وإنما كان ذلك الحسد لا يجوز من قبل تمنيه للحرام ومحبته له . و كذلك يروي أبو كبشة الأنصاري عن النبي عوالله قال: " ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في معاصي الله عز وجل، ورجل لم يؤته الله، عز وجل مالا فيقول: لو ان في مثل مال فلان كنت أعمل فيه بمثل عمله، فهما في الوزر سواء" . ذمه النبي عقالله من قبل تمنيه الحرام، لا من قبل حسده للمسلم، غشأ له وكراهية ان يرى به خيرا من الدنيا. فهذا احد الوجهين من الحسد ، وهو كراهة التقصير عن منزلة غيره ومحبة المساواة واللحوق به ، مع ترك التمني ان يزول عمن نافسه في حاله التي هو عليها. و أما الوجه الثاني فهو المحرم كله ، قد ذمه الله عز وجل، في كتابه، والرسول عاه في ط: به. هذا تمام الحديث السابق أبي كبشة في أقسام الناس الأربعة. 478 ============================================================ في سنته ، واجتمع علماء الأمة عليه. قال الله عز وجل: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ايمانكم كفارا حسدأ من عند أنفسهم)) . وقال: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) . وقال: {كان الناس أمة واحدة) إلى قوله: (وما آختلف فيه إلا الذين أوتوا من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم) قيل في التفسير : حسدا . وقال: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيأ بينهم) . فانزل الله عز وجل العلم ليجمعهم، ويؤلف بينهم على طاعته ، فأمرهم ان يجتمعوا بالعلم ويتالفوا به ولا يتغرقوا ، فتحاسدوا واختلفوا وتفرقوا، حسدا بينهم، كل آراد ان يكون له الرفعة والرياسة، وألا يكون تابعا لغيره، وأن يقبل قوله منه ويتبع وأحب ان يزول غيره عن الرفعة، وكره رفعة المنزلة له ، فرد بعضهم على بعض وخالف بعضهم بعضا بغيا، كما قال الله عز وجل، فتركوا الحق وعاندوه حسدا بينهم. قال ابن عباس: كانت اليهود قبل ان يبعث النبي إذا قاتلوا قوما قالوا: نسألك بالني الذي وعدتنا ان ترسله ، وبالكتاب الذي تنزله إلا ما نصرتنا، فكانوا نصرون، فلما جاء النبي عالله من ولد إسماعيل وعرفوه كفروا به ، بعد معرفتهم به انه الذي كانوا يستنصرون الله عز وجل به فقال الله عز وجل : (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا ك فروا به، فلعنة الله على الكافرين بئس ما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا ما أنزل الله بغيا أي حسدا بينهم. سورة البقرة، الآية: 109. سورة البقرة، الآية: 213. سورة النساء، الآية: 54. سورة الشورى، الآية: 14. في أسباب النزول للواحدي أن كفر علمائهم كان بسبب مأكلة كانت لهم عند عامتهم، فخافوا أن تذهب المأكلة فوافقوهم، ويمكن أن يجتمع السببان فيهم 6) سورة البقرة، الآية: 90،89. ============================================================ و قالت صفية بنت حي للنبي : جاء أبي وعمي يوما من عندك، فقال أبي لعمي: ما تقول فيه؟ قال: أقول: إنه النبي الذي بشر به موسى. قال: فما ترى قال: أرى معاداته أيام الحياة". وبذلك وصفهم الله عز وجل أنهم على علم كفروا به . قال: {يغرفونه كما يعرفون أبناءهم) . وقال: {يكتمون الحق وهم يعلمون) . وروى وهب بن منبه: آن الله عز وجل قال لموسى عليه السلام: "الحاسد عدو النعمتي، راد لقضائي، ساخط لرزقي الذي قسمت لعبادي، غير ناصح هم". و أما السنة في ذلك فإن النبي عللم قال : " لا تحاسدوا ، ولاتباغضوا، ولاتدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا" يرويه عنه عبد الله بن عمر وأبو هريرة، ثم أخبرهم أن الحسد سيكون فيهم كما كان في الأمم من قبلهم ، فقال النبي عالله: "دب إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء" . فأخبر أنه سيكون فيهم من الحسد ما كان في الأمم، وأنه داء الأمم من قبلهم وأنهم منه أتوا، وبه هلكوا، ولم يزل ذلك في الكافرين ممن مضى، وفي بعض المؤمنين. وقد روي عن الحسن أنه قيل له : أيكون المؤمن حسودا . سورة البقرة، الآية: 146.
