وأمه هالة الأحمرية من بني الأحمر بن الحارث بن عبد مناة بن كنانة, وأبو واثلة بن عتبة. وأمه من خولان, وعبيد بن عتبة لأم ولد, وإسحاق بن عتبة لأم ولد سوداء، وأم عبد الله بنت عتبة، وأمها خولة أم ولد. 4843- أخبرنا علي بن عيسى بن عبد الله النوفلي، عن حمزة بن عتبة بن إبراهيم اللهبي، قال: حدثنا إبراهيم بن عامر بن أبي سفيان بن معتب، وغيره من مشيختنا الهاشميين، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح، قال لي: يا عباس, أين ابنا أخيك: عتبة, ومعتب لا أراهما؟ قال: قلت: يا رسول الله, تنحيا فيمن تنحى من مشركي قريش، فقال لي: اذهب إليهما وأتني بهما, قال العباس: فركبت إليهما بعرنة، فأتيتهما، فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوكما، فركبا معي سريعين, حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهما إلى الإسلام، فأسلما، وبايعا، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بأيديهما، وانطلق بهما يمشي بينهما, حتى أتى بهما الملتزم، وهو ما بين باب الكعبة, والحجر الأسود، فدعا ساعة، ثم انصرف، والسرور يرى في وجهه، قال العباس: فقلت له: سرك الله يا رسول الله، فإني أرى في وجهك السرور، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم, إني استوهبت ابني عمي هذين ربي، فوهبهما لي. قال حمزة بن عتبة: فخرجا معه في فوره ذلك إلى حنين، فشهدا غزوة حنين، وثبتا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فيمن ثبت من أهل بيته وأصحابه، وأصيبت عين معتب يومئذ، ولم يقم أحد من بني هاشم من الرجال بمكة بعد أن فتحت غير عتبة, ومعتب ابني أبي لهب. 377- معتب بن أبي لهب ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأمه أم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وكان لمعتب من الولد: عبد الله، ومحمد، وأبو سفيان، وموسى، وعبيد الله، وسعيد، وخالدة, وأمهم عاتكة بنت أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. وأمها أم عمرو بنت المقوم بن عبد المطلب بن هاشم, وأبو مسلم، ومسلم، وعباس بنو معتب لأمهات أولاد شتى، وعبد الرحمن بن معتب. وأمه من حمير, وقد كتبنا قصة معتب بن أبي لهب في إسلامه مع قصة أخيه عتبة بن أبي لهب. 378- أسامة الحب بن زيد ابن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، وهو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكنى: أبا محمد. وأمه أم أيمن، واسمها بركة, حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاته، وكان زيد بن حارثة في رواية بعض أهل العلم أول الناس إسلاما، ولم يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولد له: أسامة بمكة، ونشأ حتى أدرك ولم يعرف إلا الإسلام لله تعالى، ولم يدن بغيره، وهاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا، وكان عنده كبعض أهله. 4844- أخبرنا عفان بن مسلم، وهاشم بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، ويحيى بن عباد، قالوا: أخبرنا شريك، عن العباس بن ذريح، يعني: عن البهي، عن عائشة، قالت: عثر أسامة على عتبة الباب, أو أسكفة الباب، فشج جبهته، فقال: يا عائشة, أميطي عنه الدم، فتقذرته، قالت: فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمص شجته ويمجه، ويقول: لو كان أسامة جارية لكسوته وحليته حتى أنفقه.
