Qur'an&Sunnahالقرآن

İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye

عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ) · AR

قسم V01/P589–V01/P591İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye (s. V01/P589–V01/P591)

قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة، حتى جهدوا مرضا، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى كانوا ما يصلون إلا وهم قعود، قال: فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك، فقال لهم: اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. قال: فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل. (بدء قتال المشركين) : قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيأ لحربه، قام فيما أمره الله به من جهاد عدوه، وقتال من أمره الله به ممن يليه من المشركين، مشركي العرب، وذلك بعد أن بعثه الله تعالى بثلاث عشرة سنة. تاريخ الهجرة بالإسناد المتقدم عن عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق المطلبي، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين، حين اشتد الضحاء، وكادت الشمس تعتدل، لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول، وهو التاريخ، (فيما) قال ابن هشام. قال ابن إسحاق: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك بعد أن بعثه الله عز وجل بثلاث عشرة سنة، فأقام بها بقية شهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وجماديين، ورجبا، وشعبان، وشهر رمضان، وشوالا، وذا القعدة، وذا الحجة- وولي تلك الحجة المشركون- والمحرم، ثم خرج غازيا في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عبادة. غزوة ودان وهي أول غزواته عليه الصلاة والسلام (موادعة بني ضمرة والرجوع من غير حرب) : قال ابن إسحاق: حتى بلغ ودان ، وهي غزوة الأبواء ، يريد قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم عليهم مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه ذلك. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية صفر، وصدرا من شهر ربيع الأول. قال ابن هشام: وهي أول غزوة غزاها. سرية عبيدة بن الحارث وهي أول راية عقدها عليه الصلاة والسلام (ما وقع بين الكفار وإصابة سعد) . قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز، بأسفل ثنية المرة، فلقي بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمي يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي به في الإسلام. (من فر من المشركين إلى المسلمين) : ثم انصرف القوم عن القوم، وللمسلمين حامية. وفر من المشركين (إلى) المسلمين المقداد بن عمرو البهراني، حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان ابن جابر المازني، حليف بني نوفل بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار . وكان على القوم عكرمة بن أبي جهل. قال ابن هشام: حدثني ابن أبي عمرو بن العلاء، عن أبي عمرو المدني: أنه كان عليهم مكرز بن حفص بن الأخيف، أحد بني معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر. (شعر أبي بكر فيها) : قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، في غزوة عبيدة بن الحارث- قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لأبي بكر [4] رضي الله عنه-: أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث ... أرقت وأمر في العشيرة حادث ترى من لؤي فرقة لا يصدها ... عن الكفر تذكير ولا بعث باعث رسول أتاهم صادق فتكذبوا ... عليه وقالوا: لست فينا بماكث إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا ... وهروا هرير المجحرات اللواهث

قسم V01/P591–V01/P595İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye (s. V01/P591–V01/P595)