Muhâsibî — er-Riâye li-Hukûkillâh
muhasibi · AR
سورة البقرة، الآية: 146. آخرجه : مسلم في صحيحه، حديث 24، 28، 30، 32 من كتاب البر . والبخاري في صحيحه، الباب 5 من كتاب الدعاء . ومالك في الموطأ، حديث 14، 15 من كتاب حسن الخلق . وأحمد بن حنبل في مسنده 31، 5، 7، 277/2، 288، 394،360،312، 480،470،465، 501،492، .383 ،277 ،225 ،209 ،199 ،165،1103 ،539،517 ،512 أخرجه : الترمذي في سننه، الباب 56 من كتاب القيامة . وأحمد بن حنبل في المسند 165/1، 167. 480 ============================================================ قال: لا أبالك، ما أنساك بني يعقوب فعلوا بأخيهم ما فعلوا. وقال أبو قلابة: ما قتلوا عثمان رضي الله عنه إلا حسدا. وروى الحسن عن النبي عل أنه قال : " ثلاثة في المؤمن " فذكر إحداهن الحسد . ال والحسد المحرم الذي ذمه الله ، عز وجل في كتابه ، والرسول اللهم في سنته . كراهة النعم أن تكون بالعباد، ومحبة زوالها. قلت: وكيف ذلك؟ قال: أن يكون العبد إذا رأى بعبد مسلم نعمة في دين أو دنيا، أو بلغه أنها به كرهها وساءته وأحب زواها عنه. وما بين ذلك: قول الله عز وجل: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) . فأخبر أنهم يودون أن تزول نعمة الإيمان عن المؤمنين. وقال: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم) . قال ابن عباس: هذا في غزوة تبوك. وقيل في التفسير : هذا الحاسد. (وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) . قيل : هذا الشامت. و قال: {قا يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) . وقال: ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) . سورة البقرة، الآية: 109. سورة البقرة، الآية: 105. سورة آل عمران، الآية: 120. سورة النساء، الآية: 89. سورة آل عمران، الآية: 120. ============================================================ م أخبرك عن إخوة يوسف حين حسدوا فعبروا بألسنتهم عما في قلوبهم من حسده، فقالوا: {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة، إن أبانا في ضلال مبين ، أقتلوا يوسف أو آطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين) . فكرهوا خصوصية آبيه له بالحب من بينهم، وآرادوا أن يزيلوا حب أبيه له ، وبره به ، وتفضيله إياه عليهم، بان يغيبوه عنه ، فيقبل بالحب عليهم والبر، ويزول ذلك عن يوسف، فقالوا: " يخل لكم وجه أبيكم" ليكون لهم إذا. غاب حسدا له على حب أبيه وبره وتغضيله اياه. وقول أبي قلابة: ما قتلوا عثمان إلا حسدا، أي حسدوه على الخلافة فأحبوا أن يزيلوها عنه. وقال الله عز وجل، حين ذكر الأنصار : { ولا يجدون في صدورهم حاجة ما أوتوا) . اي : لا تضيق صدورهم، ولا يغتمون بما أوتوا من خير حسدا هم، فأتنى عليهم بذلك. باب من الحسد وليس بالحسد بعينه ومن الحسد وليس به بعينه، المحبة آلا يصير إلى من يحسده خير . كما قال الله عز وجل: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) . فالمحبة بألا يصير إليه خير، وتمني البلاء له ، فعل من العبد يكون عن الحسد ، ل فان طلب علما لم يحب أن يتم له، وكذلك إن طلب خيرا منه خير الدنيا والآخرة لم سورة البقرة، الآية: 105. 1) سورة يوسف، الآية: 8. سورة الحشر، الآية: 9. في ط: والتمني له البلا. ============================================================ حب أن يتم له من ذلك شيء، وذلك قبل نزول النعم بالعبد. وأما الحسد : فكراهة النعم وحب زوالها ، بعدما بمن (الله) بالنعم على العبد ، ل فيعلم الحاسد بالنعم عليه من الله عز وجل، فيغتم ها حينئذ، ويحب زواها. قلت: فأخبرني عن الحسد الذي هو منافسة، مم يكون؟
قال: ما كان في الدنيا فمن حب طاعة الله عز وجل، والعزم على القيام بها لو اعطي أسبابها التي بها تنال، وما كان من دنيا فمن حبه الدنيا، وحب سعتها، والتنعم قلت: فمم يكون الحسد المحرم؟ قال : يكون من الكبر والعجب، والحقد والعداوة والبغضاء والرياء وحب المنزلة والرياسة أن يعلوه غيره، وشح النفس بالخير غما يجده العبد على قلبه إذا رأى النعم بغيره في كثير من الناس من قرابته أو أشكاله أو أمثاله وغيرهم ممن هو مثله وفوقه ودونه لا تسخو نفسه باخير هم. قلت: فبين لي ذلك كله. قال : أما ما كان من الكبر فإنه يأنف أن يعلوه من كان دونه أو يساويه، أو يعلوه من هو مثله في دين آو دنيا، كما قالت قريش: غلام يتيم وقالوا: { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم . وقال الله تعالى يصف كفار قريش: ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} . ما بين المعقوفتين: سقطت من ط في ط: للعداوة. في ط: عما يجده، بالعين المهملة، وفي أ: مما يجده. سورة الزخرف، الآية: 31 . سورة الأنعام، الآية: 53. ============================================================ فإذا أنف منه وازدراه ورثه ذلك الحسد له ، فأحب أن تزول عنه نعمة الله عز وجل، غما أن يراها بمن لا يستأهلها عنده، وأنفا أن يكون من دونه مثله أو فوقه .