Qur'an&Sunnahالقرآن

Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb

محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي · AR

قسم V01/P194–V01/P195Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P194–V01/P195)

طائفة من المؤمنين الذين وصفهم المؤمن أن لو سألهم أموالهم ظهرت عليهم أضغانهم لأنهم من الله في اغترار بما ألبسهم من الإظهار فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا إلا أن الله تعالى لا يسأل من يحبه إكراما له ممن يعلم أنه يسارع إليه بجملة ما سأله لأنه كريم جواد لا يكبر عنده شيء إن سأل سأل الكلية وهو المال والنفس إلا أنه لا يسأل إلا من خلقه بخلق من أخلاقه فمتى لم يكن على العبد سواه شيء سأله محبوبه كل شيء ومتى عظم في قلبه العرض الفاني وهو ضغين لم يسأله شيء فإذا لم يبق للعبد في نفسه نفسا ولا من ماله ملكا كان الجواد عوضا له من ماله وكان الجبار عوضا له من نفسه إلا أن الله سبحانه لم يذكر إياه في العوض من النفس وذكر الجنة في البدل عن المال لئلا يدخل تحت حكم وهو الحاكم وكيلا ينضم إلى عوض فيكون شفعا وهو الفرد فأخفى نفسه وهو الدليل وذكر خلقه وهو إليه السبيل فهذا فهم أوليائه عنه . وهذه علامة المحبة الخالصة التي لاشرك فيها لسواه ولا دخل عليها من غيره إياه ولا يصلح أيضا أن يكشف عن وصف هؤلاء المحبين لأن حالهم يجل عن الوصف ومقامهم يجاوز علوم العقل والوقت ، إلا أن الله تعالى أحكم ذلك بقوله عز وجل : ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) الزخرف : 17 وبقوله : ( تحيتهم يوم يلقونه سلام ) الأحزاب : 44 مع قوله : ( ولكم فيها ما تدعون ) ( نزلا من غفور رحيم ) فصلت 31 - 32 وقوله : ( فأما إن كان من المقربين فروح وريحان ) الواقعة : 88 - 89 ، وأحكم ذلك بقوله تعالى : ( وهو وليهم بما كانوا يعملون ) الأنعام : 127 وبقوله تعالى : ( هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ) آل عمران : 163 ففيه وصف لأهل الولايات والحب ومدح لأهل الدرجات والقرب بقوله : بصير بما يعملون أي لذلك جعلهم درجات عنده ، ولقوله : وليهم بما كانوا يعملون بما تولاهم به قربهم منه وفيه أيضا ذم المنافقين على القراءة الأخرى والله بصير بما تعلمون فقد أبصر أعمالكم أنتم فلم يجعلكم مثلهم إذ لم تكن أعمالكم كأعمالهم فهذا كما قال : ( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) الفتح : 18 ثم قال في وصف قلوبنا : ( والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما ) الأحزاب : 15 ثم قال في فصل من القول : ليس بهزل سوى بين هؤلاء وهؤلاء : ( إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ) ثم قال في ضد أولئك كلاما فاصلا لمفصل مفسر للمجمل : ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) الأنفال 23 أي ليس لهم فيه شيء ولا لهم منه نصيب لأنه لم يجعل عندهم مكانا لخير فيوجد فيه خيرا فكان هذا فصل الخطاب وبلاغا لأولي الألباب شهد لهم بذلك إذ قال : ( أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) الرعد : 13 .

قسم V01/P195–V01/P196Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P195–V01/P196)

