وقال سهل بن عبد الله انتهت همم العارفين إلى الحجب فوقفت مطرقة فأذن لها فسلمت فخلع عليها خلع التأييد وكتب لها براءة من الزيغ وهمم الأنبياء جالت حول العرش فكسيت الأنوار ورفع منها الأقذار واتصلت بالجبار فأفنى حظوظها وأسقط مرادها وجعلها متصرفة به له قال أبو يزيد لو بدا للخلق من النبي ذرة لم يقم لها مادون العرش وقال ما مثل معرفة الخلق وعلمهم بالنبي إلا مثل نداوة تخرج من رأس الزف المربوط قال بعضهم لم ينل أحد من الأنبياء الكمال في التسليم والتفويض غير الحبيب والخليل صلى الله عليهما فلذلك أيس الكبراء عن الكمال وإن كانوا في حال القربة مع تحقيق المشاهدة قال أبو العباس بن عطاء أدنى منازل المرسلين أعلى مراتب النبيين وأدنى منازل الأنبياء أعلى مراتب الصديقين وأدنى منازل الصديقين أعلى مراتب الشهداء وأدنى منازل الشهداء أعلى مراتب الصالحين وأدنى منازل الصالحين أعلى مراتب المؤمنين & الباب الخامس والعشرون قولهم فيما أضيف إلى الأنبياء من الزلل قال الجنيد والنوري وغيرهما من الكبار إن ما جرى على الأنبياء إنما جرى على ظواهرهم وأسرارهم مستوفاة بمشاهدات الحق واستدلوا على ذلك بقوله تعالى فنسي ولم نجد له عزما وقالوا ولا تصح الأعمال حتى يتقدمها العقود والنيات وما لا عقد فيه ولا نية فليس بفعل وقد نفى الله تعالى الفعل عن آدم بقوله فنسي ولم نجد له عزما قالوا ومعاتبات الحق لهم عليها إنما جاءت إعلاما للأغيار ليعلموا عند إتيانهم المعاصي مواضع الاستغفار وأثبتها بعضهم وقالوا إنها كانت على جهة التأويل والخطإ فيه فعوتبوا عليها لعلو مرتبتهم وارتفاع منازلهم فكان ذلك زجرا لغيرهم وحفظا لمواضع الفضل عليهم وتأديبا لهم وقال بعضهم إنها كانت على جهة السهو الغفلة وجعلوا سهوهم في الأدنى بالأرفع وهكذا قالوا في سهو النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته إن الذي شغله عن صلاته كان أعظم من الصلاة لقوله وجعلت قرة عيني في الصلاة فأخبر أن في الصلاة ما تقر به عينه ولم يقل جعلت قرة عيني الصلاة وكل من أثبتها زللا وخطايا فإنهم جعلوها صغائر مقرونة بالتوبة كما قال الله تعالى مخبرا عن صفيه آدم وزوجته عليهما السلام ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقوله فتاب عليه وهدى وفي داود عليه السلام وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب & الباب السادس والعشرون قولهم في كرامات الأولياء اجمعوا على إثبات كرامات الأولياء وإن كانت تدخل في باب المعجزات كالمشي على الماء وكلام البهائم وطي الأرض وظهور الشئ في غير موضعه ووقته وقد جاءت الأخبار بها وصحت الروايات ونطق بها التنزيل من قصة الذي عنده علم من الكتاب في قوله تعالى أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك وقصة مريم حين قال لها زكريا أنى لك هذا قالت هو من عند الله وقصة الرجلين اللذين كانا عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرجا فأضاء لهما سوطاهما وغير ذلك وجواز ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وغير عصره واحد وذلك أنه إذا كانت في عصر النبي للنبي صلى الله عليه وسلم على معنى التصديق له كان في غير عصره على معنى التصديق وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين نادى سارية قال لسارية يا سارية بن حصن الجبل الجبل وعمر بالمدينة على المنبر وسارية في وجه العدو على مسيرة شهر والأخبار في هذا كثيرة وافرة وإنما أنكر جواز ذلك من أنكر لأن فيه زعم إبطال النبوات لأن النبي لا يظهر عن غيره إلا بمعجزة يأتي بها تدل على صدقه ويعجز عنها غيره فإذا ظهرت على يدي غيره لم يكن بينه وبين من ليس بنبي فرق ولا دليل على صدقه قالوا وفيه تعجيز الله عن إظهار نبي عن من ليس بنبي
Kelâbâzî — et-Taarruf li-Mezhebi Ehli't-Tasavvuf
محمد الكلاباذي أبو بكر · AR
وقال أبو بكر الوراق النبي لم يكن نبيا للمعجزة وإنما كان نبيا بإرسال الله تعالى إياه ووحيه إليه فمن أرسله الله وأوحى إليه فهو نبي كانت معه معجزة أو لم تكن ووجب على من دعاه الرسول الإجابة له وإن لم يره معجزة وإنما كانت المعجزات لإثبات الحجة على من أنكر ووجوب كلمة العذاب على من عاند وكفر وإنما وجبت الإجابة للنبي بدعوته لأنه يدعوه إلى ما أوجب الله عليه من توحيده ونفي الشركاء عنه وإتيان ما ليس في العقل استحالته بل وجوبه أو جوازه والأصل في ذلك أنهما عينان نبي ومتنبي فالنبي صادق والمتنبي كاذب وهما يشتبهان في الصورة والتركيب وأجمعوا أن الصادق يؤيده الله بالمعجزة والكاذب لا يجوز له ما يكون للصادق لأن في هذا تعجيز الله عن إظهار الصادق من الكاذب فأما إذا كان ولي صادق