ا فيحب لذلك أن تزول عنه النعمة التي فضل بها ، ليلا يصير إلى المنزلة التي يعلوه بها أو يساويه حقرية له ، وازدراء له، لأنه لا يستأهل عنده تلك النعمة ولاتلك المنزلة ويحمله الحسد له آن يرد الحق حسدا أن يعلوه به فيرفعه غعليه . باب ما يكون من الحسد على الرياسة وحب المنزلة وأما الرياسة والمنزلة عند الناس بالعلم، فإنه يورث رد الحق وتركه على علم، كاما تفرق أهل الكتاب حسدا بينهم أن يعلو بعضهم بعضا في العلم، كل واحد منهم يحسد صاحبه (على) الرياسة أن تكون له دونه . و كذلك المنزلة عند الناس، فرد الحق أن يقبله وابتدع فقال بغير الحق ، ليتبعه الناس على قول هو خلاف قول من يحسده، وخطأه فيما يقول وإن كان حقا، وأظهر أن الحق في غيره، ليصد الناس عنه ، ويطفىء نوره حسدا أن ترتفع منزلته ، أو يخضع له فيكون عليه رئيسا. كما كفرت علماء اليهود بالنبي عالله ، وهم يعرفون أنه قد جاء بالحق من عند الله عز وجل، حسدا آن يرئسوه عليهم، وتذهب رئاستهم في اليهود، فيكونوا أتباعا بعد ما كانوا متبوعين. وكذلك في العبادة، يكره أن يترأس بها فوقه، ويعظم عليه، فيقع العالم في العالم والعابد في العابد، خوفا أن يترأس عليه، أو يكون فوقه، أو يعظمه الناس ، ويحب أن هتك الله ستره، وأن يعصي الله عز وجل، فيفتضح بذلك ، وأن يخطىء على الله عز وجل في دينه، ويقول عليه بغير الحق ، لئلا تثبت له رئاسة ولثلا تقوم له منزلة ما بين الحاصرتين: سقطت من ط ============================================================ فيحب آن ينزل به كل ما فيه زوال الرئاسة عنه والتعظيم من الناس. وكذلك في الرئاسة والمنزلة في غير العامة ، يتحاسد الصاحبان في الحب والمنزلة عند من يصحبانه ، فيحب أحدهما أن لا يفضله عليه في عمل ولا علم، ولا يرفعه عليه فيخطثه فيما يقول، ويحبت آن يهتك ستره عند صاحبه، ويقع فيه ، ويفطنه إلى سوء الظنون فيه، ويضع أمره لئلا يكون أحب إليه منه ، وأن يكون الحب والمنزلة له عنده دون صاحبه. و كذلك الشجاعان في الحرب يجبن أحدهما الآخر ، ويقع فيه ، لئلا يعلوه في المنزلة عند من يعرفهما ، فيعظم بذلك دونه، فيقع فيه حسدا، أو يبغضه إلى غيره، ويچبنه عند اللقاء في الحروب. باب ما يكون من الحسد عن الحقد والعداوة والبغضاء وأما ما كان عن الحقد والعداوة والبغضاء فهو أشد الحسد ، وذلك ما وصفه اله عز وجل عن الكفار وعداوتهم وبغضهم للمؤمنين.
فقال: (وإذا لقوكم قالوا آمنا، وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، قل موتوا بغيظكم إن اللة عليم بذات الصتدور، إن تمسسكم حسنة تسؤهم) . فاخبر انهم مبغضون للمؤمنين، يسوءهم ما يرون بهم من نعمة حسدا هم، لبغضهم وعداوتهم، فأخرجتهم العداوة والبغضاء إلى الحسد والشماتة، وكذلك وصف الله عز وجل قلوب المبغضين. كمما بيتخاسد المريدون المحدثون في الطريق الصوفي على حب شيخهم، وهم بهذا التحاسد يقفون عن السلوك، ويعملون بغير الله تعالى، ومن هنا قالوا : إن الشيخ قد يكون حجابا للمريد عن المعرفة. سورة آل عمران، الآية: 119. ============================================================ قال: (ودوا ما عنتم) . قال ابن جريج: يودون ما عنتوا في دينهم.قد بدت البغضاء من أفواههم) . وكذلك قوله: {إن تمسسكم حسنة تسؤهم) . قيل في التفسير: هو الحاسد. (وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) . فالمبغض لايحب أن يرى بمن يبغض نعمة عليه من الله عز وجل، ويحب أن يراه بأسوأ الحال في الدين والدنيا. فان نزلت به نعمة ساءته وكرهها، ولو قدر أن يزيلها عنه لأزالها، فيتمنى لمن يعاديه ويبغضه البلايا، ويكره ما به من النعم، ويحب أن تزول عنه، ويفرح بما نزل به من بلاء أو ضر. والمبغض المعادي لاينفك من الحسد والشماتة ، إلا من عصم الله عز وجل ، وقد يكون عن الحسد الذي عن العداوة والبغضاء والقتل وأخذ المال، والسعاية بمن يحسده ، وهتك ستره، وغير ذلك، فالمبغض حسده أعظم الحسد وأشده. باب ما يكون من الحسد عن حبظاهر لدنيا وما كان من حب الدنيا أن ينال ما يرى بغيره من حب او بر من قرابة او غيره كالاخوة يتحاسدون، أو أخ يحاسد الأخ عند أبيهما أو أمهما أو قرابتهما. وكذلك الصاحبان او الشريكان، فيحسده على ما يرى من حب آبيهما او امهما أو الآية السابقة والسورة. سورة آل عمران، الآية: 118. سورة آل عمران الآية: 120. سورة آل عمران، الآية: 118. 486 ============================================================ برهما او من صحبهما او شاركهما، ويحب ان يؤثر بذلك دونه، فيحسده فيقع فيه ويبغضه، ليصرف وجه ابيه او غيره إليه بالبر والحب. وكذلك المرأتان والضرتان. وذلك كما وصف عن إخوة يوسف حين حسدوه في حب ابيه له دونهم، وإيثاره آياه عليهم. وإذ قالوا: ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة) إلى قوله: (أقتلوا يوسف أو آطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين) . و كذلك بنو الأم وبنو العم، يتحاسدون ليحظى أحدهم دون الآخر. و كذلك الرجلان يجري عليهما (ذو) قرابة أو غيره فيتحاسدان، وكل واحد منهما يحسد صاحبه، ويحب ان نتضع منزلته عند من يجري عليهما او يصلهما. وقد يخرج (إلى) الحسد الذي يكون من حب الدنيا كالملك والشرف حتى يقتتلوا، فيقتل بعضهم بعضا حسدا ان ينال من ملك الدنيا أو شرفها، او عزها او اكرام أهلها ما لا ينال صاحبه. و كذلك التاجران والصانعان ، يحسد احدهما الأخر ، ويحب ان يزول عنه المبايع والمستاجر، فيبايعه دون صاحبه ويستاجره، فيحب ان حرفاءه صاروا إليه وتركوه، وان من يبايعه او يستعمله يدعه وينصرف إليه، فيتع فيه او في متاعه او صناعته، ليبغضه إلى من يعامله، فينصرف إليه ويدعه. سورة يوسف، الآية: 9،8. ما بين الحاصرتين: سقطت من ط ما بين الحاصرتين: سقطت من ط ============================================================ باب ما يكون من الحسد عن العجب وأما ما كان من الحسد عن العجب، فما أخبرنا عن الأمم الماضية فقالوا للرسل عليهم السلام: {ما أنتم إلا بشر مثلنا )) . وقولهم: أنؤمن لبشرين مثلنا)) . وقولهم: {وكئن أطعتم بشرأ مثلكم إنكم إذأ لخاسرون) .
