الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب نحو صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم، حتى أوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت ثوبي، فكسوتهما إياه بشارة، والله ما أملك يومئذ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، ثم انطلقت أتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقاني الناس يبشرونني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله، فحيانى وهنأني، وو الله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب بن مالك لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي، ووجهه يبرق من السرور: أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، قال: قلت: أمن عندك يا رسول أم من عند الله؟ قال: بل من عند الله قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر. قال: وكنا نعرف ذلك منه. قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي إلى الله عز وجل أن أنخلع من مالي، صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك. قال: قلت: إني ممسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله، إن الله قد نجاني بالصدق، وإن من توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما حييت ، والله ما أعلم أحدا من الناس أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أفضل مما أبلاني الله، والله ما تعمدت من كذبة منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. وأنزل الله تعالى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم إنه بهم رؤف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا 9: 117- 118 ... إلى قوله: وكونوا مع الصادقين 9: 119. قال كعب: فو الله ما أنعم الله علي نعمة قط بعد أن هداني للإسلام كانت أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله تبارك وتعالى قال في الذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال: سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم، فأعرضوا عنهم، إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين 9: 95- 96. قال: وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين حلفوا له فعذرهم، واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا، حتى قضى الله فيه ما قضى، فبذلك قال الله تعالى: وعلى الثلاثة الذين خلفوا 9: 118. وليس الذي ذكر الله من تخليفنا لتخلفنا عن الغزوة ولكن لتخليفه إيانا. وإرجائه أمرنا عمن حلف له، واعتذر إليه، فقبل منه. أمر وفد ثقيف وإسلامها في شهر رمضان سنة تسع (إسلام عروة بن مسعود ورجوعه إلى قومه) : قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف. وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود الثقفي، حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يتحدث قومه: إنهم قاتلوك، وعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم، فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم. قال ابن هشام: ويقال: من أبصارهم. (دعاؤه للإسلام ومقتله) :
İbn Hişâm — es-Sîretü'n-Nebeviyye
عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ) · AR
قال ابن إسحاق: وكان فيهم كذلك محببا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه، لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على علية له، وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله، فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم، يقال له أوس بن عوف، أخو بني سالم بن مالك، وتزعم الأحلاف أنه قتله رجل منهم، من بني عتاب بن مالك، يقال له وهب بن جابر، فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إلي، فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم، فدفنوه معهم، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: إن مثله في قومه لكمثل صاحب ياسين في قومه. (ائتمار ثقيف على إرسال نفر للرسول) : ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم إنهم ائتمروا بينهم، ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا. حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس: أن عمرو بن أمية، أخا بني علاج، كان مهاجرا لعبد يا ليل بن عمرو، الذي بينهما سيء ، وكان عمرو بن أمية من أدهى العرب، فمشى إلى عبد يا ليل بن عمرو، حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن عمرو بن أمية يقول لك: اخرج إلي، قال: فقال عبد يا ليل للرسول: ويلك! أعمرو أرسلك إلي؟ قال: نعم، وها هو ذا واقفا في دارك، فقال: إن هذا الشيء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك، فخرج إليه، فلما رآه رحب به، فقال له عمرو: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، قد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم. فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها، وقال بعضهم لبعض: أفلا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع، فأتمروا بينهم، وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا، كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، وكان سن عروة بن مسعود، وعرضوا ذلك عليه، فأبى أن يفعل، وخشي أن يصنع به إذا رجع كما صنع بعروة. فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا، فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك، فيكونوا ستة، فبعثوا مع عبد ياليل الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب، ومن بني مالك عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد دهمان، أخا بني يسار، وأوس ابن عوف، أخا