İbn Sa'd — et-Tabakātü'l-Kübrâ
ibnsacd · AR
4845- أخبرنا يحيى بن عباد، قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: حدثنا أبو السفر، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هو وعائشة، وأسامة عندهم، إذ نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه أسامة، فضحك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن أسامة جارية لحليتها وزينتها حتى أنفقها. 4846- أخبرنا هوذة بن خليفة، قال: حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني والحسن يقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما. 4847- أخبرنا عارم بن الفضل، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان، عن أسامة, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذني والحسن بن علي، ثم يقول: اللهم أحبهما فإني أحبهما. 4848- أخبرنا عارم بن الفضل، قال: حدثني معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن أبي عثمان النهدي، يحدثه أبو عثمان، عن أسامة بن زيد، قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يأخذني، فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن بن علي على فخذه الأخرى، ثم يضمنا، ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما. 4849 - أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميري، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم, أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن الراية صارت إلى خالد بن الوليد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فهلا إلى رجل قتل أبوه, يعني أسامة بن زيد. 4850- أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: قام أسامة بن زيد بعد قتل أبيه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدمعت عيناه، ثم جاء من الغد، فقام مقامه بالأمس، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ألاقي منك اليوم ما لاقيت منك أمس. 4851- أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: دخل مجزز المدلجي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أسامة، وزيدا عليهما قطيفة، قد غطيا رءوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، قالت: فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا. قال سفيان: وحدثونا عن الزهري، أنه قال: تبرق أسارير وجهه. 4852- أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجززا أبصر آنفا إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد، فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض, قال محمد بن سعد: قال غير هشام أبي الوليد: فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشبه أسامة زيدا. 4853- أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الإفاضة من عرفة من أجل أسامة بن زيد ينتظره، فجاء غلام أفطس أسود، فقال أهل اليمن: إنما حبسنا من أجل هذا، قال: فلذلك كفر أهل اليمن من أجل ذا, قال محمد بن سعد: قلت ليزيد بن هارون: ما, يعني بقوله: كفر أهل اليمن من أجل هذا؟ فقال: ردتهم حين ارتدوا في زمن أبي بكر، إنما كانت لاستخفافهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم. 4854- أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفة، وهو رديف النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يكبح راحلته, حتى إن ذفراها ليكاد يصيب قادمة الرحل- وربما قال حماد: ليمس قادمة الرحل- ويقول: يا أيها الناس, عليكم السكينة والوقار، فإن البر ليس في إيضاع الإبل.
4855- أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورديفه أسامة بن زيد، فسقيناه من هذا النبيذ، فشرب، ثم قال: أحسنتم, فهكذا فاصنعوا. 4856- أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا همام بن يحيى، قال: حدثنا قتادة، قال: حدثني عروة، أن عامرا الشعبي حدثه، أن أسامة قال: إنه كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة، فلما أفاض، لم ترفع راحلته رجلها عادية حتى بلغ جمعا. 4857- أخبرنا يحيى بن عباد، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر, أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح، ورديفه أسامة بن زيد، فأناخ في ظل الكعبة، قال ابن عمر: فسبقت الناس، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم, وبلال، وأسامة الكعبة، فقلت لبلال وهو وراء الباب: أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بحيالك، بين الساريتين. 4858- أخبرنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر العقدي، وموسى بن مسعود، وأبو حذيفة النهدي، قالوا: حدثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن أسامة بن زيد، عن أسامة بن زيد، قال: كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطية كثيفة كانت مما أهدى دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك لم تلبس القبطية, قال: قلت: يا رسول الله, كسوتها امرأتي، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مرها فلتجعل تحتها غلالة, إني أخاف أن تصف حجم عظامها. 4859- أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، عن ابن عقيل، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله. 4860- أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا ليث بن سعد، قال: حدثني عبيد الله بن المغيرة؛ أن حكيم بن حزام أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة كانت لذي يزن، وهو يومئذ مشرك, اشتراها بخمسين دينارا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نقبل من مشرك, ولكن إذ بعثت بها، فنحن نأخذها بالثمن، بكم أخذتها؟ قال: بخمسين دينارا، قال: فقبضها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلس على المنبر للجمعة، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكسا الحلة أسامة بن زيد. 4861 - أخبرنا معن بن عيسى، قال: أخبرنا مالك بن أنس (ح) قال: وأخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس، وخالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان بن بلال (ح) قال: وأخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم، جميعا، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر, قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا، وأمر عليهم أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمارته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تطعنوا في إمارته، فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقا للإمارة, وإن كان لمن أحب الناس إلي، وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده.