فأيس المؤمنون من هداية هؤلاء فلم يرجو منهم مجاهدة فيه أبدا لأن الله تعالى لا يهدي من يضل وقيل ييأس لغة بمعنى يعلم أي فقد علموا مما أعلمهم الله تعالى ، ويشهد لهذا المعنى الحرف الآخر لأنه بمعناه أفلم يتبين الذين آمنوا فبين لهم بما بين المبين فسلموا له وأقبلوا عليه وأعرضوا عنهم فسلموا منهم فكذلك قال الولي الحميد ، وكذلك تولى بعض الظالمين بعضا وقال : ( تشابهت قلوبهم ) البقرة : 118 ، فيتبعون ما تشابه منه فكم بين من ثبت قلبه فرسخ العلم فيه وبين من أزاغه فمال إلى فتنة التأويل يبتغيه وشتان بين من تولاه بنفسه إذ صلح له وبين من ولاه إذا أعرض عنه فهذه مقامات المبعدين كما تلك مقامات المقربين فقد دخلوا تحت حكمين لم يخرجوا منهما أعلاهم دخل تحت فضله وأدناهم لم يخرج من عدله وقد أجمل سبحانه وصفهم بقوله : ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ) الروم : 45 وقال في ذكر العموم : ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط ) يونس : 4 ، بالقسط فخص أولياءه بالفضل وعم خلقه بالعدل ، فكم من قلب لا يشهد إلا الله ولا يسمع إلا منه ولا إليه والله هو الأغلب على همه والأقرب إلى قلبه وبين قلب حشوه الخلق وهمه الرزق لا ينظر إلا إليهم ولا يطمع إلا فيهم ولا ينظر إلا هم الخلق أغلب شيء عليه والخلق أقرب شيء إليه ، فهذا من المبعدين بهم لأن البعد صفتهم وظهور النفس عليه وتحكم سلطانها فيه مكان البعد الذي يوجد البعد معه والأول من المقربين به لأن القرب صفته وخنوس نفسه عنه وتسخيرها له مكان القرب الذي يوجد القرب عنده فذلك من السابقين إلى ربه والمبعد مثبط بنفسه عن ربه وقد قال تعالى : ( فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ) الشعراء : 213 ، فالبعد حجاب والمبعد في عذاب والقرب نعيم والمقرب على مزيد ، ألم تسمع قوله تعالى في تعذيب المحجوب : ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ) المطففين : 15 ، ثم إنهم لصالوا لجحيم وقال في ترويح المقربين : ( فأما إن كان من المقربين ) ( فروح وريحان وجنة نعيم ) الواقعة : 88 - 89 روح بقريب وريحان من حبيب وجنة نعيم بقرب منعم وقال المروح بالقرب المحيا بالحضور : فروحي وريحاني إذا كنت حاضرا . . . وإن غبت فالدنيا على محابس إذا لم أنافس في هواك ولم أغر . . . عليك ففيمن ليت شعري أنافس وقال المكروب بالبعد المغصص بالفقد : فكيف يصنع من أقصاه مالكه . . . فليس ينفعه طب الأطباء من غص داوى بشرب الماء غصته . . .

قسم V01/P196–V01/P198Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P196–V01/P198)