بني سالم بن عوف ونمير بن خرشة بن ربيعة، أخا بني الحارث فخرج بهم عبد ياليل، وهو ناب القوم وصاحب أمرهم، ولم يخرج بهم إلا خشية من مثل ما صنع بعروة بن مسعود، لكي يشغل كل رجل منهم إذا رجعوا إلى الطائف رهطه. (قدومهم المدينة وسؤالهم الرسول أشياء أباها عليهم) : فلما دنوا من المدينة، ونزلوا قناة، ألفوا بها المغيرة بن شعبة، يرعى في توبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت رعيتها نوبا على أصحابه صلى الله عليه وسلم، فلما رآهم ترك الركاب عند الثقفيين، وضبر يشتد، ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم عليه، فلقيه أبو بكر الصديق قبل أن يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره عن ركب ثقيف أن قد قدموا يريدون البيعة والإسلام، بأن يشرط لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شروطا، ويكتتبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا في قومهم وبلادهم وأموالهم، فقال أبو بكر للمغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة. فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إلى أصحابه، فروح الظهر معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية، ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عليهم قبة في ناحية مسجده، كما يزعمون، فكان خالد بن سعيد بن العاص، هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى اكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعاما يأتيهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم، وقد كان فيما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية، وهي اللات، لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهرا واحدا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يتسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة، فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه: فقالوا: يا محمد، فسنؤتيكها، وإن كانت دناءة. (تأمير عثمان بن أبي العاص عليهم) : فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابهم، أمر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنا، وذلك أنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام، وتعلم القرآن. فقال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني قد رأيت هذا الغلام منهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام، وتعلم القرآن (بلال ووفد ثقيف في رمضان) : قال ابن إسحاق: وحدثني عيسى بن عبد الله بن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي، عن بعض وفدهم. قال: كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من رمضان، بفطرنا وسحورنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأتينا بالسحور، وإنا لنقول: إنا لنرى الفجر قد طلع، فيقول: قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر، لتأخير السحور: ويأتينا بفطرنا، وإنا لنقول: ما نرى الشمس كلها ذهبت بعد. فيقول: ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يضع يده في الجفنة، فيلتقم منها. قال ابن هشام: بفطورنا وسحورنا. (عهد الرسول لابن أبي العاص حين أمره على ثقيف) : قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي هند، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عثمان بن أبي العاص، قال: كان من آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني على ثقيف أن قال: يا عثمان، تجاوز في الصلاة، واقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير، والصغير، والضعيف، وذا الحاجة. (هدم الطاغية) : قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معها أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، في هدم الطاغية. فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه، وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم، فلما دخل المغيرة بن شعبة علاها يضربها بالمعول، وقام قومه دونه، بنو معتب، خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن: لتبكين دفاع ... أسلمها الرضاع لم يحسنوا المصاع قال ابن هشام: «لتبكين» عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واها لك! آها لك [1] ! فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان وحليها مجموع، وما لها من الذهب والجزع. (إسلام أبي مليح وقارب) :
وقد كان أبو مليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفد ثقيف، حين قتل عروة، يريدان فراق ثقيف، وأن لا يجامعاهم على شيء أبدا، فأسلما، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم توليا من شئتما، فقالا: نتولى الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وخالكما أبا سفيان ابن حرب، فقالا: وخالنا أبا سفيان بن حرب. (سؤالهما الرسول قضاء دين من أموال الطاغية) : فلما أسلم أهل الطائف ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان والمغيرة إلى هدم الطاغية، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو مليح بن عروة أن يقضي عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال له قارب بن الأسود، وعن الأسود يا رسول الله فاقضه، وعروة والأسود أخوان لأب وأم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الأسود مات مشركا. فقال قارب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لكن تصل مسلما ذا قرابة، يعني نفسه، إنما الدين علي، وإنما أنا الذي أطلب به، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان أن يقضي دين عروة والأسود من مال الطاغية، فلما جمع المغيرة مالها قال لأبي سفيان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقضي عن عروة والأسود دينهما، فقضى عنهما. (كتاب الرسول لثقيف) : وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم: بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد النبي، رسول الله، إلى المؤمنين: إن عضاه وج وصيده لا يعضد ، من وجد يفعل شيئا من ذلك، فإنه يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ به إلى النبي محمد، وإن هذا أمر النبي محمد رسول الله. وكتب خالد بن سعيد: بأمر الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعده أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. حج أبي بكر بالناس سنة تسع اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه بتأدية أول براءة عنه، وذكر براءة والقصص في تفسيرها (تأمير أبي بكر على الحج) : قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع، ليقيم للمسلمين حجهم، والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم. فخرج أبو بكر رضي الله عنه ومن معه من المسلمين. (نزول براءة في نقض ما بين الرسول والمشركين) : ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين من العهد، الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم: أن لا يصد عن البيت أحد جاءه، ولا يخاف أحد في الشهر الحرام. وكان ذلك عهدا عاما بينه وبين الناس من أهل الشرك، وكانت بين ذلك عهود بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائص، إلى آجال مسماة، فنزلت فيه وفيمن تخلف من المنافقين عنه في تبوك، وفي قول من قال منهم، فكشف الله تعالى فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون، منهم من سمى لنا، ومنهم من لم يسم لنا، فقال عز وجل: براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين 9: 1: أي لأهل
العهد العام من أهل الشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، واعلموا أنكم غير معجزي الله، وأن الله مخزي الكافرين. وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله 9: 2- 3: أي بعد هذه الحجة فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم. إلا الذين عاهدتم من المشركين 9: 3- 4: أي العهد الخاص إلى الأجل المسمى ثم لم ينقصوكم شيئا، ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين، فإذا انسلخ الأشهر الحرم 9: 4- 5: يعني الأربعة التي ضرب لهم أجلا فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم. وإن أحد من المشركين 9: 5- 6: أي من هؤلاء الذين أمرتك بقتلهم استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون 9: 6. ثم قال: كيف يكون للمشركين 9: 7 الذين كانوا هم وأنتم على العهد العام أن لا نحيفوكم ولا يخيفوهم في الحرمة، ولا في الشهر الحرام «عهد عند الله وعند رسوله، إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام 9: 7» ، وهي قبائل من بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم يوم الحديبية، إلى المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فلم يكن نقضها إلا هذا الحي من قريش، وهي الديل من بني بكر بن وائل، الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم. فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض من بني بكر إلى مدته فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم، إن الله يحب المتقين 9: 7 ثم قال تعالى: كيف وإن يظهروا عليكم 9: 8: أي المشركون الذين لا عهد لهم إلى مدة من أهل الشرك العام لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة 9: 8. (تفسير ابن هشام لبعض الغريب) : قال ابن هشام: الإل: الحلف. قال أوس بن حجر، أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم: لولا بنو مالك والإل مرقبة ... ومالك فيهم الآلاء والشرف وهذا البيت في قصيدة له. وجمعه: آلال، قال الشاعر: فلا إل من الآلال بيني ... وبينكم فلا تألن جهدا والذمة: العهد. قال الأجدع بن مالك الهمداني، وهو أبو مسروق بن الأجدع الفقيه: وكان علينا ذمة أن تجاوزوا ... من الأرض معروفا إلينا ومنكرا وهذا البيت في ثلاثة أبيات له، وجمعها: ذمم. يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، فصدوا عن سبيله، إنهم ساء ما كانوا يعملون. لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون 9: 8- 10 أي قد اعتدوا عليكم فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ونفصل الآيات لقوم يعلمون 9: 11 (اختصاص الرسول عليا بتأدية براءة عنه) : قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر محمد بن علي رضوان الله عليه، أنه قال: لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج، قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر، فقال: لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم دعا علي ابن أبي طالب رضوان الله عليه، فقال له: اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى، أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته، فخرج علي بن أبي طالب رضوان الله عليه على ناقة
رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك أبا بكر بالطريق، فلما رآه أبو بكر بالطريق قال: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم مضيا. فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج، التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر، قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم، ليرجع كل قوم إلى مأمنهم أو بلادهم ، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة، فهو له إلى مدته. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان. ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إسحاق: فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام، وأهل المدة إلى الأجل المسمى. (ما نزل في الأمر بجهاد المشركين) : قال ابن إسحاق: ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بجهاد أهل الشرك، ممن نقض من أهل العهد الخاص، ومن كان من أهل العهد العام، بعد الأربعة الأشهر التي ضرب لهم أجلا إلا أن يعدو فيها عاد منهم، فيقتل بعدائه، فقال: ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤكم أول مرة، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله 9: 13- 15: أي من بعد ذلك على من يشاء، والله عليم حكيم. أم حسبتم أن تتركوا 9: 15- 16 ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم، ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة، والله خبير بما تعملون 9: 16. (تفسير ابن هشام لبعض الغريب) : قال ابن هشام: وليجة: دخيل، وجمعها: ولائج، وهو من ولج يلج: أي دخل يدخل، وفي كتاب الله عز وجل: حتى يلج الجمل في سم الخياط 7: 40: أي يدخل، يقول: لم يتخذوا دخيلا من دونه يسرون إليه غير ما يظهرون، نحو ما يصنع المنافقون، يظهرون الإيمان للذين آمنوا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم 2: 14 قال الشاعر: واعلم بأنك قد جعلت وليجة ... ساقوا إليك الحتف غير مشوب (ما نزل في الرد على قريش بادعائهم عمارة البيت) : قال ابن إسحاق: ثم ذكر قول قريش: إنا أهل الحرم، وسقاة الحاج، وعمار هذا البيت، فلا أحد أفضل منا، فقال: إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر 9: 18: أي إن عمارتكم ليست على ذلك، وإنما يعمر مساجد الله أي من عمرها بحقها من آمن بالله واليوم الآخر، وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله 9: 18: أي فأولئك عمارها فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين 9: 18 وعسى من الله: حق. ثم قال تعالى: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله 9: 19. (ما نزل في الأمر بقتال المشركين) : ثم القصة عن عدوهم، حتى انتهى إلى ذكر حنين، وما كان فيه، وتوليهم عن عدوهم، وما أنزل الله تعالى من نصره بعد تخاذلهم، ثم قال تعالى: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وإن خفتم عيلة 9: 28 وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعن عنا الأسواق، فلتهلكن التجارة، وليذهبن ما كنا
نصيب فيها من المرافق، فقال الله عز وجل: وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله 9: 28: أي من وجه غير ذلك إن شاء، إن الله عليم حكيم، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون 9: 28- 29: أي ففي هذا عوض مما تخوفتم من قطع الأسواق، فعوضهم الله بما قطع [1] عنهم بأمر الشرك، ما أعطاهم من أعناق أهل الكتاب، من الجزية. (ما نزل في أهل الكتابين) : ثم ذكر أهل الكتابين بما فيهم من الشر والفرية عليه، حتى انتهى إلى قوله تعالى: إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله، والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم 9: 34. (ما نزل في النسيء) : ثم ذكر النسيء، وما كانت العرب أحدثت فيه. والنسيء ما كان يحل مما حرم الله تعالى من الشهور، ويحرم مما أحل الله منها، فقال: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم 9: 36: أي لا تجعلوا حرامها حلالا، ولا حلالها حراما: أي كما فعل أهل الشرك إنما النسيء 9: 37 الذي كانوا يصنعون «زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، زين لهم سوء أعمالهم، والله لا يهدي القوم الكافرين 9: 37 (ما نزل في تبوك) : ثم ذكر تبوك وما كان فيها من تثاقل المسلمين عنها، وما أعظموا من غزو الروم، حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جهادهم، ونفاق من نافق من المنافقين، حين دعوا إلى ما دعوا إليه من الجهاد، ثم ما نعى عليهم من إحداثهم في الإسلام، فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض 9: 38، ثم القصة إلى قوله تعالى: يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم 9: 39 إلى قوله تعالى: إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار 9: 40. (ما نزل في أهل النفاق) : ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، يذكر أهل النفاق: لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك، ولكن بعدت عليهم الشقة، وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم، يهلكون أنفسهم، والله يعلم إنهم لكاذبون 9: 42: أي إنهم يستطيعون عفا الله عنك، لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين 9: 43؟ ... إلى قوله: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا، ولأوضعوا خلالكم، يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم 9: 47. (تفسير ابن هشام لبعض الغريب) : قال ابن هشام: أوضعوا خلالكم: ساروا بين أضعافكم، فالإيضاع: ضرب من السير أسرع من المشي، قال الأجدع بن مالك الهمداني: يصطادك الواحد المدل بشأوه ... بشريج بين الشد والإيضاع وهذا البيت في قصيدة له. (عود إلى ما نزل في أهل النفاق) : قال ابن إسحاق: وكان الذين استأذنوه من ذوي الشرف، فيما بلغني، منهم: عبد الله بن أبي بن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله لعلمه بهم أن يخرجوا معه، فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم، وطاعة فيما يدعونهم إليه، لشرفهم فيهم. فقال تعالى: وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين، لقد ابتغوا الفتنة من قبل 9: 47- 48: أي من قبل أن يستأذنوك، وقلبوا لك الأمور 9: 48: أي ليخذلوا عنك أصحابك ويردوا عليك أمرك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون.
ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا 9: 48- 49، وكان الذي قال ذلك، فيما سمي لنا، الجد بن قيس، أخو بني سلمة، حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جهاد الروم. ثم كانت القصة إلى قوله تعالى: لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون. ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون 9: 57- 58: أي إنما نيتهم ورضاهم وسخطهم لدنياهم. (ما نزل في ذكر أصحاب الصدقات) : ثم بين الصدقات لمن هي، وسمى أهلها، فقال: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين وفي سبيل الله، وابن السبيل، فريضة من الله، والله عليم حكيم 9: 60. (ما نزل فيمن آذوا الرسول) : ثم ذكر غشهم وأذاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن، قل أذن خير لكم، يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين، ورحمة للذين آمنوا منكم، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم 9: 61. وكان الذي يقول تلك المقالة، فيما بلغني، نبتل بن الحارث أخو بني عمرو بن عوف، وفيه نزلت هذه الآية، وذلك أنه كان يقول: إنما محمد أذن، من حدثه شيئا صدقه. يقول الله تعالى: قل أذن خير لكم 9: 61: أي يسمع الخير ويصدق به. ثم قال تعالى: يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين 9: 62، ثم قال: ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن 9: 65 ... إلى قوله تعالى: إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة 9: 66، وكان الذي قال هذه المقالة وديعة بن ثابت، أخو بني أمية بن زيد، من بني عمرو ابن عوف، وكان الذي عفي عنه، فيما بلغني: مخشن بن حمير الأشجعي، حليف بني سلمة، وذلك أنه أنكر منهم بعض ما سمع. ثم القصة من صفتهم حتى انتهى إلى قوله تعالى: يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير. يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا، وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله 9: 73- 74 ... إلى قوله: من ولي ولا نصير 9: 74. وكان الذي قال تلك المقالة الجلاس بن سويد ابن صامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره، يقال له عمير بن سعد، فأنكرها وحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيهم القرآن تاب ونزع، وحسنت حاله وتوبته، فيما بلغني. ثم قال تعالى: ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين 9: 75، وكان الذي عاهد الله منهم ثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وهما من بنى عمر بن عوف. ثم قال: الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، والذين لا يجدون إلا جهدهم، فيسخرون منهم، سخر الله منهم ولهم عذاب أليم 9: 79 وكان المطوعون من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف، وعاصم بن عدي أخا بني العجلان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغب في الصدقة، وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف، فتصدق بأربعة آلاف درهم، وقام عاصم بن عدى، فتصدق بمائة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا ما هذا إلا رياء، وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف، أتى بصاع من تمر، فأفرغها في الصدقة، فتضاحكوا به، وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل. ثم ذكر قول بعضهم لبعض، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاد، وأمر بالسير إلى تبوك، على شدة الحر وجدب البلاد، فقال تعالى: وقالوا لا تنفروا في الحر، قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون. فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا 9: 81- 82 ... إلى قوله: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم 9: 85. (ما نزل بسبب صلاة النبي على ابن أبي) :
قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبي، دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه، فقام إليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة، تحولت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله، أتصلي على عدو الله عبد الله بن أبي بن سلول؟ القائل كذا يوم كذا، والقائل كذا يوم كذا؟ أعدد أيامه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم حتى إذا أكثرت قال: يا عمر، أخر عني، إني قد خيرت فاخترت، قد قيل لي: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم 9: 80، فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له، لزدت. قال: ثم صلى الله عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشى معه حتى قام على قبره، حتى فرغ منه. قال: فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم. فو الله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون 9: 84 فما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده على منافق حتى قبضه الله تعالى. (ما نزل في المستأذنين) : قال ابن إسحاق: ثم قال تعالى: وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم 9: 86، وكان ابن أبي من أولئك، فنعى الله ذلك عليه، وذكره منه، ثم قال تعالى: لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون. أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. ذلك الفوز العظيم. وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم، وقعد الذين كذبوا الله ورسوله 9: 88- 90 ... إلى آخر القصة. وكان المعذرون، فيما بلغني نفرا من بني غفار، منهم خفاف بن أيماء بن رحضة، تم كانت القصة لأهل العذر، حتى انتهى إلى قوله: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم، قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون 9: 92 وهم البكاءون. ثم قال تعالى: إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون 9: 93 والخوالف: النساء. ثم ذكر حلفهم للمسلمين واعتذارهم، فقال: فأعرضوا عنهم 9: 95، إلى قوله تعالى: فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين 9: 96. (ما نزل فيمن نافق من الأعراب) : ثم ذكر الأعراب ومن نافق منهم وتربصهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، فقال: ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق 9: 98: أي من صدقة أو نفقة في سبيل الله مغرما ويتربص بكم الدوائر، عليهم دائرة السوء والله سميع عليم 9: 98. ثم ذكر الأعراب أهل الإخلاص والإيمان منهم، فقال: ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول، ألا إنها قربة لهم 9: 99. (ما نزل في السابقين من المهاجرين والأنصار) : ثم ذكر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وفضلهم، وما وعدهم الله من حسن ثوابه إياهم، تم ألحق بهم التابعين لهم بإحسان، فقال: رضي الله عنهم ورضوا عنه 9: 100، ثم قال تعالى: وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق 9: 101: أي لجوا فيه، وأبوا غيره سنعذبهم مرتين 9: 101، والعذاب الذي أوعدهم الله تعالى مرتين، فيما بلغني غمهم بما هم فيه من أمر الإسلام، وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه، عذاب النار والخلد فيه. ثم قال تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم، خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، عسى الله أن يتوب عليهم، إن الله غفور رحيم 9: 102.