فكم قد متتنا فيهم بقرابة ... وترك التقى شيء لهم غير كارث فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم ... فما طيبات الحل مثل الخبائث وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم ... فليس عذاب الله عنهم بلابث ونحن أناس من ذؤابة غالب ... لنا العز منها في الفروع الأثائث فأولي برب الراقصات عشية ... حراجيج تحدى في السريح الرثائث كأدم ظباء حول مكة عكف ... يردن حياض البئر ذات النبائث لئن لم يفيقوا عاجلا من ضلالهم ... ولست إذا آليت قولا بجانث لتبتدرنهم غارة ذات مصدق ... تحرم أطهار النساء الطوامث تغادر قتلى تعصب الطير حولهم ... ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث فأبلغ بني سهم لديك رسالة ... وكل كفور يبتغي الشر باحث فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم ... فإني من أعراضكم غير شاعث (شعر ابن الزبعرى في الرد على أبي بكر) : فأجابه عبد الله بن الزبعرى السهمي، فقال: أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث ... بكيت بعين دمعها غير لابث ومن عجب الأيام والدهر كله ... له عجب من سابقات وحادث لجيش أتانا ذي عرام يقوده ... عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث لنترك أصناما بمكة عكفا ... مواريث موروث كريم لوارث فلما لقيناهم بسمر ردينة ... وجرد عتاق في العجاج لواهث وبيض كأن الملح فوق متونها ... بأيدي كماة كالليوث العوائث نقيم بها إصعار من كان مائلا ... ونشفي الذحول عاجلا غير لابث فكفوا على خوف شديد وهيبة ... وأعجبهم أمر لهم أمر رائث ولو أنهم لم يفعلوا ناح نسوة ... أيامى لهم، من بين نسأ وطامث وقد غودرت قتلى يخبر عنهم ... حفي بهم أو غافل غير باحث فأبلغ أبا بكر لديك رسالة ... فما أنت عن أعراض فهر بماكث ولما تجب مني يمين غليظة ... تجدد حربا حلفة غير حانث قال ابن هشام: تركنا منها بيتا واحدا، وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لابن الزبعرى. (شعر ابن أبي وقاص في رميته) : قال ابن إسحاق: وقال سعد بن أبي وقاص في رميته تلك فيما يذكرون: ألا هل أتى رسول الله أني ... حميت صحابتي بصدور نبلي أذود بها أوائلهم ذيادا ... بكل حزونة وبكل سهل فما يعتد رام في عدو ... بسهم يا رسول الله قبلي وذلك أن دينك دين صدق ... وذو حق أتيت به وعدل ينجى المؤمنون به، ويجزى ... به الكفار عند مقام مهل فمهلا قد غويت فلا تعبني ... غوي الحي ويحك يا بن جهل قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد. (أول راية في الإسلام كانت لعبيدة) : قال ابن إسحاق: فكانت راية عبيدة بن الحارث- فيما بلغني- أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، لأحد من المسلمين. وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء، قبل أن يصل إلى المدينة. سرية حمزة إلى سيف البحر (ما جرى بين المسلمين والكفار) : وبعث في مقامه ذلك، حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، إلى سيف البحر، من ناحية العيص، في ثلاثين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد. فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاث مائة راكب من أهل مكة. فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني. وكان موادعا للفريقين جميعا، فانصرف بعض القوم عن بعض، ولم يكن بينهم قتال. (كانت راية حمزة أول راية في الإسلام وشعر حمزة في ذلك) : وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين . وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا، فشبه

قسم V01/P595–V01/P598İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye (s. V01/P595–V01/P598)