فكيف يصنع من قد غص بالماء وشتان بين عبد منقطع إلى ربه يخدمه وآخر منقطع لخدمة الخلق يعبدهم وكم بين عبد منقطع عن الناس وبين عبد موصول به الوسواس وشتان بين عبد منقطع بالشوق إلى المولى وبين عبد منقطع بالهوى معانق للدنيا فهذه مقامات المقربين بالحسنى وأضدادها مقامات المبعدين بالسوء فإذا كان العبد على وصف من الحقيقة وفي مقام من التقوى استحق الثناء من مولاه لتحققه بالوصف ونال القرب من القريب لتبعده عن حظوظ النفس ، وفي حسن الثناء من العظيم الأعظم غاية الطالبين ونهاية رغبة الراغبين ولا يكون ذلك إلا لأوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين وهم أهل القلوب السليمة الطاهرة وذوو الجوارح الخاشعة الذاكرة وأولو الألباب الراجحة الفاخرة وهم ثلاث طبقات من مقربي أصحاب اليمين ؛ أهل العلم بالله تعالى ، وأهل الحب لله تعالى ، وأهل الخوف من الله تعالى فهؤلاء خصوص أوليائه المقربين استحضرهم فحضروا واستحفظهم العلم فحفظوا واستشهدهم عليه فشهدوا فهم الأدلة منه عليه وهو دليلهم إليه وهم جامعو العباد به وهو جامعهم عنده لديه أبدال الأنبياء والربانيون من العلماء أئمة المتقين وأركان الدين أو القوة والتمكين الذين كشف لهم الكتاب المستبين وهداهم إليه الطريق المستقيم عليه وهم المنظور إلى قلوبهم كفاحا والمقصودون بالمزيد والتحف مساء وصباحا ومن سواهم من عموم المؤمنين من القراء والعباد وأهل المجاهدة والزهد والأوراد قد أعطاهم الولايات وفرقهم في الأعمال والسياحات وأظهر لهم الآيات تسكينا لقلوبهم بها وطمأنينة منهم إليها لئلا تدخل عليهم الشبهات فيهلكوا ولا تجذبهم الشهوات فيرجعوا فشغلوا بالإظهار عن الظاهر وحجبوا بالظواهر عن الباطن واغتبطوا بالحجاب وسكنوا إلى الأسباب وعكفوا على المقامات واستتروا بالملكوت والآيات فهم مغبوطو الأموات من أهل الدنيا وهم مرحومو الأحياء من أهل الأعلى لأن قربهم بعد عند المقربين وكشفهم حجب عند المشاهدين وعطاءهم رد عند المواجهين إلا أن الله تعالى نظر إليهم لما نظروا لنفوسهم حكمة ورحمة منه لهم فسكنهم في حالهم ورضاهم بمقامهم كيلا تشتت قلوبهم ولا تتحير عقولهم والسابقون الأولون هم الوجهة العليا والمتمسكون بالعروة الوثقى نظروا إليه سبحانه وتعالى به فنظر إليهم منه فهم كما وصفهم : ( ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) لايرجعون إلى مال ولا ينظرون إلى حال يحبهم ويحبون رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه فهم كما وصفوا في الكتب السالفة ، قال الحواريون : ياروح الله صف لنا أولياء الله الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون فقال : هم الذين نطق بهم الكتاب وبه نطقوا وبهم علم الكتاب وبه علموا وبهم قام الكتاب وبه قاموا نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها وعاينوا أجل الدنيا حين عاين الناس عاجلها فأماتوا منها ماخشوا أن يميتهم وتركوا منها ما علموا أن سيتركهم فصار دركهم منها فواتا وفرحهم بها حرمانا ما عارضهم منها رفضوه وما أشرف لهم بغير الحق وضعوه خلقت الدنيا عندهم فلم يجددوها وخربت فيما بينهم فلم يعمروها وماتت في صدورهم فلم يحيوها قدموها فبنوا بها آخرهم أحيوا ذكر الموت وأماتوا ذكر الحياة يحبون الله ويحبون ذكره ويستضيئون بنوره ويضيئون به لهم خبر عجيب وعندهم أعجب الخبر العجيب ، وقال عز وجل في وصفهم : ( ومن أحسن من الله ) المائدة : 50 حديثا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء وقال تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط ) آل عمران : 18 وفيها مقرأ غريب بمعنى الجمع للشهداء وكأنه جعل وصفا لما تقدم من ذكرهم في قوله تعالى : ( الصابرين والصادقين ) آل عمران : 17 ، إلى قوله : ( والمستغفرين بالأسحار ) آل عمران : 17 شهد الله أنه لا إله إلا هو وقال : ( كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) الرعد 43 ، فهذا وصف يزيد على كل وصف ويستغرق نعت الواصفين ويجمع هذه المقامات السبعة من المراقبة والمشاهدة حالان عن مقامين مدار المقامات كلها عليهما ومستخرج المزيد من الكرامات منهما ؛ فأحدهما الخوف عن مقام العلم والحال الثاني الرجاء عن مقام العمل ، فمن كان مقامه العلم بالله كان حاله الخوف منه ومن كان مقامه الرجاء لله تعالى كانت حاله المعاملة له ، ألم تسمع إلى قوله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر : 28 وقوله : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) الكهف 110 .

قسم V01/P198Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P198)

الفصل الثلاثون فيه كتاب ذكر تفصيل الخواطر لأهل القلوب وصفة القلب وتمثيله بالأنوار والجواهر

قسم V01/P198–V01/P199Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P198–V01/P199)

