قوله ( ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده ) وفي 2345 رواية بين كتفيه مثل زر الحجلة وفي 2346 رواية فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل اما بيضة الحمامة فهو بيضتها المعروفة واما زر الحجلة فبزاي ثم ياء والحجلة بفتح الحاء والجيم هذا هو الصحيح المشهور الذي قاله الجمهور وقال بعضهم المراد بالحجلة واحدة الحجال وهي بيت كالقبة لها أزرار كباز وعرى هذا هو الصواب المشهور الذي قاله الجمهور وقال بعضهم المراد بالحجلة الطائر المعروف وزرها بيضتها واشار إليه الترمذي وانكره عليه العلماء وقال الخطابي روى ايضا بتقديم الراء على الزاي ويكون المراد البيض يقال أرزت الجرادة بفتح الراء وتشديد الزاي اذا كبست ذنبها في الأرض فباضت وجاء في صحيح البخاري كانت بضعة ناشزة أي مرتفعة على جسده واما ناغض كتفه فبالنون والغين والضاد المعجمتين والغين مكسورة وقال الجمهور النغض والنغض والناغض أعلى الكتف وقيل هو العظم الرقيق الذي على طرفه وقيل ما يظهر منه عند التحرك واما قوله جمعا فبضم الجيم وإسكان الميم ومعناه انه كجمع الكف وهو صورته بعد ان تجمع الاصابع وتضمها واما الخيلان فبكسر الخاء المعجمة وإسكان الياء جمع خال وهو الشامة في الجسد والله أعلم قال القاضي وهذه الروايات متقاربة متفقة على انها شاخص في جسده قدر بيضة الحمامة وهو نحو بيضة الحجلة وزر الحجلة وأما رواية جمع الكف وناشز فظاهرها المخالفة فتؤول على وفق الروايات الكثيرة ويكون معناه على هيئة جمع الكف لكنه اصغر منه في قدر بيضة الحمامة قال القاضي وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين الكتفين وهذا الذي قاله ضعيف بل باطل لأن شق الملكين إنما كان في صدره وبطنه والله اعلم 1 ( باب قدر عمره صلى الله عليه وسلم وإقامته بمكة والمدينة )
Nevevî - el-Minhâc (Müslim şerhi)
İmam Nevevî · AR
2348 2349 ذكر في الباب ثلاث روايات إحداها انه صلى الله عليه وسلم توفى وهو بن ستين سنة والثانية خمس وستون والثالثة ثلاث وستون وهي اصحها واشهرها رواه مسلم هنا من رواية عائشة وأنس وبن عباس رضي الله عنهم واتفق العلماء على ان أصحها ثلاث وستون وتأولوا الباقي عليه فرواية ستين اقتصر فيها على العقود وترك الكسر ورواية الخمس متأولة ايضا وحصل فيها اشتباه وقد أنكر عروة على بن عباس قوله ( خمس وستون ) ونسبه إلى الغلط وانه لم يدرك أول النبوة ولا كثرت صحبته بخلاف الباقين 2350 2351 2352 2353 واتفقوا انه صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين وبمكة قبل النبوة اربعين سنة وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد النبوة وقيل الهجرة والصحيح انها ثلاث عشرة فيكون عمره ثلاثا وستين وهذا الذي ذكرناه انه بعث على رأس اربعين سنة هو الصواب المشهور الذي أطبق عليه العلماء وحكى القاضي عياض عن بن عباس وسعيد بن المسيب رواية شاذة انه صلى الله عليه وسلم بعث على رأس ثلاث واربعين سنة والصواب اربعون كما سبق وولد عام الفيل على الصحيح المشهور وقيل بعد الفيل بثلاث سنين وقيل باربع سنين وادعى القاضي عياض الاجماع على عام الفيل وليس كما ادعى واتفقوا انه ولد يوم الاثنين في شهر ربيع الاول وتوفي يوم الاثنين من شهر ربيع الاول واختلفوا في يوم الولادة هل هو ثاني الشهر أم ثامنه أم عاشره أم ثاني عشره ويوم الوفاة ثاني عشره ضحى والله اعلم قوله 2347 ( ليس بالطويل البائن ولا بالقصير ) المراد بالبائن زائد الطول أي هو بين زائد الطول والقصير وهو بمعنى ما سبق انه كان مقصدا قوله ( ولا الابيض الأمهق ولا بالآدم ) الأمهق بالميم هو شديد البياض كلون الجص وهو كريه المنظر وربما توهمه الناظر أبرص والآدم الاسمر معناه ليس باسمر ولا بابيض كريه البياض بل أبيض بياضا نيرا كما قال في الحديث السابق انه صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون وكذا قال في الرواية التي بعده كان أزهر قوله ( قلت لعروة كم لبث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قال عشرا قلت فان بن عباس يقول بضع عشرة قال فغفره وقال انما أخذه من قول الشاعر ) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا فغفره بالغين والفاء وكذا نقله القاضي عن رواية الجلودي ومعناه دعا له بالمغفرة فقال غفر الله له وهذه اللفظة يقولونها غالبا لمن غلط في شئ فكأنه قال اخطأ غفر الله له قال القاضي وفي رواية بن ماهان فصغره بصاد ثم غين أي استصغره عن معرفته هذا وادراكه ذلك وضبطه وانما أسند فيه إلى قول الشاعر وليس معه علم بذلك ويرجح القاضي هذا القول قال والشاعر هو أبو قيس صرمة بن أبي أنس حيث يقول ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى خليلا مواتيا وقد وقع هذا البيت في بعض نسخ صحيح مسلم وليس هو في عامتها قلت وأبو قيس هذا هو صرمة بن أبي انس بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري هكذا نسبه بن إسحاق قال كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وفارق الاوثان واغتسل من الجنابة واتخذ بيتا له مسجدا لا يدخل عليه حائض ولا جنب وقال أعبد رب إبراهيم فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم فحسن إسلامه وهو شيخ كبير وكان قوالا بالحق وكان معظما لله تعالى في الجاهلية يقول الشعر في تعظيمه سبحانه وتعالى قوله ( سمع معاوية يخطب فقال مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بن ثلاث وستين وأبو بكر وعمر وأنا بن ثلاث وستين هكذا هو في جميع النسخ وهو صحيح وتقديره وأبو بكر وعمر كذلك ثم استأنف فقال وأنا بن ثلاث وستين أي وأنا متوقع موافقتهم واني اموت في سنتي هذه قوله ( يسمع الصوت ويرى الضوء ) قال القاضي أي صوت الهاتف به من الملائكة ويرى الضوء اي نور الملائكة ونور آيات الله تعالى حتى رأى الملك بعينه وشافهه بوحى الله تعالى
1 ( باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم ) ذكر هنا هذه الاسماء وله صلى الله عليه وسلم أسماء أخر ذكر أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي عن بعضهم ان لله تعالى ألف اسم وللنبي صلى الله عليه وسلم ألف اسم ايضا ثم ذكر منها على التفصيل بضعا وستين قال أهل اللغة يقال رجل محمد ومحمود اذا كثرت خصاله المحمودة وقال بن فارس وغيره وبه سمي نبينا صلى الله عليه وسلم محمدا وأحمد اي ألهم الله تعالى اهله ان سموه به لما علم من جميل صفاته قوله صلى الله عليه وسلم 2354 ( وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر ) قال العلماء المراد محو الكفر من مكة والمدينة وسائر بلاد العرب ومازوى له صلى الله عليه وسلم من الأرض ووعد ان يبلغه ملك امته قالوا ويحتمل ان المراد المحو العام بمعنى الظهور بالحجة والغلبة كما قال تعالى ليظهره على الدين كله وجاء في حديث آخر تفسير الماحي بأنه الذي محيت به سيئات من اتبعه فقد يكون المراد بمحو الكفر هذا ويكون كقوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف والحديث الصحيح الاسلام يهدم ما كان قبله قوله صلى الله عليه وسلم ( وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي ) وفي الرواية الثانية علي قدمي فأما الثانية فاتفقت النسخ على أنها علي انها على قدمي لكن ضبطوه بتخفيف الياء على الافراد وتشديدها على التثنية واما الرواية الاولى فهي في معظم النسخ وفي بعضها قدمي كالثانية قال العلماء معناهما يحشرون علي أثري وزمان نبوتي ورسالتي وليس بعدي نبي وقيل يتبعوني قوله 2355 ( والمقفي ونبي التوبة ونبي الرحمة ) أما العاقب ففسره في الحديث بانه ليس بعده نبي اي جاء عقبهم قال بن الاعرابي العاقب والعقوب الذي يخلف في الخير من كان قبله ومنه عقب الرجل لولده واما المقفي فقال شمر هو بمعني العاقب وقال بن الاعرابي هو المتبع للانبياء يقال قفوته أقفوه وقفيته أقفيه اذا اتبعته وقافية كل شئ آخره واما نبي التوبة ونبي الرحمة ونبي المرحمة فمعناها متقارب ومقصودها انه صلى الله عليه وسلم جاء بالتوبة وبالتراحم قال الله تعالى رحماء بينهم وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة والله أعلم وفي حديث آخر نبي الملاحم لأنه صلى الله عليه وسلم بعث بالقتال قال العلماء وإنما اقتصر على هذه الاسماء مع ان له صلى الله عليه وسلم اسماء غيرها كما سبق لأنها موجودة في الكتب المتقدمة وموجودة للأمم السالفة 1 ( باب علمه صلى الله عليه وسلم بالله تعالى وشدة خشيته) قوله ( فغضب حتى بان الغضب في وجهه ثم قال ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه فوالله ) لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية ) فيه الحث على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم والنهي عن التعمق في العبادة وذم التنزه عن المباح شكا في إباحته وفيه الغضب عند انتهاك حرمات الشرع وان كان المنتهك متأولا تأويلا باطلا وفيه حسن المعاشرة بإرسال التعزير والانكار في الجمع ولا يعين فاعله فيقال ما بال اقوام ونحوه وفيه ان القرب إلى الله تعالى سبب لزيادة العلم به وشدة خشيته واما قوله صلى الله عليه وسلم فوالله لانا أعلمهم بالله واشدهم له خشية فمعناه انهم يتوهمون ان سننهم عما فعلت اقرب لهم عند الله وان فعل خلاف ذلك وليس كما توهموا بل انا اعلمهم بالله واشدهم له خشية وانما يكون القرب إليه سبحانه وتعالى والخشية له على حسب ما أمر لا بمخيلات النفوس وتكلف اعمال لم يأمر بها والله أعلم 1 ( باب وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم)