ثم قال تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها 9: 103 إلى آخر القصة. ثم قال تعالى: وآخرون مرجون لأمر الله، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم 9: 106، وهم الثلاثة الذين خلفوا، وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم حتى أتت من الله توبتهم. ثم قال تعالى: والذين اتخذوا مسجدا ضرارا 9: 107 ... إلخ القصة ثم قال تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة 9: 111. ثم كان قصة الخبر عن تبوك، وما كان فيها إلى آخر السورة. وكانت براءة تسمى في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعده المبعثرة، لما كشفت من سرائر الناس. وكانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. شعر حسان الذي عدد فيه المغازي وقال حسان بن ثابت يعدد أيام الأنصار مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه: قال ابن هشام: وتروى لابنه عبد الرحمن بن حسان: ألست خير معد كلها نفرا ... ومعشرا إن هم عموا وإن حصلوا قوم هم شهدوا بدرا بأجمعهم ... مع الرسول فما ألوا وما خذلوا وبايعوه فلم ينكث به أحد ... منهم ولم يك في إيمانهم دخل ويوم صبحهم في الشعب من أحد ... ضرب رصين كحر النار مشتعل ويوم ذي قرد يوم استثار بهم ... على الجياد فما خاموا وما نكلوا وذا العشيرة جاسوها بخيلهم ... مع الرسول عليها البيض والأسل ويوم ودان أجلوا أهله رقصا ... بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل وليلة طلبوا فيها عدوهم ... لله والله يجزيهم بما عملوا وغزوة يوم نجد ثم كان لهم ... مع الرسول بها الأسلاب والنفل وليلة بحنين جالدوا معه ... فيها يعلهم بالحرب إذ نهلوا وغزوة القاع فرقنا العدو به ... كما تفرق دون المشرب الرسل ويوم بويع كانوا أهل بيعته ... على الجلاد فآسوه وما عدلوا وغزوة الفتح كانوا في سريته ... مرابطين فما طاشوا وما عجلوا ويوم خيبر كانوا في كتيبته ... يمشون كلهم مستبسل بطل بالبيض ترعش في الأيمان عارية ... تعوج في الضرب أحيانا وتعتدل ويوم سار رسول الله محتسبا ... إلى تبوك وهم راياته الأول وساسة الحرب إن حرب بدت لهم ... حتى بدا لهم الإقبال والقفل أولئك القوم أنصار النبي وهم ... قومي أصير إليهم حين أتصل ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم ... وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا قال ابن هشام: عجز آخرها بيتا عن غير ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا: كنا ملوك الناس قبل محمد ... فلما أتى الإسلام كان لنا الفضل وأكرمنا الله الذي ليس غيره ... إليه بأيام مضت ما لها شكل بنصر الإله والرسول ودينه ... وألبسناه اسما مضى ما له مثل أولئك قومي خير قوم بأسرهم ... فما عد من خير فقومي له أهل يربون بالمعروف معروف من مضى ... وليس عليهم دون معروفهم قفل إذا اختبطوا لم يفحشوا في نديهم ... وليس على سؤالهم عندهم بخل وإن حاربوا أو سالموا لم يشبهوا ... فحربهم حتف وسلمهم سهل وجارهم موف بعلياء بيته ... له ما ثوى فينا الكرامة والبذل وحاملهم موف بكل حمالة ... تحمل لا غرم عليها ولا خذل وقائلهم بالحق إن قال قائل ... وحلمهم عود وحكمهم عدل ومنا أمير المسلمين حياته ... ومن غسلته من جنابته الرسل قال ابن هشام: وقوله: «وألبسناه اسما» عن غير ابن إسحاق: قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا: قومي أولئك إن تسألي ... كرام إذا الضيف يوما ألم عظام القدور لأيسارهم ... يكبون فيها المسن السنم يؤاسون جارهم في الغنى ... ويحمون مولاهم إن ظلم فكانوا ملوكا بأرضيهم ... ينادون عضبا بأمر غشم ملوكا على الناس، لم يملكوا ... من الدهر يوما كحل القسم فأنبوا بعاد وأشياعها ... ثمود وبعض بقايا إرم بيثرب قد شيدوا في النخيل ... حصونا ودجن فيها النعم نواضح قد علمتها اليهو ... د (عل) إليك وقولا هلم