فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه ، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له ، فيبقي عليه ، أو قد أعيره فيؤخذ منه ، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه ، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء ، فهذا لما أيقن شك ، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه ، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله ، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه ، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين ، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين ، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله ، وهذا مزيد الناقصين . ما حوله الله من خزانته التي هي في يده إلى خزانته الأخرى التي هي في يد غيره ، إذ قد علم أن يده خزانة مولاه ، وأن ما حوله منها لم يكن له وإنما كان قد استودعه ، فحزن وساءه حين استرجع منه ما أودعه وأعاره وأودعها غيره أو دفعها إلى من هي رزقه ، وكانت له من قبل ، أن المتوكل قد علم أن الله تعالى ، إذا وهب شيئا من الدنيا للأجسام من الملك وشيئا من الآخرة من الملكوت وصار ذلك رزقا للمتوكل في آخرته ، فآثر لضعف يقينه رزق دنياه على رزق آخرته لنقصان زهده ، ليس ذلك ، إلا للطمع فيه ، وفضل الرغبة والشره إذ قد علم أن ما أخذ منه كان وديعة لغيره عنده ، فهذه كلها ذنوب عند المتوكلين موجبات للتوبة والاستغفار عند الموقنين ، من قبل أن المتوكل قد علم أن الله إذا وهب شيئا من الملك في الدنيا للأجسام أو شيئا من ملكوت الآخرة في القلوب ، لم يأخذه أبدا ؛ فما كان في الدنيا بقي لصاحبه إلى آخر أثره حتى يفنيه ويبليه ، وما وهبه من الآخرة من الإيمان والعلم والعمل لم يأخذه أبدا بل ينميه ويزيده فيه إلى أبد الأبد في دار الأبد ، ولكن قد يعير ويستودع من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، فهذا النوع لا بد أن يسترده ويسترجعه في الدنيا لأن حكمته أوجبت رده كما أوجب كرمه تبقية ما وهبه ، فلا ينبغي للمتوكل الموقن ما ذكرناه أن يحزنه ما حول الله من خزانته التي في يده مما أعاره واستودعه إلى خزانته الأخرى التي هي يد غيره ، ممن لعله يهبه له أو يبتليه بأحكامه فيه ، فيخرج أيضا من يده إلى يد غيره لأنه ما خرج من الدار شيء ، ولله حكمة وابتلاء في كل شيء ؛ فالحزن والأسف على فوت مثل هذا عند العارفين جناية ، ومن المؤمنين خيانة ، يستغفرون الله ويتوبون إليه كما يتوبون من المعاصي ، لأنهم قد شهدوا ما بيناه ولأنه قد أمرهم بترك الأسى على فائت الدنيا وقلة الفرح بما أتى منها ، إذ لا بد من كونهما لأنه قد علمه وبعد علمه قد كتبه وبعد كتبه قد أعلم به ، فكشف لهم اليقين عن الكتاب المستبين ؛ أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، فما ظهر من المصائب في الأموال والأنفس فقد سبق قبل خلق الخلق ، وهذا قوله تعالى : ( من قبل أن نبرأها ) الحديد : 22 ، قيل : من قبل أن نخلق الخليقة وقبل أن نبرأ الأرض وقيل : من قبل أن نبرأ الأنفس ، وقيل : من قبل أن نبرأ المصيبة ، ثم قال تعالى : ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد : 32 ، فالأسى على فقد الشيء على قدر الفرح بوجوده ، أفلا يستحي العبد أن يكون على ضد ما أمر به أو بخلاف ما يحبه منه مولاه ؟
Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي · AR