قال الله سبحانه وتعالى : ( ونفس وما سواها ) ( فألهمها فجورها وتقواها ) الشمس : 7 - 8 أي ألقي فيها وقذف فيها ، وقال عز وجل : ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ) ق : 16 وقال : ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله ) المائدة : 30 وقال تعالى : ( من شر الوسواس الخناس ) الناس : 4 الآية ، وقال : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ) فاطر : 6 وقال تعالى : ( استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ) المجادلة : 19 وقال عز وجل : ( الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ) البقرة : 268 وقال سبحانه مخبرا عن العدو : ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) الأعراف : 16 ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ) الأعراف : 17 إلى آخر الآية ، وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له بطريق الإسلام فقال : أتسلم وتذر دينك ودين آبائك فعصاه فأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال : أتهاجر فتذر أرضك وسماءك فعصاه فهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : أتجاهد وهو جهد النفس والمال فتقاتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك فعصاه فجاهد ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من فعل ذلك فمات كان حقا على الله تعالى أن يدخله الجنة وقد أخبر الله تعالى عنه أنه قال : ( و لأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم ) النساء : 119 إلى آخر الآية . وروينا أن عثمان بن أبي العاص قال : يارسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي فقال ذلك الشيطان يقال له خنزب إذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله تعالى عني ، وفي الخبر : أن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاستعيذوا بالله منه ، وقد روينا أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم والحديث المشهور : ما منكم من أحد إلا وله شيطان قالوا : وأنت يا رسول الله : قال : وأنا ، إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : وقد روينا من طريق مسند في القلب لمتان ؛ لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير ، وروينا عن الحسن رحمه الله أنه قال : هما همان يجولان في القلب هم من الله تعالى وهم من عدوه فرحم الله عبدا وقف عند همه فما كان الله أمضاه وما كان عدوه يجاهد ، وقال مجاهد في قوله تعالى : ( من شر الوسواس الخناس ) الناس : 4 قال : هو منبسط على قلب الإنسان ، فإذا ذكر الله تعالى خنس وانقبض وإذا غفل انبسط على قلبه وقال عكرمة الوسواس محله في الرجل في فؤاده وعينيه ومحله في المرأة في عينيها إذا أقبلت وفي عجيزتها إذا أدبرت ، وقال جرير بن عبدة العدوي : شكوت إلى العلاء بن زياد ما أجد في صدري من الوسوسة فقال : إنما مثل ذلك مثل النقب الذي تمر به اللصوص فإن كان فيه شيء عالجوه وإلا مضوا وتركوه ، وقد روى أبو صالح عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي ذكره الله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) المطففين : 14 .

قسم V01/P199–V01/P201Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P199–V01/P201)

