فقال : العلم فيما مضى كان أكثر والكلام اليوم أكثر ، ففرق بين العلم والكلام وقد كانوا يقولون فلان عالم وفلان متكلم وفلان أكثر كلاما وفلان أكثر علما ، وكان أبو سليمان يقول : المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام ، وقال بعض العارفين هذا العلم على قسمين : نصفه صمت ونصفه تدري أين تضعه ، وزاد آخر : ونصفه وجد ونصفه نظريعني تفكرا واعتبارا ، وسئل سفيان عن العالم من هو ؟ فقال : من يضع العلم في مواضعه ويؤتي كل شيء حقه ، وقال بعض الحكماء : إذا كثر العلم قل الكلام ، وقد كان إبراهيم الخواص رحمه الله يقول : الصوفي كلما ازداد علما نقصت طينته ، وقال بعض شيوخنا : قلت للجنيد يا أبا القاسم يكون لسان بلاقلب ، قال كثير : قلت فيكون قلب بلا لسان فقال : نعم قد يكون ، ولكن لسان بلا قلب بلاء وقلب بلا لسان نعمة قلت فإذا كان لسان وقلب قال : فذاك الزيد بالنرسبان يعني العسل . وقد روينا حديثا مقطوعا عن سفيان عن مالك بن مغول قال : قيل يا رسول الله أي العمل أفضل ؟ قال : اجتناب المحارم ولايزال فوك رطبا من ذكر الله تعالى ، قيل : يا رسول الله فأي الأصحاب خير ؟ قال : صاحب إن ذكرت أعانك وإن نسيت ذكرك ، قيل : فأي الأصحاب شر ؟ قال : صاحب إن سكت لم يذكرك وإن ذكرت لم يعنك ، قال : فأي الناس أعلم ؟ قال : أشدهم لله تعالى خشية ، قال فاخبرنا بخيارنا نجالسهم قال : الذين إذا رأوا ذكر الله تعالى قالوا : فأي الناس شر يا رسول الله ؟ قال : اللهم اغفرا قالوا أخبرنا يا رسول الله قال : العلماء إذا فسدوا وقد وصف علي عليه السلام علماء الدنيا الناطقين عن الرأي والهوى بوصف غريب . رويناه عن خالد بن طليق عن أبيه عن جده وجده عمران بن حصين قال : خطبنا علي بن أبي طالب عليه السلام ورضي عنه فقال : ذمتي رهينة وأنا زعيم لا يهيج على التقوي زرع قوم ولا يظمأ على الهدى شح أصل ، وإن أجهل الناس من لا يعرف قدره وكفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره ، وإن أبغض الخلق إلى الله تعالى رجل قمش علما أغار في أغباش الفتنة عمي عما في غيب الهدنة سماه أشباه الناس وأرذالهم عالما ولم يغن في العلم يوما سالما بكر فاستكثر مما قل منه خير مما كثر حتى إذا ارتوى من آجن وأكثر من غير طائل جلس للناس مفتيا لتخليص ما التبس على غيره فإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ ؟
Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي · AR
لها عشوالرأي من رأيهم فهو من قطع الشبهات في مثل غزل العنكبوت لا يدري أخطأ أم أصاب ركاب الجهالات خباط عشوات ظلمة لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم ولا يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم ، تبكي منه الدماء وتصرخ منه المواريث وتستحل بقضائه الفروج الحرام ، لا ملئ والله بإصدار ما ورد عليه ولا هو أهل لما قرطبه أولئك الذين حلت عليهم النياحة والبكاء أيام حياة الدنيا ، ووصف علي عليه السلام علماء الآخرة في حديث كهيل بن زياد الذي يقول فيه الناس : ثلاثة عالم رباني يعني عالما بالربوبية فننسبه إلى رب كما سماهم الله في قوله : ( كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ) آل عمران : 79 الآية ، فسمى العالم بكتابه ربانيا والدارس له ربانيا فهذا قد جمع العلم والعمل وكذلك يقال : العالم الرباني هو الذي يعلم ويعمل ويعلم الناس الخير ، قال : فذاك الذي يدعى عظيما في ملكوت السماء ، وقال تعالى في تقدمتهم : ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ) المائدة : 63 فقدم الربانيين على الأحبار وهم علماء الكتب وكذلك رويناه عن مجاهد قال : الربانيون فوق الأحبار درجة ، وقال غيره : والأحبار فوق الرهبان يعني علماء القلوب أرفع من علماء الألسنة والعلماء بالكتب أفضل من العباد بدرجة ، وقد ضمهم الله تعالى إلى أنبيائه في النصرة له والصبر معه في قوله تعالى : ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ) آل عمران : 641 ، ثم وصفهم بالثبات لأمره والقوة في دينه والصبر لحكمه في تمام الآية وربيون جمع ربي يقال ربي ورباني فجمع ربي ربيون وجمع رباني ربانيون . وكذلك جاء عن رسول الله : يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء فقدم العلماء على الشهداء لأن العالم إمام أمة فله مثل أجور أمته والشهيدعمله لنفسه ، وفي خبر آخر : حبر العلماء يوزن بدم الشهداء فأعلى حال الشهيد دمه وأدنى وصف العالم حبره ، فسوى بينهما وزاد العالم على الشهيد بأعلى مقامه وكان علي عليه السلام يقول العالم أفضل من الصائم القائم والمجاهد في سبيل الله وإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمةلا يسدها إلاخلف منه . وقد روينا معناه مسندا إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيءما طرد الليل والنهار إلا موت العالم بحم طمس وموت قبيلة أيسر من موت عالم ثم قال علي عليه السلام في حديث كهيل ومتعلم على سبيل النجاة يعني مريدا طالبا للعلم متعلما من العلماء بالله تعالى على طريق معاملة وإخلاص لطلب السلامة وأن ينجو من الجهل في الدنيا ومن العذاب في الآخرة ، ثم قال : وهمج رعاع الهمج الفراش الذي يتهافت في النار لجهله واحدته همجة رعاع خفيف طياش لاعقل له يستفزه الطمع ويستخفه الغضب ويزدهيه العجب ويستطيله الكبر ثم بكى علي عليه السلام وقال : هكذا يموت العلم بموت حامليه ثم تنفس عند وصف الربانيين فقال : واشوقاه إلى رؤيتهم يعني الربانيين من العلماء وقد ذكرنا هذا الحديث بطوله في الباب الذي قبل هذا ، فهؤلاء الذين بكى عليهم شوقا هم الذين اشتاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم قبله فقال : واشواقاه إلى لقاء إخواني ووددت أني قد رأيت إخواني ، ثم قال : هم قوم يجيئون بعدكم ، ثم وصفهم فإنما كانوا إخوانه لأن قلوبهم على قلوب الأنبياء عليهم السلام وأخلاقهم بمعاني صفات الإيمان وهم أبدال هذه الأمة جاء في وصفهم ما يجل عن الوصف هم على ثلاث طبقات : صديقون ، وشهداء ، وصالحون ، وإن منهم من قلبه على قلب إبراهيم الخليل ومنهم من قلبه على قلب موسى الكليم وعيسى الروح ومحمد الحبيب صوات الله عليهم وسلم أجمعين ، ومنهم على قلب جبريل وميكائيل وإسرافيل والأخوة تقع بين الاثنين في المجالسة وقرب الشبه في الأفعال والأخلاق كما قال الله عز وجل : ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا ) الحشر : 11 لما كانوا على أوصافهم في القلوب من أسرار الكفر واعتقاد الشك جعلهم إخوانا ، وكذلك قال : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ، وهؤلاء ليسوا أمثالهم في الخلقة ولا بينهم أبوة ولا أمومة لأن الشياطين من ولد إبليس والمبذرين أولاد آدم عليه السلام ، ولكن تشابهت قلوبهم في المواجيد والأخلاق والأفعال ، فآخى بينهم للتشابه ، فمن كان من علماء الآخرة فعقله يستضيء من أنوار قلبه وفهمه ينبئ عن استنباط علمه ومشاهدته وأخلاقه على معاني يقينه وقوته وطريقه وسلوكه في منهاج سنته وسبيله فهو من إخوانه وإخوان النبيين الذين اشتاق إلى رؤيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الغرباء بين الملأ الذين قال بدا الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء قيل : ومن الغرباء ؟