4862- أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا وهيب بن خالد (ح) قال: وأخبرنا المعلى بن أسد، قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار، قال: حدثنا موسى بن عقبة، قال: حدثني سالم، عن أبيه؛ أنه كان يسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمر أسامة، فبلغه أن الناس عابوا أسامة، وطعنوا في إمارته، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فقال- كما حدثني سالم -: ألا إنكم تعيبون أسامة، وتطعنون في إمارته، وقد فعلتم ذلك بأبيه من قبل، وإن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لأحب الناس كلهم إلي، وإن ابنه هذا من بعده لأحب الناس إلي، فاستوصوا به خيرا, فإنه من خياركم, قال سالم: ما سمعت عبد الله يحدث هذا الحديث قط, إلا قال: ما حاشا فاطمة. 4863- أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثني صالح بن أبي الأخضر، قال: حدثنا الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وجها، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوجه في ذلك الوجه، واستخلف أبو بكر، قال: فقال أبو بكر لأسامة: ما الذي عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: عهد إلي أن أغير على أبنى صباحا، ثم أخرق. 4864- أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيهم أبو بكر, وعمر، فاستعمل عليهم أسامة بن زيد، وكان الناس طعنوا فيه- أي في صغره- فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن الناس قد طعنوا في إمارة أسامة بن زيد، وقد كانوا طعنوا في إمارة أبيه من قبله، وإنهما لخليقان لها- أو كانا خليقين لذلك- فإنه لمن أحب الناس إلي، وكان أبوه من أحب الناس إلي, إلا فاطمة، فأوصيكم بأسامة خيرا. 4865- أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا حنش، قال: سمعت أبي يقول: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وهو ابن ثماني عشرة سنة. 4866- أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة، قال: حدثنا هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وأمره أن يغير على أبنى من ساحل البحر, قال هشام: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر الرجل أعلمه، وندب الناس معه، قال: فخرج معه سروات الناس وخيارهم، ومعه عمر، قال: فطعن الناس في تأمير أسامة، قال: فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: وإن ناسا طعنوا في تأميري أسامة، كما طعنوا في تأميري أباه، وإنه لخليق للإمارة, وإن كان لأحب الناس إلي من بعد أبيه، وإني لأرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا. قال: ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول في مرضه: أنفذوا جيش أسامة، أنفذوا جيش أسامة، قال: فسار حتى بلغ الجرف، فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس، فقالت: لا تعجل، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيل، فلم يبرح حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى أبي بكر، فقال: إن رسول الله بعثني وأنا على غير حالكم هذه، وأنا أتخوف أن تكفر العرب، فإن كفرت كانوا أول من يقاتل، وإن لم تكفر مضيت، فإن معي سروات الناس وخيارهم، قال: فخطب أبو بكر الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: والله لأن تخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فبعثه أبو بكر إلى آبل، واستأذن لعمر أن يتركه عنده، قال: فأذن أسامة لعمر، قال: فأمره أبو بكر أن يجزر في القوم، قال هشام: بقطع الأيدي والأرجل والأوساط في القتال, حتى يفزع القوم، قال: فمضى حتى أغار عليهم، ثم أمرهم أن يعظموا الجراحة حتى يرهبوهم، قال: ثم رجعوا وقد سلموا، وقد غنموا، قال: وكان عمر يقول: ما كنت لأجئ أحدا بالإمارة غير أسامة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو أمير, قال: فساروا، فلما دنوا من الشام أصابتهم ضبابة شديدة، فسترهم الله بها حتى أغاروا، وأصابوا حاجتهم. قال: فقدم بنعي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هرقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبرا واحدا، فقالت الروم: ما بالى ؤلاء بموت صاحبهم أن أغاروا على أرضنا. قال عروة: فما رئي جيش كان أسلم من ذلك الجيش. 4867- أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، بنحو حديث أبي أسامة، عن هشام. وزاد: في الجيش الذي استعمله عليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح. قال: وكتبت إليه فاطمة بنت قيس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثقل، وإني لا أدري ما يحدث، فإن رأيت أن تقيم فأقم، فدوم أسامة بالجرف حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وأمر أن يعظم فيهم الجراح يجزل الرجل منهم جزلا، فكفرت العرب. 