأن له أجرين لقيامه بالحقين ولانكساره بالرق 1665 وأما قول أبي هريرة في هذا الحديث لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك ففيه أن المملوك لا جهاد عليه ولا حج لأنه غير مستطيع وأراد ببر أمه القيام بمصلحتها في النفقة والمؤن والخدمة ونحو ذلك مما لا يمكن فعله من الرقيق قوله ( وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه لصحبتها ) المراد به حج التطوع لأنه قد كان حج حجة الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فقدم بر الأم على حج التطوع لأن برها فرض فقدم على التطوع ومذهبنا ومذهب مالك أن للأب والأم منع الولد من حجة التطوع دون حجة الفرض قوله ( قال 1666 كعب ليس عليه حساب ولا على مؤمن مزهد ) المزهد بضم الميم واسكان الزاي ومعناه قليل المال والمراد بهذا الكلام أن العبد إذا أدى حق الله تعالى وحق مواليه فليس عليه حساب لكثرة أجره وعدم معصيته وهذا الذي قاله كعب يحتمل أنه أخذه بتوقيف ويحتمل أنه بالإجتهاد لأن من رجحت حسناته وأوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا قوله 1667 صلى الله عليه وسلم ( نعما للملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده ) أما نعما ففيها ثلاث لغات قرئ بهن في السبع إحداها كسر النون مع إسكان العين والثانية كسرهما والثالثة فتح النون مع كسر العين والميم مشددة في جميع ذلك أي نعم شيء هو ومعناه نعم ماهو فأدغمت الميم في الميم قال القاضي ورواه العذري نعما بضم النون منونا وهو صحيح أي له مسرة وقرة عين يقال نعما له ونعمة له قوله صلى الله عليه وسلم ( يحسن عبادة الله ) هو بضم أول يحسن وعبادة منصوبة والصحابة هنا بمعنى الصحبة قوله صلى الله عليه وسلم ( من أعتق شركا له من مملوك فعليه عتقه كله ) وذكر حديث الإستسعاء وقد سبقت هذه الأحاديث في كتاب العتق مبسوطة بطرقها وعجب من إعادة مسلم لها ها هنا على خلاف عادته من غير ضرورة إلى إعادتها وسبق هناك شرحها قوله صلى الله عليه وسلم ( قوم عليه في ماله قيمة عدل لا وكس ولا شطط ) قال العلماء الوكس الغش والبخس وأما الشطط فهو الجور يقال شط الرجل وأشط واستشط إذا جار وأفرط وأبعد في مجاوزة الحد والمراد يقوم بقيمة عدل لا بنقص ولا بزيادة قوله صلى الله عليه وسلم ( من أعتق شقيصا من مملوك ) هكذا هو في معظم النسخ شقيصا بالياء وفي بعضها شقصا بحذفها وكذا سبق في كتاب العتق وهما لغتان شقص وشقيص كنصف ونصيف أي نصيب قوله 1668 ( إن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فجزأهم أثلاثا ثم اقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولا شديدا ) وفي رواية أن رجلا من الأنصار أوصى عند موته فأعتق ستة مملوكين قوله فجزأهم هو بتشديد الزاي وتخفيفها لغتان مشهورتان ذكرهما بن السكيت وغيره ومعناه قسمهم وأما قوله وقال له قولا شديدا فمعناه قال في شأنه قولا شديدا كراهية لفعله وتغليظا عليه وقد جاء في رواية أخرى تفسير هذا القول الشديد قال لو علمنا ما صلينا عليه وهذا محمول على أن النبي صلى الله عليه وسلم وحده كان يترك الصلاة عليه تغليظا وزجرا لغيره على مثل فعله وأما أصل الصلاة عليه فلا بد من وجودها من بعض الصحابة وفي هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وبن جرير والجمهور في إثبات القرعة في العتق ونحوه وأنه إذا أعتق عبيدا في مرض موته أو أوصى بعتقهم ولا يخرجون من الثلث أقرع بينهم فيعتق ثلثهم بالقرعة وقال أبو حنيفة القرعة باطلة لا مدخل لها في ذلك بل يعتق من كل واحد قسطه ويستسعى في الباقي لأنها خطر وهذا مردود بهذا الحديث الصحيح وأحاديث كثيرة وقوله في الحديث فأعتق اثنين وارق أربعة صريح في الرد على أبي حنيفة وقد قال بقول أبي حنيفة الشعبي والنخعي وشريح والحسن وحكى أيضا عن بن المسيب قوله في الطريق الأخير ( حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عمران بن حصين ) هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم فقال لم يسمعه بن سيرين من عمران فيما يقال وإنما سمعه من خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران قاله بن المديني قلت وليس في هذا تصريح بأن بن سيرين لم يسمع من عمران ولو ثبت عدم سماعه منه لم يقدح ذلك في صحة هذا الحديث ولم يتوجه على الأمام مسلم فيه عتب لأنه إنما ذكره متابعة بعد ذكره الطرق الصحيحة الواضحة وقد سبق لهذا نظائر والله أعلم بالصواب