وروينا عن جعفر بن برقان قال : سمعت ميمون بن مهران يقول : إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه بذلك نكتة سوداء فإن تاب محيت من قلبه فترى قلب المؤمن مجلوا مثل المرآة ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصره ، وأما الذي يتتابع في الذنوب كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فلا يزال ينكت في قلبه حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من حيث يأتيه وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قلب المؤمن أجرد فيه سراج يزهر في تقسيمه القلوب . روينا عن أبي سعيد الخدري وأبي كبشة الأنماري وبعضه أيضا عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : القلوب أربعة ، قلب فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن ، وقلب أسود منكوس فذلك قلب الكافر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه فذلك قلب المنافق وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه مثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والصديد ، فأي المدتين غلبت عليه حكم له بها ، وفي لفظ بعضهم : غلبت عليه ذهبت به ، وقال الله تعالى : ( ومن أحسن من الله ) المائدة : 50 وقال تعالى : ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) الأعراف : 201 فأخبر أن جلاء القلوب الذكر به يبصر القلب وأن باب الذكر التقوى به يذكر العبد ، فالتقوى باب الآخرة كما أن الهوى باب الدنيا ، وأمر الله تعالى بالذكر وأخبر أنه مفتاح التقوى لأنه سبب الاتقاء وهو الاجتناب والورع فقال تعالى : ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) الأعراف : 171 وأخبر أنه أظهر البيان للتقوى في قوله : ( كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) البقرة : 187 وقال تعالى : ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ) ( الذي خلقك فسواك فعدلك ) الانفطار : 6 - 7 وقال تعالى : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) التين : 4 وقال : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) الذاريات : 49 فمن السواء والتعديل والازدواج والتقويم أدوات الظاهر وأعراض الباطن وهي حواس الجسم والقلب . فأدوات الجسم هي الصفات الظاهرة وأعراض القلب هي المعاني الباطنة قد عدلها الله تعالى بحكمته وسواها على مشيئته وقومها إتقانا بصنعته وأحكاما بصنعه ، أولها النفس والروح وهما مكانان للقاء العدو والملك وهما شخصان ملقيان للفجور والتقوى ، ومنها غرضان متمكنان في مكانين وهما العقل والهوى عن حكمين في مشيئة حاكم وهما التوفيق والإغواء ، ومنها نوران ساطعان في القلب عن تخصيص من رحمة راحم وهما العلم والإيمان ، فهذه أدوات القلب وحواسه ومعانيه الغائبة وآلاته ، والقلب في وسط هذه الأدوات كالملك ، وهذه جنوده تؤدي إليه أو كالمرآة المجلوة وهذه الآلة حوله تظهر فيراها ويقدح فيه فيجدها ، فتفصيل ذلك على الإيجاز أن جمل الخواطر ستة : هي حدود القلب وقوادحه من ورائها خزائن الغيب وملكوت القدرة وهي جنود الله تعالى عتيدة وسلطان منه مبين والقلب خزانة من خزائن الملكوت قد أودعه مقلبه من لطائف الرغبوت والرهبوت وشعشع فيه من أنوار العظمة والجبروت ما شاء لأهل الرفيق الأعلى وذوي الملكوت الأدنى فأول التفصيل خاطر النفس وخاطر العدو وهذان لا يعدمهما عموم المؤمنين وهما مذمومان محكوم لهما بالسوء لا يردان إلا بالهوى وضد العلم وخاطر الروح وخاطر الملك وهذان لا يعدمهما خصوص المؤمنين وهما محمودان لا يردان إلا بحق وبما دل عليه العلم وخاطر العقل وهومتوسط بين هذه الأربعة يصلح للمذمومين فيكون حجة على العبد لمكان تمييز العقل وتقسيم المعقول لأن العبد يدخل في هواه بشهوة جعلت له واختيار لا يعسر عليه من حيث لا يعقل ولا إجبار ويصلح أيضا للمحمودين فيكون شاهدا للملك ومؤيدا لخاطر الروح ويثاب العبد في حسن النية وصدق المقصد وإنما كان خاطر العقل تارة مع النفس والعدو وتارة مع الروح والملك حكمة من الله تعالى لصنعته وإتقانا لصنعه ليدخل العبد في الخير والشر بوجود معقول وصحة شهود وتمييز فيكون عاقبة ذلك من الجزاء والعقاب عائدا له وعليه إذ قد جعل سبحانه هذا الجسم مكانا لجريان أحكامه ومحلا لنفاذ مشيئته في مباني حكمته كذلك جعل العقل مطية للخير والشر يجري معهما في خزانة الجسم إذ كان مكانا للتكليف وموضعا للتصريف وسببا للتعريف العائد من معاني ذلك على صورة العبد من لذة النعيم أو عذاب أليم فلم يكن العقل غائبا فيكون العبد عن العقل ذاهبا ولم تكن الشهوة عازبة فتكون النفس مفقودة إذ في ذلك تضعيف لحجة الله تعالى عليه ووهن لبرهانه لأن العقل شاهد الحجة والشهوة في النفس مكان البلوى والنية في القلب طريق الججة وذلك أصل سبب عود جزاء الأمر والنهي فالعقل مطبوع على التمييز مجبول على التحسين والتقبيح والنفس مجبولة على الشهوة مطبوعة على الأمر بالهوى وهذا نصيبهما من عطائه وهداه لهما إلى رشاده وإغوائه وخطهما من الكتاب وقسمهما من ولي الأسباب ، كما قال تعالى في أحكام ما ذكرناه تكملة لما أخبرنا عما سبق في علمه : ( أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) وقال تعالى : ( أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ) الأعراف : 37 وقال تعالى : ( كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ) الحج : 4 والخاطر السادس هو خاطر اليقين وهو روح الإيمان ومزيد العلم يردان إليه ويصدران عنه وهذا الخاطر مخصوص بخصوص لا يجده إلا الموقنون وهم الشهداء والصديقون لا يرد إلا بحق وإن خفي وروده ودق ولايقدح إلا بعلم اختيار لمراد مختار وإن لطفت أدلته وبطن وجه الاستدلال به ولكن ليس يخفى هذا إلا الخاطر على مقصود به ومراد له وهم الذين وصفهم الله تعالى بالذكرى .

قسم V01/P201–V01/P202Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P201–V01/P202)