فجزعوا ان يفضل عليهم بشرأ مثلهم، فحسدوه وردوا الحق، وقالوا: {وكئن أطعتم بشرأمثلكمم إنكم إذأ لخاسرون)، جزعا وتعجبا أن يفضل عليهم من هو مثلهم في الخلقة والنسب، فقالوا يتعجبون: { أبعث الله بشرا رسولا وقالوا : { لولا أنزل علينا ملك) تعجبا وإنكارا أن يفضلهم من هو مثلهم .ا وقال الله عز وجل عن قول نوح وهود لقومهما : أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم فحسدوه، فردوا الحق وعاندوا الإيمان. و كذلك الحسد في الأشكال والأمثال، في النسب او في القدر ، أو في الغنى أو في التجارة، أو في الصناعة، أو في الولاية ، يتحاسد بنو الأم والأب، وبنو الأعمام والاخوة أكثر ذلك دون سائر الناس، فيحسد بعضهم بعضا، ولا يكادون يحسدون غيرهم من الغرباء. و كذلك العالم يحاسد العالم، ولا يكاد يحاسد غيره. و كذلك العابد يحسد العابد، ولا يكاد يحسد العالم، بل يخضغ له ويذل، ويحسد المتعبد مثله، لأن العالم ليس مثله فيحسده. و كذلك اهل التجارات، يسرع الحسد من أهل كل تجارة إلى من شاركهم فيها دون سائرهم من التجار، كالبزازين، يحسد البزاز البزاز مثله ، يسوءه ويغمه ما يرى سورة الإسراء، الآية: 94. سورة يس، الآية: 15. سورة المؤمنون، الآية: 47. سورة الأنعام، الآية: 8. سورة المؤمنون، الآية: 34. سورة الأعراف، الآية: 63. 488 ============================================================ من نفاق سوقه وأرباحه، ولا يكاد يحسد الجزارين والصيارفة وسائر الباعة، ومن ضامه في سوقه من أهل تجارته كان الحسد منه إليه أسرع ممن تباعد عنه وإن كان من أهل تجارته. وكذلك من دنا منه من القرابة آسرع إليه بالحسد ممن تباعد عنه . ه ومن ذلك ما روي ان عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى: إن الأقرباء يتزاورون ولا يتجاورون. ومن ذلك: أن أهل نجران أتوا عمر رضي الله عنه فقالوا : إنا قد تجاورنا ففسد ما بيننا، فأجلنا عن بلادنا . فالقرب من المجاورة وغيره في الحسد أسرع، والأشكال والأمثال : الحسد من بعضهم إلى بعض اسرع منه إلى غيرهم، يحسد القوم عالمهم ويعظمون العالم الغريب، لأنه ليس مثلهم، ولا يساويهم في النسب او الجوار . ومن ذلك ما يروى: ان كعبا قال لأبي مسلم الخوالاني : كيف أنت في قومك؟ قال : مطاع، قال : كذبتني إذا التوراة، ما من حكيم في قوم إلا حسدوه وكبروا عليه .ا ومن ذلك ما يروي هشام بن عروة عن أبيه، قال : كان يقول لنا : يا بني، إنه كان يقال: إن أزهد الناس في العالم أهله ، فقد يكون ذلك من الحسد ويكون من غيره .ا وقد يزهد القوم في الرجل يكون منهم حسدا له ، فيحسد القوم العالم منهم إنكارا وتعجبا، كيف يغضلهم من هو مثلهم ومنهم؟ و كذلك الشركاء ، وكذلك من النساء الضرائر، ومنه قول أم رومان لعائشة : قالت لها لما رماها أهل الإفك : يا بنية، خفضي عليك الشأن ، : أي : هوني عليك هذا الأمر ، فإنه قل امرأة وضيئة عند رجل لها ضرائر إلا أكثرن عليها .ا وكذلك المشتركات في عامة الأشياء ، من النسب والتجارة والبضاعة والشجاعة اى، دواع مجارته هي: أم عائشة رضي الله عنها. أي : باعد بين بعضنا والبعض الآخر. في ط: اكثرت. 489 ============================================================ والجماعة والقوة والصوت والعمل والعلم، يسرع الحسد من بعضهم إلى بعض ما لا يسرع منهم إلى غيرهم فهذه مذاهب الحساد.