فيأسى على ماليس له ويحزن على ما أخذ منه واستودعه ، أو يفرح بما ليس له لأنه لا يعلم أنه قد وهب له ، فيبقي عليه ، أو قد أعيره فيؤخذ منه ، فلما استرجعه من يده التي هي يده تعالى قبضه ، أيقن أنه لم يكن له وأنه إنما كان وديعة عنده فحزن وساء ، فهذا لما أيقن شك ، ولما علم جهل ورغب فيما ينبغي أن يزهد فيه ، فأي شك مع ذلك يتوهم المتوكل على الله ويدعي منازل الأقوياء الأغنياء بالله ، الشاهدين لمجاري قدر الله في تصاريف حكمه ، فإذا علم العبد أنه كاذب استكان استكانة الكذابين وتاب توبة المدعين ، ولم ينطق بكلام الصادقين ولا يدل إدلال المحبوبين ، فيكون تعريف الله إياه هذه المعاني تأديبا له ومزيد مثله ، وهذا مزيد الناقصين . والمعاملة الخامسة أن يكون له بكل درهم تلف سبعمائة درهم ، كأنه قد أنفقه في سبيل الله ، حسب له ذلك لأنه قد كان نواه ، وكذلك إن لم يؤخذ ما في بيته استنباطا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن ترك العزل فأقر النطفة قرارها : إن له أجر غلام ولد ، له من ذلك الجماع وعاش فقتل في سبيل الله ، وإن كان لم يولد له فقال : أنت تخلقه ، وأنت ترزقه إليك ، محياه إليك ، مماته أقرها قرارها ولك ذلك . والمعاملة السادسة أن لا يأثم أخوه الذي أخذ رحله إن كان قد جعله صدقة عليه ، فيؤجر أجرا ثانيا لإشفاقه على أخيه ، وحسن نظره للعصا من حيث لا يعلمون تخلقا بأخلاق مولاه ، وينال بعفوه عن ظالمه درجة المحسنين ، ويتحقق بمقام المتقين ويكون ممن وقع أجره على الله ، فيخفي له ما لا تعلم نفس من قرة العين ولأنه قد علم كيف جرى الأمر وأن الآخذ مبتلي بسوء القضاء ، وأنه قد عوفي إذ لم يكن هو ذلك العبد فيرحم أهل البلاء حينئذ ، ويحمد الله على ماعافاه فيشغله الشكر لله عن الدعاء على ظالمه ، قال بعض العارفين لبعض أصحابه : لم أسقط أهل المعرفة اللأئمة عن الظالمين لهم فقلت : لاأدري قال : لعلمهم أن الله قصدهم بذلك وابتلى الظالمين بهم فرحموهم ، وذلك داخل في نصر أخيه الظالم لنفسه ، وطاعة لأمر رسوله في قوله : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ؛ أي تمنعه عن الظلم فإذا عفا عنه فقد منعه من الظلم ، لأنه لو رآه منعه من أخذه أو وهبه له فيقوم عفوه عنه مقام رؤيته . والمعاملة السابعة تحققه في الزهد فيما ذهب ، وقال أبو سليمان الداراني لما بلغه عن مالك بن دينار أنه قال للمغيرة : اذهب فخذ تلك الركوة من البيت فلا حاجة لي بها ، وكان قد أهداها إليه وقبلها منه فقال : ولم ؟
قال يوسوس إلى العدو أن اللص قد أخذها وكان مالك لا يغلق بابه إنما كان يشده بشريط وكان يقول : لولا الكلاب ما شددته أيضا ، فقال أبو سليمان : هذا من ضعف قلوب الصوفيين ، هو قد زهد مني الدنيا فما عليه بمن أخذها ، وهذا كما قال أبو سليمان : لأن الزهد إذا صح دخل الرضا فيه ، ولقول مالك أيضا وجه كأنه كره أن يعصي الله به ، فيكون هو سبب معصية الله ، ولكن قول أبي سليمان أعلى لأجل التوكل والرضا ، وهذا الذي ذكرناه من ذهاب ما في البيت هو لكل من ذهب له مال في سفر أو حضر ، ولكل من أصيب بمصيبة في نفس أو أهل هذه المعاملات كلها إذا اعتقدها بقلبه وكانت في خلده ووجده ، وإن لم ينطق بها أو يظهرها : فأكثر الناس إيمانا وأحسنهم يقينا أقلهم غما وأيسرهم أسى على ما فات من الدنيا ، وأحسنهم رضا وأنفذهم شهادة من رأى أن ذلك نعمة أوجبت عليهم شكرا ، وأقل الناس إيمانا وأضعفهم يقينا أشدهم أسى وأكثرهم غما على ما فات ، وأطولهم شكوى وأقلهم شكرا ، فالمصائب محنة تكشف الزهد في الدنيا والرغبة ، ألم تسمع إلى الحديث الذي جاء فيه هذا الدعاء : وأسألك من اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، فشدة الغم على فوت الدنيا دليل على حبها وعلامة ضعف اليقين بمحبوبه وسهوله الغم على فوتها دليل على الزهد فيها وقوة اليقين بربه ، فإن وجد المتوكل رحله بحاله لم يضره بتبقيته شيء وكان له أحر ما قد نوى من المعاملات ، ولا أعلم هذا القول واعتقاده عند خروج العبد من منزله أو تركه لرحله أو خروجه في سفر ينفعه شيئا ولا يضره ، ولا يقدم ضياع شيء حكم الله ببقائه له ولا يؤخر ترك العقد لهذا تبقية ما حكم الله بذهابه ، ومع ذلك فيكون له حال من التوكل ومقامات في المعاملات إلا شيئا واحدا من باب نقصان الدنيا من طريق الورع ، فإنه ينقصه وهو أنه إن أخذ ما توكل على الله فيه ، وفوض إليه أمره به ، ثم رد عليه ، لم يستحب له في الورع أن يتملكه ، ولا أن يرجع فيه في حسن الأدب ، لأنه قد كان جعله صدقة في سبيل الله ، فإن رجع فيه لم ينقص ذلك توكله ، لأنه قد صح تفويضه إلى الوكيل في الخالين معا ، فيكون رده عليه لأنه قد كان وهبه له بمنزلته ابتداء عطاء منه . وقد روينا أن ابن عمر سرقت ناقته فطلبها حتى أعيا ، ثم قال : في سبيل الله ، فدخل المسجد وصلى ركعتين فجاءه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، إن ناقتك في مكان كذا ، فلبس نعله وقام ثم نزعها ، ثم قال : أستغفر الله ، وجلس فقيل له : ألا تذهب فتأخذها فقال : إني قد كنت قلت : في سبيل الله ، وحدثت عن بعضهم قال : رأيت بعض إخواني في النوم بعد موته فقلت : مافعل الله بك ؟ فقال : غفر لي وأدخلني الجنة ، وعرضت على منازلي فيها فرأيتها ، قال وهو في ذلك كئيب حزين فقلت : قد دخلت الجنة وغفر لك وأنت حزين ، فتنفس الصعداء ثم قال : نعم إني لاأزال حزينا إلى يوم القيامة ، قلت : ولم ذلك ؟ قال : إني لما رأيت منازلي من الجنة رفعت لي مقامات في عليين ما رأيت مثلها فيما رأيت ، ففرحت بها ، فلما هممت بدخولها ، نادى مناد من فوقها : اصرفوه عنها فليست هذه له ، إنما هذه لمن أمضى السبيل فقلت : وما أمضى السبيل ؟
قيل لي : قد كنت تقول للشيء إذا ذهب منك : في سبيل الله ، ثم ترجع فيه فلو كنت أمضيت السبيل لأمضيناها لك ، وقد حدثونا أن الربيع بن خيتم سرق فرسه وكان ثمنه عشرين ألفا ، وكان قائما يصلي فلم يقطع صلاته ولم ينزعج لطلبه فجاءه الناس يعزونه فقال : أما إني قد كنت رأيته وهو يحله ، قيل : وما منعك أن تزجره ؟ قال : كنت فيما هو أحب إلي من ذاك يعني الصلاة قال : فجعلوا يدعون عليه فقال : لا تفعلوا وقولوا خيرا فإني قد جعلتها صدقة عليه ، وقيل لبعضهم في شيء قد كان سرق له : ألا تدعو على ظالمك ؟ فقال : ما أحب أن أكون عونا للشيطان عليه ، قيل : أفرأيت لو ردت إليك سرقتك أكنت تأخذها ؟ قال : ولا كنت أنظر إليها إني قد كنت أحللته منها ، وقيل لآخر : أدع الله على من ظلمك ، قال : ماظلمني أحد ثم قال : إنما ظلم نفسه فلا يكفيه المسكين ظلمه لنفسه حتى أزيده شرا ، وذهب لبعض المسلمين مال فجاء قوم يعزونه عليه فقال : ما تعزوني على أمر الدنيا ، فوالله ما حزنت على ذهابها فكيف على ذهاب شيء منها قيل : ولم ؟ قال : شغلني الشكر عليه عن الحزن ، وقد كانوا يقولون : إذا ظلموا من الغصب والسرقة وغير ذلك ، هذه نعمة الله علينا إذ لم يجعلنا ظالمين مظلومين وجعلنا أعظم مما فاتنا من الظلامة ، وقد كان السلف يخافون أن يذكروا الظالم بالسب له والدعاء عليه فيكون ذلك زيادة على مظلمتهم . وقد روينا : من دعا على ظالمه فقد انتصر ، وأكثر بعضهم بشتم الحجاج عند بعض السلف فقال له : لا تغرق في شتمته فإن الله ينتصف للحجاج ممن انتهك عرضه كما ينتصف منه لمن أخذ ماله ، وفي الخبر أن العبد ليظلم المظلمة ، فلا يزال يشتم ظالمه ويسبه حتى يكون بمقدار ماظلمه ، ثم يبقى للظالم عليه مطالبة بما زاد عليه يقتص له من المظلوم ، وقال بعض العلماء لرجل وقد كان شكا إليه قطع الطريق وأخذ ماله فقال له : إن لم يكن غمك أنه قد صار في المسلمين من يستحل هذا أكثر من غمك بمالك فما نصحت للمسلمين ، وسرقت من علي بن الفضيل دنانير وهو يطوف بالبيت فرآه أبوه وهو يبكي ويحزن فقال : أعلى الدنانير تبكي ؟