1 ( باب جواز بيع المدبر ) 997 قول ه ( إن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه ) معنى أعتقه عن دبر أي دبره فقال له أنت حر بعد موتي وسمى هذا تدبيرا لأنه يحصل العتق فيه في دبر الحياة وأما هذا الرجل الأنصاري فيقال له أبو مذكور وإسم الغلام المدبر يعقوب وفي هذا الحديث دلالة لمذهب الشافعي وموافقيه أنه يجوز بيع المدبر قبل موت سيده لهذا الحديث قياسا على الموصى بعتقه فإنه يجوز بيعه بالإجماع وممن جوزه عائشة وطاوس وعطاء والحسن ومجاهد وأحمد واسحاق وأبو ثور وداود رضي الله عنهم وقال أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما وجمهور العلماء والسلف من الحجازيين والشاميين والكوفيين رحمهم الله تعالى لا يجوز بيع المدبر قالوا وإنما باعه النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على سيده وقد جاء في رواية للنسائي والدار قطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أقض به دينك قالوا وإنما دفع إليه ثمنه ليقضي به دينه وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره فرد تصرفه قال هذا القائل وكذلك يرد تصرف من تصدق بكل ماله وهذا ضعيف بل باطل والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى الأشبه عندي أنه فعل ذلك نظرا له إذا لم يترك لنفسه مالا والصحيح ما قدمناه أن الحديث ) على ظاهره وأنه يجوز بيع المدبر بكل حال مالم يمت السيد والله أعلم وأجمع المسلمون على صحة التدبير ثم مذهب الشافعي ومالك والجمهور أنه يحسب عتقه من الثلث وقال الليث وزفر رحمهما الله تعالى هو من رأس المال وفي هذا الحديث نظر الإمام في مصالح رعيته وأمره أياهم بما فيه الرفق بهم وبأبطالهم ما يضرهم من تصرفاتهم التي يمكن فسخها وفيه جواز البيع فيمن يدبر وهو مجمع عليه الآن وقد كان فيه خلاف ضعيف لبعض السلف قوله ( واشتراه نعيم بن عبد الله ) وفي رواية فاشتراه بن النحام بالنون المفتوحة والحاء المهملة المشددة هكذا هو في جميع النسخ بن النحام بالنون قالوا وهو غلط وصوابه فاشتراه النحام فإن المشتري هو نعيم وهو النحام سمي بذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة لنعيم والنحمة الصوت وقيل هي السلعة وقيل النحنحة والله أعلم 1 ( كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات ) 1 ( باب القسامة )
1669 ذكر مسلم حديث حويصة ومحيصة باختلاف ألفاظه وطرقه حين وجد محيصة بن عمه عبد الله بن سهل قتيلا بخيبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأوليائه تحلفون خمسين يمينا وتستحقون صاحبكم أو قاتلكم وفي رواية تستحقون قاتلكم أو صاحبكم أما حويصة ومحيصة فبتشديد الياء فيهما وبتخفيفها لغتان مشهورتان وقد ذكرهما القاضي أشهرهما التشديد قال القاضي حديث القسامة أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الأحكام وركن من أركان مصالح العباد وبه أخذ العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار الحجازيين والشاميين والكوفيين وغيرهم رحمهم الله تعالى وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به وروى عن جماعة أبطال القسامة وأنه لا حكم لها ولا عمل بها وممن قال بهذا سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والحكم بن عيينة وقتادة وأبو قلابة ومسلم بن خالد وبن علية والبخاري وغيرهم وعن عمر بن عبد العزيز روايتان كالمذهبين واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمدا هل يجب القصاص بها فقال معظم الحجازيين يجب وهو قول الزهري وربيعة وأبي الزناد ومالك وأصحابه والليث ) والأوزاعي وأحمد واسحاق وأبي ثور وداود وهو قول الشافعي في القديم وروى عن بن الزبير وعمر بن عبد العزيز قال أبو الزناد قلنا بها وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون أني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان وقال الكوفيون والشافعي رضي الله عنه في أصح قولية لا يجب بها القصاص وإنما تجب الدية وهو مروي عن الحسن البصري والشعبي والنخعي وعثمان الليثي والحسن بن صالح وروى أيضا عن أبي بكر وعمر وبن عباس ومعاوية رضي الله عنهم واختلفوا فيمن يحلف في القسامة فقال مالك والشافعي والجمهور يحلف الورثة ويجب الحق بحلفهم خمسين يمينا واحتجوا بهذا الحديث الصحيح وفيه التصريح بالإبتداء بيمين المدعي وهو ثابت من طرق كثيرة صحاح لا تندفع قال مالك الذي أجمعت عليه الأئمة قديما وحديثا أن المدعين يبدؤن في القسامة ولأن جنبة المدعي صارت قوية باللوث قال القاضي وضعف هؤلاء رواية من روى الإبتداء بيمين المدعى عليهم قال أهل الحديث هذه الرواية وهم من الراوين لأنه أسقط الإبتداء بيمين المدعي ولم يذكر رد اليمين ولأن من روى الإبتداء بالمدعين معه زيادة ورواياتها صحاح من طرق كثيرة مشهورة فوجب العمل بها ولا تعارضها رواية من نسى وقال كل من لم يوجب القصاص واقتصر على الدية يبدأ بيمين المدعي عليهم إلا الشافعي وأحمد فقالا بقول الجمهور أنه يبدأ بيمين المدعي فإن نكل ردت على المدعي عليه وأجمع العلماء على أنه لا يجب