4868- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الله بن يزيد بن قسيط، عن أبيه، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول الناس: استعمل أسامة بن زيد على المهاجرين والأنصار، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس, أنفذوا بعث أسامة, فلعمري إن قلتم في إمارته, لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله، وإنه لخليق للإمارة، وإن كان أبوه لخليقا لها، قال: فخرج جيش أسامة حتى عسكروا بالجرف، وتتام الناس إليه، فخرجوا، وثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض في رسوله، قال أسامة: فلما ثقل هبطت من عسكري ، وهبط الناس معي وغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يتكلم، فجعل يرفع يده إلى السماء، ثم نصبها إلي، فأعرف أنه يدعو لي. 4869- أخبرنا كثير بن هشام، قال: أخبرنا جعفر بن برقان، قال: حدثنا الحضرمي, رجل من أهل اليمامة، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أسامة بن زيد، وكان يحبه ويحب أباه قبله، بعثه على جيش، وكان ذلك من أول ما جرب أسامة في قتال، فلقي، فقاتل، فذكر منه بأس، قال أسامة: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتاه البشير بالفتح، فإذا هو متهلل وجهه، فأدناني منه، ثم قال: حدثني، فجعلت أحدثه، فقلت: فلما انهزم القوم, أدركت رجلا وأهويت إليه بالرمح، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فقتلته، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ويحك يا أسامة, فكيف لك بلا إله إلا الله، ويحك يا أسامة, فكيف لك بلا إله إلا الله، فلم يزل يرددها علي, حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته، واستقبلت الإسلام يومئذ جديدا، فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا إله إلا الله بعد ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. 4870- أخبرنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا أبو عوانة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال: قال ذو البطين أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا، فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلا يقول: لا إله إلا الله أبدا, فقال لهما رجل: ألم يقل الله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}، فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله.
4871- أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: كان أسامة يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في الشيء فيشفعه فيه، فأتاه مرة في حد، فقال: يا أسامة, لا تشفع في حد. 4872- أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا ليث بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم، فاختطب، فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم, أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله, لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. 4873- أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم, أن عمر بن الخطاب فضل المهاجرين الأولين، وأعطى أبناءهم دون ذلك، وفضل أسامة بن زيد على عبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر: فقال لي رجل: فضل عليك أمير المؤمنين من ليس بأقدم منك سنا، ولا أفضل منك هجرة, ولا شهد من المشاهد ما لم تشهد، قال عبد الله: وكلمته، فقلت: يا أمير المؤمنين, فضلت علي من ليس هو بأقدم مني سنا، ولا أفضل مني هجرة، ولا شهد من المشاهد ما لم أشهد، قال: ومن هو؟ قلت: أسامة بن زيد، قال: صدقت، لعمر الله فعلت ذلك؛ لأن زيد بن حارثة كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمر، وأسامة بن زيد كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبد الله بن عمر, فلذلك فعلت. 4874- أخبرنا خالد بن مخلد البجلي، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فرض عمر بن الخطاب لأسامة بن زيد كما فرض للبدريين أربعة آلاف، وفرض لي ثلاثة آلاف وخمسمئة، فقلت: لم فرضت لأسامة أكثر مما فرضت لي، ولم يشهد مشهدا إلا وقد شهدته؟ فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وكان أبوه أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك. 4875- أخبرنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا قرة بن خالد، قال: حدثنا محمد بن سيرين، قال: بلغت النخلة على عهد عثمان بن عفان ألف درهم، قال: فعمد أسامة إلى نخلة، فنقرها، وأخرج جمارها، فأطعمها أمه، فقالوا له: ما يحملك على هذا, وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال: إن أمي سألتنيه، ولا تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتها. 4876 - أخبرنا كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن برقان، قال: سمعت يزيد بن الأصم، يقول: كان لميمونة قريب، فرأته وقد أرخى إزاره بطنه، فلامته في ذلك ملامة شديدة، فقال لها: إني قد رأيت أسامة بن زيد يرخي إزاره، قالت: كذبت ولكن كان ذا بطن, فلعل إزاره كان يسترخي إلى أسفل بطنه. 4877 - أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، أن مولى لقدامة بن مظعون حدثه، أن مولى لأسامة بن زيد حدثه قال: كان أسامة يركب إلى مال له بوادي القرى، فيصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، فقلت له: أتصوم في السفر وقد كبرت ورققت؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وقال: إن الأعمال تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس.