ورد الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم الفتيا فقال سبحانه : ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ) ق : 37 ، أي من تولى الله حفظ قلبه ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حاك في صدرك فدعه والإثم حواز القلوب يعني ما يؤثر فيها فيحزها لرقتها وصفائها ولينها ولطفها وقال للرجل الذي سأله عن البر والإثم وهما أصلا أعمال الخير والشر استفت قلبك وان أفتاك المفتون أي أن المتقين يعلمون معاني التأويل والرخصة عن علمهم العلانية وأنت على علم فوقهم مطالب بالتحقيق والعزيمة عن علمك السر وأهل الظاهر أيضا يعلمون حكم الله تعالى الظاهر عن علم اللسان الظاهر الذي هو حجة على أهل العلم الظاهر وقلبك فقيه منور بالإيمان تنظر به أو ينطق به حكم الله تعالى الباطن عن علم القلب الباطن الذي هوحقيقة الإيمان ومنفعته لأهل العلم الباطن ولا يصلح أن يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم سائلا إلا إلى فقيه فلولا أن علم القلب هو حقيقة الفقه ما رد صاحبه من فتا أهل الظاهر إليه ولا حكم على المفتين به فقد صار علم القلب هو علم العلم إذ جعله الرسول صلى الله عليه وسلم قاضيا على المفتين بالحكم وصار عالم الباطن هوعالم العلماء إذ لم يسعه تقليد العلماء ، وفي الحديث الآخر : البر ما اطمأن إليه القلب وسكنت إليه النفس وإن أفتوك وأفتوك فهذا وصف قلب مكاشف بالذكر ونعت نفس ساكنة بمزيد السكينة والبر كما وصف من قلوب المؤمنين في صريح الكلام وفي دليل الخطاب ، فأما صريحه فقوله تعالى : ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) الرعد : 28 وقوله تعالى : ( هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ) الفتح : 4 وأما دليل الكلام الذي يشهد بالتدبر فقوله تعالى في وصف قلوب أعدائه المحجوبين : ( كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لايستطيعون سمعا ) الكهف : 101 ومثله : ( أعنده علم الغيب فهو يرى ) النجم : 35 ففي تدبر معناه أن أولياءه المستجيبين له سامعون منه مكاشفون بذكره ناظرون إلى غيبه ، وقال تعالي في مثله ( مثل الفريقين كالأعمى والأصم ) هود : 24 هذا فريق المتبعين للسبل المتفرقة عن سواء السبيل بهم الضالين عن سواء الصراط ، ( و البصير والسميع ) هود : 24 هو فريق المهتدين المتبعين للصراط المستقيم ، وقال تعالى : ( ما كانوا يستطعون السمع وما كانوا يبصرون ) هود : 20 أو ألقي السمع وهو شهيد إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وقال صلى الله عليه وسلم في مجمل صفة القلب التقوى ههنا وأشار إلى القلب وقال الله سبحانه وتعالى في ذكر القلوب المقفلة بالذنوب : ( لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) الأعراف : 100 وقال تعالى في فض طابعها بالتقوى : ( واتقوا الله واسمعوا ) المائدة : 108 و ( اتقوا الله ويعلمكم الله ) البقرة : 282 وفي الخبر : إذا أراد الله بعبد خيرا جعل الله زاجرا من نفسه وواعظا من قلبه ، وفي الخبر الآخر : من كان له من قلبه واعظ كان عليه من الله حافظ .

قسم V01/P202–V01/P203Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P202–V01/P203)

وروينا في تفسير قوله تعالى : ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان ) آل عمران : 193 قال سمعناه من قلوبنا وقال في ضده لأعدائه : ( أولئك ينادون من مكان بعيد ) فصلت : 44 عن قلوبهم ، وقال الله تعالى في التوبة من ميل القلوب وهمها : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) التحريم : 4 ، وبمعناه وهموا بما لم ينالوا فإن يتوبوا يك خيرا لهم ، وقال في تحقيق العمى للقلب : ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) الحج : 46 فأهل القلوب يتعظون بلا واعظ من خلق ويزدجرون بلا زاجر في ظاهر وسائر ما ذكرناه من الخواطر لا تعدمه المؤمنون والقلب خزانة الله تعالى من خزائن الغيب وهذه المعاني جنود الله تعالى مقيمة حول القلب يخفي منها ما يشاء ويظهر ويبدي منها ما يريد ويعيد ويبسط القلب بما يشاء منها ويقبضه فيما شاء عنها وكل قلب اجتمع فيه ثلاثة معان لم تفارقه خواطر اليقين ، ولكن يضعف الخاطر ويخفي لضعف المعاني ودقتها ويقوي اليقين ويظهر بقوتها لأن هذه الثلاثة مكان اليقين أحدها الإيمان وموضعه من اليقين مكان حجر النار والثاني العلم ومكانه موضع الزناد والثالث العقل وهو مكان الحراق فإذا اجتمعت هذه الأسباب قدح خاطر اليقين في القلب ، ومثل القلب في قوته بقوة مدده وفي صفائه بجودة عدده مثل المصباح في القنديل إلى مكان العقل منه والزيت موضع العلم به وهو روح المصباح وبمدده يكون ظهور اليقين والفتيلة مكان الإيمان منه وهي أصله وقوامه الذي يظهر بها ، فعلى قدر قوة الفتيلة وجودة جوهرها يقوى اليقين وهو مثل الإيمان في قوته بالورع وكماله بالخوف وعلى مقدار صفاء الزيت ورقته واتساعه تضيء النار التي هو اليقين وهو مثل العلم في مدد الزهد وفقد الهوي فصار العلم مكانا للتوحيد فتمكن الموحد في التوحيد على قدر المكان ، وقد قال الله تعالى : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) محمد : 19 وقال تعالى : ( فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو ) هود : 14 فقدم العلم علي التوحيد فصار أوله فكلما اتسع القلب بالعلم بالله وزهد في الدنيا ازداد إيمانا وعلا لأنه يرى في علوه ما لا يراه غيره ويعلم في اتساعه ما لا يعلمه سواه فيكبر المؤمن فيكون ذلك مزيد إيمانه وقوته ثم يشهد كل ما آمن به فيكون بذلك قوة نفسه وسعة مشاهدته وكلما قصر علم القلب بالله تعالى وبمعاني صفاته وأحكام ملكوته قل إيمان هذا العبد ثم أشهد ما آمن به من وراء حجاب لما غلب عليه من حب الأسباب وسمع الكلام من خلف ستر لعجزه عن المسارعة إلى البر فيضعف بذلك إيمانه ويتخيل مشاهدته ولا يتحقق فليس من علم من صفات الله سبحانه وتعالى وقدرة آياته مائة ألف معنى ثم شهدها كلها من قرب عن كشف مثل من علم منها عشرة معان ثم شهدها من بعد عن حجاب وهما مؤمنات معا لكن بين إيمانهما في القرب والعلو والزيادة والنقصان كما بين العشرة إلى مائة ألف فيكون إيمان قلب المسلم معشار معشار عشر إيمان قلب الموقن والمعشار هو عشر العشر جزء من مائة جزء ويكون إيمان قلب المؤمن فيما بين ذلك من الزيادة على العشر والنقصان من مائة ألف على قدر قسمه .

قسم V01/P203–V01/P204Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P203–V01/P204)

ومثل ذلك فيما نعقله مثل رجل قال لك : إن عندي فلانا فقد حصل لك علم زنه عنده غير زن هذا العلم غير يقين لأنه يجوز أن يكون قد اشتبه عليه أو يكون قد كان عنده ثم خرج وليس هو الآن عنده وهذا مثل إيمان المسلم هو على علم خبر لا خبر ، ثم إنك تأتي إلي فتسمع كلامه من وراء حجاب فقد علمت الآن أنه عندي لأنك سمعت كلامه واستدللت به على كونه ، إلا أن هذا العلم أيضا غير تحقيق لأن الأصوات تشتبه والأجرام تتقارب ، و لو قلت لك بعد ذلك : لم يكن عندي وإنما كان ذلك غيره أشبه صوته تشككت فيه لاحتمال ذلك ولم يكن عندك يقين عين تدفع به قولي ولا شهادة نظر تنكر بها علي وهذا مثل لإيمان عموم المؤمنين فهو إيمان خبر لعمري وفيه يقين استدلال ممتزج بظنه إلا أنه غير مشاهدة العارفين لأنه قد يدخل عليهم التخييل والتشبيه فلا يدفعونه بشهادة يقين ثم إنك تدخل إلى الآن بعد أن قيل لك هو عندي أو بعد أن سمعت كلامه فتشهده جالسا لا حجاب بينك وبينه ، فهذا هو يقين المعرفة وهذه شهادة الموقن وعندها انتفى كل شك وتحقق خبر العلم وهذا مثل لعلم إيمان الموقنين الذي قد اندرج فيه إيمان عموم المؤمنين من علم الخبر المحتمل ومن سماع الكلام المشتبه من وراء حجاب واسم الإيمان واقع على جميعهم ولكن الأول علم أنه عندي بما قيل له فصدق والثاني علم بما سمع فاستدل ولم يشهد فيقطع والثالث هو الذي عاين فقطع وقد شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالمزيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس الخبر كالمعاينة وقال : وليس المخبر كالمعاين ، ومثل هذا أيضا أن ترى الشيء بالنهار فتعرفه معرفة عين وتعرف مكانه بنظر لا تخطئه ثم إنك تحتاج إليه ليلا فلست تعرف مكانه رأي عين وإنما تقصده بمعرفة استدلال عليه وبحسن ظن أنه موجود على حاله أو يعرف بشيء معهود أنه لا يتحول ، وكذلك الأدلة هي الغائبات وسقوطها مع المشاهدات وبمعناها رؤية الشيء بنور القمر فإنه يشبح ويلوح المشكلات ورؤيته في ضياء الشمس فإنها تكشف الأمر على ما هو به ، فهذا مثل نور اليقين إلى نور الإيمان ومثل رابع في تفاوت المؤمنين في حقيقة الكمال ودخولهم في الاسم والمعنى مثل صلاة رباعية أقيمت فجاء رجل فأدرك تكبيرة الإحرام ثم جاء آخر فأدرك الركوع ثم جاء آخر فأدرك الركعة الثانية ثم جاء ثالث فأدرك الركعة الثالثة ثم جاء رجل رابع فأدرك الركعة الآخرة فكلهم قد صلوا وأدركوا الصلاة في جماعة ونال فضلها لقوله صلى الله عليه وسلم : من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة ، ولكن ليس من أدرك الركعة الأولى في كمال الصلاة وإدراك حقيقتها كمن أدرك الثالثة والرابعة ولا يكون أيضا من أدرك التكبيرة للإحرام في الفضل كمن لم يدرك شيئا من القيام وهما مدركان معا فكذلك المؤمنون في كمال الإيمان وحقائقه لا يستوون وإن استووا في الاسم والمعنى وكذلك في تفاوتهم في الآخرة .