وليس بنبي فإنه لا لا يدعي النبوة ولا ما هو كذب وباطل وإنما يدعو إلى ما هو حق وصدق فإن أظهر الله عليه كرامة لم يقدح ذلك في نبوة النبي ولا أوجب شبهة فيها لأن الصادق يقول ما يقوله النبي ويدعو إلى ما يدعوا إليه النبي فظهور الكرامة له تأييد لنبي وإظهار لدعوته وإلزام لحجته وتصديقه فيما يدعوه ويدعيه من النبوة وإثبات توحيد الله عز وجل وجوز بعضهم أن يرى الله أعداءه في خاصة أنفسهم وفيما لا يوجب شبهة ما يخرج من العادات ويكون ذلك استدراجا لهم وسببا لهلاكهم وذلك انها تولد في أنفسهم تعظما وكبرياء ويرون أنها كرامات لهم استأهلوها بأعمالهم واستوجبوها بأفعالهم فيتكلون على أعمالهم ويرون لهم الفضل على الخلق فيزرون بعباده ويأمنون مكره ويستطيلون على عباده وأما الأولياء فإنهم إذا ظهر لهم من كرامات الله شئ ازدادوا لله تذللا وخضوعا وخشية واستكانة وإزراء بنفوسهم وإيجابا لحق الله عليهم فيكون ذلك زيادة لهم في أمورهم وقوة على مجاهداتهم وشكرا لله تعالى على ما أعطاهم فالذي للأنبياء معجزات وللأولياء كرامات وللأعداء مخادعات وقال بعضهم إن كرامات الأولياء تجري عليهم من حيث لا يعلمون والأنبياء تكون لهم المعجزات وهم بها عالمون بإثباتها ناطقون لأن الأولياء قد يخشى عليهم الفتنة مع عدم العصمة والأنبياء لا يخشى عليهم الفتنة بها لأنهم معصومون قالوا وكرامة الولي بإجابة عوة وتمام حال وقوة على فعل وكفاية مؤنة يقوم لهم الحق بها وهي مما يخرج عن العادات ومعجزات الأنبياء إخراج الشئ من العدم إلى الوجود وتقليب الأعيان وجوز بعض المتكلمين وقوم من الصوفية إظهارها على الكذابين من حيث لا يعلمون وقت ما يدعونها فيما لا يوجب شبهة كما روى في قصة فرعون من جرى النيل معه وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الدجال أنه يقتل رجلا ثم يحيية فيما يخيل إليه قالوا إنما جاز ذلك لأنهما ادعيا ما لا يوجب شبهة لأن أعيانهما تشهد على كذبهما فيما ادعياه من الربوبية واختلفوا في الولي هل يجوز أن يعرف أنه ولي أم لا فقال بعضهم لا يجوز ذلك لأن معرفة ذلك تزيل عنه خوف العاقبة وزوال خوف العاقبة يوجب الأمن وفي وجوب المن زوال العبودية لأن العبد بين الخوف والرجاء قال الله تعالى ويدعوننا رغبا ورهبا وقال الأجلة منهم والكبار يجوز أن يعرف الولي ولايته لأنها كرامة من الله تعالى للعبد والكرامات والنعم يجوز أن يعلم ذلك فيقتضي زيادة الشكر والولاية ولايتان ولاية تخرج من العداوة وهي لعامة المؤمنين فهذه لا توجب معرفتها والتحقق بها للأعيان لكن من جهة العموم فيقال المؤمن ولي الله ولاية اختصاص واصطفاء واصطناع وهذه توجب معرفتها والتحقق بها ويكون صاحبها محفوظا عن النظر إلى نفسه فلا يدخله عجب ويكون مسلوبا من الخلق بمعنى النظر إليهم بحظ فلا يفتنونه ويكون محفوظا عن آفات البشرية وإن كان طبع البشرية قائما معه باقيا فيه فلا يستحلى حظا من حظوظ النفس استحلاء يفتنه في دينه واستحلاء الطبع قائم فيه وهذه هي خصوص الولاية من الله للعبد
ومن كان بهذه الصفة لم يكن للعدو إليه طريق بمعنى الإغواء لقوله جل وعز إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وهو مع هذا ليس بمعصوم من صغيرة ولا كبيرة فإن وقع في أحديهما قارنته التوبة الخالصة والنبي معصوم لا يجري عليه كبيرة بإجماع ولا صغيرة عند بعضهم وزوال خوف العاقبة ليس بممتنع بل هو جائز فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بأنهم من أهل الجنة وشهد للعشرة بالجنة والراوي له سعيد ابن زيد وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم توجب سكونا إليها وطمأنينة بها وتصديقا لها وهذا يوجب الأمن من التغيير وزوال خوف التبديل لا محالة والروايات التي جاءت في خوف المبشرين من قول أبي بكر رضي الله عنه يا ليتني كنت تمرة ينقرها الطير وقول عمر رضي الله عنه ياليتني كنت هذه النبتة ليتني لم أك شيئا وقول أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وددت أني كبش فيذبحني أهلي ويأكلون لحمي ويحسون مرقي وقول عائشة رضي الله عنها يا ليتي كنت ورقة من هذه الشجرة وهي من شهد لها عمار بن ياسر على منبر الكوفة فقال اشهد أنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة إنما كان ذلك منهم خوفا من جريان المخالفات عليهم إجلالا لله تعالى وتعظيما لقدره ووهبية له وحياء منه بأنهم أجلوا الحق أن يخالفون وإن لم يعاقبهم كما قال عمر رضي الله عنه نعم المرء صهيب لولم يخف الله لم يعصه يعني أن صهيبا ليس يترك المعصية لله خوف عقوبته ولكنه يتركها إجلالا له وتعظيما لقدره وحياء منه فخوف المبشرين لم يكن خوفا من التغيير والتبديل