قال : الذين يصلحون إذا فسد الناس ، وفي لفظ آخر الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي والذين يحيون ما أمات الناس من سنتي يعني أنهم يظهرون طريقته التي تركها الناس وجهلوها ، وفي خبر آخر : هم المتمسكون بسنتي وما أنتم عليه اليوم ، وفي حديث آخر : الغرباء ناس قليلون صالحون بين ناس سوء كثيرين من يبغضهم أكثر ممن يحبهم ، فهؤلاء الغرباء الذين قد أنعم الله عليهم بمرافقة النبيين في أعلى عليين فقال مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين إلى قوله رفيقا ، وقد كان الثوري يقول : إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء فأعلم أنه مخلط ، وقال أيضا إذا رأيت الرجل محببا إلى إخوانه محمودا في جيرانه فأعلم أنه مراء ، وقد وصف الله تعالى علماء السوء بأكل الدنيا بالعلم ووصف علماء الآخرة بالخشوع والزهد فقال تعالى في علماء الدنيا : ( وإذ أخذالله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا ) آل عمران : 187 ، وقال في نعت علماءالآخرة : ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ) آل عمران : 199 إلى قوله : ( لهم أجرهم عند ربهم ) آل عمران : 199 وقد روينا عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : علماء هذه الأمة رجلان ، فرجل آتاه الله علما فبذله للناس ولم يأخذ عليه طمعا ولم يشتر به ثمنا فذاك يصلي عليه طير السماء وحيتان الماء ودواب الأرض والكرام الكاتبون يقدم على الله تعالى يوم القيامة سيدا شريفا حتى يرافق المرسلين ، ورجل أتاه الله تعالى علما في الدنيا فضن به عن عباد الله عز وجل وأخذ عليه طمعا واشترى به ثمنا يأتي يوم القيامة ملجما بلجام من نار ينادي مناد على رؤوس الخلائق : هذا فلان بن فلان آتاه الله تعالى علما في الدنيا فضن به على عبادالله تعالى وأخذعليه طمعا واشترى به ثمنا يعذب حتى يفرغ من حساب الناس ، ومن أغلظ ما سمعت فيمن أكل الدنيا بالعلم ما حدثونا عن عتبة بن واقد عن عثمان بن أبي سليمان قال : كان رجل يخدم موسى صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : حدثني موسى صلى الله عليه وسلم وحدثني موسى نجي الله ، حدثني موسى كليم الله ، حتى أثرى وكثر ماله ففقده موسى صفي الله فجعل يسأل عنه فلا يحس له أثرا حتى جاءه رجل ذات يوم وفي يده خنزير وفي عنقه حبل أسود فقال له موسى عليه السلام : أتعرف فلانا قال الرجل : نعم هوذا الخنزير : فقال موسى : يا رب أسألك أن ترده إلى حاله حتى أسأله فيما أصابه هذا فأوحى الله تعالى إليه : يا موسى لو دعوتني بما دعاني به آدم فمن دونه ما أجبتك فيه ولكني أخبرك لم صنعت به هذا لأنه كان يطلب الدنيا بالدين . وروينا عن الحسن بأنه انصرف يوما من مجلسه فأستأذن عليه رجل من أهل خراسان فوضع بين يديه كيسا فيه خمسة آلاف درهم وأخرج من حقيبته رزمة فيها عشرة أثواب من دقيق بر خراسان ، فقال الحسن : ما هذا ؟