ذلك على الناس. وقد زعموا أن حمزة قد قال في ذلك شعرا يذكر فيه أن رايته أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان حمزة قد قال ذلك، فقد صدق إن شاء الله، لم يكن يقول إلا حقا، فالله أعلم أي ذلك كان. فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا. فعبيدة بن الحارث أول من عقد له. فقال حمزة في ذلك، فيما يزعمون: قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لحمزة رضي الله عنه: ألا يا لقومي للتحلم والجهل ... وللنقص من رأي الرجال وللعقل وللراكبينا بالمظالم لم نطأ ... لهم حرمات من سوام ولا أهل كأنا تبلناهم ولا تبل عندنا ... لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل وأمر بإسلام فلا يقبلونه ... وينزل منهم مثل منزلة الهزل فما برحوا حتى انتدبت لغارة ... لهم حيث حلوا ابتغى راحة الفضل بأمر رسول الله، أول خافق ... عليه لواء لم يكن لاح من قبلي لواء لديه النصر من ذي كرامة ... إله عزيز فعله أفضل الفعل عشية ساروا حاشدين وكلنا ... مراجله من غيظ أصحابه تغلي فلما تراءينا أناخوا فعقلوا ... مطايا وعقلنا مدى غرض النبل فقلنا لهم: حبل الإله نصيرنا ... وما لكم إلا الضلالة من حبل فثار أبو جهل هنالك باغيا ... فخاب ورد الله كيد أبي جهل وما نحن إلا في ثلاثين راكبا ... وهم مائتان بعد واحدة فضل فيا للؤى لا تطيعوا غواتكم ... وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل فإني أخاف أن يصب عليكم ... عذاب فتدعوا بالندامة والثكل (شعر أبي جهل في الرد على حمزة) : فأجابه أبو جهل بن هشام، فقال: عجبت لأسباب الحفيظة والجهل ... وللشاغبين بالخلاف وبالبطل وللتاركين ما وجدنا جدودنا ... عليه ذوي الأحساب والسؤدد الجزل أتونا بإفك كي يضلوا عقولنا ... وليس مضلا إفكهم عقل ذي عقل فقلنا لهم: يا قومنا لا تخالفوا ... على قومكم إن الخلاف مدى الجهل فإنكم إن تفعلوا تدع نسوة ... لهن بواك بالرزية والثكل وإن ترجعوا عما فعلتم فإننا ... بنو عمكم أهل الحفائظ والفضل فقالوا لنا: إنا وجدنا محمدا ... رضا لذوي الأحلام منا وذي العقل فلما أبوا إلا الخلاف وزينوا ... جماع الأمور بالقبيح من الفعل تيممتهم بالساحلين بغارة ... لأتركهم كالعصف ليس بذي أصل فورعنى مجدي عنهم وصحبتي ... وقد وازروني بالسيوف وبالنبل لإل علينا واجب لا نضيعه ... أمين قواه غير منتكث الحبل فلولا ابن عمرو كنت غادرت منهم ... ملاحم للطير العكوف بلا تبل ولكنه آلى بإل فقلصت ... بأيماننا حد السيوف عن القتل فإن تبقني الأيام أرجع عليهم ... ببيض رقاق الحد محدثة الصقل بأيدي حماة من لؤي بن غالب ... كرام المساعي في الجدوبة والمحل قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لأبي جهل. غزوة بواط (يومها) : قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول يريد قريشا. (ابن مظعون على المدينة) : قال ابن هشام: واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون. (العودة إلى المدينة) : قال ابن إسحاق: حتى بلغ بواط ، من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فلبث بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى. غزوة العشيرة (أبو سلمة على المدينة) : ثم غزا قريشا، فاستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، فيما قال ابن هشام. (الطريق إلى العشيرة) : قال ابن إسحاق: فسلك على نقب بني دينار، ثم على فيفاء الخبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها. فثم مسجده صلى الله عليه وسلم، وصنع له عندها طعام، فأكل منه، وأكل الناس معه، فموضع أثافي البرمة معلوم هنالك، واستقي له من ماء به، يقال له:

قسم V01/P598–V01/P600İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye (s. V01/P598–V01/P600)