فقال : لا والله ، ولكن على المسكين ، أنه يسأل يوم القيامة بهم ولا يكون له حجة ، وقيل لبعضهم في معنى هذا : أدع على من ظلمك ، فقال : إني مشغول بالحزن عليه عن الدعاء عليه ؛ فإن رد علي المتوكل كل ما أخذ منه فالأفضل له أن لا يتملكه ، إن كان قد جعله في سبيل الله ليمضي السبيل ، فإن كان قد جعله صدقة على الآخذ نظر في ذلك فإن كان فقيرا حمله فقره على السرقة والخيانة والحاجة أمضى صدقته عليه ، وإن كان غير ذلك صرفها إلى فقير ، وقد كان بعضهم إذا أخذ له الشيء يشترط فيقول : إن كان فقيرا فهو صدقة عليه ، وإن كان محتاجا فهو في حل ، وقد أخبرني بعض الأشياخ عن شيخ كان بمكة من العباد أنه اتهم بعض الحجاج بسرقة هميانه لأنه كان قائما إلى جانبه ، فقال له : كم كان فيه فأخبره ، فحمله إلى منزله فوزن له من المال ، ثم إن أصحابه أعلموه أنهم مزحوا معه وحلوا هميانه وهو نائم ، فجاء هو وأصحابه إليه فردوا عليه ماله ، فقال : ما كانت لتعود إلي بعد إذ خرجت هي لكم ، فقلنا : لاحاجة لنا فيها فقال : خذوها ، قال : فأبينا ، فقال : يابني ، ودعا ابنا له وجعل يصرها صررا ويبعث بها إلى قوم حتى فرغ منها ، وهذا كانت نيته إخراجها لله سبحانه فلم يعد فيما أخرجه ، كما نقول فيمن أخرج رغيفا إلى سائل أو أعد درهما لفقير فلم يصادفه : إنا نستحب أن لا يرجع إلى ملكه بل يعزله لسائل آخر أو فقير غيره ، لم يزل هذا من أخلاق المؤمنين ، وقد رأينا من كان بهذا الوصف وهذا طريق قد عفا أثره ودرس خبره ، فمن عمل به فقد أحياه وأظهره وقد كان قديما طريقا إلى الله تعالى عليه السابلة من الأولياء .
ذكر بيان آخر من أحكام المتوكل اعلم أن التوكل على الله في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد ولا إيثاره بها ولا حفظها عليه ، ولا يقدم شيئا عن شيء ولا يؤخره لصلاح دنيا أو اختيارعبد ، بل هو إلى الإذهاب والإتلاف أقرب لأن التوكل قرين الزهد ، هكذا هو عند الخصوص ولأجل اختيار العبد وتحقيق صدقه محنة له ، ولأجل من نفي الشيء من الدنيا ، قال الله سبحانه وتعالى : ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ) الشورى : 36 فإن ذهب ماله فصبر أو شكر أو رضي ، كان صادقا في توكله ، وهذه أحوال المتوكلين في التوكل إن كانوا صادقين ، وإن عجز واضطرب كان كاذبا في توهمه للتوكل ويلزمه من مجاهدة النفس عند اضطرابها بعد عدم الأشياء ما يلزمه من مجاهداتها ونفي الآفات في سائر الأعمال ، فإن حفظ عليه ماله فقد رفق به في ذ لك وستر عليه عن كشف حقيقة حاله بتلف ذلك ، وجعلت كرامة من الدنيا له ليطمئن بذلك في حاله ويسكن به قلبه في طريقه ، وهذا مقام الضعفاء ، وإن نقص من الدنيا فقد أقيم مقام أهل البلاء ، الأمثل فالأمثل بالأنبياء ، ولولا الامتحان لكثر الصادقون وكذلك التوكل على الله في ترك الدواء لا يجلب العوافي ولا يعجلها ، ولا ينقص من الأمراض ولا يذهبها ، بل هو إلى الازدياد منها أقرب للتمحيص والابتلاء ، ومنه قوله عز وجل : ( وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) آل عمران : 141 ، فمن لم يشهد نقصان الدنيا من النفس والمال نعمة توجب عليه الشكر ، ويرى المنع عطاء فقد جهل تلك