قصاص ولا دية بمجرد الدعوى حتى تقترن بها شبهة يغلب الظن بها واختلفوا في هذه الشبهة المعتبرة الموجبة للقسامة ولها سبع صور الأولى أن يقول المقتول في حياته دمي عند فلان وهو قتلني أو ضربني وإن لم يكن به أثر أو فعل بي هذا من إنفاذ مقاتلي أو جرحني ويذكر العمد فهذا موجب للقسامة عند مالك والليث وادعى مالك رضي الله عنه أنه مما أجمع عليه الأئمة قديما وحديثا قال القاضي ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار غيرهما ولا روى عن غيرهما وخالف في ذلك العلماء كافة فلم ير أحد غيرهما في هذا أقسامه واشترط بعض المالكية وجود الأثر والجرح في كونه قسامة واحتج مالك في ذلك بقضية بني إسرائيل وقوله تعالى فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى قالوا فحيي الرجل فأخبر بقاتله واحتج أصحاب مالك أيضا بأن تلك حالة يطلب بها غفلة الناس فلو شرطنا الشهادة وأبطلنا قول المجروح أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالبا قالوا ولأنها حالة يتحرى فيها المجروح الصدق ويتجنب الكذب والمعاصي ويتزود البر والتقوى فوجب قبول قوله واختلف المالكية في أنه هل يكتفي في الشهادة على قوله بشاهد أم لابد من اثنين الثانية اللوث من غير بينة على معاينة القتل وبهذا قال مالك والليث والشافعي ومن اللوث شهادة العدل وحده وكذا قول جماعة ليسوا عدولا الثالثة إذا شهد عدلان بالجرح فعاش بعده أياما ثم مات قبل أن يفيق منه قال مالك والليث هو لوث وقال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنه لاقسامة هنا بل يجب القصاص بشهادة العدلين الرابعة يوجد المتهم عند المقتول أو قريبا منه أو آتيا من جهته ومعه آلة القتل وعليه أثره من لطخ دم وغيره وليس هناك سبع ولا غيره مما يمكن إحالة القتل عليه أو تفرق جماعة عن قتيل فهذا لوث موجب للقسامة عند مالك والشافعي الخامسة أن يقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل ففيه القسامة عند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وعن مالك رواية لإقسامه بل فيه دية على الطائفة الأخرى إن كان من أحد الطائفتين وإن كان من غيرهما فعلى الطائفتين ديته السادسة يوجد الميت في زحمة الناس قال الشافعي تثبت فيه القسامة وتجب بها الدية وقال مالك هو هدر وقال الثوري واسحاق تجب دية في بيت المال وروى مثله عن عمر وعلى السابعة أن يوجد في محلة قوم أو قبيلتهم أو مسجدهم فقال مالك والليث والشافعي وأحمد وداود وغيرهم لا يثبت بمجرد هذا قسامة بل القتل هدر لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محله طائفة لينسب إليهم قال الشافعي ألا أن يكون في محلة أعدائه لا يغالطهم غيرهم فيكون كالقصة التي جرت بخيبر فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة لورثة القتيل لما كان بين الأنصار وبين اليهود من العداوة ولم يكن هناك سواهم وعن أحمد نحو قول الشافعي وقال أبو حنيفة والثوري ومعظم الكوفيين وجود القتيل في المحلة والقرية يوجب القسامة ولا تثبت القسامة عندهم في شيء من الصور السبع السابقة إلا هنا لأنها عندهم هي الصورة التي حكم النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالقسامة ولا قسامة عندهم إلا إذا وجد القتيل وبه أثر قالوا فإن وجد القتيل في المسجد حلف أهل المحلة ووجبت الدية في بيت المال وذلك إذا ادعوا على أهل المحلة وقال الأوزاعي وجود القتيل في المحلة يوجب القسامة وإن لم يكن عليه أثر ونحوه عن داود هذا آخر كلام القاضي والله أعلم قوله ( فذهب عبد الرحمن يتكلم قبل صاحبه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر الكبر في السن فصمت وتكلم صاحباه وتكلم معهما ) معنى هذا أن المقتول هو عبد الله وله أخ اسمه عبد الرحمن ولهما ابنا عم وهما محيصة وحويصة وهما أكبر سنا من عبد الرحمن فلما أراد عبد الرحمن أخو القتيل أن يتكلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم كبر أي يتكلم أكبر منك واعلم أن حقيقة الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن لا حق فيها لإبني عمه وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتكلم الأكبر وهو حويصة لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى بل سماع صورة القصة وكيف جرت فإذا أراد حقيقة الدعوى تكلم صاحبها ويحتمل أن عبد الرحمن وكل حويصة في الدعوى ومساعدته أو أمر بتوكيله وفي هذا فضيلة السن عند التساوي في الفضائل ولهذا نظائر فإنه يقدم بها في الإمامة وفي ولاية النكاح ندبا وغير ذلك وقوله الكبر في السن معناه يريد الكبر في السن والكبر منصوب باضمار يريد ونحوها وفي بعض النسخ للكبر باللام وهو صحيح قوله صلى الله عليه وسلم ( أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم أو قاتلكم ) قد يقال كيف عرضت اليمين على الثلاثة وإنما يكون اليمين للوارث خاصة والوارث عبد الرحمن خاصة وهو أخو القتيل وأما الآخران فابنا عم لا ميراث لهما مع الأخ والجواب أنه كان معلوما عندهم أن اليمين تختص بالوارث فأطلق الخطاب لهم والمراد من تختص به اليمين واحتمل ذلك لكونه معلوما للمخاطبين كما سمع كلام الجميع في صورة قتله وكيفية ما جرى له وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة مختصة بالوارث وأما قوله صلى الله عليه وسلم فتستحقون قاتلكم أو صاحبكم فمعناه يثبت حقكم على من حلفتم عليه وهل ذلك الحق قصاص أو دية فيه الخلاف السابق بين العلماء واعلم أنهم إنما يجوز لهم الحلف إذا علموا أو ظنوا ذلك وإنما عرض عليهم النبي صلى الله عليه وسلم اليمين أن وجد فيهم هذا الشرط وليس المراد الإذن لهم في الحلف من غير ظن ولهذا قالوا كيف نحلف ولم نشهد قوله صلى الله عليه وسلم ( فتبرئكم يهود بخمسين يمينا ) أي تبرأ إليكم من دعواكم بخمسين يمينا وقيل معناه يخلصونكم من اليمين بأن يحلفوا فإذا حلفوا انتهت الخصومة ولم يثبت عليهم شيء وخلصتم أنتم من اليمين وفي هذا دليل لصحة يمين الكافر والفاسق ويهود مرفوع غير منون لا ينصرف لأنه إسم للقبيلة والطائفة ففيه التأنيث والعلمية قوله ( إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عقله ) أي ديته وفي الرواية الأخرى فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله وفي رواية من عنده فقوله وداه بتخفيف الدال أي دفع ديته وفي رواية فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه مائة من إبل الصدقة إنما وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعا للنزاع واصلاحا لذات البين فإن أهل القتيل لا يستحقون إلا أن يحلفوا أو يستحلفوا المدعى عليهم وقد امتنعوا من الأمرين وهم مكسورون بقتل صاحبهم فأراد صلى الله عليه وسلم جبرهم وقطع المنازعة واصلاح ذات البين بدفع ديته من عنده وقوله فوداه من عنده يحتمل أن يكون من خالص ماله في بعض الأحوال صادف ذلك عنده ويحتمل أنه من مال بيت المال ومصالح المسلمين وأما قوله في الرواية الأخيرة من ابل الصدقة فقد قال بعض العلماء أنها غلط من الرواة لأن الصدقة المفروضة لا تصرف هذا المصرف بل هي لأصناف سماهم الله تعالى وقال الإمام أبو إسحاق المروزي من أصحابنا يجوز صرفها من ابل الزكاة لهذا الحديث فأخذ بظاهره وقال جمهور أصحابنا وغيرهم معناه اشتراه من أهل الصدقات بعد أن ملكوها ثم دفعها تبرعا إلى أهل القتيل وحكى القاضي عن بعض العلماءأنه يجوز صرف الزكاة في مصالح العامة وتأول هذا الحديث عليه وتأوله بعضهم على أن أولياء القتيل كانوا محتاجين ممن تباح لهم الزكاة وهذا تأويل باطل لأن هذا قدر كثير لا يدفع إلى الواحد الحامل من الزكاة بخلاف أشراف القبائل ولأنه سماه دية وتأوله بعضهم على أنه دفعه من سهم المؤلفة من الزكاة استئلافا لليهود لعلهم يسلمون وهذا ضعيف لأن الزكاة لا يجوز صرفها إلى كافر فالمختار ما حكيناه عن الجمهور أنه اشتراها من ابل الصدقة وفي هذا الحديث أنه ينبغي للإمام مراعاة المصالح العامة والإهتمام باصلاح ذات البين وفيه اثبات القسامة وفيه الإبتداء بيمين المدعي في القسامة وفيه رد اليمين على المدعى عليه إذا نكل المدعى في القسامة وفيه جواز الحكم على الغائب وسماع الدعوى في الدماء من غير حضور الخصم وفيه جواز اليمين بالظن وإن لم يتيقن وفيه أن الحكم بين المسلم والكافر يكون بحكم الإسلام قوله صلى الله عليه وسلم ( يقسم خمسون منكم على رجل منهم ) هذا مما يجب تأويله لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصة لا على غيره من القبيلة وتأويله عند أصحابنا أن معناه يؤخذ منكم خمسون يمينا والحالف هم الورثة فلا يحلف أحد من الأقارب غير الورثة يحلف كل الورثة ذكورا كانوا أو إناثا سواء كان القتل عمدا أو خطأ هذا مذهب الشافعي وبه قال أبو ثور وبن المنذر ووافقنا مالك فيما إذا كان القتل خطأ وأما في العمد فقال يحلف الأقارب خمسين يمينا ولا تحلف النساء ولا الصبيان ووافقه ربيعة والليث والأوزاعي وأحمد وداود وأهل الظاهر واحتج الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم تحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم فجعل الحالف هو المستحق للدية والقصاص ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئا فدل أن المراد على حلف من يستحق الدية قوله صلى الله عليه وسلم ( يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته ) الرمة بضم الراء الحبل والمراد هنا الحبل الذي يربط في رقبة القاتل ويسلم فيه إلى ولي القتيل وفي هذا دليل لمن قال أن القسامة يثبت فيها