فجملة الحسد المحرم من الحاسد : كراهة ما يرى من غيره من النعم، وحبة زوالها وجملة الحسد الذي ليس بمحرم - إلا أن يستعمل الحاسد بعضه فيما لا يحل كالمنافسة في الحرام - وهي المنافسة في خير الدنيا والآخرة، ان يحب ما يرى بغيره من النعم ان يكون (معه) مثله ، وأن يناله ما ناله غطة منه له ، فأحب ان يكون مثله فيما يغبطه، ويكره ان يكون دونه في الخير، ولا يكره له ما يرى به من النعم، إنما كره لنفسه ان يصغر به دونه، فيحب اللحاق به، ولا يچب زوال النعم عنه. وأما شح النفس وقلة سخائها بالخير للعباد فذلك شر الحاسدين ، لا يحسد لمعنى عداوة ولا غيرها اكثر من انه لا تسخو نفسه للعباد بما من الله عز وجل عليهم، غما جده على قلبه إن رأى بغيره نعمة، لغير عداوة يعرفها، ولا غير ذلك اكثر من شح نفسه بالخير لهم نفاسة منه ان يصل إليهم خير . قلت : فبم ينفي الحسد المحرم الذي يكره صاحبه ما يرى من النعيم بغيره، ويحب زوالها عنه قال: بيسير من الأمر، أن تعلم أنك قد غششت من تحسده من المسلمين، وتركت نصيحته ، وشاركت أعداءه : إبليس والكفار في محبتهم للمؤمنين زوال النعم عنه وكراهة ما أنعم عليهم به ، وأنك قد سخطت قضاء الله عز وجل، الذي قسم لعباده . فإذا علمت ما قد دخل عليك من هذا الضرر العظيم بغير منفعة في دين ولا دنيا ما بين الحاصرتين: سقط من ط في ط: سخاها بالخير. وهم الموصوفون بقوله تعالى: " مناع للخير معتد أنيم" . ============================================================ . ردعك ذلك عن الحسد، إن كنت مؤمنا بالله عز وجل، خائفا على نفسك من غضبه وعقابه، فلم تتعرض لوجوب غضبه عليك من غير اجترار منفعة في دين او دنيا صارت اليك، ولا هي إليك صائرة لو زالت النعمة عمن تحسده، لأنها إن زالت عنه لم تصر اليك، فلا يتعرض هذا الضرر العظيم الذي يوجب سخط الله عز وجل بغير منفعة في دين ولا دنيا نالها مؤمن عاقل. وأيسر من ذلك كله ان لو كان الذي تحسده أبغض الناس إليك، وأشدهم عداوة لك، أنه لا تزول النعمة عنه بحسدك له ، لأن الله عز وجل لو أطاع الحاسدين في المحسودين لما أبقى عليهم نعمة، ولكن يمضي نعمه وقسمه لعباده، ولا ينظر إلى حسد الحاسدين . ولو فعل بالمحسودين ما يحب الحاسدون لهم، لما أبقى على النبيين صلوات الله عليهم اجمعين نعمة، ولأفقر الأغنياء لحسدهم لهم، ولأضل المؤمنين لحسد الكافرين لهم ولكن الحسد على الحاسد ضرره، والنعمة جارية على من أراد لله عز وجل أن يتمها عليه إلى الوقت الذي آراده وقدره، ولا ينظر الى حسد الحاسدين . الا ترى إلى قوله عز وجل: {ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم) . فبمحبتهم ان يضلوا المؤمنين ضلوا بذلك، لأن تلك المحبة لهم ضلال، لأنهم أحبوا ان يرجع المؤمنون ضلآلا ، وذلك هو الضلال: ان يكفر بالله عز وجل . فمن أحب ان يكفر بالله تعالى فهو كافر، فازدادوا كفرا بحسدهم، مع غشهم للني الله والمؤمنين. وإنما مثل الحاسد فيمن عاداه أو باهاه أو تكبر عليه، أو تعجب عليه، أو تفضل عليه، مثل رجل آراد أن يرمي عدوا له بحجر، فلما رماه له رجع الحجر على عين في ط: لما بقي سورة آل عمران، الآية: 69. ============================================================ الرامي فأصابها ، وأعاد الرمي فرجع الحجر أيضا على عينه فأصابها ، حتى فعل ذلك مرارا، كل ذلك لا يصيب عدوه، ويرجع الحجر عليه فيقع بعينه . و كذلك إن رماه بسهم أو بغير ذلك، كل ذلك يرجع على عينه ولا يصيب عدوه ، فلم يك هذا ابدا ليرمي عدوه، وقد علم وتبين له انه لا يصيب عدوه، وإنما يصيب نقسه .