النعمة بإضاعة شكرها ، فما فاته من جهل النعمة ، وترك الشكر ، أعظم مما يترك من جميع الدنيا ، وأخاف عليه لطيفة من المحق ، والمحق نقصان الشيء إلى ذهاب جملته عند الكفر بنعمته لقوله تعالى : ويمحق الكافرين فالله أعلم أي شيء يمحقه وينقصه ، بمقدار ما كفر شكر نعمته ، وقد قال سبحانه : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) البقرة : 155 فهذا النقص من هذه الخمس التي المزيد منها هو جملة الدنيا ، هو المزيد من الآخرة لا ضد الدنيا كما قال تعالى : ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فصبروا على مصائبهم توكلا على ربهم ، ثم توكلوا رهم لشهادة وكيلهم ولحسن ظنهم به ، ثم صبروا على توكلهم لتمام حالهم ، ويعلو بذلك فيه مقامهم : فالصبر أول مقام في التوكل وهو عند مشاهدة القضاء بلاء ، والشكر أعلى من ذلك هو شهود البلاء نعمة ، والرضا فوق ذلك كله وهو أعلى التوكل وهو مقام المحبين من المتوكلين ، قال الله عز وجل في وصف عموم المتوكلين : ( وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون ) القصص : 60 ، فمن اتقى الله وعقل خطابه توكل عليه فيما أصابه ، فلم ييأس على ما فات ولم يفرح من الدنيا بما هو آت وهذا أوسط الزهد وأول التوكل ، وقال تعالى في وصف الخصوص : ( وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى : 36 فأهل العقل عن الله والمتقون له هم المتوكلون عليه ، وقد زهدهم فيما يفنى برغبته إياهم فيما يبقى حين فهموا الخطاب ، إذ هم أولو الألباب وذلك أنه أضاف ما عنده إليه ووصفه بالبقاء ليرغبوا فيه ، لأنهم قد توكلوا عليه وأضاف ما عندهم إليهم ليزهدوا فيه ، ووصفه بالفناء لأنهم قد زهدوا في نفوسهم ، إذ قد باعوها منه ، فكيف يتملكون ماعندها ؟ والعبد وماله لسيده وهو تعالى قد اشتراها منهم لرغبتهم فيه ، وعوضهم منها ما يبقى لهم فقال تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) النحل : 96 ذكر بيان آخر من فضيلة المتوكل
اعلم يقينا أن الله تعالى لوجعل الخلائق كلهم من أهل السموات والأرضين على علم أعلمهم به ، وعقل أعقلهم عنه وحكمة أحكمهم عنده ، ثم زاد كل واحد من الخلائق مثل عدد جميعهم وأضعافه علما وحكمة وعقلا ، ثم كشف لهم العواقب وأطلعهم على السرائر وأعلمهم بواطن النعم ، وعرفهم دقائق العقوبات وأوقفهم على خفايا اللطف في الدنيا والآخرة ، ثم قال لهم : دبروا الملك بما أعطيتكم من العلوم والعقول عن مشاهدتكم عواقب الأمور ، ثم أعانهم على ذلك وقواهم له ، لما زاد تدبيرهم على ما يراه من تدبير الله تعالى من الخير والشر والنفع والضر جناح بعوضة ، ولا نقص جناح بعوضة ولا أوجبت العقول المكاشفات ولا العلوم المشاهدات غير هذا التدبير ، ولا قضت بغير هذا التقدير الذي يعاينه ويقلب فيه ، ولكن لا يبصرون لأنه أجراه على ترتيب العقول وعلى معاني العرف والمعتاد من الأمور ، بالأسباب المعروفة والأواسط المشهورة على معيار ما طبع العقول فيه وجبل العقول عليه ، ثم غيب مع ذلك العواقب وحجب السرائر وأخفى المثاوب ، فغاب بعينها حسن التدبير وجميل التقدير فجهل أكثر الناس الحكم إلا المتوكلين وما يعقلها إلا العالمون ، ويقال : أصغر ماخلق الله من الحيوان والموات البعوضة والخردلة ، وفي كل واحدة منها ثلاثمائة وستون حكمة ، ثم يتزايد الحكم في المخلوقات على قدر تفاوتها في العظم والمنافع ومزيد آخر من الهدى ، والبيان لو تمنى أهل النهي من أولي الألباب الذين كشف عن قلوبهم الحجاب نهاية أمانيهم ، فكونت أمانيهم على ما تمنوا لكان رضاهم عن الله في تدبيره ومعرفتهم بحسن تقديره