القصاص وقد سبق بيان مذهب العلماء فيه وتأوله القائلون لا قصاص بأن المراد أن يسلم ليستوفى منه الدية لكونها ثبتت عليه وفيه أن القسامة إنما تكون على واحد وبه قال مالك وأحمد وقال أشهب وغيره يحلف الأولياء على ما شاء وأولا يقتلوا إلا واحدا وقال الشافعي رضي الله عنه أن ادعوا على جماعة حلفوا عليهم وثبتت عليهم الدية على الصحيح عند الشافعي وعلى قول أنه يجب القصاص عليهم وإن حلفوا على واحد استحقوا عليه وحده قوله ( فدخلت مربدا لهم يوما فركضتني ناقة من تلك الابل ركضة برجلها ) المربد بكسر الميم وفتح الباء هو الموضع الذي يجتمع فيه الابل وتحبس والربد الحبس ومعنى ركضتني رفستني وأراد بهذا الكلام أنه ضبط الحديث وحفظه حفظا بليغا قوله ( فوجد في شربة ) بفتح الشين المعجمة والراء وهو حوض يكون في أصل النخلة وجمعه شرب كثمرة وثمر قوله ( لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض ) المراد بالفريضة هنا الناقة من تلك النوق المفروضة في الدية وتسمى المدفوعة في الزكاة أو في الدية فريضة لأنها مفروضة أي مقدرة بالسن والعدد وأما قول المازري أن المراد بالفريضة هنا الناقة الهرمة فقد غلط فيه والله أعلم قوله ( فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه فوداه مائة من ابل الصدقة ) هذا آخر الفوات الذي لم يسمعه إبراهيم بن سفيان من مسلم وقد قدمنا بيان أوله وقوله عقيب هذا حدثني إسحاق بن منصور قال أخبرنا بشر بن عمر قال سمعت مالك بن أنس يقول حدثني أبو ليلى هو أول سماع إبراهيم بن سفيان من مسلم من هذا الموضع هكذا هو في معظم النسخ وفي نسخة الحافظ بن عساكر أن آخر الفوات آخر حديث إسحاق بن منصور هذا الذي ذكرناه وأول السماع قوله عقبه حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى والأول أصح قوله ( وطرح في عين أو فقير ) الفقير هنا على لفظ الفقير في الآدميين والفقير هنا البئر القريبة القعر الواسعة الفم وقيل هو الحفيرة التي تكون حول النخل قوله صلى الله عليه وسلم ( إما أن يدوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب ) معناه أن ثبت القتل عليهم بقسامتكم فأما أن يدوا صاحبكم أي يدفعوا إليكم ديته وإما أن يعلمونا أنهم ممتنعون من التزام أحكامنا فينتقض عهدهم ويصيرون حربا لنا وفيه دليل لمن يقول الواجب بالقسامة الدية دون القصاص قوله خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم هو بفتح الجيم وهو الشدة والمشقة والله أعلم
1 ( باب حكم المحاربين والمرتدين )
1671 فيه حديث العرنيين أنهم قدموا المدينة وأسلموا واستوخموها وسقمت أجسامهم فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى ابل الصدقة فخرجوا فصحوا فقتلوا الراعي وارتدوا عن الإسلام وساقوا الذود فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا هذا الحديث أصل في عقوبة المحاربين وهو موافق لقول الله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض واختلف العلماء في المراد بهذه الآية الكريمة فقال مالك هي على التخيير فيخير الإمام بين هذه الأمور إلا أن يكون المحارب قد قتل فيتحتم قتله وقال أبو حنيفة وأبو مصعب المالكي الإمام بالخيار وإن قتلوا وقال الشافعي وآخرون هي على التقسيم فإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا وإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا فإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف فإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا شيئا ولم يقتلوا طلبوا حتى يعزروا وهو المراد بالنفي عندنا قال أصحابنا لأن ضرر هذه الأفعال مختلف فكانت عقوباتها مختلفة ولم تكن للتخيير وتثبت أحكام المحاربة في الصحراء وهل تثبت في الأمصار فيه خلاف قال أبو حنيفة لا تثبت وقال مالك والشافعي تثبت قال القاضي عياض رضي الله عنه واختلف العلماء في معنى حديث العرنيين هذا فقال بعض السلف كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة فهو منسوخ وقيل ليس منسوخا وفيهم نزلت آية المحاربة وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم ما فعل قصاصا لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك وقد رواه مسلم في بعض طرقه ورواه بن إسحاق وموسى ) بن عقبه وأهل السير والترمذي وقال بعضهم النهي عن المثلة نهى تنزيه ليس بحرام وأما قوله يستسقون فلا يسقون فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك ولا نهى عن سقيهم قال القاضي وقد أجمع المسلمون على أن من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع الماء قصدا فيجمع عليه عذابان قلت قد ذكر في هذا الحديث الصحيح أنهم قتلوا الرعاة وارتدوا عن الإسلام وحينئذ لا يبقى لهم حرمة في سقى