قسم V01/P204–V01/P205Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V01/P204–V01/P205)

فقد جاء في الخبر أنه يقال : أخرجوا من قلبه مثقال ذرة من إيمان ونصف مثقال وربع مثقال وشعيرة وذرة من إيمان فقد حصلوا متفاوتين في الإيمان ما بين الذرة إلى المثقال وكلهم قد دخل النار إلا أنهم على مقامات فيها وفيه دليل أن من كان في قلبه وزن دينار من إيمان لم يمنعه ذلك من دخول النار لعظم ما اقترف من الأوزار وأن من كان في قلبه وزن ذرة من إيمان لم يحق عليه الخلود في دار الهوان لتعلقه بيسير الإيقان وأن من زاد إيمانه على وزن دينار لم يكن للنار عليه سلطان فكان من الأبرار وأن من نقص إيمانه عن ذرة لم يخرج من النار وإن كانت سيماه واسمه في الظاهر في المؤمنين لأنه في علم الله من المنافقين الفجار ، وقد قال الله تعالى في وصفهم : ( وإن الفجار لفي جحيم ) الانفطار : 14 ثم قال : ( وما هم عنها بغائبين ) الانفطار : 16 ثم صار صاحب المثقال والذرة في الجنة على تفاوت درجات وكان الزائد إيمانه على مثقال في أعلى عليين علا هؤلاء وترفع أهل الدرجات العلى على أهل عليين ارتفاع الكوكب الذي في أفق السماء وكلهم قد اجتمع في الجنة على تفاوت مقامات وتعالي درجات ، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس شيء خيرا من ألف مثله إلا الإنسان فلعمري إن قلب المؤقن خير من ألف قلب مسلم لأن إيمانه فوق مائة إيمان مؤمن وعلمه بالله تعالى أضعاف علم مائة مسلم ، ويقال إن واحدا من الأبدال الثلاثمائة قيمته قيمة ثلاثمائة مؤمن ، وكان أبو محمد يقول : يعطي الله تعالى بعض المؤمنين من الإيمان بوزن جبل أحد ويعطي بعضهم مثل ذرة ، وقد قال الله تعالى : ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) آل عمران : 139 ، بالعلو ولا نهاية لعلو الإيمان فصار علو كل قلب على قدر إيمانه ولذلك رفع العلماء على المؤمنين درجات في قوله تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) ، ففسرها ابن عباس رضي الله عنه فقال : ( الذين أوتوا العلم ) الروم : 56 فوق المؤمنين بسبعمائة درجة بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، وفي الخبر : أكثر أهل الجنة البله وعليون لأولي الألباب ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم : فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب .

%0
10 Bölüm