فكذلك الحاسد، قد كان في نعمة قبل ان يحسد من حسده، وهي نعمة السلامة من الحسد ، فلما حسد وأحب زوال النعمة عنه ، زالت عن الحاسد النعمة التي كانت عليه وهي نعمة السلامة من الحسد . فتزول عنه سلامته من الحسد، ونصحه للمؤمنين، وينزل به من المكروه والا أعظم مما آراد بمن يحسده، وتبقى النعمة على المحسود لم تزل عنه. فإذا كنت أردت زوال النعمة عن غيرك، وأن ينزل به المكروه بزوالها عنه ، لم تزل عنه بارادتك، ولم ينزل به مكروه لمحبتك له المكروه، وتزول عنك النعمة بتلك المحبة وينزل بك أنت المكروه من الاينم، ولعل الله عز وجل ان يسخط عليك بذلك . فأنزلت بنفسك ما أردت بغيرك، وربما كان أكثر مما أردت به ، لأنك إن أردت ان تزول عنه نعمة الدين وينزل به الإتم، فقد نزل بك ما آردت ان ينزل به ، وسلم هو ما آردت به. وإن كنت اردت ان تزول عنه نعمة دنيا، وان ينزل به مكروه في الدنيا فقد أنزلت بنفسك من الضرر اعظم مما آردت به ، ولم تزل عنه نعمة، ولا نزل به مكروه مما اردت به. و كذلك قال الله عز وجل: {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم) . ففل بينك وبين الرامي بالحجر لعدوه إذ رجع الحجر على عينه فرقان؟ بل أنت سورة يونس، الآية: 33. ============================================================ أعظم بلاء وضررا ، لأنك إذا حسدته فقد تعرضت لسخط الله عز وجل فيه ، وأثمت بربك، ولم تزل عنه النعمة، ورجع عليك عقوبة الأثم فصارت في عينك، فذهبت بها وكتب عليك إنم تؤخذ به في الآخرة، وتستوجب به غضب الله عز وجل، فلو رجع ال الحجر على عينك بدل الاثم، كان خيرا لك ، لأن عينك ذاهبة بالموت والبلاء لا محالةا وإنم الحسد لا يبلى ولا يمحى حتى يوقفك الله عز وجل عليه، ويسألك عنه . م لعله يكون آخر الطامة الكبرى غضب الله عز وجل عليك من أجله، فلأن تذهب عينك في الدنيا خير لك من ان يكون لك عين في النار ، ثم لا تلبث ان يعميها الحذاب. أنهما أيسر؟ حالك او حال من رجعت رميته إلى عينه ولم تصب عين عدوه؟ فهو ايسر منك حالا، وأنت اشد منه بلاء وضررا، إذ لم تزل النعم عمن حسدته، وزالت عنك النعمة التي كانت عليك من سلامة قلبك من الحسد للمؤمنين. فأنزلت بنفسك ما أردت بغيرك او اكثر، ولم يرك الله عز وجل فيه الذي تحب وبقيت النعمة عليه على الرغم منك والجزع منك ، وما دخل عليك من الضرر في دنياك أعظم عليك، إذ لم تخف الآخرة إذ نزل الغم بقلبك. كلما رأيت به حسنة أغممت بها ، وتعذب قلبك بالغم بها، فالله عز وجل ينعمه بطاعته او بالدنيا، وتعذب قلبك ججسده. فانت مغموم وهو مسرور، فعذبت نفسك بنعيم غيرك، بغير منفعة دخلت عليك فأنزلت بنفسك الغم بغيرك، واثمت وتعرضت للعذاب والعقوبة، فلن يچهل هذا الواصف عاقل، ولا يقيم على الحسد بعد هذا الوصف لبيب ، إذ تفكر فعقل ما يضره ما ينفعه إذ كان مؤمنا. بل الكفار لو تدبروا هذا الوصف لردعهم ذلك عن الحسد وإن كانوا لا يؤمنون بالبعث والحساب، إن علموا ان قلوبهم معذبة بالغموم لنعم الله عز وجل على خلقه والنعم على المنعم عليه جارية غير زائلة، فلم يعطوا ما آرادوا ، وعذبوا انفسهم بالغما 493 ============================================================ وتنعم اولئك بما يتعذبون به . فما من كافر لا يؤمن بالبعث يعرف هذا الوصف إلا ردعه عن الحسد إن كان له عقل من أجل دنياه دون آخرته، فكيف من آمن بالبعث، وعلم ان في الحسد الاثم الكبير، وأنه لا يأمن غضب الله عز وجل في ذلك؟ . فذلك اولى الا يعترض الحسد بقلبه لخطرة فضلا عن القبول له إذ كان بهذه االمنزلة ، فبذلك ينفي الحسد حين يعترض، ومن كان معتقدا له عرفه، وأعطي العزم الا يعود فيه، ويجذر فيما يستقبل.
وأيضا مما يقوي على نفي الحسد من قلبك بعد قبوله ورده حين يعرض في القلب: آن تعلم ان الحسد في الدنيا والدين من حسد إبليس لك ، إن كانت نعمة من الدين بأحد من المؤمنين، وكان المنعم عليه بها فوقك في الدين او مثلك او دونك. فإن كان فوقك فلم تلحقفه بعملك فتعمل مثل عمله، أو تعلم مثل علمه كرها وحسدا إذ فاتك اللحاق به في العلم أو العمل ، فتكون مثله ، فكره إبليس لك ان تحبه على ما وهبه الله من ذلك، وحسدك ان تشركه بمحبتك له على ذلك، فتضرب بالشركة معه إذا أحببته على ذلك لما صنع، وأحببت ان تكون مثله ، فألقى في قلبك الدعاء إلى حسده، وحب زوال النعمة عنه، لتلا تضرب معه بسهم الحب إذ فاتق العمل والعلم، فبغضه إليك وحبب إليك زوال النعم عنه ، لأنه علم أنك إن احببته على ذلك، وفرحت له بما أنعم الله عز وجل عليه، شركته في الأجر، فألقى في قلبك الكراهة لعمله وعلمه، وحب زوال النعمة عنه لئلا تلحق به بمحبتك، إذ عجزت أن نلمه بحملك. الا ترى إلى قول الأعرابي للنبي عوالله : الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ، حين سأل ابي عوالله عن ذلك، فقال النبي عالله : "هو مع من أحب" يرويه عن صفوان بن عسال . اخرجه : الترمذي في سننه وأورده ابن الاثير في جامع الأصول 356/7 وهو من الأحاديث المتواترة الي عدها الزبيري في كتابه لقط اللاليء المتناثرة في الأحاديث المتواترة. تحقيق محمد عبد القادر عطا. 494 ============================================================ والأعرابي الذي سأله عن قيام الساعة فقال : ماذا أعددت لها؟ فقال : ما أعددت لها كبير صلاة ولاصيام، إلا أني أحب الله ورسوله ، يعني على طاعتهم حبا لطاعتهم الا فقال النبي لله : " أنت مع من أحببت" . قال أنس: فما فرح المسلمون بعد إسلامهم كفرحهم يومئذ ، يخبرك : أنه كان أوثقا أعمالهم عندهم بعد الإسلام. ومنه قول أبي موسى: " قلت: يا رسول الله، الرجل يحب المصلين ولا يصلي، ويحب الصوام ولا يصوم، حتى عد أشياء، فقال النبي عوالله : "هو مع من أحب" . وقال رجل لعمر بن عبد العزيز : إنه كان يقال: إن استطعت أن تكون عالما أوا متعلما فكن، فإن لم تستطع فأحبهم، فإن لم تستطع فلا تبغضهم. قال : سبحان الله، لقد جعل الله عز وجل له مخرجا. فأراد العدو أن يصدك عن أفضل الأعمال لك، مقصرا كنت أو عاملا ، لأنك إن كنت عاملا فأحببت من سبقك من النبيين والصديقين فسررت بطاعتهم، شركت معهم بالحب، وكنت معهم، كما قال النبي عوالله وإن كنت مقصرا في العمل ففاتك العمل، لم يفتك أن تكون معهم بمحبتك فصدك عن ذلك إرادة ألا تلحق بهم بمعنى من المعاني، ولم يرض أن عرضك لحرمان الحاق بهم، حتى دعاك إلى بغض فعلهم، أن تكون منهم، وإلى بغضهم، والغش لهم وحب زوال الطاعات عنهم، ففاتك آن تلحق بمن حسدته، وازددت إثما، وازددت في الدنيا غما. فيا ليتك إذ فاتك اللحاق به وازددت غما في قلبك، سلمت من الإتم، ولكن مع ما فاتك من اللحاق به أثمت، فاستحققت أن تهلك فيما ينجو به من حسدته، فأئمت ولم دار الكتب العلمية بيروت. ص 85. أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله حسن . سبق تخرچ. ============================================================ تكف ورعا، ولو كففت عن الحسد ورعا لأجروت وسلمت فأثمت على ما يؤجر به من وقد جاء الحديث : " أهل الحجنة ثلاثة : المحسن، والمحبة له ، والكاف عنه" وذلك أن تكف عنه ورعا، فتجب لك الجنة بذلك.
فلينظر الحاسد على من آدخل الضرر، ومن حرم الخير ، وزالت عنه النعم ومن غبن، هو أو من حسده1 ولو كان يضر المحسود حسد الحاسد له ، فيزيل عنه بحسده له النعم، لدخل عليك أعظم الضرر ، لأنك لاتعرى أن يحسدك غيرك، فلو كان الحسد يضر المحسود لما بقيت عليك نعمة، إذ كنت لاتعرى ان يحسدك حاسد، فيحب زوال النعمة عنكا فإن أردت أن لا يطيع ربك عز وجل فيك الحاسدين فأنت أهل ألا تحسد عباده اتباع حبته وشكرا له على ذلك. ولو لم يكن في الحسد إنم لكان أهلا ألا تعصيه ، إذ يتم عليك نعمه، ويرجع الحاسدون بحسراتهم، منكسرة شهواتهم، ومحبتهم وإرادتهم مردودة عليهم، مع زوال النعم عنهم في دينهم، تفضلا منه وتكرما وامتنانا ألا يعطى الحاسدين فيك ما يحبون فاشكره على ذلك. فدع الحسد الذي لم يطع به غيرك فيك لو كان هو الحاسد لك، فارض بما قسم لعباده، فإنك إن لم تفعل خالفت محبته، وبارزته بالخلاف فيما أوجب. وما آمن أن يزول عنك من النعم في الدنيا والدين سوى ما زال عنك من نعمة السلامة والنصيحة قبل أن تحسده، فينزل بك ما تمنيت بغيرك، عقوبة من الله عز وجل، لأنه يقول عالى: {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) . وذلك كالماكر، إنما أراد أن يفعل السوء بغيره، فحاق به ما أراد بغيره، وكذلك آخرجه : الدارمي في مسنده، الباب 56 من المقدمة . سورة فاطر، الآية: 43. ============================================================ الحاسد، لا يأمن أن ينزل به من البلاء وزوال النعم مثل ما أحب للمؤمنين .ا وقد يروى عن بعضهم أنه قال: ما تمنيت لعثمان رضي الله عنه شيئا إلا نزل بي حتى لو تمنيت له قتلا لقتلت. فلو لم تدع الحسد - خوفا من عقوبة الآخرة - إلا خوفا من عقوبته في الدنيا أن ينزل بك مثل ما تمنيت لمن حسدته، وساءك ما أنعم عليه به ، فلا ينعم الله عليك مثل ما أنعم عليه به إذ ساءك تفضل الله عز وجل عليه ، فتتخوف بلاء الدنيا وزوال النعم فيها، كان ينبغي لك أن تدعه لو أمنت عقوبة الآخرة. وما لك أن تأمن ذلك وقد ذمه الله عز وجل، والرسول له وسخطه الله عزا وجل، وسخط على من اعتقده، أخبرك بذلك في غير موضع في كتابه ، يذم أهل الحسد ، ويخبرك أن الأمم الماضية هو الذي فرق بينها ، وألقى الاختلاف في دينها ولو لم تخف عليك عقوبة آخرة ولا دنيا ولم يكن عليك فيه إثم، كان ينبغي عليك أن تدعه لتعذيب قلبك بالغم من غير ان تصير إلى ما آردت لمن حسدته . فلو لم تدعه إلا لذلك، كنت حريا أن تدعه من أجل ذلك إلا أن تكون معتوها لاعقل لك إذ عذبت قلبك بالغم ولم تدرك ما تريد. وإنما فسرت لك هذه الخلال التي بها ينفي الحسد إن لم تسخ نفسك بترك الحسد بالخلة الأولى ، فعسى أن تسخو أن تتركه بالخلة الثانية، فإن لم تسخ بالثانية فعسى أن تسخو بالثالثة، أو الرابعة. فتدبر ذلك، وناصح نفسك، فإنه قد شمل عامة أهل الدين والدنيا، ولقد عجل لك بعض عقوبة الحسد في الدنيا، بما لزم قلبك من الغم وضيق الصدر ، وكثرة الهم بغير اجتلاب دنيا، مع ذهاب الدين بغشك بنفسك للعباد، وبسخطك فسم الله عز وجل هم وغمك بفرحهم. 497 ============================================================ باب متى يعلم العبد آنه قد نفى الحسد قلت : قد بينت الحسد وعظمت ضرره، فأحب أن أنجو منه بعلم، فما الدليل - إذا ذكرت نفسي ما وصفت مما ينفي به الحسد - أن أعلم أني قد نفيته عن قلبي وجانبته؟ وقد أجدني أذكر نفسي بعض ما وصفت ، ومنازع ينازعني من نفسي بالكراهة للنعمة التي أنعم الله بها عليه وحب زوالها.