لأن خوف التغيير والتبديل مع شهادة النبي صلى الله عليه وسلم يوجب شكا في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كفر ولم يكن ذلك خوف عقوبه في النار دون الخلود فيها لعلمهم بأنهم لا يعاقبون بالنار على ما يكون منهم لأنها إما أن تكون صغائر فتكون مغفورة باجتناب الكبائر أو بما يصيبهم من البلوى في الدنيا قال عبد الله بن عمر فيما روى عن أبي بكر الصديق قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت هذه الآية من يعمل سوءا يجز به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أقرئك آية أنزلت على قلت بلى يا رسول الله قال فأقرأنيها فلا أعلم ما أصابني إلا أني وجدت انقصاما في ظهري فتمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنك يا أبا بكر فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءا وإنا لمجزون بما عملنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة أو تكون كبائر فتقارنها التوبة لا محالة فتصح بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة على أن هذا الحديث قد بين أنه يأتي يوم القيامة ولا ذنب له قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ولو كان كما قال بعض الناس إنهم بشروا بالجنة ولم يبشروا بأنهم لا يعاقبون فكان خوفهم من النار وإن علموا أنهم لا يخلدون فيها لكان المبشرون وغيرهم من المؤمنين في ذلك سواء لأنهم لا محالة مخرجون منها ولو جاز دخول أبي بكر وعمر النار مع قول النبي صلى الله عليه وسلم هما سيا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين جاز دخول الحسن والحسين مع قوله هما سيدا شباب أهل الجنة فإن كانت سادة أهل الجنة يجوز أن يدخلهم الله النار ويعذبهم بها لم يجز أن يدخل أحد الجنة إلا بعد أن يعذب بالنار وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم اتعما
فإن كان هذان يدخلان النار ويخزيان فيها لأن الله تعالى قال إنك من تدخل النار فقد أخزيته فكيف بغيرهما وقال ابن عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما وقال هكذا نبعث يوم القيامة فإن جاز دخولهما النار جاز دخول الثالث وقال النبي صلى الله عليه وسلم يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفا بغير حساب فقال عكاشة بن محصن الأسدي يا رسول الله ادع الله ان يجعلني منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنت منهم وأبو بكر وعمر أفضل من عكاشة لا محالة لقول النبي صلى الله عليه وسلم هما سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين فكيف يجوز أن يدخل عكاشة الجنة بغير حساب وهو دونهما في الفضل وهما في النار فهذا غلط كبير فقد صح بهذه الأخبار أنهما لا يجوز أن يكونا معذبين بالنار مع شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لهما بالجنة فقد تبين أمنهما فمهما قيل فيهما وفي غيرهما من المبشرين كان ذلك قولا فيمن سواهما من الأولياء من جواز الأمن وأما طريق معرفة سائر الأولياء دون المبشرين إذ كان المبشرون إنما علموا ذلك بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم لم يكن فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبرهم فإنهم إنما يعرفون بما يحدث الله فيهم من اللطائف التي يخص بها أولياءه وبما يورد على أسرارهم من الأحوال التي هي أعلام ولايته من اختصاصه لهم به وجذبه لهم مما سواه إليه وزوال العوارض عن أسرارهم وفناء الحوادث لهم والصوارف عنه إلى غيره ووقوع المشاهدات والمكاشفات التي لا يجوز أن يفعلها الله تعالى إلا بأهل خاصته ومن اصطفاه لنفسة في أزله مما لا يفعل مثلها في أسرار أعدائه فقد ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه لم يفضلكم بكثرة الصوم والصلاة ولكن فضلكم بشئ وقر في صدره أو في قلبه فهذا معنى الحديث ويؤمنهم أن يجدوا في أسرارهم كرامات ومواهب وأنها على الحقيقة وليست بمخادعات كالذي كان للذي آتاه آياته فانسلخ منها ومعرفتهم أن أعلام الحقيقة لا يجوز أن يكون كأعلام الخداع والمكر لأن أعلام المخادعات تكون في الظاهر من ظهور ما خرج من العادة من ركون المخدوع بها إليها واغترارهم بها فيظنوا أنها علامات الولاية والقرب وهو في الحقيقة خداع وطرد ولو جاز أن يكون ما يفعله بأولياءه من الاختصاص كما يفعله بأعدائه من الاستدراج لجاز أن يفعل انبياءه ويلعنهم كما فعل بالذي آتاه آياته وهذا لا يجوز أن يقال في الله عز وجل ولو جاز أن يكون للأعداء أعلام الولاية وأمارات الاختصاص ويكون دلائل الولاية لا تدل عليها لم يقم للحق دليل بته وليست اعلام الولاية من جهة حلية الظواهر وظهور ما خرج من