فقال : يا أبا سعيد هذه نفقة وهذه كسوة ، فقال له : عافاك الله ضم إليك نفقتك وكسوتك فلا حاجة لنا بذلك ، إنه من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله تعالى يوم القيامة لاخلاق له ، وفي خبر : إن العبد لينشر له من الثناء ما بين المشرق والمغرب وما يزن عند الله جناح بعوضة وعلماء الدنيا الطالبون لها بالعلم الآكلون لها بالدين المتخذون الأصدقاء والأخلاء من أبنائها المكرمون المحبون لهم المقبلون بالبشر والبشاشة عليهم هم معرفون في كل زمان بأوصافهم ولحن قولهم وسيماهم ، وقد روينا في مقامات علماء السوء حديثا شديدا نعوذ بالله من أهله ونسأله أن لا يبلونا بمقام منه فرويناه مرة مسندا من طريق ورويناه موقوفا على معاذ بن جبل رضي الله عنه وأنا أذكره موقوفا أحب إلي ، حدثونا عن منذر بن علي عن أبي نعيم الشامي عن محمد بن زياد عن معاذ بن جبل يقول فيه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافقته أنا على معاذ قال : من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع ، وفي الكلام تنميق وزيادة ولا يؤمن على صاحبه الخطأ وفي الصمت سلامة وعلم ، ومن العلماء من يخزن علمه فلا يحب أن يوجد عند غيره فذلك في الدرك الأول من النار ، ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من علمه أو تهاون بشيء من حقه فغضب فذلك في الدرك الثاني من النار ، ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة له أهلا فذلك في الدرك الثالث من النار ، ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي بالخطا والله عز وجل يبغض المتكلفين فذلك في الدرك الرابع من النار ، ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليغزر به علمه فذلك في الدرك الخامس من النار ، ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة ونبلا وذكرا في الناس فذلك في الدرك السادس من النار ، ومن العلماء من يستفزه الزهو والعجب فإن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذلك في الدرك السابع من النار عليك بالصمت فيه تغلب الشيطان وإياك أن تضحك من غير عجب أو تمشي في غير أرب . وقد روينا حديثا يدل على أوصاف علماء الآخرة وفيه أصول ما يدعون الخلق إليه من مقامات الإيمان وأسباب الدين والإيقان ، رويناه عن شقيق بن إبراهيم البلخي عن عباد بن كثير عن أبي الزبير عن جابر ذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وواقفته أنا على جابر بن عبد الله قال : لا تجلسوا عند كل عالم إلا عالم يدعوكم من خمس إلى خمس من الشك إلى اليقين ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد ومن الكبر إلى التواضع ومن العداوة إلى النصيحة ومما يدلك أن علم اليقين والتقوى وعلم المعرفة والهدى هو العلم المذكور ، المقصود عند السلف أن الصحابة والتابعين كانوا يشفقون من فقد ذلك ويخافون عدمه ويخبرون عن رفعه وقلته في آخر الزمان وإنما يعنون بذلك علم القلوب والمشاهدات الذي هو نتيجة التقوى وعلم المعرفة واليقين الذي هو من مزيد الإيمان وثمرة الهدى ، فإذا فقد المتقون وقل الخائفون وعدم الزاهدون ذهبت هذه العلوم لأنها قائمة بهم موجودة عندهم هم أربابها والناطقون بها وهي أحوالهم وطرائقهم هم السالكون لها والقائمون بها فلأجل معرفة الصحابة والتابعين عزة ذلك كانوا يبكون على فقده ، وقدوصف الله العلماء بالزهد في الدنيا والاستصغار لها وبعمل الصالحات والإيمان بها كما وصف أبناء الدنيا بالرغبة فيها والإستعظام لها قال تعالى في معنى ذلك : ( فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ) القصص : 79 ، ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ) ، ثم قال عز وجل : ( ولا يلقاها إلا الصابرون ) القصص : 80 ، أي لا يلقى هذه الحكمة إلا الصابرون عن زينة الدنيا التي خرج فيها قارون .