الماء ولا غيره وقد قال أصحابنا لا يجوز لمن معه من الماء ما يحتاج إليه للطهارة أن يسقيه لمرتد يخاف الموت من العطش ويتيمم ولو كان ذميا أو يهيمة وجب سقيه ولم يجز الوضوء به حينئذ والله أعلم قوله ( أن ناسا من عرينة ) هي بضم العين المهملة وفتح الراء وآخرها نون ثم هاء وهي قبيلة معروفة قوله ( قدموا المدينة فاجتووها ) هي بالجيم والمثناة فوق ومعناه استوخموها كما فسره في الرواية الأخرى أي لم توافقهم وكرهوها لسقم أصابهم قالوا وهو مشتق من الجوى وهو داء في الجوف قوله صلى الله عليه وسلم ( إن شئتم أن تخرجوا إلى ابل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها فافعلوا فصحوا ) في هذا الحديث أنها ابل الصدقة وفي غير مسلم أنها لقاح النبي صلى الله عليه وسلم وكلاهما صحيح فكان بعض الابل للصدقة وبعضها للنبي صلى الله عليه وسلم واستدل أصحاب مالك وأحمد بهذا الحديث أن بول ما يؤكل لحمة وروثه طاهران وأجاب أصحابنا وغيرهم من القائلين بنجاستهما بأن شربهم الأبوال كان للتداوي وهو جائز بكل النجاسات سوى الخمر والمسكرات فإن قيل كيف أذن لهم في شرب لبن الصدقة فالجواب أن البانها للمحتاجين من المسلمين وهؤلاء إذ ذاك منهم قوله ( ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم ) وفي بعض الأصول المعتمدة الرعاء وهما لغتان يقال راع ورعاه كقاض وقضاة وراع ورعاء بكسر الراء وبالمد مثل صاحب وصحاب قوله ( وسمل أعينهم ) هكذا هو في معظم النسخ سمل باللام وفي بعضها سمر بالراء والميم مخففة وضبطناه في بعض المواضع في البخاري سمر بتشديد الميم ومعنى سمل باللام نقاها وأذهب ما فيها ومعنى سمر بالراء كحلها بمسامير محمية وقيل هما بمعنى قوله ( لهم بلقاح هي جمع لقحة بكسر اللام وفتحها وهي الناقة ذات الدر قوله ( ولم يحسمهم ) أي ولم يكوهم والحسم في اللغة كي العرق بالنار لينقطع الدم قوله ( وقع بالمدينة الموم وهو البرسام ) الموم بضم الميم واسكان الواو وأما البرسام فبكسر الباء وهو نوع من اختلال العقل ويطلق على ورم الرأس وورم الصدر وهو معرب وأصل اللفظة سريانية قوله ( وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم ) القائف هو الذي يتتبع الآثار وغيرها
1 ( باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات وقتل الرجل بالمرأة ) ) 1672 قوله ( أن يهوديا قتل جارية على أوضاح لها فقتلها بحجر فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها رمق فقيل لها أقتلك فلان فأشارت برأسها أن لا ثم قال لها الثانية فأشارت برأسها أن لا ثم سألها الثالثة فقالت نعم وأشارت برأسها فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين ) وفي رواية قتل جارية من الأنصار على حلى لها ثم ألقاها في قليب ورضخ رأسها بالحجارة فأمر به صلى الله عليه وسلم أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات وفي رواية أن جارية وجد رأسها قد رض بين حجرين فسألوها من صنع هذا بك فلان فلان حتى ذكروا اليهودي فأومت برأسها فأخذ اليهودي فأقر فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرض رأسه بالحجارة أما الأوضاح بالضاد المعجمة فهي قطع فضة كما فسره في الرواية الأخرى قوله ( وبها رمق ) هو بقية الحياة والروح والقليب البئر وقوله رضخه بين حجرين ورضه بالحجارة ورجمه بالحجارة هذه الألفاظ معناها واحد لأنه إذا وضع رأسه على حجر ورمى بحجر آخر فقد رجم وقد رض وقد رضخ وقد يحتمل أنه رجمها الرجم المعروف مع الرضخ لقوله ثم ألقاها في قليب وفي هذا الحديث فوائد منها قتل الرجل بالمرأة وهو اجماع من يعتد به ومنها أن الجاني عمدا يقتل قصاصا على الصفة التي قتل فإن قتل بسيف قتل هو بالسيف وإن قتل بحجر أو خشب أو نحوهما قتل بمثله لأن اليهودي رضخها فرضخ هو ومنها ثبوت القصاص في القتل بالمثقلات ولا يختص بالمحددات وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا قصاص إلا في القتل بمحدد من حديد أو حجر أو خشب أو كان معروفا بقتل الناس بالمنجنيق أو بالإلقاء في النار واختلفت الرواية عنه في مثقل الحديد كالدبوس أما إذا كانت الجناية شبه عمد بأن قتل بما لا يقصد به القتل غالبا فتعمد القتل به كالعصا والسوط واللطمة والقضيب والبندقة ونحوها فقال مالك والليث يجب فيه القود وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم لا قصاص فيه والله أعلم ومنها وجوب القصاص على الذي يقتل المسلم ومنها جواز سؤال الجريح من جرحك وفائدة السؤال أن يعرف المتهم ليطالب فإن أقر ثبت عليه القتل وإن أنكر فالقول قوله مع يمينه ولا يلزمه شيء بمجرد قول المجروح هذا مذهبنا ومذهب الجماهير وقد سبق في باب القسامة وأن مذهب مالك ثبوت القتل على المتهم بمجرد قول المجروح وتعلقوا بهذا الحديث وهذا تعلق باطل لأن اليهودي اعترف كما صرح به مسلم في أحد رواياته التي ذكرناها فإنما قتل باعترافه والله أعلم 1 ( باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه ( فاتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه ) )