قوله 2357 ( شراج الحرة ) بكسر الشين المعجمة وبالجيم هي مسايل الماء واحدها شرجة والحرة هي الأرض الملسة فيها حجارة سود قوله ( سرح الماء ) اي ارسله قوله صلى الله عليه وسلم ( اسق يا زبير ثم ارسل الماء إلى جارك فغضب الانصاري فقال يا رسول الله ان كان بن ) عمتك فتلون وجه نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا زبير اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ) اما قوله ان كان بن عمتك فهو بفتح الهمزة اي فعلت هذا لكونه بن عمتك وقوله تلون وجهه اي تغير من الغضب لانتهاك حرمات النبوة وقبح كلام هذا الانسان واما الجدر فبفتح الجيم وكسرها وبالدال المهملة وهو الجدار وجمع الجدار جدر ككتاب وكتب وجمع الجدر جدور كفلس وفلوس ومعنى يرجع إلى الجدر اي يصير إليه والمراد بالجدر أصل الحائط وقيل اصول الشجر والصحيح الاول وقدره العلماء ان يرتفع الماء في الأرض كلها حتى يبتل كعب رجل الانسان فلصاحب الأرض الاولى التي تلي الماء ان يحبس الماء في الأرض إلى هذا الحد ثم يرسله إلى جاره الذي وراءه وكان الزبير صاحب الأرض الاولى فأدل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اسق ثم ارسل الماء إلى جارك اي اسق شيئا يسيرا دون قدر حقك ثم ارسله إلى جارك ادلالا على الزبير ولعلمه بأنه يرضى بذلك ويؤثر الاحسان إلى جاره فلما قال الجار ما قال أمره ان يأخذ جميع حقه وقد سبق شرح هذا الحديث واضحا في بابه قال العلماء ولو صدر مثل هذا الكلام الذي تكلم به الانصاري اليوم من انسان من نسبته صلى الله عليه وسلم إلى هوى كان كفرا وجرت على قائله احكام المرتدين فيجب قتله بشرطه قالوا وإنما تركه النبي صلى الله عليه وسلم لانه كان في اول الاسلام يتألف الناس ويدفع بالتي هي أحسن ويصبر على أذى المنافقين ومن في قلبه مرض ويقول يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ويقول لا يتحدث الناس ان محمدا يقتل اصحابه وقد قال الله تعالى ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين قال القاضي وحكى الداودي ان هذا الرجل الذي خاصم الزبير كان منافقا وقوله في الحديث انه أنصاري لا يخالف هذا لانه كان من قبيلتهم لا من الانصار المسلمين وأما قوله في آخر الحديث فقال الزبير والله اني لاحسب هذه الآية نزلت فيه فلا وربك لا يؤمنون الآية فهكذا قال طائفة في سبب نزولها وقيل نزلت في رجلين تحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم على احدهما فقال ارفعني إلى عمر بن الخطاب وقيل في يهودي ومنافق اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرض المنافق بحكمه وطلب الحكم عند الكاهن قال بن جرير يجوز انها نزلت في الجميع والله اعلم قوله صلى الله عليه وسلم ( مانهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ) هذا الحديث سبق شرحه واضحا في كتاب الحج وهو من قواعد الاسلام 1 ( باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف وما لا يقع ونحو ذلك )
مقصود احاديث الباب انه صلى الله عليه وسلم نهاهمم عن اكثار السؤال والابتداء بالسؤال عما لا يقع وكره ذلك لمعان منها انه ربما كان سببا لتحريم شئ على المسلمين فيلحقهم به المشقة وقد بين هذا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الاول اعظم المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من اجل مسألته ومنها انه ربما كان في الجواب ما يكرهه السائل ويسوؤه ولهذا أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم كما صرح به في الحديث في سبب نزولها ومنها أنهم ربما أحفوه صلى الله عليه وسلم بالمسألة والحفوة المشقة والاذى فيكون ذلك سببا لهلاكهم وقد صرح بهذا في حديث أنس المذكور في الكتاب في قوله سألوا نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة إلى آخره وقد قال الله تعالى إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا قوله صلى الله عليه وسلم 2358 ( ان أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته ) وفي رواية من سأل عن شئ ونقر عنه اي بالغ في البحث عنه والاستقصاء قال القاضي عياض المراد بالجرم هنا الحرج على المسلمين لا انه الجرم الذي هو الاثم المعاقب عليه لان السؤال كان مباحا ولهذا قال صلى الله عليه وسلم سلوني هذا كلام القاضي وهذا الذي قاله القاضي ضعيف بل باطل والصواب الذي قاله الخطابي وصاحب التحرير وجماهير العلماء في شرح هذا الحديث ان المراد بالجرم هنا الاثم والذنب قالوا ويقال منه جرم بالفتح واجترم وتجرم اذا اثم قال الخطابي وغيره هذا الحديث فيمن سأل تكلفا أو تعنتا فيما لا حاجة به إليه فأما من سأل لضرورة بأن وقعت له مسألة فسال عنها فلا اثم عليه ولا عتب لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر قال صاحب التحرير وغيره فيه دليل على ان من عمل ما فيه اضرار بغيره كان آثما قوله صلى الله عليه وسلم 2359 ( عرضت علي الجنة والنار فلم أر كاليوم في الخير والشر ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) فيه ان