لهم ، خير لهم من كون أمانيهم ، وأفضل لهم عند الله من قبل إن الله ، أحكم الحاكمين ، وقال تعالى موبخا للإنسان مجهلا للتمني لقلة الإيقان : ( أم للإنسان ما تمنى ) ( فلله الآخرة والأولى ) النجم : 24 - 25 أي يحكم فيهما بترك الأماني لأنه قال تعالى : ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ) المؤمنون : 71 فالمتوكل محب لله تعالى مسرور بربه فرح له بملكه ، بأن له الآخرة والأولى يحكم فيهما كيف شاء ، والعبد عاجز لا يقدر على شيء ، فهذا أول مقام في المحبة ، فقد كفى الخلائق هذا كله بحسن تدبير الخالق العليم الخبير البصير ، وإنما يحتاجون إلى معرفة بالحكمة ومشاهدة للحكم والرحمة ، وإلى بصيرة ويقين يسكن عندها قلوبهم ولا يضطرب ، هذا الذي ذكرناه عند الموقنين وستطلع العموم على سر ما ذكرناه من لطيف التدبير وباطن التقدير ، وهو سر القدر ولطائف المقدر في الآخرة عند المعاينة ، وقد كشف الغطاء وظهر ما تحته من عجائب الخبء في السموات والأرض ، وقد أطلع الله على ذلك العلماء به في الدنيا وهو محمود مشكور على ما أظهر وأخفى ، ففي كل واحد منهما نعمة ، ومع كل واصف منها حكمة ورحمة ، ولكن قد خلق الله العلماء بأخلاقه فليس يكشفون من علمه إلا بقدر ما كشف ، وليس يعرفون من سر قدره إلا بمعيار ما عرف ، وقال تعالى : ( وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) الحجر : 21 فقد تأدبوا بهذا الخطاب ووقفوا عنده ، وقال أبو سليمان الداراني : إذا لاحظت الأشياء من فوق وجدت لها طعما آخر ، وقال بعض العارفين : إذا رأيت الأشياء كلها كشيء واحد من معدن واحد ، رأيت ما لم تسمع وفهمت ما لم تفهم الخلق ، وقال بعضهم : لا ترى العجب حتى ترى عجبا فإن لم تر عجبا رأيت العجب . ذكر بيان آخر من وصف المتوكلين
اعلم أن العلماء بالله سبحانه ؛ لم يتوكلوا عليه لأجل أن يحفظ لهم دنياهم ، ولا لأجل تبليغهم مرادهم ، ولا ليشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون ، ولا ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون ، ولا ليحول عنهم سنته التي خلت في عباده من الابتلاء والاختبار ، هو أجل في قلوبهم من ذلك وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا ، لو اعتقد عارف بالله أحد هذه المعاني مع الله في توكله كان كبيرة توجب عليه التوبة وكان توكله معصية ، وإنما أخذوا نفوسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت ، فطالبوا قلوبهم بالرضا عنه كيف جرت ، وقال رجل لمالك بن أنس : يا أبا عبد الله ، إني تعلقت بأستار الكعبة فتبت من كل ذنب وحلفت أن لا أعصي الله فيما أستقبل ، فقال له : ويحك ، ومن أعظم معصية منك تتألى على الله أن لا ينفذ حكمه فيك ، وأنشدنا بعض العلماء لبعض الحكماء : لما رأيت القضا جاريا . . . لا شك فيه ولا مرية توكلت حقا على خالقي . . . وألقيت نفسي مع الجرية وإنما كرهو ما كره الله طاعة لله ، فذلك كراهة ما كره حبا لله واكتراما لحكمه عليهم ، لاكراهة ما قضى إذ ليس لهم أن يقولوا : فلم قضيت ما تكره ولم كرهت ما قضيت ؟ هو أجل وأعظم ، وفي نفوسهم أخوف وأهيب أن يواجهوه بهذا الخطاب في قول أو عقد ، بل عرفوا حكمته فيه وصبروا على حكمه به ، وإنما توكل العلماء به عليه لأجل أنه يحب المتوكلين ولأجل أنه يستحق التفويض إليه ويستوجب التسليم له ، إذ كان هو الوكيل الأول والكفيل الآجل حين سمعوه يقول : والله على شيء وكيل ، ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ، وحين فقهوا قوله : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، ولما عقلوا من خطابه : أليس الله بأحكم الحاكمين أو لأجل أنه أمر بالتوكل ، وندب إليه وحقق الإيمان به ؛ إذ سمعوه تعالى يقول : أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ، أمن يملك السمع والأبصار ومن يدبر الأمر ؟ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، وفي السماء رزقكم ، وما توعدون ، ثم أقسم عليه بنفسه أنه حق فتوكلوا عليه إستحياء ، منه ولوجود اليقين الذي رفع خفايا الشك وحذر من التهمة له وتوثقة بالاعتقاد عليه ؛ فمنهم من توكل عليه لأجل هذه المعاني كلها ، ومنهم من توكل عليه لمشاهدة بعضها فكل عبد توكله عن الوصف الذي به عرفه ، وكل عرفه عن العذر المتجلي الذي عرفه ؛ فكل يطيعه على قدر قربه منه ، وكل يقرب على قدر علمه بقربه منه بقدر مايعرف من كينونية في مكنون كأنه ، وكل بعلمه على قدر عنايته به ومن ورائه سر القدر ، فمشاهدة كل عبد من مقامه وحاله عن وجد شهادته وجزاؤه نحو معاملته ، والله يضاعف لمن يشاء هم درجات عند الله ، والله بصير بما يعملون ، لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ، فدار السلام جامعة لهم وهم متفاوتون في درجاتها كدار الدنيا تجمعهم ، وهو يرفعهم لديه في ملكوتها بتخصيص التولي وحسن الولايات عن تحسين المعاملات ، الله يجيبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب ، ومن الخصوص من توكل عليه تعظيما له وإجلالا ، ومنهم من توكل عليه يقينا بوعده ليحقق صدقه كأنه قد أخذ الموعود بيده إذ يقول تعالى : ومن أوفى بعهده من الله أنه كان وعده مأتيا ، ومنهم من توكل عليه استسلاما لما شهد من قهر عزه وعظيم قدره ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ عليه ماله فيه ، ومنهم من توكل عليه ليحفظ له ما استحفظه ويعصمه في ماله عليه ، ومنهم من توكل عليه لقيامه بشهادته عن حسن معرفته ، ومنهم من توكل عليه تسليما له عن جميل معاملته ، ومنهم من فوض إليه لحسن تدبيره عنده وبحكم تقديره ، ومنهم من توكل عليه لأن توحيده له وشهادة قيوميته ، ذلك يقتضيه ، فهذه كانت مواجيد أوليائه ومناهج أحبابه عن مشاهدة القرب ومعرفة القريب ، وبعضهم أعلى مقاما من بعض ، وبعض هذه المشاهدات أقرب وأرفع فأعلاها من توكل عليه للإجلال والتعظيم ، وأوسطها من توكل عليه للمحبة والخوف ، وأدناها من توكل عليه تسليما له وتحببا إليه ، وقد ذكرنا أيضا من توكل العموم ما يستحي العارفون من ذكره ، وينزهون قلوبهم عن فكره ، وهو التوكل عليه في القلوب ، وقد طوينا ذكر توكل خصوص الخصوص من صديقي المقربين لأنه لا يحتمله عقل عاقل ولا يسع أن يستودع في كتاب الناقل إذ ربما نظر فيه منكر جاهل ، والله المستعان فدخل من عرفه فيما يحب لأجله ، ورغبوا فيما مدح لوصفه ليحصل لهم وصف يعطيهم به الولي حسن ثناء ، ينالون بذلك قربة منه ومحبة لديه .
ذكر بيان آخر في التوكل وما لا ينقص المتوكل
ولا ينقص المتوكل على الله سبحانه مسألة مولاه فيما أحب من صالح الدنيا ومزيد الآخرة ، إذ لم يقصد غير مطلوب ، وكان مفوضا إلى الله الأمور ، ولكن يحتاج إلى معرفة الإجابة ؛ فقد يكون المنع إجابة وقربا إذا كان العطاء شغلا عنه ، وبعد الآن الخيرة فيما لا يعلم العبد ، وقد يكون فيما يكره مما يعلم الله سبحانه حسن عاقبته ، لا فيما يعقل العبد عاجل منفعته ، فعليه التسليم لحكم الحاكم والرضا بقسم القاسم ، فإن سأل تكاثرا من الدنيا ، أو مالا يحتاج إليه ، وما ليس فيه صلاح قلبه ، ولا قربة إلى ربه ، أخرجه من حقيقة التوكل بمقدار ما يخرجه من الزهد ؛ وإن انقطع بالذكر عن المسألة أعطاه فوق عطاء من سأله ، وإن