المشترب، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم فترك الخلائق بيسار، وسلك شعبة يقال لها: شعبة عبد الله، وذلك اسمها اليوم، ثم صب لليسار حتى هبط يليل ، فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة، واستقى من بئر بالضبوعة، ثم سلك الفرش: فرش ملل، حتى لقي الطريق بصحيرات اليمام، ثم اعتدل به الطريق، حتى نزل العشيرة من بطن ينبع. فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة، وادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كيدا. (تكنية الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بأبي تراب) : وفي تلك الغزوة قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام ما قال. قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن محمد بن خيثم المحاربي، عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن خيثم أبي يزيد، عن عمار بن ياسر، قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام بها، رأينا أناسا من بني مدلج يعملون في عين لهم وفي نخل، فقال لي علي بن أبي طالب: يا أبا اليقظان، هل لك في أن تأتي هؤلاء القوم، فننظر كيف يعملون؟ قال: قلت: إن شئت، قال: فجئناهم، فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثم غشينا النوم. فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في صور من النخل، وفي دقعاء من التراب فنمنا، فو الله ما أهبنا إلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم يحركنا برجله. وقد تتربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها، فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: ما لك يا أبا تراب ؟ لما يرى عليه من التراب، ثم قال: ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه- ووضع يده على قرنه- حتى يبل منها هذه. وأخذ بلحيته. قال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما سمى عليا أبا تراب، أنه كان إذا عتب على فاطمة في شيء لم يكلمها، ولم يقل لها شيئا تكرهه، إلا أنه يأخذ ترابا فيضعه على رأسه. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى عليه التراب عرف أنه عاتب على فاطمة، فيقول: ما لك يا أبا تراب؟ فالله أعلم أي ذلك كان. سرية سعد بن أبي وقاص (ذهابه إلى الخرار ورجوعه من غير حرب) : قال ابن إسحاق: وقد كان بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين ذلك من غزوة سعد بن أبي وقاص، في ثمانية رهط من المهاجرين، فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز، ثم رجع ولم يلق كيدا. قال ابن هشام: ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة. غزوة صفوان وهي غزوة بدر الأولى (إغارة كرز والخروج في طلبه) : قال ابن إسحاق: ولم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة، فيما قال ابن هشام. (فوات كرز والرجوع من غير حرب) : قال ابن إسحاق: حتى بلغ واديا، يقال له: سفوان، من ناحية بدر، وفاته كرز بن جابر، فلم يدركه، وهي غزوة بدر الأولى. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأقام بها بقية جمادى الآخرة ورجبا وشعبان. سرية عبد الله بن جحش ونزول: يسئلونك عن الشهر الحرام 2: 217 (بعثه والكتاب الذي حمله) : وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا.

قسم V01/P600–V01/P603İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye (s. V01/P600–V01/P603)

(أصحاب ابن جحش في سريته) وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين. ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ومن حلفائهم: عبد الله ابن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حرثان، أحد بني أسد ابن خزيمة، حليف لهم. ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر، حليف لهم. ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص. ومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة، حليف لهم من عنز بن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بني تميم، حليف لهم، وخالد بن البكير، أحد بني سعد بن ليث، حليف لهم. ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء. (فض ابن جحش كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ومضيه لطيته) : فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم. فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب، قال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة، أرصد بها قريشا، حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم. فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد. (تخلف القوم بمعدن) : وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن، فوق الفرع، يقال له: بحران، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما، كانا يعتقبانه. فتخلفا عليه في طلبه. ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما ، وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو ابن الحضرمي. (اسم الحضرمي ونسبه) : قال ابن هشام: واسم الحضرمي: عبد الله بن عباد، (ويقال: مالك ابن عباد) أحد الصدف، واسم الصدف: عمرو بن مالك، أحد السكون بن أشرس بن كندة، ويقال: كندي. قال ابن إسحاق: وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله، المخزوميان، والحكم بن كيسان، مولى هشام بن المغيرة. (ما جرى بين الفريقين وما خلص به ابن جحش) : فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا عمار، لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم. فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم ابن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمتا الخمس وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم- فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه. (نكران الرسول صلى الله عليه وسلم على ابن جحش قتاله في الشهر الحرام) : قال ابن إسحاق : فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام. فوقف العير والأسيرين. وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدي القوم،

قسم V01/P603–V01/P605İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye (s. V01/P603–V01/P605)

وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين، ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. (توقع اليهود بالمسلمين الشر) : وقالت يهود- تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم- عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو، عمرت الحرب، والحضرمي، حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله، وقدت الحرب. فجعل الله ذلك عليهم لا لهم. (نزول القرآن في فعل ابن جحش وإقرار الرسول له صلى الله عليه وسلم في فعله) : فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله وكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند الله 2: 217 أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله، أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم والفتنة أكبر من القتل 2: 217: أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا 2: 217: أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين. فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم ابن كيسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نفديكموها حتى يقدم صاحبانا- يعني سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان- فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما، نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم. (إسلام ابن كيسان وموت عثمان كافرا) : فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا. وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة، فمات بها كافرا. (طمع ابن جحش في الأجر وما نزل في ذلك) : فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله: أنطمع، أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله عز وجل فيهم: إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله، والله غفور رحيم 2: 218، فوضعهم الله عز وجل من ذلك على أعظم الرجاء. والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير. قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن الله عز وجل قسم الفيء حين أحله، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه الله، وخمسا إلى الله ورسوله، فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير. قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون. وعمرو بن الحضرمي أول من قتله المسلمون، وعثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون. (شعر في هذه السرية ينسب إلى أبي بكر وإلى ابن جحش) : قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال: بل عبد الله بن جحش قالها، حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال، وأسروا فيه الرجال- قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش: تعدون قتلا في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد وإخراجكم من مسجد الله أهله ... لئلا يرى لله في البيت ساجد فإنا وإن عيرتمونا بقتله ... وأرجف بالإسلام باغ وحاسد سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد

قسم V01/P605–V01/P607İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye (s. V01/P605–V01/P607)

دما وابن عبد الله عثمان بيننا ... ينازعه غل من القد عاند صرف القبلة إلى الكعبة قال ابن إسحاق: ويقال: صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة . غزوة بدر الكبرى (عير أبي سفيان) : قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب مقبلا من الشأم في عير لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم وفيها ثلاثون رجلا من قريش أو أربعون، منهم مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام. (ندب المسلمين للعير وحذر أبي سفيان) : قال ابن هشام: ويقال: عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم . قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن عباس، كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر [4] ، قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشام، ندب المسلمين إليهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى خربا وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أمر الناس. حتى أصاب خبرا من بعض الركبان: أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك. فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه. فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة. ذكر رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب (عاتكة تقص رؤياها على أخيها العباس) : قال ابن إسحاق: فأخبرني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس، ويزيد ابن رومان، عن عروة بن الزبير، قالا: وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب، قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال، رؤيا أفزعتها. فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي، والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني ، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثك به، فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له، حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث: ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس ، فصرخ بمثلها. ثم أخذ صخرة فأرسلها. فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت ، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة، قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها، ولا تذكريها لأحد. (الرؤيا تذيع في قريش) : ثم خرج العباس، فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا، فذكرها له، واستكتمه إياها. فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث بمكة، حتى تحدثت به قريش في أنديتها. (ما جرى بين أبى جهل وللعباس بسبب الرؤيا) : قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التي رأت عاتكة، قال: فقلت: وما رأت؟ قال:

قسم V01/P607–V01/P610İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye (s. V01/P607–V01/P610)

يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فو الله ما كان مني إليه كبير، إلا أني جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئا. قال: ثم تفرقنا. (نساء عبد المطلب يلمن العباس للينه مع أبي جهل) : فلما أمسيت، لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غير لشيء مما سمعت، قال: قلت: قد والله فعلت، ما كان مني إليه من كبير. وايم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفينكه. (العباس يقصد أبا جهل لينال منه، فيصرفه عنه تحقق الرؤيا) : قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه. قال: فدخلت المسجد فرأيته، فو الله إني لأمشي نحوه أتعرضه، ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر. قال: إذ خرج نحو باب المسجد يشتد. قال: فقلت في نفسي: ما له لعنه الله، أكل هذا فرق مني أن أشاتمه! قال: وإذا هو قد سمع ما لم أسمع: صوت ضمضم بن عمرو الغفاري، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره، قد جدع بعيره ، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر. (تجهز قريش للخروج) : فتجهز الناس سراعا، وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي، كلا والله ليعلمن غير ذلك. فكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا. وأوعبت قريش، فلم يتخلف من أشرافها أحد. إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب تخلف، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه، أفلس بها، فاستأجره بها على أن يجزئ عنه، بعثه فخرج عنه، وتخلف أبو لهب. (عقبة يتهكم بأمية لقعوده فيخرج) : قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح: أن أمية بن خلف كان أجمع القعود، وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا، فأتاه عقبة بن أبي معيط، وهو جالس في المسجد بين ظهراني قومه، بمجمرة يحملها، فيها نار ومجمر ، حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا علي، استجمر، فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله وقبح ما جئت به، قال: ثم تجهز فخرج مع الناس. (الحرب بين كنانة وقريش وتحاجزهم يوم بدر) : قال ابن إسحاق: ولما فرغوا من جهازهم، وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا، وكانت الحرب التي كانت بين قريش وبين بني بكر- كما حدثني بعض بني عامر بن لؤي، عن محمد بن سعيد بن المسيب- في ابن لحفص بن الأخيف، أحد بني معيص بن عامر بن لؤي، خرج يبتغي ضالة له بضجنان، وهو غلام حدث في رأسه ذؤابة، وعليه حلة له، وكان غلاما وضيئا نظيفا، فمر بعامر بن يزيد بن عامر بن الملوح، أحد بني يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو بضجنان، وهو سيد بني بكر يومئذ، فرآه فأعجبه، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: أنا ابن لحفص ابن الأخيف القرشي. فلما ولى الغلام، قال عامر بن زيد: يا بني بكر، ما لكم في قريش من دم؟ قالوا: بلى والله، إن لنا فيهم لدماء، قال: ما كان رجل ليقتل هذا الغلام برجله إلا كان قد استوفى دمه. قال: فتبعه رجل من بني بكر، فقتله

قسم V01/P610–V01/P612İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye (s. V01/P610–V01/P612)

بدم كان له في قريش، فتكلمت فيه قريش، فقال عامر بن يزيد: يا معشر قريش قد كانت لنا فيكم دماء، فما شئتم. إن شئتم فأدوا علينا ما لنا قبلكم، ونؤدي ما لكم قبلنا، وإن شئتم فإنما هي الدماء: رجل برجل، فتجافوا عما لكم قبلنا، ونتجافى عما لنا قبلكم، فهان ذلك الغلام على هذا الحي من قريش، وقالوا: صدق، رجل برجل. فلهوا عنه ، فلم يطلبوا به. قال: فبينما أخوه مكرز بن حفص بن الأخيف يسير بمر الظهران، إذ نظر إلى عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح على جمل له، فلما رآه أقبل إليه حتى أناخ به، وعامر متوشح سيفه، فعلاه مكرز بسيفه حتى قتله، ثم خاض بطنه بسيفه، ثم أتى به مكة، فعلقه من الليل بأستار الكعبة. فلما أصبحت قريش رأوا سيف عامر بن يزيد بن عامر معلقا بأستار الكعبة، فعرفوه، فقالوا: إن هذا لسيف عامر بن يزيد، عدا عليه مكرز بن حفص فقتله، فكان ذلك من أمرهم. فبينما هم في ذلك من حربهم، حجز الإسلام بين الناس، فتشاغلوا به، حتى أجمعت قريش المسير إلى بدر، فذكروا الذي بينهم وبين بني بكر فخافوهم. (شعر مكرز في قتله عامرا) : وقال مكرز بن حفص في قتله عامرا: لما رأيت أنه هو عامر ... تذكرت أشلاء الحبيب الملحب وقلت لنفسي: إنه هو عامر ... فلا ترهبيه، وانظري أي مركب وأيقنت أني إن أجلله ضربة ... متى ما أصبه بالفرافر يعطب خفضت له جأشي وألقيت كلكلي ... على بطل شاكي السلاح مجرب ولم أك لما التف روعي وروعه ... عصارة هجن من نساء ولا أب حللت به وتري ولم أنس ذحله ... إذا ما تناسى ذحله كل عيهب (قال ابن هشام: الفرافر (في غير هذا الموضع) : الرجل الأضبط، «وفي هذا الموضع» : السيف) ، والعيهب: الذي لا عقل له، ويقال لتيس الظباء وفحل النعام: العيهب. (قال الخليل: العيهب: الرجل الضعيف عن إدراك وتره) . (إبليس يغري قريشا بالخروج) : قال ابن إسحاق وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، قال: لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكر، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعا. (خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه- قال ابن هشام: خرج (يوم الاثنين) لثمان ليال خلون من شهر رمضان- واستعمل عمرو بن أم مكتوم- ويقال اسمه: عبد الله بن أم مكتوم أخا بني عامر بن لؤي، على الصلاة بالناس، ثم رد أبا لبابة من الروحاء، واستعمله على المدينة. (صاحب اللواء) : قال ابن إسحاق: ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. قال ابن هشام: وكان أبيض. (رايتا الرسول صلى الله عليه وسلم) : قال ابن إسحاق: وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع علي بن أبي طالب، يقال لها: العقاب، والأخرى مع بعض الأنصار. (عدد إبل المسلمين) : قال ابن إسحاق: وكانت إبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرا، فاعتقبوها، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا، وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة، وأبو كبشة، وأنسة، موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرا، وكان أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرا. قال ابن إسحاق: وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار. وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ، فيما قال ابن هشام. (طريق المسلمين إلى بدر) :