الجنة والنار مخلوقتان وقد سبق شرح عرضهما ومعنى الحديث لم أر خيرا اكثر مما رأيته اليوم في الجنة ولا شرا اكثر مما رأيته اليوم في النار ولو رأيتم ما رأيت وعلمتم ما علمت مما رايته اليوم وقبل اليوم لاشفقتم اشفاقا بليغا ولقل ضحككم وكثر بكاؤكم وفيه دليل على انه لا كراهة في استعمال لفظة لو في مثل هذا والله اعلم قوله ( غطوا رؤسهم ولهم خنين ) هو بالخاء المعجمة هكذا هو في معظم النسخ ولمعظم الرواة ولبعضهم بالحاء المهملة وممن ذكر الوجهين القاضي وصاحب التحرير وآخرون قالوا ومعناه بالمعجمة صوت البكاء وهو نوع من البكاء دون الانتحاب قالوا وأصل الخنين خروج الصوت من الانف كالحنين بالمهملة من الفم وقال الخليل هو صوت فيه غنة وقال الاصمعي اذا تردد بكاؤه فصار في كونه غنة فهو خنين وقال أبو زيد الخنين مثل الحنين وهو شديد البكاء قوله ( فلما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقول سلوني برك عمر فقال رضينا بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك ) قال العلماء هذا القول منه صلى الله عليه وسلم محمول على انه أوحى إليه والا فلا يعلم كل ما سئل عنه من المغيبات الا بإعلام الله تعالى قال القاضي وظاهر الحديث ان قوله صلى الله عليه وسلم سلوني انما كان غضبا كما قال في الرواية الاخرى سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اشياء كرهها فلما اكثر عليه غضب ثم قال للناس سلوني وكان اختياره صلى الله عليه وسلم ترك تلك المسائل لكن وافقهم في جوابها لانه لا يمكن رد السؤال ولما رآه من حرصهم عليها والله اعلم واما بروك عمر رضي الله عنه وقوله فانما فعله أدبا واكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشفقة على المسلمين لئلا يؤذوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهلكوا ومعنى كلامه رضينا بما عندنا من كتاب الله تعالى وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واكتفينا به عن السؤال ففيه أبلغ كفاية قولهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى والذي نفس محمد بيده لقد عرضت على الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط اما لفظة أولى فهي تهديد ووعيد وقيل كلمة تلهف فعلى هذا يستعملها من نجا من أمر عظيم والصحيح المشهور أنها للتهديد ومعناها قرب منكم ما تكرهونه ومنه قوله تعالى أولى لك فأولى أي قاربك ما تكره فاحذره مأخوذ من الولي وهو القرب واما آنفا فمعناه قريبا الساعة والمشهور فيه المد ويقال بالقصر وقرئ بهما في السبع الاكثرون بالمد وعرض الحائط بضم العين جانبه قوله ( أن أم عبد الله بن حذافة قالت له أأمنت ان تكون أمك قد قارفت بعض ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس فقال ابنها والله لو الحقني بعبد أسود للحقته ) اما قولها قارفت فمعناه عملت سوءا والمراد الزنى والجاهلية هم من قبل النبوة سموا به لكثرة جهالاتهم وكان سبب سؤاله ان بعض الناس كان يطعن في نسبه على عادة الجاهلية من الطعن في الانساب وقد بين هذا في الحديث الآخر بقوله كان يلاحي فيدعي لغير أبيه والملاحاة المخاصمة والسباب وقولها فتفضحها معناه لو كنت من زنا فنفاك عن ابيك حذافة فضحتني واما قوله لو ألحقني بعبد للحقته فقد يقال هذا لا يتصور لان الزنى لا يثبت به النسب ويجاب عنه بأنه يحتمل وجهين احدهما أن بن حذافة ما كان بلغه هذا الحكم وكان يظن ان ولد الزنى يلحق الزاني وقد خفى هذا على اكبر منه وهو سعد بن أبي وقاص حين خاصم في بن وليدة زمعة فظن انه يلحق أخاه بالزنى والثاني انه يتصور الالحاق بعد وطئها بشبهة فيثبت النسب منه والله أعلم قوله ( حدثنا يوسف بن حماد المعني هو بكسر النون وتشديد الياء قال السمعاني منسوب إلى معن بن زائدة وهذا الاسناد كله بصريون قوله ( أحفوه بالمسألة ) اي اكثروا في الالحاح والمبالغة فيه يقال أحفى والحف وألح بمعنى قوله ( فلما سمع ذلك القوم أرموا ) هو بفتح الراء وتشديد الميم المضمومة اي سكتوا واصله من المرمة وهي الشفة اي ضموا شفاههم بعضها على بعض فلم يتكلموا ومنه رمت الشاه الحشيش ضمته بشفتيها قوله ( أنشأ رجل ثم أنشأ عمر ) قال أهل اللغة معناه ابتدأ ومنه أنشأ الله الخلق اي ابتدأهم