وروينا عن جندب بن عبد الله البجلي قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم غلمانا حزاورة فيعلمنا الإيمان قبل القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا ، وعن ابن مسعود قال : أنزل القرآن ليعمل به فاتخذتم دراسته عملا وسيأتي قوم يثقفونه تثقيف الغناء ليسوا بخياركم ، وفي لفظ آخر : يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه ، وروينا عن ابن عمر وغيره لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة فيتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يتوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم اليوم القرآن ولقد رأيت رجالا يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما آمره ولا زاجره وما ينبغي أن يقف عنده وينثره نثر الدقل ، وفي الخبر الآخر بمعناه : كنا أصحاب رسول الله أوتينا الإيمان قبل القرآن وسيأتي بعدكم قوم يؤتون القرآن قبل الإيمان يقيمون حروفه ويضيعون حدوده ويقولون قرأنا ، فمن أقرأ منا وعلمنا فمن أعلم منا فذلك حظهم منه ، وفي لفظ آخر : أولئك شرار هذه الأمة ، فأما العلم المأثور الذي نقله خلف عن سلف والخبر المرسوم في الكتب المستودع في الصحف الذي يسمعه من غبر عمن قدم فهذا علم الأحكام والفتيا وعلم الإسلام والقضايا طريقه السمع ومفتاحه الاستدلال وخزانته العقل وهو مدون في الكتب ومحبر في الورق يتلقاه الصغير عن الكبير بالألسنة وهو باق بقاء الإسلام وموجود بوجود المسلمين لأنه حجة الله تعالى على عباده ومحجة العموم من خلقه فضمن إظهاره فلم يكن ليظهر إلا بحملة تظهره ونقلة تحمله فقال تعالى : ( ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) الصف : 9 ، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم بمعناه وعلم ظاهر على اللسان فذلك حجة الله تعالى على خلقه وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه : تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم فأخبر صلى الله عليه وسلم بالعلم العتيد المستودع ظهور الكتب الذي هو ظاهر الدين وفي جهله وعدمه وجود الشرك كما ضمن الله تعالى تبقية الإسلام على كره المشركين وقال صلى الله عليه وسلم : رحم الله من سمع منا حديثا فبلغه كما سمعه فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، وقد أخبر أن حامل الفقه قد يكون غير فقيه القلب إذا لم يعمل بعلمه وأنه قد يحمله إلى من هو أفقه منه إذا عمل به إذا وعاه كما قال في الخبر الآخر : رب مبلغ أوعى من سامع فمدحه بالعمل به إذا وعاه ، فتذكر به وتفكر فيه وإن لم يكن سمعه منه صلى الله عليه وسلم .
وقال الله سبحانه وتعالى : ( وتعيها أذن واعية ) الحاقة : 12 يعني أذن القلب الحافظة ما سمعت الذاكرة لما وعت كما قال تعالى : ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ق : 37 يعني أصغي بسمعه إلى سامعه وشهد بقلبه ما سمعه من شاهده ، وقد جاء في تفسير قوله تعالى : ( وتعيها أذن واعية ) الحاقة : 12 ، قال : أذن عقلت عن الله تعالى أمره ونهيه فوعته وعملت به كما وصف سبحانه وتعالى المؤمنين الذين نعتهم بقوله في تمام وصفهم : ( والحافظون لحدود الله ) التوبة : 112 ، وقدروينا عن علي رضي الله عنه : اطلبوا العلم تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله ، وقال أيضا رضي الله عنه : إذا سمعتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بهزل فتمجه القلوب وقال بعض السلف : من ضحك ضحكة مج مجة من العلم ، وقال الخليل بن أحمد رحمه الله : ليس العلم ما حواه القمطر إنما العلم ما وعاه الصدر ، وإذا جمع العالم ثلاثا تمت النعمة به على المتعلم الصبر والتواضع وحسن الخلق ، وإذا جمع المتعلم ثلاثا تمت النعمة به على العالم العقل والأدب وحسن الفهم والله أعلم .
