شياطين إخوان المشركين يمدون المشركين في الغي ولا يقصرون عنهم في الإمداد وبمعنى هذا قوله تعالى : ( إنما سلطانه على الذين يتولونه و الذين هم به مشركون ) النحل : 100 الهاء الأولى المتصلة بيتولون كناية عن إبليس والهاء المتصلة بالباء من قوله هم به هي اسم الله عز وجل وقد قيل أيضا إنها عائدة على إبليس أيضا فيكون المعنى هم به قد أشركوا في التوحيد أي أشركوه بعبادة الله عز وجل ومثل هذا قوله عز وجل : ( فأثرن به نقعا ) ( فوسطن به جمعا ) العاديات : 4 - 5 ، الهاء الأولى كناية عن الحوافر وهن الموريات قدحا يعني الخيل تقدح بحوافرها فتوري النار فأثرن به أي بالحوافر النقع يعني التراب والهاء الثانية كناية عن الإغارة فوسطن أي توسطن به بالإغارة وهن المغيرات صبحا وسطن جمع المشركين أغاروا عليهم بجمعهم والمشركون غارون وبهذا المعنى قوله عز وجل : ( فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات ) الأعراف : 57 الهاء الأولى عائدة على السحاب أي أنزلنا بالسحابة الماء وفي قوله به مبدل ومكنى ، فالمكنى هو ما ذكرناه من أسماء السحاب والمبدل أن به بمعنى منه ومثل هذا قوله : ( يشرب بها عباد الله ) الإنسان : 6 أي منها وهو صريح قوله في المفسر : ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا ) النبأ : 14 يعني السحاب وهو قوله : ( سقناه لبلد ميت ) الأعراف : 57 وقوله في الهاء الثانية أخرجنا به من كل الثمرات يعني بالماء فجمع بين اسم السحاب والماء بالهاء فأشكل ومن البيان الثاني والثالث للخطاب المجمل قوله تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) البقرة : 185 فلم يفهم إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان ولم يدر أنهارا أنزل فيه أو ليلا ، فقال في البيان الثاني : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) الدخان : 3 ، فلم يفهم منه إلا أنه أنزل منه ليلا في ليلة مباركة ولم يدر أي ليلة هي فقال في البيان الثالث : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) القدر : 1 فهذا غاية البيان وبمعناه قوله تعالى : ( ولما بلغ أشده واستوى آتيناه ) يوسف : 22 . فهذا البيان الأول زيادة على الأشد وهو الوصف إلا أنه غير مفسر ثم قال في البيان الثاني : ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ) الأحقاف : 15 ، ففسر الأشد بالأربعين إذا كانت الواو للمدح والوصف في أحد الوجهين ومعناه الجمع قوله تعالى : ( والعصر ) ( إن الإنسان لفي خسر ) العصر : 1 - 2 معناه أن الناس لفي خسر أي لفي خسران لقوله : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) مريم : 96 ولا يستثنى جماعة من واحد وإنما يستثنى جماعة من جماعة أكثر منهم وإنما وحد الاسم للجنس وكذلك قوله تعالى : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) الانشقاق : 6 معناه يا أيها الناس إنكم كادحون دل عليه قوله عز وجل : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه ) الانشقاق : 7 ( وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ) الانشقاق : 10 وإنما وحد النعت لتوحيد الاسم وكذلك قوله عز وجل : ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) الأحزاب : 72 معناه حملها الناس كلهم وهذا أحب الوجهين إلي لقوله عز وجل : ( ليعذب الله المنافقين و المنافقات والمشركين والمشركات ) الأحزاب : 73 ومثله قوله عز وجل : ( و إنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ) الشورى : 48 معناه وإنا إذا أذقنا الناس منا رحمة فرحوا بها فلما وحد الاسم وحد نعته دل عليه قوله تعالى : ( وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ) الشورى : 48 فأظهر الجمع ومن الجمع المراد به الواحد قوله عز وجل : ( كذبت قوم نوح المرسلين ) الشعراء : 105 يعني نوحا وحده لأنه لم يرسل إلى قوم نوح غيره ودل عليه قوله تعالى : ( إذ قال لهم أخوهم نوح ) الشعراء : 106 ، فوحد الجمع ومثله فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء يعني بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وحده يوم خيبر ومن الجمع المكني قوله عز وجل : ( لخلق السموات و الأرض أكبر من خلق الناس ) غافر : 57 يعني في هذا الموضع الدجال ونزل ذلك في الذكر الدجال واستعظامهم لوصفه وكذلك قوله تعالى : ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ) آل عمران : 173 يعني رجلا واحدا قاله لهم وهو عروة بن مسعود الثقفي ، فجمع لفظه لأجل جنسه والعرب تجمع الواحد للجنس ، وكذلك قيل في أحد الوجوه إن قوله عز وجل : ( ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ) البقرة : 199 يعني آدم صلى الله عليه وسلم وحده وهو أول من طاف بالبيت وأتاه جبريل وأشعر له المناسك وقد قرأت في بعض حروف السلف من حيث أفاض آدم فهذا شاهد له ومن المقدم والمؤخر لحسن تأليف الكلم ومزيد البيان والإظهار قوله عز وجل : ( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا ) النحل : 106 اختصاره ومؤخره من كفر بالله بعد إيمانه وشرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن وكد بقوله ولكن من شرح بالكفر صدرا لما استثنى المكره وقلبه مطمئن بإيمان ولم يجعل المكره آخر الكلام لئلا يليه قوله : ( فعليهم غضب من الله ) النحل : 106 فيتوهم انه خبره وجعل آخر الكلام فعليهم غضب من الله وهو في المعنى مقدم خبر الأول من قوله من كفر بالله من بعد إيمانه فأخر ليليه قوله تعالى : ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) النحل : 107 لأنه من وصفهم فيكون هذا أحسن في تأليف الكلام وسياق المعنى وكذلك قوله تعالى : ( وقيله يا رب إن هؤلاء قوم ) الزخرف : 88 ، هذا من المعطوف المضمر ومن المقدم والمؤخر فعاطفه قوله وعنده علم الساعة وضميره قوله وعلم قيله والمعنى وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب هذا على حرف من كسر اللام فأما من نصبها فإنه مقدم أيضا ومحمول على أن المعنى أي وعنده علم الساعة ويعلم قيله يا رب ، فأما من رفع اللام فقرأ وقيله فتكون مستأنفة على الخبر وجوابها الفاء من قوله : ( فاصفح عنهم ) الزخرف : 89 أي قوله إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم ، وقد تكون الواو في قوله وقيله للجمع مضمومة إلى علم الساعة والمعنى وعنده علم الساعة وعنده قيله يا رب جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى الثلاث في العربية ومما حمل على المعنى قوله عز وجل : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ) الأنعام : 96 ثم قال : ( والشمس والقمر حسبانا ) الأنعام : 96 فلو لم يحمل على المعنى لكانت الشمس والقمر خفضا إتباعا للفظ قوله فالق وجاعل ولكن معناه وجعل الشمس والقمر حسبانا وهي على قراءة من قرأ وجعل الليل سكنا متبعة لجعل ظاهر أو بمعناه قوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ) المائدة : 6 في قراءة من نصب اللام محمولا على معنى الغسل من قوله عز وجل : ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) المائدة : 6 أيضا ، ومن قرأ وأرجلكم خفضا حمله على اتباع الإعراب من قوله عز وجل : ( برؤوسكم وأرجلكم ) المائدة : 6 فأتبع الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه الغسل لا المسح واختيارنا نصب اللام في المقروء على نصب الغسل واتباع الوجه واليدين إلا أنه روي عن ابن عباس وأنس بن مالك نزل القرآن بغسلين ومسحين وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الأقدام فنحن نفعل كما فعل .
Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb
محمد بن علي بن عطية الحارثي المشهور بأبي طالب المكي · AR
وقيله للجمع مضمومة إلى علم الساعة والمعنى وعنده علم الساعة وعنده قيله يا رب جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى الثلاث في العربية ومما حمل على المعنى قوله عز وجل : ( فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ) الأنعام : 96 ثم قال : ( والشمس والقمر حسبانا ) الأنعام : 96 فلو لم يحمل على المعنى لكانت الشمس والقمر خفضا إتباعا للفظ قوله فالق وجاعل ولكن معناه وجعل الشمس والقمر حسبانا وهي على قراءة من قرأ وجعل الليل سكنا متبعة لجعل ظاهر أو بمعناه قوله تعالى : ( وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم ) المائدة : 6 في قراءة من نصب اللام محمولا على معنى الغسل من قوله عز وجل : ( فاغسلوا وجوهكم وأيديكم ) المائدة : 6 أيضا ، ومن قرأ وأرجلكم خفضا حمله على اتباع الإعراب من قوله عز وجل : ( برؤوسكم وأرجلكم ) المائدة : 6 فأتبع الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه الغسل لا المسح واختيارنا نصب اللام في المقروء على نصب الغسل واتباع الوجه واليدين إلا أنه روي عن ابن عباس وأنس بن مالك نزل القرآن بغسلين ومسحين وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الأقدام فنحن نفعل كما فعل . وقوله عز وجل : ( ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ) طه : 129 من المقدم والمؤخر ، فالمعنى فيه ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما وبه ارتفاع الأجل ولولا ذلك لكان نصبا كاللزام فأخر لتحسين اللفظ وبمعناه قوله عز وجل : ( يسألونك كأنك حفي عنها ) الأعراف : 187 المعنى يسألونك عنها كأنك حفي بها أي ضنين بعلمها ومثله قوله تعالى : ( أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ) البقرة : 106 أي نأت منها بخير فقدم بخير وأخر منها فأشكل ومن المؤخر بعد توسط الكلام قوله عز وجل : ( لتركبن طبقا عن طبق ) الانشقاق : 19 في قراءة من وحد الفعل هو متصل بقوله عز وجل : ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ) الانشقاق : 6 لتركبن طبقا عن طبق أي حالا بعد حال في البرزخ فأخر الأحوال للقرار في الدار وكذلك هو في قراءة من جمع فقال لتركبن أيها الناس فيكون الإنسان في معنى الناس كما ذكرناه آنفا ، ويكون الجمع عطفا على المعنى وإنما وحد للجنس فكأنه قال يا أيها الناس لتركبن طبقا عن طبق فأخر هذا الخبر لما توسطه من الكلام المتصل بالقصة ومعناه التقديم ، ومثل هذا قوله عز وجل : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ) النساء : 83 وقوله : ( إلا قليلا ) النساء : 83 هو متصل بقوله : ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا ) النساء : 83 وآخر الكلام : ( لاتبعتم الشيطان ) النساء : 83 ، وقد قيل إن قوله إلا قليلا مستثنى من الأول في قوله : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ) النساء : 83 إلا قليلا منهم وفي هذا بعد والأول أحب إلي ، وعلى هذا المعنى قرأ ابن عباس في رواية عنه لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم جعله متصلا بقوله تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) النساء : 147 إلا من ظلم وصار آخر الكلام لا يحب الله الجهر بالسوء من القول فاصلا ومثل هذا قوله تعالى : ( و الذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ) الأنفال : 73 إنما هو من صلة قوله : ( وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ) الأنفال : 72 إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض .
وكذلك قوله في أول السورة : ( لهم مغفرة ورزق كريم ) الأنفال : 74 كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ليس هذا من صلة الكلام إنما هو مقدم ومتصل في المعنى بقوله : ( قل الأنفال لله والرسول ) الأنفال : 1 و ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ) الأنفال : 5 ، أي فصارت أنفال الغنائم لك إذ أنت راض بإخراجك وهم كارهون فاعترض بينهما الأمر بالتقوى والإصلاح والوصف بحقيقة الإيمان والصلاح فأشكل فهمه ، وعلى هذا قوله عز وجل : ( حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) الممتحنة : 4 إنما هو موصول بقوله تعالى : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم و الذين معه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) الممتحنة : 4 لأنها نزلت في قولهم فقد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك عند قوله : لأستغفر لك ربي فقالوا : فهلا نستغفر لآبائنا المشركين ، فنزلت هذه الآية ليستثني القدوة في إبراهيم في هذا ثم نزلت الآية الأخرى معذرة له أوعده إياه إلى أن علم موته على الكفر فقال وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه الآية ، وكذلك قوله عز وجل : ( ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم ) المائدة : 3 ، وهذا متصل بقوله : ( حرم عليكم الميتة ) النحل : 115 إلى آخر المحرمات ، ثم قال : ( فمن اضطر في مخمصة ) المائدة : 3 يعني مجاعة ومثل ما ذكرناه من علم القرآن كثير وإنما نبهنا بيسير على كثير ودللنا بنكت على جم غفير ليستدل بما ذكرناه على نحوه ويتطرق به إلى مثله وهذا كله على ضروب كلام العرب ومعاني استعمالهم ووجوه استحسانهم أنه في كلامهم المطول للبيان والمختصر للحفظ والمقدم والمؤخر للتحسين وكله فصيح بليغ ، لأن وصف البلاغة عندهم رد الكثير المنثور إلى القليل المجمل وبسط القليل المجمل إلى المبثوث المفسر فالمقصر من الكلام عندهم مع الحاجة إلى المعاني المتفرقة عجز والمطول منه مع الاكتفاء بالمعنى الجامع منه عي ، فلما خاطبهم بكلامهم أفهمهم بعقولهم ومستعملاتهم ليحسن ذلك عندهم فيكون حجة عليهم من حيث يعقلون لأنه أمرهم بما يعلمون وما يستحسنون حكمة منه ولطفا ، فذلك أيضا على هذه المعاني يفهم الخصوص من مكانهم ومشهدهم على علو مقامهم في مكان ما أظهر لهم من العلم به ونصيب ما قسم لهم من العقل عنه ، فهم متفاوتون في الأشهاد والفهوم حسب تفاوتهم في الأنصبة من العقول والعلوم إذ القرآن عموم وخصوص ومحكم ومتشابه وظاهر وباطن ؛ فعمومه لعموم الخلق ، وخصوصه لخصوصهم وظاهره لأهل الظاهر وباطنه لأهل الباطن والله واسع عليم .
فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فإذا صفا القلب بنور اليقين وأيد العقل بالتوفيق والتمكين وتجرد الهم من التعلق بالخلق وتأله السر بالعكوف على الخالق وخلت النفس من الهوى سرت الروح فجالت في الملكوت الأعلى كشف القلب بنور اليقين الثاقب ملكوت العرش عن معاني صفات موصوف وأحكام خلاق مألوف وباطن أسماء معروف وغرائب علم رحيم رؤوف فشهد عن الكشف أوصاف ماعرف فقام حينئذ بشهادة ما عرف فكان ممن قال سبحانه : ( يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ) البقرة : 121 ، فحق التلاوة للمؤمنين لأنه إذا أعطاه حقيقة من الإيمان أعطاه مثلها من معناه ومعدنها حقيقة من مشاهدة ، فكانت تلاوته عن مشاهدة وكان مزيده عن معنى تلاوته وكان ذلك على معيار حقيقة من إيمانه كما قال : ( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ) الأنفال : 2 ، أولئك هم المؤمنون حقا فيكون العبد بوصف من نعت بالحضور والإنذار وخص بالمزيد والاستبشار في قوله عز وجل : ( فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ) الأحقاف : 29 وفي قوله عز وجل : ( فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ) التوبة : 124 ويكون من نعت من مدحه بالعلم وأثنى عليه بالرجاء وصفه بالخوف في قوله تعالى : ( يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) الزمر : 9 ، وقال عز وجل : ( يدعون ربهم خوفا وطمعا ) السجدة : 16 فكان هذا من أهل الله وخاصته ومن محبيه وخالصته . كما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل القرآن أهل الله وخاصته من خلقه وقال ابن مسعود لا على أحدكم أن يسأل عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله وإن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله وهذا كما قال لأنك إذا أحببت متكلما أحببت كلامه وإذا كرهته كرهت مقاله ، وقال أبو محمد سهل : من علامة الإيمان حب الله عز وجل ، ومن علامة حب الله حب القرآن ومن علامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم اتباعه ، وعلامة اتباعه الزهد في الدنيا ، وحدثونا عن بعض المريدين قال : كنت في جدة إرادتي قد لهجت بتلاوة القرآن ثم رهقتني فترة فبقيت أياما لا أقرأ فهتف بي هاتف من قبل الله عز وجل : إن كنت تحبني فلم جفوت كتابي أما ترى ما فيه من لطيف عتابي وقال بعض العارفين لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرآن كل ما يريد ويعرف منه النقصان والمزيد ويستغني بالمولى عن العبيد وأقل ما قيل في العلوم التي يحويها القرآن من ظواهر المعاني المجموعة فيه أربعة وعشرون ألف علم وثمانمائة علم إذ لكل آية علوم أربعة : ظاهر ، وباطن ، وحد ، ومطلع ، وقد يقال إنه يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتين من علوم إذ لكل كلمة علم وكل علم وصف فكل كلمة تقتضي صفة وكل صفة موجبة أفعالا حسنة وغيرها على معانيها فسبحان الفتاح العليم .
الفصل الثامن عشر فيه كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين
فإذا خالف التالي هذا الوصف الذي شرحناه أو كان على ضد ذلك من السهو والغفلة والعمى والحيرة محدثا لنفسه مصغيا إلى هواه ووسوسة عدوه متوهما للظنون عاكفا على الأماني حقت عليه أن يكون بمعاني ما قال الله عز وجل : ( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ) البقرة : 78 يعني إلا تلاوة القرآن لا غير وإن هم إلا يظنون فوصفهم بالظن وهو ضد اليقين ، كما أخبر عن الظانين في قولهم : إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين وبمعنى ما قال : ( وكأين من آية في السموات و الأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) يوسف : 105 ، فالقرآن من أجل آيات الأرضين والسموات الدالة على فاطرهما ومنزله ، وكان يوصف من يهدده بعلمه فيه عند استماعه لكلامه العزيز متهاونا به مناجيا لغيره أن يقول تعالى : ( نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى ) الإسراء : 47 ، وبمثل من يسمع وقلبه مشغول عن المسموع بما يضره عما ينفعه حتى إذا خرج عن الكلام سأل من حضر بقلبه ماذا فهم من الخطاب الذي كان هو عنه بغفلته قد غاب وقد كان حاضرا بجسمه حجة عليه فمن ذلك قوله عز وجل : ( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ) محمد : 16 ، قال الله تعالى : ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ) محمد : 16 أي عن فقه الخطاب فلم تسمعه القلوب ولم تعه واتبعوا أهواءهم يعني أباطيلهم وظنونهم الكاذبة ، ويقال : إن العبد إذا تلا القرآن واستقام نظر الله إليه برحمته فإذا قرأ القرآن وخلط ناداه الله عز وجل ما لك ولكلامي وأنت معرض عني دع عنك كلامي إن لم تتب إلي . وروينا في الإسرائيليات أوحى الله عز وجل إلى نبيه موسى وداود عليهما السلام مر عصاة بني إسرائيل أن لا يذكروني فإني آليت على نفسي أن أذكر من ذكرني وإني