1 ( باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي) فيه حديث ابار النخل وانه صلى الله عليه وسلم قال 2361 ( ما اظن يعني ذلك شيئا فخرج شيصا فقال ان كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فاني انما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن اذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به ) وفي رواية 2362 اذا امرتكم بشئ من دينكم فخذوا به واذا امرتكم بشئ من رأى فانما انا بشر وفي رواية 2363 أنتم أعلم بأمر دنياكم قال العلماء قوله صلى الله عليه وسلم من رأيي اي في امر الدنيا ومعايشها لا على التشريع فأما ما قاله باجتهاده صلى الله عليه وسلم ورآه شرعا يجب العمل به وليس آبار النخل من هذا النوع بل من النوع المذكور قبله مع ان لفظة الرأي إنما أتى بها عكرمة على المعنى لقوله في آخر الحديث قال عكرمة أو نحو هذا فلم يخبر بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم محققا قال العلماء ولم يكن هذا القول خبرا وانما كان ظنا كما بينه في هذه الروايات قالوا ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره فلا يمتنع وقوع مثل هذا ولا نقص في ذلك وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها والله أعلم قوله 0 ( يلقحونه ) هو بمعنى يأبرون في الرواية الأخرى ومعناه ادخال شئ طلع الذكر في طلع الأنثى فتعلق باذن الله ويأبرون بكسر الباء وضمها يقال منه أبر يأبر ويأبر كبذر يبذر ويبذر ويقال أبر يؤبر بالتشديد تأبيرا قوله ( حدثني أحمد بن جعفر المعقري ) هو بفتح الميم واسكان العين المهملة وكسر القاف منسوب إلى معقر وهى ناحية من اليمن قوله فنفضت أو فنقصت هو بفتح الحروف كلها والأول بالفاء والضاد المعجمة والثاني بالقاف والمهملة واما قوله في آخر الحديث قال المعقري فنفضت بالفاء والمعجمة ومعناه أسقطت ثمرها قال اهل اللغة ويقال لذلك المتساقط النفض بفتح النون والفاء بمعنى المنفوض كالخبط بمعنى المخبوط وانفض القوم فنى زادهم قوله ( فخرج شيصا ) هو بكسر الشين المعجمة واسكان الياء المثناة تحت وبصاد مهملة وهو البسر الردئ الذي اذا يبس صار حشفا وقيل أردأ البسر وقيل تمر ردئ وهو متقارب 1 ( باب فضل النظر إليه صلى الله عليه وسلم وتمنيه ) قوله صلى الله عليه وسلم 2364 ( والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني ثم لان يراني أحب إليه من اهله وماله معهم قال أبو إسحاق المعنى فيه عندي لان يراني معهم احب إليه من اهله وماله وهو عندي مقدم ومؤخر ) هذا الذي قاله أبو إسحاق هو الذي قاله القاضي عياض واقتصر عليه قال تقديره لان يراني معهم احب إليه من أهله وماله ثم لا يراني وكذا جاء في مسند سعيد بن منصور ليأتين على احدكم يوم لان يراني احب إليه من ان يكون له مثل اهله وماله ثم لا يراني اي رؤيته اياي افضل عنده واحظى من اهله وماله هذا كلام القاضي والظاهر ان قوله في تقديم لان يراني وتأخير من اهله لا يراني كما قال وأما لفظة معهم فعلى ظاهرها وفي موضعها وتقدير الكلام يأتي على أحدكم يوم لأن يراني فيه لحظة ثم لا يراني بعدها احب إليه من اهله وماله جميعا ومقصود الحديث حثهم على ملازمة مجلسه الكريم ومشاهدته حضرا وسفرا للتأدب بآدابه وتعلم الشرائع وحفظها ليبلغوها واعلامهم انهم سيندمون على ما فرطوا فيه من الزيادة من مشاهدته وملازمته ومنه قول عمر رضي الله عنه ألهاني عنه الصفق بالاسواق والله اعلم 1 ( باب فضائل عيسى عليه السلام )
قوله صلى الله عليه وسلم 2365 ( أنا أولى الناس بابن مريم الانبياء اولاد علات وليس بيني وبينه نبي ) وفي رواية انا أولى الناس بعيسى بن مريم في الاولى والاخرة قالوا كيف يا رسول الله قال الانبياء اخوة من علات وامهاتهم شتى ودينهم واحد وليس بيننا نبي قال العلماء أولاد العلات بفتح العين المهملة وتشديد اللام هم الاخوة لاب من امهات شتى واما الاخوة من الابوين فيقال لهم اولاد الاعيان قال جمهور العلماء معنى الحديث اصل ايمانهم واحد وشرائعهم مختلفة فانهم متفقون في اصول التوحيد واما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف واما قوله صلى الله عليه وسلم ودينهم واحد فالمراد به اصول التوحيد واصل طاعة الله تعالى وان اختلفت صفتها واصول التوحيد والطاعة جميعا واما قوله صلى الله عليه وسلم ( وانا اولى الناس بعيسى فمعناه اخص به لما ذكره قوله صلى الله عليه وسلم 2366 ما من مولود يولد الا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان الا بن مريم وامه ) هذه فضيلة ظاهرة وظاهر الحديث اختصاصها بعيسى وامه واختار القاضي عياض ان جميع الانبياء يتشاركون فيها قوله صلى الله عليه وسلم 2367 ( صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان ) أي حين يسقط من بطن امه ومعنى نزغة نخسة وطعنة ومنه قولهم نزغة بكلمة سوء اي رماه بها قوله صلى الله عليه وسلم 2368 ( راى عيسى رجلا يسرق فقال له عيسى سرقت قال كلا والذي لا اله الا هو فقال عيسى آمنت بالله وكذبت نفسي ) قال القاضي ظاهر الكلام صدقت من حلف بالله تعالى وكذبت ما ظهر لي من ظاهر سرقته فلعله اخذ ماله فيه حق أو باذن صاحبه أو لم يقصد الغصب والاستيلاء أو ظهر له من مديده انه اخذ شيئا فلما حلف له أسقط ظنه ورجع عنه 1 ( باب من فضائل إبراهيم الخليل صلي الله عليه وسلم )