ذكر وصف العلم وطريقة السلف وذم ما أحدث المتأخرون من القصص والكلام
لا بد للعالم بالله تعالى من خمس هي علامة علماء الآخرة : الخشية ، والخشوع ، والتواضع ، وحسن الخلق ، والزهد ، قال الله تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر : 28 وقال تعالى : ( خاشعين لله ) آل عمران : 199 الآية فلا بد له من التواضع وحسن الخلق ، قال الله عز وجل : ( واخفض جناحك للمؤمنين ) ( وقل إني أنا النذير المبين ) الحجر : 88 - 89 ، وقال تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) آل عمران : 159 الآية والزهد في الدنيا ، قال الله تعالى : ( الذين أوتوا الكتاب ) التوبة : 29 ويلكم ثواب الله خير فمن وجد فيه هذه الخلال فهو من العلماء بالله عز وجل واعلم أنه إنما يستبين العالم عند المشكلات في الدين ويحتاج إلى العارف عند شبهات حاكت الصدور كما قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه : لا تزالون بخير ما إذا حاك في صدر أحدكم شيء وجد من يخبره به ويشفيه منه وأيم الله أوشك أن لا تجدوا ذلك ، وكما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أعلم فقال : الله ورسوله أعلم ، فقال أعلمهم بالحق إذا اشتبهت الأمور ووقعت المشكلات ، وإن كان يزحف على أسته ، فكذلك إذا اختلف الناس وإن كان في عمله تقصير وكما قال في حديث عمران بن حصين : إن الله تعالى يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند هجوم الشهوات ويحب السخاء ولو على تمرات ويحب الشجاعة ولوعلى قتل الحيات ، وقد حصلنا في زماننا هذا في مثل ما خافه ابن مسعود لأن مشكلة لو وردت في معاني التوحيد وشبهة لو اختلجت في صدر مؤمن من معاني صفات الموحد وأردت كشف ذلك على حقيقة الأمر بما يشهده القلب الموفق ويثلج له الصدر المشروح بالهدى كان ذلك عزيزا في وقتك هذا ولكنت في استكشاف ذلك بين خمسة نفر ، مبتدع ضال يخبرك برأيه عن هواه فيزيدك حيرة ، أو متكلم يفتيك بقصور علمه عن شهادة الموقنين وبقياس معقوله على ظاهر الدين وهذا شبهة فكيف تنكشف به شبهة ، أو صوفي شاطح تائه غالط يجاوز بك الكتاب والسنة لا يباليهما ويخالف بقوله الأئمة لا يتحاشاها فيجيبك بالظن والوسواس والحدس والتمويه ويمحو الكون والمكان ويسقط العلم والأحكام ويذهب الأسماء والرسوم ، وهؤلاء تائهون في مفازة التيه لم يقفوا على الحجة قد غرقوا في بحر التوحيدلم يجعلوا أئمة المتقين ولا حجة للمتقين وهذا ساقط القول إذ ليس معه حجة ولا هو على سنن المحجة ، أو مفت عالم عند نفسه موسوم بالفقه عند أصحابه يقول هذا من أحكام الآخرة ومن علم الغيب لا نتكلم فيه لأنا لم نكلفه وهو في أكثر مناظرته يتكلم فيما لم نكلف ويجالد فيما لم ينطق به السلف ويتعلم ويعلم ما علمه بتكلف ولا يعلم المسكين أنه كلف علم يقين الإيمان وحقيقة التوحيدومعرفة إخلاص المعاملة وعلم ما يقدح في الإخلاص ويخرج من جملته قبل ما هو فيه لأنه متكلف لبعض ما هو يبتغيه لأن علم الإيمان وصحة التوحيد وإخلاص العبودية للربوبية وإخلاص الأعمال من الهوى الدنيوية وما يتعلق بها من أعمال القلوب هو من الفقه في الدين ونعت أوصاف المؤمنين إذ مقتضاه الإنذار والتحذير لقوله تعالى : ( ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ) التوبة : 122 الآية ، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : تعلموا اليقين فإني متعلم معكم ولقول الصحابة رضي الله عنهم تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا فهذا مزيدا الهداية بالإيقان وهو زيادة المؤمنين في الإيمان كما قال تعالى : ( فزادهم إيمانا ) آل عمران : 173 وقال عز وجل : ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) مريم : 76 ولا يشعر أن حسن الأدب في المعاملة بمعرفة ويقين هو من صفات الموقنين وذلك هو حال العبد في مقامه بينه وبين ربه عز وجل ونصيبه من ربه تعالى ، وحظه من مزيد آخرته .