قال: إنك لاتقدر أن تسكت عدوك إبليس، ولا تغير طبعك ، فتجعل خلقة نفسك خلقة لاتنازعك إلى حسد من عاداها، أو اختص بشيء دونها، أو تريد أن يكون ها دونها، فلا تكاد تملك نفسك إذا خطر العدو بتذكير الحسد، أو لايتحرك الطبع. ولم تكلف ذلك: أن تجعل طبع نفسك بهيئة لا يغفل ولا يسهو، ولا ينازع إلى حبوب ولا مكروه، فذلك طبع الملائكة، وإنما كلفت أن تعقل بعقلك عن الله عزا وجل، فلا تمل إلى غير طاعته، فإذا أردت بعقلك بما استودعه الله عز وجل من المعرفة بضرر الحسد على منازعة طبعك، ودعاء عدوك، فكنت من قبل عقلك كارها لما نازعك إليه طبعك ، أبيا لذلك، فلم تركن إليه من قبل عقلك كراهة له ، نجوت من الححسد. و كذلك جميع ما نازع من دواعي الشر في القلوب، فإذا كنت للحسد كارها أبيا له من قبل عقلك، فلا تضرك منازعة نفسك به وخطرات العدو. وقد روي عن الحسن عن النبي عالله أنه قال : " ثلاثة في المؤمن ، له منهن مخرج : الطيرة، والحسد ، والظن. فمخرجه من الطيرة ألا يرتد، ومخرجه من الحسد ألا يبغي ومخرجه من الظن ألا يحقق". أخبر النبي عالله : أن من لم يبغ فقد خرج من الحسد إذ لم يبغ له الشر، ولم يحب زوال النعم عنه. في ط: لما نازعك إليك. 498 ============================================================ باب الرد على من قال إن الحسد بالجوارح وأنه لا يضر إذا كان في القلب ما لم يبده بفعل جارحة وبيان خلافه للعلم قلت: فما معنى قول الحسن، وسئل عن الحسد، فقال : غمه ، فإنه لا يضرك ما لم تبده؟ قال: معنى ذلك صحيح، لأنه إذا غمه ولم يعده فلم يدع إبداءه إلا من كراهيته له ، فذلك الذي وصفت لك من الرد بالكراهية ، لأن الكراهية منعته أن يبديه فيستعمله بلسان او جارحة. ولو أنه لم يبال أن يبديه ولم يغمه كما قال الحسن، ولكن لم يجد له موضعا ولا أحدا يبديه إليه، وقد يكره ويسوءه ما أنعم الله به عليه، ويحب زوال ذلك عنه، لكان حاسدا ، لأن الحسد إنما هو بالقلب، وان استعمله باللسان أو اليد كان أعظم لانمه، كما فعل إخوة يوسف ليوسف. فإذا استعمله بالكذب عليه والغيبة له ، أو الكلام أو الوقيعة فيه عند من يقبل منه فيحرمه الخخير من علم يعلمه، أو صلة يصله بها، أو معونة يحينه بها، أو الدعاء عليه، أو الأذى له بالجوارح، وذلك كله ليس بالحسد، ولكن عمل عن الحسد ، بعثه عليه الحسد ، حتى استعمل جوارحه بما يكره الله عز وجل فيمن حسده . ولو كان هذا هو الحسد لكان هذا الفعل من العباد لرغبة أو خوف، أو طلب يعني: لا تتكلم به ، بل اصرفه عن قلبك. الفرق بين هذا وسابقه : أن الأول عارضه عارض الحسد من قبل الطبع فكرهه ومقته، أما الآخر فانساق وراءه وأحبه ولكنه لم يتكلم به لعدم وجود من يتحدث به إليه، أو خشية أن يقول الناس عنه انه حاسد. في ط: يستعمله. ويسمى هذا بغيا إذا كان سعيا لازالة نعمة موجودة بالفعل لدى المحسود، وهو أشنع من الحسد، أما هذه الحالة التي يتحدث عنها المؤلف فهي محاولة لمنع خير لم يكن موجودا عند المحسود . ============================================================ دنيا، حسدا كله، فكان جميع إساءة العباد بعضهم إلى بعض حسدا ، فكانت معاصي العباد بعضهم في بعض حسدا ، فلم يعص احد في أحد إلا بحسده ، وهذا ما لا يقول به أحد يعلم أو يعقل، فالحسد بالقلب. و كذلك وصفه الله عز وجل من الحاسدين، فقال: إن تمسسكم حسنة تسؤهم) . وقال: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم)(). وقال: ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم) . وقال: ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا .