Qur'an&Sunnahالقرآن

Ebû Tâlib el-Mekkî - Kûtü'l-Kulûb

Ebû Tâlib el-Mekkî · AR

قسم V02/P476–V02/P478Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P476–V02/P478)

قال : إذا حاك في صدري شيء تركته وهذا سهل على من ساعده القدر بالزهد وقواه على ذي النفس الشهوانية ، كما أن الزهد سهل على من أمده الله بروح التأييد باليقين ، وعزيز على من ابتلي بحب الدنيا ، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفضل الأعمال والذي نقيم به وجوهنا عن الله عزوجل هو الورع ، فقال له أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : صدقت ، ولعمري أن اليقين إذا وجد والزهد إذا حصل سهل والورع والإخلاص وهما عمدة الأعمال . وحكي عن يوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وغيرهم من عباد أهل الشام أن قائلهم يقول : منذ ثلاثين سنة ماحاك في صدري شيء إلا تركته ، وبعضهم يقول : منذ أربعين سنة ما وقف قلبي عن شيء وتخالج فيه إلا تركته ، وقال بعضهم : منذ ثلاثين سنة ما أبالي على أي حال رآني الناس إلا أن يكون حاجة الإنسان ، وحكي أن بعض الورعين وقع منه دينار فانكب ليأخذه ، فوجد دينارين فلم يعرف ديناره منها فتركهما معا ، وحكي أن امرأة من المتعبدات من أهل القلوب سألت إبراهيم الخواص عن تغير وجدته في قلبها فقال : عليك بالتفقد فقالت : قد تفقدت فما وجدت شيئا أعرفه ، فأطرق ساعة ثم قال : ألا تذكرين ليلة المشعل فقالت : بلى فقال : هذا التغير من ذلك ، فذكرت أنها كانت تغزل فوق سطح لها فانقطع خيطها ، فمر مشعل السلطان فغزلت في ضوئه خيطا وأدخلت في غزلها ، ونسجت منه قميصا فلبسته قال : فنزعت القميص وباعته وتصدقت بثمنه ، فرجع قلبها إلى الصفا ، قد حكي عن ذي النون المصري رحمه الله فوق ذلك أنه لما سجن لم يأكل طعاما ولم يشرب أياما ، فوجهت إليه امرأة يعرفها من العابدات بطعام إلى السجن وقالت : هذا من حلال ، فلم يأكله فقالت له بعد ذلك ، فقال : ذلك الطعام من حلال إلا أنه جاءني في طريق حرام فلم آكله فقالت : وكيف ذلك قال : جاءني في يد السجان وهو ظالم فلذلك لم آكله وهذه خصال الورعين ، والورع هو باب الزهد ومفتاح الخوف وحقيقة الصدق ، فعموم الورع أول عموم الزهد وخصوصه أول خصوص الزهد . فينبغي للعبد أن يبتدئ بطلب الحلال فيكون هو همه وقصده ، فيجعل ما استطاب من المكاسب وأعلى ما قدر عليه مما يسلم فيه ، فيجعل ذلك لحاجة نفسه فيما يطعم ويلبس ، ويجعل مادخل عليه من الشبهات مما في نفسه منه جزازات في مؤونة عياله وفيما يرتقق به من مؤونة البيت مما لا يطعم ولا يلبس ، مثل الحطب والبز وأجرة البيت وما أشبه ذلك ، وسنذكر تمثيل ذلك بصور الألوان حتى تعرفه ، وفي هذه رخصة وله فيه مجاهدة وحسن نية ومعاملة إذا أخذ نفسه به وصبر عليه ، وكان ذلك من باله وهمه فاحتسب في ذلك ما عند الله عز وجل ، وتحرى بذلك لدين الله عز وجل ، فإن الله عز وجل يشكر له سعيه ، ويجزل عليه أجره ، وهذا طريق يوصل إلى الله عز وجل وهو محجة كثير من السلف ، ولو أن عبدا شك في شيء فتحرز منه شكر الله له نيته ، وإن كان قد أخطأ حقيقة الشيء عنده فكان الشيء حلالا في علم الله عز وجل ولو أنه أقدم على شيء بقلة مبالاة فلم يدعه ، فتناول شيئا على أنه حلال عنده كان مأزور السوء نيته وقلة ورعه ، وإن كان أصاب الحقيقة عند الله فهو أفضل وله أجران : أجر العلم ومقام التوفيق ، ومن قصد ترك العلم وأخطأ الحقيقة عند الله عز وجل فعليه وزران : وزر الجهل ونقص العصمة ، ومن عمل بعلم فأخطأ الحقيقة فله أجر واحد ، ومن عمل بجهل فأصاب الحقيقة فعليه إثم الجهل وهو معصوم في الفعل ، وحكى وهب اليماني مما نقل من الزبور أن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه السلام : قل لبني إسرائيل : إني لا أنظر إلى صيامكم ولا إلى صلاتكم ولكن أنظر إلى من شك في شيء فتركه لأجلي ، ذلك الذي أؤيده بنصري وأباهي به ملائكتي ، وقد كان بعض العلماء يقول لأهله : أرفقوا بدهن المصباح فإنما توقدون بلحمي ودمي ، قيل : وكيف ؟

قسم V02/P478–V02/P479Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P478–V02/P479)

قال لأنكم توقدون من كسبي ، وكسبي من ديني وديني من لحمي ودمي ، وقد كان يقال : من تفقد من أين يكسب الدرهم تبصر أين يضعه ، ومن لم يبال من أين اكتسب لم يبال فيما أنفقه ، وقد قال بعض العلماء لرجل رآه بطالا وكان ذا عيال قال له : احترف فإنه إذا كان لك كسب أكل عيالك دنياك ، وإن لم يكن لك كسب أكلوا دينك ، وروي أن بعض الزهاد وقعت منه قطعة فجعل يطلبها عامة يومه فقيل له : أنت قد زهدت في الدنيا كلها وأنت تطلب هذه القطعة هذا الطلب فقال : إن طلبي هذه القطعة من زهدي في الدنيا لأني لا أعتاض منها غيرها ، لأنها من حيث أعلم وأنا لا آكل إلا من حيث أعلم ، وقد كان بشر يقول : المال إذا اجتمع من الشبهات لا ينفق إلا في الشهوات ، وقال سري السقطي : لا يصبر على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات ، وفي الخبر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام فنهاه عنه فأعاد مسألته عنه فقال : إن لي غلاما حجاما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن كان لا بد فأعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك ، وفي الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال : لا تأكلوه ، وفي خبر آخر : إن كان جامدا فألقوها ، وإن كان ذائبا فاستصحبوا به ، وعن جماعة من علماء الكوفة : لا بأس بشحوم الميتة تطلى بها السفن ويدبغ بها الجلود . وقد روينا فيه حديثا مسندا ، فهذا حجة فيما ذكرناه من أن حكم الشبهات أن ينفق منها فيما لايطعم ولا يلبس إلا إن يضطر إليها فيتناول منها مقدار الحاجة ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى بلبن فسأل عن أصله فأخبر به ، فسأل عن أصل أصله فأخبر به ، فلما رضيه شرب منه ، فهذا حكم الحلال أن تعرف عين الشيء ثم تعرف أصله ، فإذا صح لك أصله وأصل أصله سقط عنك ما وراء ذلك ، فإن لم تعلم رأى عين وأخبرك مسلم تقي أخباره لك مقام ذلك ، وفي الخبر : لا تأكل إلا طعام تقي ولا يأكل طعامك إلاتقي ، لأن التقي قد استبرأ لدينه واجتهد بعلمه واحتاط لنفسه ، فقد سقط عنك البحث والاجتهاد لأنه قد ناب عنك فيه وقام لك به ، فكفاك كلفته فغنيت عن تكلفه ، فلذلك جاءت الأحاديث على هذا المعنى : إذا دخل أحدكم إلى منزل أخيه فقدم إليه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأل ويشرب من شرابه ولا يسأل ، لأنه قد كفى والسؤال عما قد كفى تكلف ، والتكلف ليس مما يعني المسلم ، وفي الخبر الآخر : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، فلهذا سقط عنا السؤال من البحث ولذلك كان المتقدمون يستحبون أكل طعام العلماء والصالحين .

قسم V02/P479–V02/P480Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P479–V02/P480)