وذلك معقود بشهادة التوحيدالخالصة المقترنة بالإيمان من خفايا الشرك وشعب النفاق وهو مقترن بالفرائض وفرض فرضها الإخلاص بالمعاملة وإن علم ما سوى هذا مما قد أشرب قلبه وحبب إليه من فضول العلوم وغرائب الفهوم إنما هو حوائج الناس ونوازلهم فهو حجاب عن هذا واشتغال عنه ، فآثر هذا الغافل لقلة معرفته بحقيقة العلم النافع ما زين له طلبه وحبب إليه قصده ، آثر حوائج الناس وأحوالهم على حاجته وحاله وعمل في أنصبتهم منه في عاجل دنياهم من نوازل طوارقهم وفتياهم ولم يعمل في نصيبه الأوفر من ربه الأعلى لأجل آخرته التي هي خبر وأبقى إذ مرجعه إليها ومثواه المؤبد فيها ، فآثر التقرب منهم على القربة من ربه عزه وجل وترك للشغل بهم حظه من الله تعالى إلا جزل وقدم التفرغ لهم على فراغ قلبه لما قدم لغده من تقواه بالشغل بخدمة مولاه وطلب رضاه واشتغل بصلاح ألسنتهم عن صلاح قلبه وظواهر أحوالهم عن باطن حاله وكان سبب ما بلي به حب الرياسة وطلب الجاه عند الناس والمنزلة بموجب السياسة والرغبة في عاجل الدنيا وعزها بقلة الهمة وضعف النية في عاجل الآخرة وذخره فأفنى أيامه لأيامهم وأذهب عمره في شهواتهم ليسميه الجاهلون بالعلم عالما وليكون في قلوب البطالين عندهم فاضلا فورد القيامة مفلسا وعندما يراه من أنصبة المقربين مبلسا إذ فاز بالقرب العاملون وريح الرضا العالمون ولكن أنى له وكيف بنصيب غيره ؟ وقد جعل الله تعالى لكل عمل عاملا ولكل علم عالما أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب كل ميسر لما خلق له هذا فصل الخطاب بينهما فإن الأمة لم تختلف ، إن علم التوحيد فريضة سيما إذا وقعت الشبهات وأدخلت فيه المشكلات وإنما اختلفوا في مسألتين أي شيء هو التوحيد وفي كيفية طلبه والتوصل إليه ، فمنهم من قال بالبحث والطلب ومنهم من يقول بالاستدلال والنظر ، ومنهم من قال بالسمع والأثر ، وقال بعضهم : بالتوقيف والتسليم وقال بعض الناس : يدرك دركه بالعجز والتقصير عن بلوغ دركه ، والرجل الخامس من العلماء هو صاحب حديث وآثار وناقل رواية الأخبار يقول لك إذا سألته اعتقد التسليم وأمر الحديث كما جاء ولا تفتيش وهذا يتلو المفتي في السلامة وهو أحسنهم طريقة وأشبههم بسلف العامة خليقة ليس عنده شهادة يقين ولا معرفة بحقيقة ما رآه ولا هو مشاهد واصف لمعنى ما نقله إنما هو للعلم رواية وللأثر والخبر ناقلة عن غير خبر يخبره ولا فقه في نقله فهو على بينة من ربه وليس يتلوه شاهد منه ، وقدكان الزهري يقول : حدثني فلان ، وكان من أوعية العلم ولا يقول وكان عالما وكان مالك بن أنس رحمه الله يقول : أدركت سبعين شيخا من التابعين منهم عباد ومنهم مستجاب الدعاء ومنهم من يستسقى به ما حملت عنهم علما قط قيل : ولم ذاك قال لم يكونوا من أهل هذا الشأن وفي رواية لم يكونوا يدرون ما يحدثون به ولم يكن لهم فقه فيما يسألون عنه قال مالك وتقدم علينا ابن شهاب الزهري وهو حديث السن فنزدحم عليه حتى نصل إليه لأنه كان عالما بما يحدث به فهذا بمعنى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه . وقال بعض السلف ما كانوا يعدون علم من لا يعرف اختلاف العلماء علما وقال آخرين : من لم يعرف اختلاف العلماء لم يحل له أن يفتي ولم يسم عالما وقال قتادة وسعيد بن جبير أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس وقيل للإمام أحمد رضي الله عنه إذا كتب الرجل مائة ألف حديث له أن يفتي ، قال : لا ، قيل : فمائتي ألف حديث قال : لا قيل فثلاثمائة ألف حديث قال أرجو وفي التوراة مكتوب الطبيب الحاذق للعلة الباطنة يصلح .