العادة لهم فقط لكن أعلامها إنما تكون في السرائر بما يحدث الله تعالى فيها مما يعلمه الله تعالى ومن يجده في سره & الباب السابع والعشرون قولهم في الإيمان الإيمان عند الجمهور منهم قول وعمل ونية ومعنى ة النية التصديق وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق جعفر بن محمد عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالأركان قالوا أصل الإيمان إقرار اللسان بتصديق القلب وفروعه العمل بالفرائض وقالوا الإيمان في الظاهر والباطن والباطن شئ واحد وهو القلب والظاهر أشياء مختلفة وأجمعوا أن وجوب الإيمان ظاهرا كوجوبه باطنا وهو الإقرار غير أنه قسط جزء من أجزاء الظاهر دون جميعه ولما كان قسط الباطن من الإيمان قسط جميعه وجب أن يكون قسط الظاهر من الإيمان قسط جميعه وقسط جميعه هو العمل بالفرائض لأنه يعم جميع الظاهر كما عم التصديق جميع الباطن وقالوا الإيمان يزيد وينقص
وقال الجنيد وسهل وغيرهما من المتقدمين منهم إن التصديق يزيد ولا ينقص ونقصانه يخرج من الإيمان لأنه تصديق بأخبار الله تعالى وبمواعيده وأدنى شك فيه كفر وزيادته من جهة القوة واليقين وإقرار اللسان لا يزيد ولا ينقص وعمل الأركان يزيد وينقص وقال قائل منهم المؤمن اسم الله تعالى قال الله جل جلاله السلام المؤمن المهيمن وهو يؤمن المؤمن بإيمانه من عذابه والمؤمن إذا أقر وصدق وأتى بالأعمال المفترضات وانتهى عن المنهيات أمن من عذاب الله ومن لم يأت بشئ من ذلك فهو مخلد في النار والذي اقر وصدق وقصر في الأعمال فجائز أن يكون معذبا غير مخلد فهو آمن من الخلود غير آمن من العذاب فكان أمنه ناقصا غير كامل وأمن من أتى بها كلها أمنا تاما غير ناقص فوجب أن يكون نقصان أمنه لنقصان إيمانه إذ كان تمام أمنه لتمام إيمانه وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم إيمان من قصر في واجب بالضعف فقال وذلك أضعف الإيمان وهو الذي يرى المنكر فينكره بباطنه دون ظاهره فأخبر ان إيمان الباطن دون الظاهر إيمان ضعيف ووصفه بالكمال فقال أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا والأخلاق تكون في الظاهر والباطن فما عم الجميع وصف بالكمال وما لم يعم الجميع وصف بالضعف وقال بعضهم زيادة الإيمان ونقصانه من جهة الصفة لا من جهة العين فزيادة الإيمان من جهة الجودة والحسن والقوة ونقصانه من نقصانها لا من جهة العين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع وهن مريم وفاطمة وخديجة وعائشة رضي الله عنهن ولم يكن نقصان سائر النساء من جهة أعيانهن ولكن من جهة الصفة ووصفهن أيضا بنقصان العقل والدين وفسر نقصان دينهن بتركهن الصلاة والصيام في الحيض والدين الإسلام وهو والإيمان واحد عند من لا يرى العمل من الإيمان وسئل بعض الكبراء عن الإيمان فقال الإيمان من الله لا يزيد ولا ينقص ومن الأنبياء يزيد ولا ينقص ومن غيرهم يزيد وينقص فمعنى قوله من الله لا يزيد ولا ينقص أن الإيمان صفة لله تعالى وهو موصوف به قال الله تعالى السلام المؤمن المهيمن وصفات الله لا توصف بالزيادة والنقصان ويجوز ان يكون الإيمان من الله جل وعز هو الذي قسمه للعبد منه في سابق علمه لا يزيد وقت ظهوره ولا ينقص عما علمه منه وقسمه له والأنبياء في مقام المزيد من الله تعالى من جهة القوة واليقين ومشاهدات أحوال الغيوب كما قال الله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين وسائر المؤمنين يزيد إيمانهم في بواطنهم بالقوة واليقين وينقص من فروعه بالتقصير في الفرائض وارتكاب المناهي والأنبياء معصومون عن ارتكاب المناهي ومحفوظون في الفرائض عن التقصير فلا يوصفون بالنقصان في شئ من أوصافهم في حقائق الإيمان & الباب الثامن والعشرون قولهم في حقائق الإيمان قال بعض الشيوخ حقائق الإيمان أربعة توحيد بلا حد وذكر بلا بت وحال بلا نعت ووجد بلا وقت معنى حال بلا نعت أن يكون وصفه حاله حتى لا يصف حالا من الأحوال الرفيعة إلا وهو بها موصوف ووجد بلا وقت أن يكون مشاهدا للحق في كل وقت وقال بعضهم من صح إيمانه لم ينظر إلى الكون وما فيه لأن خساسة الهمة من قلة المعرفة بالله تعالى وقال بعضهم صدق الإيمان التعظيم لله وثمرته الحياء من الله وقيل المؤمن مشروح الصدر بنور الإسلام منيب القلب إلى ربه شهيد الفؤاد لربه سليم اللب متعوذ بربه محترق بقربه صارخ من بعده وقال بعضهم الإيمان بالله مشاهدة ألوهيته وقال أبو القاسم البغدادي الإيمان هو الذي يجمعك إلى الله ويجمعك بالله والحق واحد والمؤمن متوحد ومن وافق الأشياء فرفته الأهواء ومن تفرق عن الله بهواه وتبع شهوته وما يهواه فاته الحق ألا ترى أنه امرهم بتكرير العقود عند كل خطرة ونظره فقال يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء
وقال النبي صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد بطنه تعس عبد فرجه تعس عبد الخميصة وسألت بعض مشايخنا عن الإيمان فقال هو أن يكون الكل منك مستجيبا في الدعوة مع حذف خواطر الانصراف عن الله بسرك فتكون شاهدا لما له غائبا عما ليس له وسألته مرة أخرى عن الإيمان فقال الإيمان مالا يجوز إتيان ضده ولا ترك تكليفه وفي قوله يا أيها الذين آمنوا يا أهل صفوتي ومعرفتي يا أهل قربي ومشاهدتي وجعل بعضهم الإيمان والإسلام واحدا وفرق بعضهم بينهما فقال من فرق بينهما الإسلام عام والإيمان خاص وقال بعضهم الإسلام ظاهر والإيمان باطن وقال بعضهم الإيمان تحقيق واعتقاد والإسلام خضوع وانقياد وقال بعضهم التوحيد سر وهو تنزيه الحق عن دركه والمعرفة بر وهو أن تعرفه بصفاته والإيمان عقد القلب بحفظ السر ومعرفة البر والإسلام مشاهدة قيام الحق بكل ما أنت به مطالب & الباب التاسع والعشرون قولهم في المذاهب الشرعية إنهم يأخذون لأنفسهم بالأحوط والأوثق فيما اختلف فيه الفقهاء وهم مع إجماع الفريقين فيما أمكن ويرون اختلاف الفقهاء صوابا ولا يعترض الواحد منهم على الآخر وكل مجتهد عندهم مصيب ولك من اعتقد مذهبا في الشرع وصح ذلك عنده بما يصح مثله مما يدل عليه الكتاب والسنة وكان من أهل الاستنباط فهو مصيب باعتقاده ذلك ومن لم يكن من اهل الاجتهاد اخذ بقول من أفتاه ممن سبق إلى قلبه من الفقهاء انه اعلم وقوله حجة له وأجمعوا على تعجيل الصلوات وهو الأفضل عندهم مع التيقن بالوقت ويرون تعجيل أداء جميع المفترضات عند وجوبها لا يرون التقصير والتأخير والتفريط فيها إلا لعذر ويرون تقصير الصلاه في السفر ومن أدمن السفر منهم ولم يكن له مقر أتم الصلاة ورأوا الفطر في السفر جائزا ويصومون واستطاعة الحج عندهم الإمكان من أي وجه كان ولا يشترطون الزاد والراحلة فقط قال ابن عطاء الاستطاعة اثنان حال ومال فمن لم يكن له حال يقله ولا مال يبلغه لا يجب عليه & الباب الثلاثون قولهم في المكاسب أجمعوا على إباحة المكاسب من الحرف والتجارات والحرث وغير ذلك مما أباحته الشريعة على تيقظ وتثبت وتحرز من الشبهات وانها تعمل للتعاون وحسم الأطماع ونية العود على الأغيار والعطف على الجار وهي عندهم واجبة لمن ربط به غيره ممن يلزمه فرضه وسبيل المكاسب عند الجنيد على ما سبق من الشرط سبيل الأعمال المقربة إلى الله عز وجل ويشتغل العبد بها على حسب ما يشتغل في إتيان ما ندب إليه من النوافل لا على ان بها تجلب الأرزاق وتجر المنافع وهي عند غيره مباح للفرد ليس بواجب عليه من غير أن يقدح في توكله أو يجرح دينه والاشتغال بوظائف الحق أولى واحق والإعرض عنه عند صحة التوكل والثقة بالله أوجب وقال سهل لا يصح الكسب لأهل التوكل إلا لاتباع السنة ولا لغيرهم إلا للتعاون هذا ما تحققناه وصح عندنا من مذاهب القوم من أقاويلهم في كتبهم ممن ذكرنا أساميهم ابتداء وما سمعناه من الثقات ممن عرف أصولهم وتحقق مذاهبهم والذي فهمناه من رزموزهم وإشاراتهم في ضمن كلامهم قال وليس كل ذلك مسطورا لهم على حسب ما حكيناه وأكثر ما ذكرنا من العلل والاحتجاج فمن كلامنا عبارة عما حصلناه من كتبهم ورسائلهم ومن تدبر كلامهم وتفحص كتبهم علم صحة ما حكيناه ولولا أنا كرهنا الإطالة والإكثار لكنا نذكر مكان ما حكيناه من كلامهم من كتبهم نصا ودلالة إذ ليس كل ذلك مرسوما في الكتب على التصريح ونذكر الآن بعض ما تخصصوا به من أقاؤيلهم وما استعملوه من ألفاظهم مما تفردوا به والعلوم التي عنوا بها وما يدور كلامهم عليه ونشرح بعض ما يمكن شرحه وبالله نستعين ولا حول وقوة إلا بالله العلى العظيم & الباب الحادي والثلاثون علوم الصوفية علوم الأحوال أقول وبالله التوفيق اعلم أن علوم الصوفية علوم الأحوال والأحوال مواريث الأعمال ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال
وأول تصحيح الأعمال معرفة علومها وهى علم الأحكام الشرعية من أصول الفقه وفروعه من الصلاة والصوم وسائر الفرائض إلى علم المعاملات من النكاح والطلاق والمبايعات وسائر ما أوجب الله تعالى وندب إليه وما لاغناء به عنه من أمور المعاش وهذه علوم التعلم والاكتساب فأول ما يلزم العبد الاجتهاد فى طلب هذا العلم وإحكامه على قدر ما أمكنه ووسعه طبعه وقوى عليه فهمه بعد إحكام علم التوحيد والمعرفة على طريق الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح عليه القدر الذي يتيقن بصحة ما عليه أهل السنة والجماعة فإن وفق لما فوقه من نفى الشبه التى تعترضه من خاطر أو ناظر فذاك وإن أعرض عن خواطر السوء اعتصاما بالجملة التي عرفها وتجافى عن المناظر