قوله 2369 ( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا خير البرية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك إبراهيم عليه الصلاة والسلام ) قال العلماء انما قال صلى الله عليه وسلم هذا تواضعا واحتراما لابراهيم صلى الله عليه وسلم لخلته وأبوته وإلافنبينا صلى الله عليه وسلم افضل كما قال صلى الله عليه وسلم انا سيد ولد آدم ولم يقصد به الافتخار ولا التطاول على من تقدمه بل قاله بيانا لما أمر ببيانه وتبليغه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ولا فخر لينفى ما قد يتطرق إلى بعض الافهام السخيفة وقيل يحتمل انه صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم خير البرية قبل ان يعلم انه سيد ولد آدم فان قيل التأويل المذكور ضعيف لان هذا خبر فلا يدخله خلف ولا نسخ فالجواب انه لا يمتنع انه اراد افضل البرية الموجودين في عصره واطلق العبارة الموهمة للعموم لانه أبلغ في التواضع وقد جزم صاحب التحرير بمعنى هذا فقال المراد افضل برية عصره وأجاب القاضي عن التأويل الثاني بانه وان كان خبرا فهو مما يدخله النسخ من الاخبار لان الفضائل يمنحها الله تعالى لمن يشاء فأخبر بفضيلة إبراهيم إلى ان علم تفضيل نفسه فاخبر به ويتضمن هذا جواز التفاضل بين الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم ويجاب عن حديث النهي عنه بالاجوبة السابقة في أول كتاب الفضائل قوله صلى الله عليه وسلم 2370 ( اختتن إبراهيم النبي وهو بن ثمانين سنة بالقدوم ) رواه مسلم متفقون على تخفيف القدوم ووقع في روايات البخاري الخلاف في تشديده وتخفيفه قالوا وآله النجار يقال لها قدوم بالتخفيف لا غير واما القدوم مكان بالشام ففيه التخفيف فمن رواه بالتشديد اراد القرية ومن رواه بالتخفيف يحتمل القرية والآلة والاكثرون على التخفيف وعلى ارادة الآلة وهذا الذي وقع هنا وهو بن ثمانين سنة هوالصحيح ووقع في الموطأ وهو بن مائة وعشرين سنة موقوفا على أبي هريرة وهو متأول اومردود وسبق بيان حكم الختان في أوائل كتاب الطهارة في خصال الفطرة قوله صلى الله عليه وسلم 151 ( نحن أحق بالشك من إبراهيم إلى آخره ) هذا الحديث سبق شرحه واضحا في كتاب الايمان قوله صلى الله عليه وسلم 2371 ( لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله تعالى قوله اني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وواحدة في شأن سارة وهي قوله ان سألك فاخبريه انك أختي فانك أختي في الاسلام قال المازري اما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى فالانبياء معصومون منه سواء كثيره وقليله واما مالا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصفات كالكذبة الواحدة في حقير من امور الدنيا ففي امكان وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران للسلف والخلف قال القاضي عياض الصحيح ان الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يتصور وقوعه منهم سواء جوزنا الصغائر منهم وعصمتهم منه أم لا وسواء قل الكذب أم كثر لان منصب النبوة يرتفع عنه وتجويزه يرفع الوثوق باقوالهم واما قوله صلى الله عليه وسلم ثنتين في ذات الله تعالى وواحدة في شأن سارة فمعناه ان الكذبات المذكورة انما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع واما في نفس الامر فليست كذبا مذموما لوجهين احدهما انه ورى بها فقال في سارة أختي في الاسلام وهو صحيح في باطن الامر وسنذكر ان شاء الله تعالى تأويل اللفظين الآخرين والوجه الثاني انه لو كان كذبا لاتورية فيه لكان جائزا في دفع الظالمين وقد اتفق الفقهاء على انه لو جاء ظالم يطلب انسانا مختفيا ليقتله أو يطلب وديعة لانسان ليأخذها غصبا وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك اخفاؤه وانكار العلم به وهذا كذب جائز بل واجب لكونه في دفع الظالم فنبه النبي صلى الله عليه وسلم على ان هذه الكذبات ليست داخلة في مطلق الكذب المذموم قال المازري وقد تأول بعضهم هذه الكلمات واخرجها عن كونها كذبا قال ولا معنى للامتناع من اطلاق لفظ أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت اما اطلاق لفظ الكذب عليها فلا يمتنع لورود الحديث به واما تأويلها فصحيح لا مانع منه قال العلماء والواحدة التي في شأن سارة هي ايضا في ذات الله تعالى لانها سبب دفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة وقد جاء ذلك مفسرا في غير مسلم فقال ما فيها كذبة إلا بما حل بها عن الاسلام اي يجادل ويدافع قالوا وانما خص الثنتين بانهما في ذات الله تعالى لكون الثالثة تضمنت نفعا له وحظا مع كونها في ذات الله تعالى وذكروا في قوله إني سقيم اي ساسقم لان الانسان عرضة للاسقام واراد بذلك الاعتذار عن الخروج معهم إلى عيدهم وشهود باطلهم وكفرهم وقيل سقيم بما قدر على من الموت وقيل كانت تأخذه الحمى في ذلك الوقت واما قوله بل فعله كبيرهم فقال بن قتيبة وطائفة جعل النطق شرطا لفعل كبيرهم اي فعله كبيرهم ان كانوا ينطقون وقال الكسائي