وكتب سلمان الفارسي من المدائن إلى أبي الدرداء وكان قد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فيمن آخى : يا أخي بلغني أنك أقعدت طبيبا تداوي المرضى فانظر فإن كنت طبيبا فتكلم فإن كلامك شفاء وإن كنت متطببا فالله الله لا تقتل مسلما ، قال : فكان أبو الدرداء يتوقف بعد ذلك إذا سئل عن شيء وسأله إنسان عن شيء فأجابه ثم قال ردوه فقال له : أعد علي فأعاد فقال : متطبب والله فرجع في جوابه ولعمري أنه قدجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تطبب ولم يعلم منه طب فقتل فهو ضامن ، وقد كان ابن عباس رضي الله عنه يقول : سلوا جابر بن زيد فلو نزل أهل البصرة على فتياهل وسعهم وكان من صالحي التابعين ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سئل عن شيء يقول : سلوا سعيد بن المسيب ، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : سلوا مولانا الحسن فإنه قد حفظ ونسينا ، وقال بعض البصريين : قدم علينا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتينا الحسن فقلنا ألا نذهب إلى هذا الصحابي فنسأله عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجيء معنا ؟ قال : نعم فاذهبوا ، قال : فجعلنا نسأله عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يحدثنا حتى حدثنا عشرين حديثا قال : والحسن ينصت يستمع إليه ، ثم جثا الحسن على ركبتيه فقال : يا صاحب رسول الله أخبرنا بتفسير ما رويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفقه فيه ، فسكت الصحابي وقال ما عندي إلاما سمعت ، قال : فابتدأ الحسن رحمه الله يفسر ما رواه ، فقال : أما الحديث الأول الذي حدثتنا به فإن تفسيره كيت وكيت والحديث الثاني تفسيره كذا وكذا حتى سرد عليه الأحاديث كلها التي حدثنا بها وأخبرنا بتفسيرها ، قال : فلا ندري نعجب من حسن حفظه إياه وأدائه الحديث أو من علمه وتفسيره ، قال : فأخذ الصحابي كفا من حصى وحصينا به ثم قال : تسألوني عن العلم وهذا الحبر بين أظهركم فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يردون الأمور في الفتيا وعلم اللسان إلى من هو دونهم في القدر والمنزلة وهو في علم التوحيد والمعرفة والإيمان فوقهم درجات ولا يرجعون إليهم في الشبهات ولا يردون إليهم في علم المعرفة واليقين فهذا كما قيل : إنما العلم نور يقذفه الله تبارك وتعالى في قلوب أوليائه فقد يكون ذلك تفضيلا للنظراء بعضهم على بعض ، وقديكون تخصيصا للشباب على الشيوخ ولمن جاء بعد السلف من التابعين وربما كان تكرمة للخاملين المتواضعين لينبه عليهم ويعرفون شأنهم ليعظمواويرفعوا كما قال الله تعالى : ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ) القصص : 5 والنور إذا جعل في الصدر انشرح القلب بالعلم ونظر باليقين فنطق اللسان بحقيقة البيان وهو الحكمة التي يودعها الله تعالى في قلوب أوليائه كما جاء في تفسير قوله عز وجل : ( وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) ص : 20 قيل : الإصابة في القول فكأنه يوفقه للحقيقة وقوله تعالى : ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) البقرة : 269 قيل : الفهم والفطنة . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف الهداية حين تلا قوله عز وجل ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) الأنعام : 125 فقيل : يا رسول الله ما هذا الشرح ؟ فقال : إن النور إذا قذف في القلب انشرح له الصدر وانفسح ، قيل : فهل لذلك من علامة ؟