4878- أخبرنا علي بن عبد الله بن جعفر، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عمر، قال: أخبرني أبو جعفر محمد بن علي، قال: حدثني حرملة مولى أسامة، قال عمر: وقد رأيت حرملة، قال: أرسلني أسامة إلى علي، فقال: أقرئه السلام، وقل له: إنك لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أدخل معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره. قال: فأتيت عليا، فلم يعطني شيئا، فأتيت الحسن, وابن جعفر، فأوقرا لي راحلتي. 4879- أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، قال: تزوج أسامة بن زيد هند بنت الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ودرة بنت عدي بن قيس بن حذافة بن سعد بن سهم، فولدت له محمدا وهند، وتزوج أيضا فاطمة بنت قيس, أخت الضحاك بن قيس الفهري، فولدت له جبيرا، وزيدا، وعائشة، وتزوج أم الحكم بنت عتبة بن أبي وقاص، وبنت أبي حمدان السهمي، وتزوج برزة بنت ربعي من بني عذرة، ثم من بني رزاح، فولدت له: حسنا، وحسينا. 4880- أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا يعقوب بن عمر، عن نافع العدوي، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أسامة بن زيد، فلما بلغ، وهو ابن أربع عشرة سنة، تزوج امرأة يقال لها: زينب بنت حنظلة بن قسامة، فطلقها أسامة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أدله على الوضيئة القتين، وأنا صهره؟ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى نعيم بن عبد الله النحام، فقال نعيم: كأنك تريدني يا رسول الله؟ قال: أجل، فتزوجها، فولدت له إبراهيم بن نعيم، فقتل إبراهيم يوم الحرة. قال محمد: والقتين: القليلة الأكل. قال محمد بن عمر: لم يبلغ أولاد أسامة من الرجال والنساء في كل دهر أكثر من عشرين إنسانا، قال محمد بن عمر: وقبض النبي صلى الله عليه وسلم, وأسامة ابن عشرين سنة، وكان قد سكن وادي القرى بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نزل إلى المدينة، فمات بالجرف في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان. 4881- أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: حمل أسامة بن زيد حين مات من الجرف إلى المدينة. 379- أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم واسمه أسلم، وكان عبدا للعباس بن عبد المطلب، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلام العباس, أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم. 4882- أخبرنا رويم بن يزيد المقرئ، قال: حدثنا هارون بن أبي عيسى (ح) وأخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة مولى ابن عباس، قال: قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدوا لله قد تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا. فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا، وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما كان من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشر, حتى جلس على طنب الحجرة، وكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، قال: فقال أبو لهب: هلم إلي يا ابن أخي، فعندك لعمري الخبر.
قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء والله إن هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق، بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا، وما يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده، فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني، فضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته، فضربته به ضربة، فلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه إن غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته، فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفناه حتى أنتن في بيته. وكانت قريش تتقي العدسة وعدواها كما يتقي الناس الطاعون, حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما, ألا تستحيان إن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه., قالا: إنا نخشى هذه القرحة، قال: انطلقا فأنا معكما، فما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه، ثم احتملوه، فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه. قالوا: فلما كان بعد بدر, هاجر أبو رافع إلى المدينة، وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد أحدا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمى مولاته، وشهدت معه خيبر، وولدت لأبي رافع: عبيد الله بن أبي رافع، وكان كاتبا لعلي بن أبي طالب عليه السلام. 4883- أخبرنا الفضل بن دكين، قال: حدثنا حمزة الزيات، عن الحكم، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقم بن أبي الأرقم ساعيا على الصدقة، فقال لأبي رافع: هل لك أن تعينني وأجعل لك سهم العاملين؟ فقال: حتى أذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أبا رافع, إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم. 4884- أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، وقبيصة بن عقبة، قالا: حدثنا سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة الزرقي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حليفنا منا، ومولانا منا، وابن أختنا منا. قال محمد بن عمر: مات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بن عفان، وله عقب. 380 - سلمان الفارسي 4885 - أخبرنا أبو معاوية الضرير، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن جرير, يعني ابن عبد الله، والأعمش، عن أبي سفيان، عن أشياخه، أن سلمان كان يكنى: أبا عبد الله. 4886 - أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، عن عوف بن أبي عثمان النهدي، قال: قال لي سلمان: أتعلم مكان رام هرمز؟ قلت: نعم. قال: فإني من أهلها. 4887 - أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي، قال: حدثنا سفيان، عن عبيد أبي العلاء، عن عامر بن واثلة، عن سلمان, قال: أنا من أهل جي.