يوقف عند قوله بل فعله اي فعله فاعله فأضمر ثم يبتدئ فيقول كبيرهم هذا فاسألوهم عن ذلك الفاعل وذهب الاكثرون إلى انها على ظاهرها وجوابها ما سبق والله اعلم قوله ( فلك الله ) اي شاهدا وضامنا ان لا أضرك قوله ( مهيم ) بفتح الميم والياء واسكان الهاء بينهما اي ما شأنك وماخبرك ووقع في البخاري لاكثر الرواة مهيما بالالف والاول افصح واشهر قولها ( وأخدم خادما ) اي وهبني خادما وهي هاجر ويقال آجر بمد الالف والخادم يقع على الذكر والانثى قوله ( قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بني ماء السماء ) قال كثيرون المراد ببني ماء السماء العرب كلهم لخلوص نسبهم وصفائه وقيل لان اكثرهم اصحاب مواش وعيشهم من المرعى والخصب وما ينبت بماء السماء وقال القاضي الأظهر عندي ان المراد بذلك الانصار خاصة ونسبتهم إلى جدهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأدد وكان يعرف بماء السماء وهو المشهور بذلك والانصار كلهم من ولد حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور والله اعلم وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة لابراهيم صلى الله عليه وسلم
1 ( باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم )
قوله 339 ( انه آدر ) بهمزة ممدودة ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء وهو عظيم الخصيتين وجمع الحجر اي ذهب مسرعا إسراعا بليغا وطفق ضربا اي جعل يضرب يقال طفق يفعل كذا وطفق بكسر الفاء وفتحها وجعل واخذ واقبل بمعنى واحد واما الندب فهو بفتح النون والدال واصله أثر الجرح اذا لم يرتفع عن الجلد وقوله ( ثوبي حجر ) اي دع ثوبي ياحجر قوله ( فما توارت يدك من شعرة فانك تعيش بها سنة ) هكذا هو في جميع النسخ توارت ومعناه وارت وسترت قوله ( فاغتسل عند مويه ) وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا ومعظم غيرها مويه بضم الميم وفتح الواو وإسكان الياء وهو تصغير ماء واصله موه والتصغير يرد الاشياء إلى اصولها وقال القاضي وقع في بعض الروايات مويه كما ذكرناه وفي معظمها مشربة بفتح الميم واسكان الشين وهي حفرة في اصل النخلة يجمع الماء فيها لسقيها قال القاضي واظن الاول تصحيفا كما سبق والله اعلم وفي هذا الحديث فوائد منها ان فيه معجزتين ظاهرتين لموسى صلى الله عليه وسلم احداهما مشى الحجر بثوبه إلى ملأ بني اسرائيل والثانية حصول الندب في الحجر ومنها وجود التمييز في الجماد كالحجر ونحوه ومثله تسليم الحجر بمكة وحنين الجذع ونظائره وسبق قريبا بيان هذه المسألة مبسوطة ومنها جواز الغسل عريانا في الخلوة وان كان ستر العورة افضل وبهذا قال الشافعي ومالك وجماهير العلماء وخالفهم بن أبي ليلى وقال ان للماء ساكنا واحتج في ذلك بحديث ضعيف ومنها ما ابتلى به الانبياء والصالحون من اذى السفهاء والجهال وصبرهم عليهم ومنها ما قاله القاضي وغيره ان الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم وسلامه منزهون عن النقائص في الخلق والخلق سالمون من العاهات والمعايب قالوا ولا التفات إلى ما قاله من لا تحقيق له من اهل التاريخ في إضافة بعض العاهات إلى بعضهم بل نزههم الله تعالى من كل عيب وكل شئ يبغض العيون أو ينفر القلوب قوله 2372 ( عن أبي هريرة قال أرسل ملك الموت إلى موسى فلما جاءه صكه ففقا عينه فرجع إلى ربه فقال أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت قال فرد الله إليه عينه وقال ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال اي رب ثم مه قال ثم الموت قال فالآن فسأل الله تعالى ان يدنيه من الأرض المقدسة رميه بحجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كنت ثم لاريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الاحمر ) وفي الرواية الاخرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ملك الموت إلى موسى فقال أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها وذكر نحو ما سبق اما قوله صكه فهو بمعنى لطمه في الرواية الثانية وفقأ عينه بالهمز ومتن الثور ظهره ورمية حجر اي قدر ما يبلغه وقوله ثم مه هي هاء السكت وهو استفهام اي ثم ماذا يكون أحياة أم موت والكثيب الرمل المستطيل المحدودب ومعنى اجب ربك اي الموت ومعناه جئت لقبض روحك واما سؤاله الادناء من الأرض المقدسة فلشرفها وفضيلة من فيها من المدفونين من الانبياء وغيرهم قال بعض العلماء وإنما سأل الادناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لانه خاف ان يكون قبره مشهورا عندهم فيفتتن به الناس وفي هذا استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والمواطن المباركة والقرب من مدافن الصالحين والله اعلم قال المازري وقد انكر بعض الملاحدة هذا الحديث وانكر تصوره قالوا كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت قال واجاب