سكت حياء من الوكيل إذ هو حسبه فشهد الكفاية ورضي بجميع التصرف ، فهذا مقام من المواجهة عن مشاهدة القيومية وهو حال المقربين ، ولا يقدح في التوكل تشرف المتوكل إلى رزقه لأنه خلق ضعيفا ذا فاقة ، ورزقه معلوم لا بد منه ، والمعلوم مقسوم فتشرفه إلى القسم تشرف منه إلى القاسم ، ومن تشرف إلى مولاه شرفه وتولاه ، ولكن إن تشرف إلى الزيادة ، وخرج من القناعة ، وطلب العادة ، وأراد الشيء قبل وقته ، أو كره تأخره عنه إلى وقت مقدوره ، فإن هذا يقدح في توكله وينقص من زهده ، ولو كان الشرف إلى الرزق منها والتطلع إلى الرزق مجملا ينقص التوكل لعللنا من باع واشترى وجهلنا من تعالج من علله بالدواء ، لأن في ذلك تشرفا إلى الرزق وتطلعا إلى البرء ، فجاء من ذلك تضعيف التابعين وطعن على المتداوين من الصحابة والسلف الصالح ، وأخرجهم ذلك من التوكل والزهد ، فلهم منها مقامات ، ولا يخرجه من التوكل مطالعته للعوض على معاملته من جزاء الآخرة ، لأنه قد شوق إلى ذلك وندب إليه ، ولكن لا يدخله ذلك في حقيقة الإخلاص ولا يرفعه إلى علو درجة الصديقين من المتوكلين ، وقد يكون مزيدا على قدر حاله ، إلا أنه لا يدخله في إخلاص المحبين ، ولايرفعه في درجات المقربين ، ولا يصح التوكل إلا بزهده في الدنيا ، وأول الزهد ترك الرغبة في الحرام ، وأول أحوال المتوكل في القوت ثم الصبر على حكم الحي الذي لا يموت ، وأعلى التوكل التوكل عليه في الاستسلام للأحكام والرضا عنه في المسابقة بين الأقدام ، وهو إطراح النفس ونسيانها شغلا منه عنها بنفسها وحبا له ، وحقيقة التوكل بعد مشاهدة يد الوكيل ، فإذا ظهرت يده غابت الأيدي فيها ، فعندها توكلت عليه بتدلل فقبل توكلك ، واستسلمت إليه فسلمك ، فإنه يتجلى لك بوصف يلزمك حكما ، يضطرك الحكم إلى الحاكم ويوقفك الوصف على الوكيل ، كما يضطرك الحاكم إلى الحكم ويجري لك وعليك ماشاء من القسم ، فأعلى توكلك عليه حياء منه ، وإشهاده إياك توكله لك بحسن التدبير ، لم يكلك إلى سواه ولم يولك إلا إياه : فإما أن يقتضيك تصبرا له ، وإما أن يقتضيك تفويضا إليه ، وأما أن يقتضيك رضا عنه أو تسليما له أو استراحة من تدبيرك لنفسك ، أو يسقط عنك اهتمامك بتقديرك وأمانيك ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، والحسب أي الحسب يجعله ما شاء كيف شاء ، فقد قيل : حسبه أي التوكل ، وقد قيل : التوكل حسبه من سائر المقامات ، وقيل : الله حسبه أي يكفيه ممن سواه ، قال تعالى معرفا للكافة مسليا للجماعة : ( إن الله بالغ أمره ) الطلاق : 3 ؛ أي منفذ حكمه فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه ، إلا أن من توكل عليه يكون الله حسبه أي يكفيه أيضا مهم الآخرة والدنيا ، ولا يزيد من لم يتوكل عليه جناح بعوضة في قسمه ، كما لا ينقص من توكل عليه ذرة من رزقه ، لكن يزيد من توكل عليه هدى إلى هداه ويرفعه مقاما في اليقين على تقواه ، ويعزه بعزه وينقص من لم يتوكل عليه من اليقين ، ويزيده من التعب والهم ما يشتت قلبه ويشغل فكره ، والمتوكل عليه يوجب له بذلك تكفير سيئاته ، ويلقي عليه رضاه ومحباته ، والكفاية فقد ضمنها تعالى لمن صدق في توكله عليه ، والوقاية فقد وهبها لمن أحسن تفويضه إليه ، إلا أن الاختيار وعلم الاستئثار إليه والكفاية والوقاية يجعل ذلك ما شاء كيف شاء وأين شاء ومتى شاء من أمور الدنيا وأمور الآخرة ، ومن حيث لا يعلم لأن العبد موجود ، فجرى عليه الأحكام في الدارين ، وفقير محتاج إلى اللطف والرحمة والرفق في المكانين ، والله هو الغني الحميد المبدئ المعيد ، وقيل لأبي محمد سهل : متى يصح للعبد التوكل ؟