4888 - أخبرنا يوسف بن البهلول، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس، قال: حدثني سلمان الفارسي حديثه من فيه، قال: كنت رجلا من أهل أصبهان من قرية, يقال لها: جي، وكان أبي دهقان أرضه، وكنت من أحب عباد الله إليه، فما زال في حبه إياي, حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، قال: فاجتهدت في المجوسية, حتى كنت قاطن النار التي نوقدها لا نتركها تخبو، وكانت لأبي ضيعة في بعض عمله، وكان يعالج بنيانا له في داره، فدعاني، فقال: أي بني, إنه قد شغلني بنياني كما ترى، فانطلق إلى ضيعتي، فلا تحتبس علي، فإنك إن فعلت شغلتني عن كل ضيعة، وكنت أهم عندي مما أنا فيه، فخرجت, فمررت بكنيسة للنصارى، فسمعت صلاتهم فيها، فدخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلم أزل عندهم، وأعجبني ما رأيت من صلاتهم، وقلت في نفسي: هذا خير من ديننا الذي نحن عليه، فما برحتهم, حتى غابت الشمس، وما ذهبت إلى ضيعة أبي, ولا رجعت إليه, حتى بعث الطلب في أثري، وقد قلت للنصارى حين أعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام، قال: ثم خرجت، فرجعت إلى أبي، فقال: أي بني, أين كنت؟ قد كنت عهدت إليك، وتقدمت ألا تحتبس، قال: قلت: إني مررت على ناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم, ورأيت أن دينهم خير من ديننا. قال: فقال لي: أي بني, دينك ودين آبائك خير من دينهم، قال: قلت: كلا والله، قال: فخافني، فجعل في رجلي حديدا، وحبسني، وأرسلت إلى النصارى أخبرهم أني قد رضيت أمرهم، وقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فآذنوني، فقدم عليهم ركب منهم من التجار، فأرسلوا إلي، فأرسلت إليهم إن أرادوا الرجوع فآذنوني، فلما أرادوا الرجوع أرسلوا إلي، فرميت بالحديد من رجلي، ثم خرجت، فانطلقت معهم إلى الشام. فلما قدمت سألت عن عالمهم، فقيل لي: صاحب الكنيسة أسقفهم، قال: فأتيته، فأخبرته خبري، وقلت: إني أحب أن أكون معك أخدمك وأصلي معك وأتعلم منك، فإني قد رغبت في دينك, قال: أقم، فكنت معه، وكان رجل سوء في دينه، وكان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا إليه الأموال اكتنزها لنفسه, حتى جمع سبع قلال دنانير ودراهم. ثم مات فاجتمعوا ليدفنوه، قال: قلت: تعلمون أن صاحبكم هذا كان رجل سوء، فأخبرتهم ما كان يصنع في صدقتهم، قال: فقالوا: فما علامة ذلك؟ قال: قلت: أنا أدلكم على ذلك، فأخرجته, فإذا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، فلما رأوها، قالوا: والله لا نغيبه أبدا، ثم صلبوه على خشبة، ورجموه بالحجارة، وجاؤوا بآخر، فجعلوه مكانه. قال سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس كان خيرا منه أعظم رغبة في الآخرة, ولا أزهد في الدنيا، ولا أدأب ليلا ولا نهارا منه، وأحببته حبا ما علمت أني أحببت شيئا كان قبله، فلما حضره قدره، قلت له: إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى, فماذا تأمرني, وإلى من توصي بي؟ قال: أي بني, ما أرى أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل، فأما الناس, فقد بدلوا وهلكوا. فلما توفي أتيت صاحب الموصل، فأخبرته بعهده إلي أن ألحق به, وأكون معه، قال: أقم, فأقمت معه ما شاء الله أن أقيم على مثل ما كان عليه صاحبه، ثم حضرته الوفاة، فقلت: إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى, فإلى من توصي بي؟ قال: أي بني, والله ما أعلم أحدا على أمرنا إلا رجلا بنصيبين، وهو فلان فالحق به.