1673 قوله ( قاتل يعلى بن منية أو بن أمية رجلا فعض أحدهما صاحبه فانتزع يده من فيه فنزع ثنيته ) فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيعض أحدكم كما يعض الفحل لادية له ) وفي رواية 1674 أن أجيرا ليعلى عض رجل ذراعه أما منية فبضم الميم وإسكان النون وبعدها ياء مثناة تحت وهي أم يعلى وقيل جدته وأما أمية فهو أبوه فيصح أن يقال يعلى بن أمية ويعلى بن منية وأما قوله أن يعلى هو المعضوض وفي الرواية الثانية والثالثة أن المعضوض هو أجير يعلى لا يعلى فقال الحفاظ الصحيح المعروف أنه أجير يعلى لا يعلى ويحتمل انهما قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين وقوله صلى الله عليه وسلم ( كما يعض الفحل ) هو بالحاء أي الفحل من الابل وغيرها وهو اشارة إلى تحريم ذلك وهذا الحديث دلالة لمن قال أنه إذا عض رجل يد غيره فنزع المعضوض يده فسقطت أسنان العاض أو فك لحيته لا ضمان عليه وهذا مذهب الشافعي وابي حنيفة وكثيرين أو الأكثرين رضي الله عنهم وقال مالك يضمن قوله صلى الله عليه وسلم ( يقضمها كما يقضم الفحل ) هو بفتح الضاد فيهما على اللغة الفصيحة ومعناه يعضها قال أهل اللغة القضم بأطراف الأسنان 1673 قوله صلى الله عليه وسلم ( ما تأمرني تأمرني أن آمره أن يضع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل ادفع يدك حتى يعضها ثم انتزعها ) ليس المراد بهذا أمره بدفع يده ليعضها وإنما معناه الإنكار عليه أي أنك لا تدع يدك في فيه يعضها فكيف تنكر عليه أن ينتزع يده من فيك وتطالبه بما جنى في جذبه لذلك قال القاضي وهذا الباب مما تتبعه الدارقطني على مسلم لأنه ذكر أولا حديث شعبة عن قتادة عن زرارة عن عمران بن حصين قال قاتل يعلى وذكر مثله عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة ثم عن شعبة عن قتادة عن عطاء عن بن يعلى ثم عن همام عن عطاء عن بن يعلى ثم حديث بن جريج عن عطاء عن بن يعلى ثم حديث معاذ عن أبيه عن قتادة عن بديل عن عطاء بن صفوان بن يعلى وهذا اختلاف على عطاء وذكر أيضا حديث قريش بن يونس عن بن عون عن بن سيرين عن عمران ولم يذكر فيه نوعا منه ولا من بن سيرين من عمران ولم يخرج البخاري لابن سيرين عن عمران شيئا والله أعلم قلت الإنكار على مسلم في هذين الوجهين أحدهما لا يلزم من الإختلاف على عطاء ضعف الحديث ولا من كون بن سيرين لم يصرح بالسماع من عمران ولا روى له البخاري عنه شيئا أن لا يكون سمع منه بل هو معدود فيمن سمع منه والثاني لو ثبت ضعف هذا الطريق لم يلزم منه ضعف المتن فإنه صحيح بالطرق الباقية التي ذكرها مسلم وقد سبق مرات أن مسلما يذكر في المتابعات من هو دون شرط الصحيح والله أعلم 1 ( باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها )
1675 قوله ( عن أنس أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم القصاص القصاص فقالت أم الربيع يا رسول الله أيقتص من فلانة والله لا يقتص منها فقال النبي صلى الله عليه وسلم سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله ) قالت لا والله لا يقتص منها أبدا قال فما زالت حتى قبلوا الدية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره هذه رواية مسلم وخالفه البخاري في روايته فقال عن أنس بن مالك أن عمته الربيع كسرت ثنية حارثة وطلبوا إليها العفو فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا إلا القصاص فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص فقال أنس بن النضر يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص فرضى القوم فعفوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره هذا لفظ رواية البخاري فحصل الإختلاف في الروايتين من وجهين أحدهما أن في رواية مسلم أن الجارية أخت الربيع وفي رواية البخاري أنها الربيع بنفسها والثاني أن في رواية مسلم أن الحالف لا تكسر ثنيتها هي أم الربيع بفتح الراء وفي رواية البخاري أنه أنس بن النضر قال العلماء المعروف في الروايات رواية البخاري وقد ذكرها من طرقه الصحيحة كما ذكرنا عنه وكذا رواه أصحاب كتب السنن قلت إنهما قضيتان أما الربيع الجارحة في رواية البخاري وأخت الجارحة في رواية مسلم فهي بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء وأما أم الربيع الحالفة في رواية مسلم فبفتح الراء وكسر الباء وتخفيف الياء وقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى ( القصاص القصاص ) هما منصوبان أي أدوا القصاص وسلموه إلى مستحقه وقوله صلى الله عليه وسلم ( كتاب الله القصاص ) أي حكم كتاب الله وجوب القصاص في السن وهو قوله والسن بالسن وأما قوله والله لا يقتص منها فليس معناه رد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بل المراد به الرغبة إلى مستحق القصاص أن يعفو وإلى النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة إليهم في العفو وإنما حلف ثقة بهم أن لا يحنثوه أو ثقة بفضل الله ولطفه أن لا يحنثه بل يلهمهم العفو وأما قوله صلى الله عليه وسلم أن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره معناه لا يحنثه لكرامته عليه وفي هذا الحديث فوائد منها 1 جواز الحلف فيما يظنه الإنسان ومنها جواز الثناء على من لا يخاف الفتنة بذلك وقد سبق بيان هذا مرات 2 ومنها استحباب العفو عن القصاص 3 ومنها إستحباب الشفاعة في العفو 4 ومنها أن الخيرة في القصاص والدية إلى مستحقه لا إلى المستحق عليه 5 ومنها إثبات القصاص بين الرجل والمرأة وفيه ثلاثة مذاهب أحدها مذهب عطاء والحسن انه لا قصاص بينهما في نفس ولا طرف بل تتعين دية الجناية تعلقا بقوله تعالى والأنثى بالأنثى الثاني وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ثبوت القصاص بينهما في النفس وفيما دونها مما يقبل القصاص واحتجوا بقوله تعالى النفس بالنفس إلى آخرها وهذا وإن كان شرعا لمن قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف مشهور للأصوليين فإنما الخلاف إذا لم يرد شرعنا بتقريره وموافقته فإن ورد كان شرعا لنا بلا خلاف وقد ورد شرعنا بتقريره في حديث أنس هذا والله أعلم والثالث وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه يجب القصاص بين الرجال والنساء في النفس ولا يجب فيما دونها ومنها وجوب القصاص في السن وهو مجمع عليه إذا أقلها كلها فإن كسر بعضها ففيه وفي كسر سائر العظام خلاف مشهور للعلماء والأكثرون على أنه لا قصاص والله أعلم 1 ( باب ما يباح به دم المسلم )
1676 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا باحدى ثلاث الثيب الزان والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) هكذا هو في النسخ الزان من غير ياء بعد النون وهي لغة صحيحة قرئ بها في السبع كما في قوله تعالى الكبير المتعال وغيره والأشهر في اللغة اثبات الياء في كل هذا وفي هذا الحديث اثبات قتل الزاني المحصن والمراد ) رجمه بالحجارة حتى يموت وهذا باجماع المسلمين وسيأتي ايضاحه وبيان شروطه في بابه إن شاء الله تعالى وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( والنفس بالنفس فالمراد به القصاص بشرطه وقد يستدل به أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهم في قولهم يقتل المسلم بالذمي ويقتل الحر بالعبد وجمهور العلماء على خلافه منهم مالك والشافعي والليث وأحمد وأما قوله صلى الله عليه وسلم والتارك لدينه المفارق للجماعة فهو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الإسلام قال العلماء ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أوغيرهما وكذا الخوارج والله أعلم وأعلم أن هذا عام يخص منه الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع وقد يجاب عن هذا بأنه داخل في المفارق للجماعة أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله قصدا إلا في هذه الثلاثة والله أعلم 1 ( باب ببان إثم من سن القتل ) 1677 قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تقتل نفس ظلما إلا كان على بن آدم الأول كفل منها لأنه كان أول من سن القتل ) الكفل بكسر الكاف الجزء والنصيب وقال الخليل هو الضعف وهذا الحديث من قواعد الإسلام وهو أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة ومثله من ابتدع شيأ من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة وهو موافق للحديث الصحيح من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة وللحديث الصحيح من دل على خير فله مثل أجر فاعله وللحديث الصحيح ما من داع يدعو إلى هدى وما من داع يدعو إلى ضلالة والله أعلم ) 1 ( باب المجازاة بالدماء في الآخرة وأنها أول ( ما يقضي فيه بين الناس يوم القيامة ) ) 1678 قوله صلى الله عليه وسلم ( أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء ) فيه تغليظ أمر الدماء وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة وهذا لعظم أمرها وكثير خطرها وليس هذا الحديث مخالفا للحديث المشهور في السنن أول ما يحاسب به العبد صلاته لأن هذا الحديث الثاني فيما بين العبد وبين الله تعالى وأما حديث الباب فهو فيما بين العباد والله أعلم بالصواب ) باب تغليظ تحريم الدماء والاعراض والأموال )