الذي يحاجه فيه ويجادله عليه وباعده فهو في سعة إن شاء الله عز وجل واشتغل باستعمال علمه وعمل بما علم فأول ما يلزمه علم آفات النفس ومعرفتها ورياضتها وتهذيب أخلاقها ومكائد العدو وفتنة الدنيا وسبيل الاحتراز منها وهذا العلم علم الحكمة فإذا استقامت النفس على الواجب وصلحت طباعها وتأدبت بآداب الله عز وجل من زم جوارحها وحفظ أطرافها وجمع حواسها سهل عليه إصلاح أخلاقها وتطهير الظاهر منها والفراغ مما لها وعزوفها عن الدنيا وإعراضها عنها فعند ذلك يمكن العبد مراقبة الخواطر وتطهير السرائر وهذا هو علم المعرفة ثم وراء هذا علوم الخواطر وعلوم المشاهدات المكاشفات وهى التى تختص بعلم الإشارة وهو العلم الذى تفردت به الصوفية بعد جمعها سائر العلوم التى وصفناها وإنما قيل علم الإشارة لأن مشاهدات القلوب ومكاشفات الأسرار لا يمكن العبارة عنها على التحقيق بل تعلم بالمنازلات والمواحيد ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال وحل تلك المقامات روى سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله فإذا نطقوا به لم ينكره إلا أهل الغرة بالله وعن عبد الواحد بن زيد قال سألت الحسن عن علم الباطن فقال سألت حذيفة بن اليمان عن علم الباطن فقال سألت رسول الله عن علم الباطن فقال سألت جبريل عن علم الباطن فقال سألت الله عز وجل عن علم الباطن فقال هو سر من سرى أجعله فى قلب عبدى لا يقف عليه أحد من خلقى قال أبو الحسن بن أبى ذر فى كتابه منهاج الدين أنشدونا للشبلى علم التصوف علم لا نفاد له علم سنى سماوى ربوبى فيه الفوائد للأرباب يعرفها أهل الجزالة والصنع الخصوصى ثم لكل مقام بدء ونهاية وبينهما أحوال متفاوتة ولكل مقام علم وإلى كل حال إشارة ومع كل مقام إثبات ونفى وليس كل ما نفى فى مقام كان منفيا فيما قبله ولا كل ما أثبت فيه كان مثبتا فيما دونه وهو كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لا إيمان لمن لا أمانة له فنفى إيمان الأمانة لا ايمان العقد والمخاطبون أدركوا ذلك إذ كانوا قد حلوا مقام الأمانة أو جاوزوه إلى ما فوقه وكان عليه السلام مشرفا على أحوالهم فصرح لهم فأما من لم يشرف على أحوال السامعين وعبر عن مقام فنفى فيه وأثبت جاز أن يكون فى السامعين من لم يحل ذلك المقام وكان الذى نفاه القائل مثبتا فى مقام السامع فيسبق إلى وهم السامع أنه نفى ما أثبته العلم فخطأ قائله أو بدعه وربما كفره فلما كان الأمر كذلك اصطلحت هذه الطائفة على ألفاظ فى علومها تعارفوها بينهم ورمزوا بها فأدركه صاحبه وخفى على السامع الذى لم يحل مقامه فأما أن يحسن ظنه بالقائل فيقبله ويرجع إلى نفسه فيحكم عليها بقصور فهمه عنه أو يسوء ظنه به فيهوس قائله وينبه إلى الهذيان وهذا أسلم له من رد حق وإنكاره قال بعض المتكلمين لأبي العباس بن عطاء ما بالكم أيها المتصوفة قد اشتققتم ألفاظا أغربتم بها على السامعين وخرجتم عن اللسان المعتاد هل هذا إلا طلب للتمويه أو ستر لعوار المذهب
فقال أبو العباس ما فعلنا ذلك إلا لغيرتنا عليه لعزته علينا كيلا يشربها غير طائفتنا ثم اندفع يقول أحسن ما أظهره ونظهره بادئ حق للقلوب نشعره يخبرني عني وعنه أخبره أكسوه من رونقه ما يستره عن جاهل لا يستطيع ينشره يفسد معناه إذا ما يعبره فلا يطبق اللفظ بل لا يعشره ثم يوافي غيره فيخبره فيظهر الجهل وتبدو زمره ويدرس العلم ويعفو أثره وأنشدونا أيضا له إذا أهل العبارة ساءلونا أجبناهم بأعلام الإشاره نشير بها فنجعلها غموضا تقصر عنه ترجمة العباره ونشهدها وتشهدنا سرورا له في كل جارحة إثاره ترى الأقوال في الأحوال أسرى كأسر العارفين ذوي الخسارة الباب الثاني والثلاثون في التصوف ما هو سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد الفارسي يقول أركان التصوف عشرة أولها تجريد التوحيد ثم فهم السماع وحسن العشرة وإيثار الإيثار وترك الاختيار وسرعة الوجد والكشف عن الخواطر وكثرة الأسفار وترك الاكتساب وتحريم الادخار معنى تجريد التوحيد أن لا يشوبه خاطر تشبيه أو تعطيل وفهم السماع أن يسمع بحاله لا بالعلم فقط وإيثار الإيثار أن يؤثر على نفسه غيره بالإيثار ليكون فضل الإيثار لغيره وسرعة الوجد ان لا يكون فارغ السر مما يثير الوجد ولا ممتلئ السر مما يمنع من سماع زواجر الحق والكشف عن الخواطر أن يبحث عن كل ما يخطر على سره فيتابع ما للحق ويدع ما ليس له وكثرة الأسفار لشهود الاعتبار في الآفاق والأقطار قال الله تعالى أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق قيل في قوله عز وجل قل سيروا في الأرض قال بضياء المعرفة لا بظلمة النكرة ولقطع الأسباب ورياضة النفوس وترك الاكتساب لمطالبة النفوس