العلماء عن هذا بأجوبة احدها انه لا يمتنع ان يكون موسى صلى الله عليه وسلم قدأذن الله تعالى له في هذه اللطمة ويكون ذلك امتحانا للملطوم والله سبحانه وتعالى يفعل في خلقه ماشاء ويمتحنهم بما اراد والثاني ان هذا على المجاز والمراد ان موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة ويقال فقأ فلان عين فلان اذا غالبه بالحجة ويقال عورت الشئ اذا أدخلت فيه نقصا قال وفي هذا ضعف لقوله صلى الله عليه وسلم فرد الله عينه فان قيل اراد رد حجته كان بعيدا والثالث ان موسى صلى الله عليه وسلم لم يعلم انه ملك من عند الله وظن انه رجل قصده يريد نفسه فدافعه عنها فأدت المدافعة إلى فقء عينه لا انه قصدها بالفقء وتؤيده رواية صكه وهذا جواب الامام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين واختاره المازري والقاضي عياض قالوا وليس في الحديث تصريح بانه تعمد فقء عينه فان قيل فقد اعترف موسى حين جاءه ثانيا بانه ملك الموت فالجواب انه اتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها انه ملك الموت فاستسلم بخلاف المرة الاولى والله اعلم قوله في الرواية الثانية فالآن من قريب رب أمتني بالارض المقدسة رميه بحجرهكذا هو في معظم النسخ امتني بالميم والتاء والنون من الموت وفي بعضها أدنني بالدال ونونين وكلاهما صحيح قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تفضلوا بين الانبياء ) فقد سبق بيانه وتأويله مبسوطا في اول كتاب الفضائل قوله صلى الله عليه وسلم 2373 ( ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض الا من شاء الله ثم ينفخ فيه اخرى فأكون اول من بعث فاذا موسي آخذ بالعرش فلا ادري احوسب بصعقة يوم الطور أو بعث قبلي ) وفي رواية فان الناس يصعقون فاكون اول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري اكان فيمن صعق فافاق قبلي أم كان ممن استثنى الله تعالى الصعق والصعقة الهلاك والموت ويقال منه صعق الانسان وصعق بفتح الصاد وضمها وأنكر بعضهم الضم وصعقتهم الصاعقة بفتح الصاد والعين وأصعقتهم وبنو تميم يقولون الصاقعة بتقديم القاف قال القاضي وهذا من أشكل الاحاديث لان موسى قد مات فكيف تدركه الصعقة وانما تصعق الاحياء قوله ( ممن استثنى الله تعالى ) يدل على انه كان حيا ولم يأت ان موسى رجع إلى الحياة ولا انه حي كما جاء في عيسى وقد قال صلى الله عليه وسلم لو كنت ثم لاريتكم قبره إلى جانب الطريق قال القاضي يحتمل ان هذه الصعقة صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماوات والأرض فتنتظم حينئذ الآيات والاحاديث ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم فأفاق لانه إنما يقال أفاق من الغشي واما الموت فيقال بعث منه وصعقة الطور لم تكن موتا واما قوله صلى الله عليه وسلم فلا ادري افاق قبلي فيحتمل انه صلى الله عليه وسلم قاله قبل ان يعلم انه اول من تنشق عنه الأرض ان كان هذا اللفظ علي ظاهره وان نبينا صلى الله عليه وسلم اول شخص تنشق عنه الأرض على الاطلاق قال ويجوز ان يكون معناه انه من الزمرة الذين هم اول من تنشق عنهم الأرض فيكون موسى من تلك الزمرة وهي والله اعلم زمرة الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم هذا آخر كلام القاضي قوله صلى الله عليه وسلم ( ولا اقول ان احدا افضل من يونس بن متي ) وفي 2376 رواية ان الله تعالى قال لا ينبغي لعبد لي يقول انا خير من يونس بن متي وفي 2377 رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ينبغي لعبد يقول انا خير من يونس بن متي قال العلماء هذه الاحاديث تحتمل وجهين احدهما انه صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل ان يعلم انه افضل من يونس فلما علم ذلك قال انا سيد ولد آدم ولم يقل هنا ان يونس افضل منه أو من غيره من الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم والثاني انه صلى الله عليه وسلم قال هذا زجرا عن ان يتخيل أحد من الجاهلين شيئا من حط مرتبة يونس صلى الله عليه وسلم من اجل ما في القرآن العزيز من قصته قال العلماء وما جرى ليونس صلى الله عليه وسلم لم يحطه من النبوة مثقال ذرة وخص يونس بالذكر لما ذكرناه من ذكره في القرآن بما ذكر واما قوله صلى الله عليه وسلم ما ينبغي لعبد ان يقول انا خير من يونس فالضمير في انا قيل يعود إلي النبي صلى الله عليه وسلم وقيل يعود إلي القائل اي لا يقول ذلك بعض الجاهلين من المجتهدين في عبادة أو علم أو غير ذلك من الفضائل فانه لو بلغ من الفضاء ما بلغ لم يبلغ درجة النبوة ويؤيد هذا التأويل الرواية التي قبله وهي قوله تعالى لا ينبغي لعبد ان يقول انا خير من يونس بن متي والله اعلم قوله صلى الله عليه وسلم 2375 ( مررت على موسى وهو قائم يصلي في قبره ) هذا الحديث سبق شرحه في أواخر كتاب الايمان عند ذكر موسى وعيسى صلى الله عليه وسلم