وأما من لا يحتاط لنفسه ولا يستبرئ لدينه ولا يتقي في مكسبه حتى لا يبالي من أين أكل ولا من أين اكتسب ولا من أين جاءه الدرهم أبدا ، فهذا غير تقي فحينئذ يلزمك أنت البحث لنفسك والاجتهاد والاحتياط لدينك إذا لم يقم به غيرك ولم يكلفه أخوك ، ففي مثل هذا جاء الخبر : لا يأكل طعامك إلا تقي ولا تأكل إلا طعام تقي ، والتقي هو الورع الدين المتقي للحرام المجتنب للآثام ، ففي دليل خطابه : لا تأكل طعام غير تقي فلا يصح التقوى من عبد يتصرف حتى يكون مستعملا في تجارته وصناعته حكم الكتاب والسنة ، ويشهد له العلم بسلامته وبراءة دينه من الخيانة والمكر في المعاملة ، من الكذب والغبن في التجارة والصنعة ، بالصدق والنصح في جميع ذلك وحتى يحل السبب المعتاض منهما ، وكل تجارة وصناعة يخالف العبد فيها حكم الكتاب والسنة فليست بتجارة ولا صناعة حلال ، وإن كان الاسم موجودا لعدم المعنى الذي تصح به الأسماء في الحكم ، لأن وجود الأسماء فارغة لا يغني مع عدم صحة المعاني لموافقته شيئا ، فإذا كان ما يسميه الجاهلون تجارة وصناعة وما يسميه المستحلون بيعا وشراء ومعاملة ، وهو غير موافق للعلم ، فليس ذلك بتجارة ولا صناعة ولا معاملة ، ولا يستحل به أكل الحلال لأنه باطل واسمه عند العلماء خيانة وخلابة ، أو غيلة أو حيلة أو محاتلة ، وهذه أسماء محرمة للمكاسب لفساد معانيها وعدم حقائقها يتعلق عليها أحكام مذمومة ، ، لا يحل بها أخذ لأن التسمية إلى العلماء من قبل ، أن إيجاب الأحكام منهم يسمون على صحة المعاني بوقوع الأحكام إذا كانوا هم الحكام ، فقد اعتزل هذا التصرف ، وإن وجد فيه الاسم المبيح لفقد المعنى الصحيح ، وهو حكم الكتاب والسنة ، فإن وجد الاسم بحقيقة المعنى حتى تسميه العلماء تجارة وصناعة ، إلا أنهما لم يصادفا حكم الله تعالى فيه بالسلامة من الربا واجتناب البيوع الفاسدة ، فهذا حرام أيضا لعدم حكم الله عز وجل فيه بالإطلاق ، وإن كان الشراء مباحا وصودف الأحكام فيه إلا أن عين المأخوذ المعتاض حرام رأي عين أو خبر من صدق ، فهذا الكسب حرام أيضا لأنا على يقين من وجود الحرام فيه حتى يصفو العوض المشتبه من عين الحرام بأحد معنيين : إما بيقين أنه حلال الأصل وحلال أصل الأصل ، بأن لانعلم في عينه حراما رأيناه ولا أخبرناه ، فيحل به حينئذا أكل المال ونسميه مع ذلك شبهة ، وهو شبهة الحلال إذ لسنا على يقين من حلاله ، لا مكان دخول الحرام فيه لغلبة الأموال المأكلولة بالباطل وبالأسباب المكروهة من قبل الأجناد ، ومن قلة المتقين واختلاط ذلك بالأملاك الصحيحة وبأموال التجار والصناع ، فما كنا من حلاله على علم ظن سميناه شبهة لفقد علم اليقين . وفي الخبر : جاء عقبة بن الحرث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني تزوجت امرأة ، فجاءتنا امرأة سوداء فزعمت أنها قد أرضعتنا وهي كاذبة فقال : دعها فقلت : إنها كاذبة فقال : وكيف ؟ وقد زعمت أنها قد أرضعتكما لا خير لك فيها دعها عنك ، وفي لفظ آخر : كيف ؟

قسم V02/P480–V02/P481Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P480–V02/P481)