بالتوكل وتحريم الادخار في حالة لا في واجب العلم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الذي مات من أهل الصفة وترك دينارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيه & الباب الثالث والثلاثون في الكشف عن الخواطر قال بعض الشيوخ الخاطر على أربعة أوجه خاطر من الله عز وجل وخاطر من الملك وخاطر من النفس وخاطر من العدو فالذي من الله تنبيه والذي من الملك حث على الطاعة والذي من النفس مطالبة الشهوة والذي من العدو تزيين المعصية فبنور التوحيد يقبل من الله وبنور المعرفة يقبل من الملك وبنور الإيمان ينهى النفس وبنور الإسلام يرد على العدو & الباب الربع والثلاثون في التصوف والاسترسال قال الجنيد التصوف حفظ الأوقات قال وهو أن لا يطالع العبد غير حده ولا يوافق غير ربه ولا يقارن غير وقته وقال ابن عطاء التصوف الاسترسال مع الحق قال أبو يعقوب السوسي الصوفي هو الذي لا يزعجه سلب ولا يتعبه طلب قيل للجنيد ما التصوف قال لحوق السر بالحق ولا ينال ذلك إلا بفناء النفس عن الأسباب لقوة الروح والقيام مع الحق وسئل الشبلي لم سميت الصوفية صوفيه قال لأنها ارتسمت بوجود الرسم وإثبات الوصف ولو ارتسمت بمحو الرسم لم يكن إلا اسم الرسم ومثبت الوصف فأحالهم على رسمومهم وأنكر أن يكون للمتحقق رسم أو وصف قال أبو يزيد الصوفية أطفال في جحر الحق قال أبو عبد الله النباجي مثل التصوف مثل علة البرسام في أولها هذيان فإذا تمكنت أخرست يعني أنه يعبر عن مقامه وينطق بعلم حاله فإذا كوشف تحير وسكت سمعت فارسا يقول متى تظاهر في خواطر الهجوس على دواعي ملمات النفوس وجد السبيل إلى ترجيح الأولى فيقع النشر وأما الوصلة فإنها تحجب مو لإملاء فيكون المرجع إلى الخرس عن كل نفس سئل النورى عن التصوف فقال نشر مقام واتصال بقوام قيل له فما أخلاقهم قال إدخال السرور على غيرهم والإعراض عن أذاهم
قال الله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين معنى نشر مقام هو أن يعبر عن حاله إذا عبر لا عن حال غيره بلسان العلم ومعنى اتصال بقوام هو أن يحمله حاله فى حاله عن حال غيره وأنشدونا للنورى أزعجتنى عن نعوت الحال بالحال وكيف ينعت من لا قال بالقال ما كل من يدعى حالا تصدقه حتى يترجم عنه صاحب الحال ونريد أن نخبر الآن ببعض المقامات على لسان القوم من غير بسط كراهة الإطالة ونحكى من مقالات المشايخ فيها ما قرب منها إلى الأفهام دون الرموز الخفية والإشارات الدقيقة ونبدأ بالتوبة & الباب الخامس والثلاثون قولهم فى التوبة سئل الجنيد بن محمد عن التوبة ما هي فقال هو نسيان ذنبك وسئل سهل عن التوبة فقال هو أن لا تنسى ذنبك فمعنى قول الجنيد أن تخرج حلاوة ذلك الفعل من قلبك خروجا لا يبقى له فى سرك أثر حتى تكون بمنزلة من لا يعرف ذلك قط وقال رويم معنى التوبة أن تتوب من التوبة معناه ما قالت رابعة أستغفر الله من قلة صدقى فى قولي أستغفر الله سئل الحسين المغازلى عن التوبة فقال تسألني عن توبة الإنابة أو توبة الاستجابة فقال السائل ما توبة الإنابة قال أن تخاف من الله من أجل قدرته عليك قال فما توبة الاستجابة قال أن تستحى من الله لقربه منك قال ذو النون توبة العام من الذنب وتوبة الخاص من الغفلة وتوبة الأنبياء من رؤية عجزهم عن بلوغ ما ناله غيرهم وقال النورى التوبة أن تتوب من ذكر كل شىء سوى الله جل وعز قال إبراهيم الدقاق التوبة أن تكون لله وجها بلا قفا كما كنت له قفا بلا وجه والله الموفق & الباب السادس والثلاثون قولهم فى الزهد قال الجنيد الزهد خلو الأيدى من الأملاك والقلوب من التتبع قال على بن أبى طالب رضى الله عنه وسئل عن الزهد ما كان فقال هو أن لا تبالى من أكل الدنيا من مؤمن أو كافر قال يحيى الزهد ترك البد قال مسروق الزاهد الذى لا يملكه مع الله سبب سئل الشبلى عن الزهد فقال ويلكم أى مقدار لأقل من جناح بعوضة حتى يزهد فيها قال أبو بكر الواسطى كم تصول بترك كنيف وإلى متى تصول بإعراضك ما لا يزن عند الله جناح بعوضة وسئل الشبلى عن الزهد فقال لا زهد فى الحقيقة لأنه إما أن يزهد فيما ليس له فليس ذلك بزهد أو يزهد فيما هو له فكيف يزهد فيه وهو معه وعنده فليس إلا ظلف النفس وبذل ومواساة كأنه جعل الزهد ترك الشىء فيما ليس له وما ليس له لا يصح له تركه لأنه متروك وما هو له لا يمكنه تركه & الباب السابع والثلاثون قولهم فى الصبر قال سهل الصبر انتظار الفرج من الله تعالى قال وهو أفضل الخدمة وأعلاها وقال غيره الصبر أن تصبر فى الصبر معناه أن لا تطالع فيه الفرج قال بعضهم صابر الصبر فاستغاث به الصبر فنادى الصبور يا صبر صبرا قال سهل فى قوله واستعينوا بالصبر والصلاة أى استعينوا بالله واصبروا