قال: فأتيت على رجل على مثل ما كان عليه صاحباه، فأخبرته خبري, فأقمت معه ما شاء الله أن أقيم، فلما حضرته الوفاة، قلت له: إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان، وفلانا إلى فلان، وفلانا إليك، فإلى من توصي بي؟ قال: أي بني, والله ما أعلم أحدا من الناس على ما نحن عليه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم, فإن استطعت أن تلحق به فالحق. فلما توفي لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خبري, وخبر من أوصى بي, حتى انتهيت إليه، فقال: أقم، فأقمت عنده، فوجدته على مثل ما كان عليه أصحابه، فمكثت عنده ما شاء الله أن أمكث, وثاب لي شيء, حتى اتخذت بقرات وغنيمة، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إلى من توصي بي؟ فقال لي: أي بني، والله ما أعلم أنه أصبح في الأرض أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفية, يخرج من أرض مهاجره، وقراره ذات نخل بين حرتين، فإن استطعت أن تخلص إليه فاخلص, وإن به آيات لا تخفى، إنه لا يأكل الصدقة، وهو يأكل الهدية، وإن بين كتفيه خاتم النبوة, إذا رأيته عرفته. قال: ومات, فمر بي ركب من كلب، فسألتهم عن بلادهم، فأخبروني عنها، فقلت: أعطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني, حتى تقدموا بي أرضكم؟ قالوا: نعم، فاحتملوني, حتى قدموا بي وادي القرى، فظلموني، فباعوني عبدا من رجل من يهود، فرأيت بها النخل, وطمعت أن تكون البلدة التي وصفت لي، وما حقت لي، ولكني قد طمعت حين رأيت النخل، فأقمت عنده حتى قدم رجل من يهود بني قريظة، فابتاعني منه، ثم خرج بي حتى قدمت المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها، فعرفتها بصفة صاحبي, وأيقنت أنها هي البلدة التي وصفت لي. فأقمت عنده أعمل له في نخله في بني قريظة, حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وخفي علي أمره, حتى قدم المدينة، ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف، فوالله إني لفي رأس نخلة, وصاحبي جالس تحتي, إذ أقبل رجل من يهود, من بني عمه, حتى وقف عليه، فقال: أي فلان, قاتل الله بني قيلة، إنهم آنفا ليتقاصفون على رجل بقباء، قدم من مكة, يزعمون أنه نبي, قال: فوالله إن هو إلا أن قالها، فأخذتني العرواء, فرجفت النخلة, حتى ظننت لأسقطن على صاحبي، ثم نزلت سريعا أقول: ماذا تقول؟ ما هذا الخبر؟ قال: فرفع سيدي يده، فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك، قلت: لا شيء, إنما أردت أن أستثبته هذا الخبر الذي سمعته يذكر، قال: أقبل على شأنك، قال: فأقبلت على عملي ولهيت منه. فلما أمسيت, جمعت ما كان عندي، ثم خرجت حتى جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه, ومعه نفر من أصحابه، فقلت: إنه بلغني أنك ليس بيدك شيء, وإن معك أصحابا لك, وأنكم أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي شيء وضعته للصدقة, فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به، فجئتكم به، ثم وضعته له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلوا، وأمسك هو، قال: قلت في نفسي: هذه والله واحدة. ثم رجعت, وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وجمعت شيئا، ثم جئته, فسلمت عليه، وقلت له: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة، وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به من هدية أهديتها كرامة لك, ليست بصدقة، فأكل وأكل أصحابه، قال: قلت في نفسي: هذه أخرى.