قسم V01/P612–V01/P614İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye (s. V01/P612–V01/P614)

قال ابن إسحاق: فسلك طريقه من المدينة إلى مكة، على نقب المدينة، ثم على العقيق، ثم على ذي الحليفة، ثم على أولات الجيش. قال ابن هشام: ذات الجيش. (الرجل الذي اعترض الرسول وجواب سلمة له) : قال ابن إسحاق: ثم مر على تربان ، ثم على ملل، ثم غميس الحمام من مريين، ثم على صخيرات اليمام، ثم على السيالة، ثم على فج الروحاء، ثم على شنوكة، وهي الطريق المعتدلة، حتى إذا كان بعرق الظبية- قال ابن هشام: الظبية: عن غير ابن إسحاق- لقوا رجلا من الأعراب، فسألوه عن الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أوفيكم رسول الله؟ قالوا: نعم، فسلم عليه، ثم قال: إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه. قال له سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك. نزوت عليها، ففي بطنها منك سخلة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، مه، أفحشت على الرجل، ثم أعرض عن سلمة. (بقية الطريق إلى بدر) : ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم سجسج، وهي بئر الروحاء، ثم ارتحل منها، حتى إذا كان بالمنصرف، ترك طريق مكة بيسار، وسلك ذات اليمين على النازية، يريد بدرا، فسلك في ناحية منها، حتى جزع واديا، يقال له رحقان، بين النازية وبين مضيق الصفراء، (ثم على المضيق) ، ثم انصب منه، حتى إذا كان قريبا من الصفراء، بعث بسبس بن الجهني، حليف بني ساعدة، وعدي بن أبي الزغباء الجهني، حليف بني النجار، إلى بدر يتحسسان له الأخبار، عن أبي سفيان بن حرب وغيره. ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قدمها. فلما استقبل الصفراء، وهي قريبة بين جبلين، سأل عن جبليهما ما اسماهما؟ فقالوا: يقال لأحدهما، هذا مسلح، وللآخر: هذا مخرئ، وسأل عن أهلهما، فقيل: بنو النار وبنو حراق، بطنان من بني غفار فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما. فتركهما رسول الله صلى الله عليه وسلم والصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له: ذفران، فجزع فيه، ثم نزل. (أبو بكر وعمر والمقداد وكلماتهم في الجهاد) : وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق، فقال وأحسن. ثم قام عمر بن الخطاب، فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون 5: 24. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له به. (استيثاق الرسول صلى الله عليه وسلم من أمر الأنصار) :

%0
10 Bölüm