على أمر الله واصبروا على أدب الله سبحانه قال سهل الصبر مقدس تقدس به الأشياء قال أبو عمرو الدمشقى فى قوله تعالى مسني الضر أى مسنى الضر فصبرنى لأنك أرحم الراحمين وقال غيره مسنى الضر الذى تخص به أنبيائك وأوليائك بلا استحقاق منى لكن لأنك أرحم الراحمين وقال بعضهم إنما جزع من أجله لا من أجل نفسه وذلك أن الألم استولى على بدنه فخاف زوال عقله أنشدونا لأبى القاسم سمنون تجرعت من حاليه نعمى وابؤسا زمان إذا أمضى عزاليه احتسى فكم غمرة قد جرعتني كؤوسها فجرعتها من بحر صبرى أكؤسا تدرعت صبرى والتحقت صروفه وقلت لنفسى الصبر أو فاهلكى أسا خطوب لو أن الشم زاحمن خطبها لساخت ولم تدرك لها الكف ملمسا & الباب الثامن والثلاثون قولهم فى الفقر
قال أبو محمد الجريرى الفقر أن لا تطلب المعدوم حتى تفقد الموجود معناه أن لا تطلب الأرزاق إلا عند خوف العجز عن القيام بالفرض قال ابن الجلاء الفقر أن لا يكون لك فإذا كان لك لا يكون لك على معنى قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة قال أبو محمد رويم بن محمد الفقر عدم كل موجود وترك كل مفقود وقال الكنانى إذا صح الافتقار إلى الله صح الغنى بالله لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بالآخر قال النورى نعت الفقير السكون عند العدم والبذل والإيثار عند الوجود وقال بعض الكبراء الفقير هو المحروم من الإرفاق والمحروم من السؤال لقوله عليه السلام لو أقسم على الله لأبره فدل أنه لا يقسم قال الدراج فتشت كنف أستاذى أريد مكحلة فوجدت فيه قطعة ( فضة ) فتحيرت فلما جاء قلت له إنى وجدت فى كنفك قطعة قال قد رأيتها ردها ثم قال خذها واشتر بها شيئا فقلت له ما كان أمر هذه القطعة بحق معبودك قال ما رزقنى الله من الدنيا صفراء ولا بيضاء غيرها فأردت أن أوصى أن تشد فى كفنى فأردها إلى الله عز وجل سمعت أبا القاسم البغدادى يقول سمعت الدورى يقول كنا ليلة العيد مع أبى الحسن النورى فى مسجد الشونيزى فدخل علينا إنسانا فقال للنورى أيها الشيخ غدا العيد ماذا أنت لابسه فأنشأ يقول قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه فقلت خلعة ساق عبده جرعا فقر وصبر هما ثوباى تحتهما قلب يرى ربه الأعياد والجمعا أحرى الملابس أن تلقى الحبيب بها يوم التزاور فى الثوب الذى خلعا الدهر لى مأتم إن غبت يا أملى والعيد مادمت لى مرأى ومستمعا سئل بعض الكبراء ما الذى منع الأغنياء عن العود بفضول ما عندهم على هذه الطائفة فقال ثلاثة أشياء أحدها أن الذى فى أيديهم غير طيب وهؤلاء خالصة الله وما اصطنع إلى أهل الله فمقبول ولا يقبل الله تعالى إلا الطيب والثانى أنهم مستحقون فيحرم الآخرون بركة العود عليهم والثواب فيهم والثالث أنهم مرادون بالبلاء فيمنعهم الحق عن العود عليهم ليتم مراده فيهم سمعت فارسا يقول قلت لبعض الفقراء مرة ورأيت عليه أثر الجوع والضر لم لا تسأل الناس فيطعموك قال أخاف أن أسألهم فيمنعونى فلا يفلحوا وقد بلغنى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لو صدق السائل ما أفلح من منعه & الباب التاسع والثلاثون قولهم فى التواضع سئل الجنيد عن التواضع فقال هو خفض الجناح وكسر الجانب قال رويم التواضع تذلل القلوب لعلام الغيوب قال سهل كمال ذكر الله المشاهدة وكمال التواضع الرضا به وقال غيره التواضع قبول الحق من الحق للحق وقال آخر التواضع الافتخار بالقلة والاعتناق للذلة وتحمل أثقال أهل المله & الباب الأربعون قولهم فى الخوف قال أبوعمرو الدمشقى من يخاف من نفسه أكثر مما يخاف من العدو قال أحمد السيد حمدويه الخائف الذى يخافه المخلوقات قال أبو عبدالله بن الجلاء الخائف الذى تأمنه المخلوقات قال ابن خبيق الخائف الذى يكون بحكم كل وقت فوقت تخافه المخلوقات ووقت تأمنه الذى تخافه المخلوقات هو الذى غلب عليه الخوف فصار خوفا كله فيخافه كل شىء كما قيل من خاف الله خافه كل شىء والذى أمنته المخاوف هو الذى إذا طرقت المخاوف أذكاره لم تؤثر فيه لغيبته عنها بخوف الله تعالى ومن غاب عن الأشياء غابت الاشياء عنه أنشدونا يحرق بالنار من يحس بها فمن هو النار كيف يحترق قال رويم الخائف الذى لا يخاف غير الله معناه لا يخافه لنفسه وإنما يخافه إجلالا له والخوف للنفس خوف العقوبة قال سهل الخوف ذكر والرجاء أنثى معناه منهما يتولد حقائق الإيمان وقال إذا خاف العبد غير الله ورجا الله تعالى أمن الله خوفه وهو محجوب & الباب الحادى والأربعون قولهم فى التقوى قال سهل التقوى مشاهدة الأحوال على قدم الانفراد معناه أن يتقى مما سوى الله سكونا إليه واستحلاء له وفى قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم أى بجميع استطاعتكم