أذكرهم بلعنة وكان بوصف من أخبر عنه إذ يقول تعالى : ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأذنى ويقولون سيغفر لنا ) الأعراف : 169 الآية ، وهذا وصفهم الظن الكاذب والرجاء المختلف اللذان لم يفترقا إلى خوف وإشفاق عصوا خالقهم عاجلا وتمنوا عليه المغفرة آجلا جهلا منهم بحكمته وإعراضا عن أحكامه ، قال الله عز وجل : ( ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ) الأعراف : 169 ، ثم أخبر عن علمهم بذلك علم قول وخبر لا علم يقين ومعاينة ، قال سبحانه : ( ودرسوا ما فيه ) الأعراف : 169 أي قرؤوا هذا وعلموه ولم يعملوا به فلم ينتفعوا بشيء منه ، فكان هذا توبيخا لهم وتقريعا كقوله تعالى : ( قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ) البقرة : 93 وفيها وجه غريب ودرسوا ما فيه أي محوه بترك العمل به والفهم له من قولك : درست الريح الآثار إذا محتها وخط دارس وربع دارس إذا محي وعفي أثره وهذا المعنى مواطئ لقوله تعالى : ( نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ) البقرة : 101 واتبعوا ما تتلو الشياطين أي ما تتبع وتهوى ومواطئ لقوله تعالى : ( فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ) آل عمران : 187 فسمي ترك العمل منهم به في كل حالة طرحا له وإلقاء ونفيا له وبيعا له وبالدنيا اشتراء وكل آية في التهدد والوعيد فللخائفين منها وعظ وتخويف وللغافلين عنها وصف وتعريف علمه من علمه كقوله تعالى في ذكر النار : ( ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون ) الزمر : 16 ، وقال في خبرها أعدت للكافرين ، وقال بعض السلف : إن العبد ليفتتح سورة فتصلي عليه الملائكة حتى يفرغ منها وإن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها ، فقيل : وكيف ذلك ؟
قال إذا أحل حلالها وحرم حرامها صلت عليه وإلا لعنته ، وقال بعض العلماء : إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم ألا لعنة الله على الكاذبين وهو منهم ، وقال سفيان في قوله تعالى : ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) الأعراف : 146 ، قال : أصرف عنهم فهم القرآن ، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عظمت أمتي الدنيا والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي ، قال الفضيل : حرموا فهم القرآن وفي الأخبار من ذم قراءة البطالين أكثر من أن تذكر ، فمنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أكثر منافقي أمتي قراؤها ، وكان الحسن يقول : إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا فأنتم تركبونه فتقطعون به مراحله وإن من كان قبلكم رأوه رسائل أتتهم من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار ، وكان ابن مسعود من قبله يقول أنزل عليهم القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته عملا إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفا وقد أسقط العمل به . وفي حديث ابن عمر وحديث جندب لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها وما ينبغي أن يقف عليه منها كما تعلمون أنتم القرآن ، ثم بعد لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرآ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما أمره ولا زجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل وهذا كما قال لأن المراد والمقصود بالقرآن الائتمار لأوامره والانتهاء عن زواجره إذ حفظ حدوده مفترض ومسؤول عنه العبد ومعاقب عليه وليس حفظ حروفه فريضة ولا عقاب على العبد إذا لم يحفظ ما وسعه منه قال الله عز وجل : ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) المزمل : 5 أي العمل به ثقيل وإلا فقد يسره للذكرى ، ومن ذلك الخبر المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرؤونه وفي بعضها فإذا اختلفتم فقوموا عنه . وحدثني شيخ فاضل قرأت عليه القرآن قال : قرأت القرآن على شيخ لي فلما ختمت رجعت إليه لأقرأ فانتهرني وقال : جعلت القرآن علي عملا اذهب فأقرأ على الله عز وجل فانظر ماذا يسمعك منه ويفهمك عنه وقد كان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لا يحفظ إلا الجزئ والجزءين والسور المعدودة وسورتين وكان من يحفظ الحزب منه وهو السبع أو البقرة والأنعام علما فيهم ، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرين ألف صحابي لم يقرؤوا القرآن غير نظر فلم يحفظ القرآن كله منهم إلا ستة اختلف منهم في اثنين ، وقال بعضهم : ولم يكن جمعه من الخلفاء الأربعة أحد ، وختم ابن عباس على أبي بن كعب وقرأ عبد الرحمن ابن عوف على ابن عباس وقرأ عثمان بن عفان على زيد بن ثابت وقرأ أهل الصفة على أبي هريرة ، وكلهم كان متبعا لأوامره مجتنبا لزواجره عالما به فقيها فيه ، وقال يوسف بن أسباط : وقد قيل له إذا ختمت القرآن بأي شيء تدعو ؟
فقال بأي شيء أدعو أستغفر الله عز وجل مائة مرة من تلاوتي ، وكان يقول : إني لأهم بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح والإستغفار وأعلم أن للعبد في قراءة القرآن بحسب ما له من تعظيمه والفهم له والمشاهدة منه والمعاملة به لأنه من أكبر شعائر الله في خلقه وأعظم آياته في أرضه الدالات عليه وأسبغ نعمه الكاملة علينا وللعبد من التعظيم له بقدر تقواه ، وله من فهم الخطاب وتعظيم الكلام على نحو ما أعطي من معرفة المتكلم وهيبته وإجلاله فإذا عظم المتكلم في قلبه وكبر في فهمه أنعم تدبر كلامه وأطال الفكر في خطابه وأكثر ترداده وتكريره على قلبه وأسرع بذكره عند النازلة به والحاجة إليه فاتقى وحذى ولذلك قال سبحانه : ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) البقرة : 63 وقال كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ولعلهم يتذكرون لأن كل كلام موقوف على قائله يعظم بتعظيمه ويقع في القلب بعلو مكانه أو يهون بسهولة شأنه ، قال الله عز وجل : ( ليس كمثله شيء ) الشورى : 11 في العظمة والسلطان وليس ككلامه كلام في الأحكام والبيان ، وقرأت في سورة الحنين من التوراة : يا عبدي أما تستحي مني يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفا حرفا حتى لا يفوتك شيء منه ، وهذا كتابي أنزلته إليك أنظر كم وصلت لك فيه من القول وكم كررت عليك فيه فتأملت طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه ، أفكنت أهون عليك من بعض إخوانك أي عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كف وها أنا ذا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عني فجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك أو كما قال وإنما خف القيام على أهل الليل لفهم الخطاب وثقل على أهل النوم لانفصام القلوب عن الفقه وشدة الحجاب كما قال تعالى : ( ثقلت في السموات والأرض ) الأعراف : 187 أى خفي علمها يعني الساعة فثقلت عليهم فسمي ما خفي علمه ثقيلا والله أعلم .
الفصل التاسع عشر فيه كتاب الجهر بالقرآن وما في ذلك من النيات وتفصيل حكم الجهر والإخفات
روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : فضل قراءة السر على قراءة العلانية كفضل صدقة السر على صدقة العلانية ، وفي لفظ آخر الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة ، والمسر به كالمسر بالصدقة ، وفي الخير العام يفضل عمل السر على عمل العلانية بسبعين ضعفا ، وفي مثله من العموم خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي ، وفي الخبر لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة بين المغرب والعشاء ، وسمع سعيد بن المسيب ذات ليلة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن عبد العزيز يجهر بالقرآن في صلاته وكان حسن الصوت فقال لغلامه برد اذهب إلى هذا المصلي فمره أن يخفض من صوته ، فقال الغلام : إن المسجد ليس لنا وإن للرجل فيه نصيبا فرفع سعيد صوته فقال : يا أيها المصلي إن كنت تريد الله عز وجل بصلاتك فاخفض صوتك وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ، قال : فسكت عمر وخفف ركعته فلما سلم أخذ نعليه وانصرف ، وهو يومئذ أمير المدينة ، وعلى ذلك فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع جماعة من أصحابه يجهرون بالقراءة في صلاة الليل فيصوب ذلك لهم ويسمع إليهم وقد أمر بالجهر . فيما روي عنه إذا قام أحدكم من الليل يصلي فليجهر بقراءته فإن الملائكة وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة من أصحابه في الليل مختلفي الأحوال ؛ منهم من كان يخافت وهو أبو بكر رضي الله عنه فسأله عن ذلك فقال : إن الذي أناجيه هو يسمعني ومنهم من كان يجهر وهو عمر رضي الله عنه فسأله عن ذلك فقال : أوقظ الوسنان وأزجر الشيطان ، ومنهم من كان يقرأ آيا من هذه السورة ومن هذه السورة وهو بلال فسأله عن ذلك فقال : أخلط الطيب بالطيب فقال : كلكم قد أحسن وأصاب فنقول : والله أعلم إن المخافتة بالقراءة أفضل إذا لم تكن للعبد نية في الجهر أو كان ذاهبا عن المهمة والمعاملة بذلك لأنه أقرب إلى السلامة وأبعد من دخول الآفة وإن الجهر أفضل لمن كان له نية في الجهر ومعاملته مولاه به لأنه قد قام بسنة قراءة الليل لأن المخافت نفعه لنفسه والجهر نفعه له ولغيره وخير الناس من ينفع الناس والنفع بكلام الله عز وجل أفضل المنافع ولأنه قد أدخل عملا ثانيا يرجو به قربة ثانية على عمله الأول فكان في ذلك أفضل وليجعل العبد مفتاح درسه أن يقول : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، رب أعوذ بك من همزات الشياطين ، وأعوذ بك رب أن يحضرون ، وليقرأ ( قل أعوذ برب الناس ) الناس : 1 ، وسورة : الحمد قبلها ، وليقل عند فراغه من كل سورة : صدق الله ، وبلغ رسول الله ، اللهم انفعنا به ، وبارك لنا فيه ، الحمد لله رب العالمين ، أستغفر الله الحي القيوم ، ومن حفظ جوارحه وقلبه عن المنهي فقد عمل بالقرآن إلى خاتمه لأنه مقسط على جملة العبد وجوارحه جملة ، وفي الجهر بالقراءة سبع نيات منها الترتيل الذي أمر به ، ومنها تحسين الصوت بالقرآن الذي ندب إليه في قوله صلى الله عليه وسلم زينوا القرآن بأصواتكم ، وفي قوله : ليس منا من لم يتغن بالقرآن أي يحسن به صوته وهو أحد الوجهين وأحبهما إلى أهل العربية ، والوجه الآخر أي من لم يستغن به من الغنية والاكتفاء ، وقد يقال : من هذا الوجه يتغانى به ومنها أن يسمع أذنيه ويوقظ قلبه ليتدبر الكلام ويتفهم المعاني ولا يكون ذلك كله إلا في الجهر ؛ ومنها أن يطرد الشيطان والنوم عنه برفع صوته ، ومنها أن يرجو بجهره يقظة نائم فيذكر الله عز وجل ، فيكون هو سبب إحيائه ؛ ومنها أن يراه بطال غافل فينشط للقيام ويشتاق إلى الخدمة فيكون معاونا له على البر والتقوى ؛ ومنها أن يكثر بجهره تلاوته ويدوم قيامه على حسب عادته للجهر ، ففي ذلك كثرة عمله ، فإذا كان العبد معتقدا لهذه النيات طالبا لها ومتقربا إلى الله سبحانه وتعالى عالما بنفسه مصححا لقصده ناظرا إلى مولاه الذي استعمله فيما يرضاه فجهره أفضل لأن له فيه أعمالا وإنما يفضل العمل بكثرة النيات فيه وارتفع العلماء وفضلت أعمالهم بحسن معرفتهم بنيات العمل واعتقادهم لها فقد يكون في العمل الواحد عشر نيات يعلم ذلك العلماء فيعملون بها فيعطون عشرة أجور وأفضل الناس في العمل أكثرهم نية فيه وأحسنهم قصدا وأدبا وفي بعض التفاسير في قوله عز وجل ( وأما بنعمة ربك فحدث ) الضحى : 11 ، قال : قراءة القرآن .