وقد قيل ، وفي حديث عبد الله بن زمعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضي بالولد له لأنه ولد على فراشه ، وأبطل دعوى الرجل فيه وإن كان منه ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم شبها بينا قال لسودة : احتجبي عنه يا سودة وهي أخته ثم قال : الولد للفراش وكذلك يجب التقوى في الفراش للورع ، وإن الأحكام على الظاهر تجيزها فيكون تركها مقاما للورعين والحلال عند الورعين اسم ما انحلت عنه المطالبة وحل فيه العلم على حلال المقتبس في قوله عز وجل : ( وحلائل أبنائكم ) النساء : 23 ، وحلائل جمع حليلة وقيل : إنما سميت المرأة حليلة الرجل لأن يحل معها أين حلت ، أي يوجد عندها ويقيم كأنها فعيلة من فعول أي حلول ، والمعنى الآخر سميت حليلة ، والرجل حليلها لأن الآثام قد انحلت بينهما ، أي لأنها تحل له ويحل لها والحلال في العلم اسم لما أباحه الكتاب والسنة بسبب جائز مباح ، وكان الحلال هو ما وجد فيه ثلاث معان : سبب مباح في العلم وعلم بأصل الدرهم والمعتاض به وبأصل أصله أنه خالص من شبهة ومصادقة حكم الله عز وجل في المعاملة ، فإذا فقد أحد هذه المعاني فهو شبهة إلى الحلال أقرب ، وإذا فقد معنيان فهي شبهة الحرام ، فإذا فقدت المعاني الثلاث حتى يكون السبب الذي وصل به الدرهم والمعتاض منه مكروها ، أو يكون عين الدرهم مكروها مجهولا ولم يصادف فيه حكم الشرع في البيع والشراء أو الهبة بطيب نفس ، فهذا هو الحرام بعينه والحرام والحلال ضدان ظاهران ، والشبهات أعني شبهة الحلال وشبهة الحرام مشتبهان ، فهي تشبه الحلال من وجه وتشبه الحرام من وجه فمثل الحلال والحرام . من أصول الألوان مثل : البياض والسواد ، هما أصلان ليسا فرعين لشيء ولا متوالدين من شيء ومثل شبهة الحلال كمثل الصفرة لأنه لون متولد من البياض ، ومثل شبهة الحرام كالخضرة لون متولد من السواد ، فإن رأيت الصفرة فهي علامة شبهة الحلال رددتها إليه وحكمت عليها به ، كما أن الخضرة أقرب إلى السواد ، فإن اجتمع في لون صفرة وخضرة فهي الشبهات المخلطة في الشيء ، فانظر إلى الأغلب منها الأكثر ، فاحكم عليه ، فإن كانت الصفرة هي الأكثر والأغلب ، فهذا شبهة الحلال ، تناول منه غير متسع فيه إذ ليس حلالا صافيا وهذا مثل أموال التجار والصناع المختلطة بأرزاق الجند والمعاملات ، وإن رأيت الخضرة أكثر وأغلب فهذا شبهة الحرام ، خذ منه ضرورتك إذ ليس بشبهة صافية ، وهذا مثلا أملاك أولياء السلطان ، لالتباس ملك أيديهم في خدمتهم لأمرائهم حتى تري البياض المحض الذي هو علامة الحلال فخذ كيف شئت واتسع ، لاجناح عليك على أنك لا تكون زاهدا بذلك ، وهذا مثل لفيء المشركين والغنائم في سبيل الله ، ومثل المواريث الطيبة وما أنبتت الأرض التي هي غير مغصوبة ، ومثل ماء السماء والسيح في الأنهار وصيد البر والبحر ، وإن رأيت السواد الغريب فهو علامة الحرام ، فاجتنبه ولا تأخذ منه شيئا ، فإن فعلت كنت بذلك فاسقا وأكل الحرام من الكبائر ، وهذا مثل المغصوب والجنايات ، وما أكل بأسباب المعاصي وما تملك من غير طيب نفس من الواهب ، واعلم أن الحلال والحرام فرعان للتقوى والفجور والعلم والجه ، والعلم والتقوي هما حلالان للمتقين العلماء ، فإذا كثر المتقون ووجد المؤمنون كان الحلال أظهر وأكثر ، ووجود الحرام بظهوره وكثرته ، بكثرته وجود الجهل والفجور وهما حالا الجاهلين الفجار ، فإذا كثر الجاهلون وظهر الفاسقون كان الحرام أغلب وأكثر ، وأصل وجود الحلال في الكافة عدل الأئمة واستقامة الولاة ، وطاعة أوليائهم فيما لهم معهم في سبيل الله عز وجل لصلاح الدين وحيطة المسلمين ، كما إن أصل ظهور الحلال وانتشاره هوالرعية ، فإذا قل ذلك وكان الأمر على ضده غمض الحلال واختفى ، فظهر الحرام وفشا ، فكان الحلال قليلا عزيزا ، وكان في خصوص من المسلمين يخص الله به من يشاء ويصرفه إلى من أحب ، كيف أحب من طريق التوفيق والهداية وبمعنى العصمة والوقاية ؟

قسم V02/P481–V02/P482Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P481–V02/P482)

وقد جاء في الخبر إذا فسدت أديان الناس فسدت أرزاقهم ، وقال بعض أهل التفسير في قوله عز وجل : ( وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ) الأنعام : 129 ، قال : إذا فسدت أعمال الناس ، جعل عليهم أئمة يشبهون أعمالهم ، وقد روينا عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : رزق المؤمن ، مثل قطر الحب ، فهذا يحتمله معنيان ، أحدهما الضيق والقلة والثاني في الصفاء ، وهذا على معنى ما قال سهل رحمه الله : لو كانت الدنيا دما غبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا ، فهذا على معنيين ، أحدهما أن المؤمن موفق معصوم قد عمل لله عز وجل بما علم ، والله قد حفظه من حيث لا يعلم بأن يستخرج له الحلال من الحرام باختياره من عمله ، كما يستخرج له العلم من الجهل ، والتوحيد من الشرك بلطف قدرته ، فمن تذكر به وتبصر به أقامه مقام التوحيد من الحكمة ، والمعنى الثاني المؤمن عنده ، لا يتناول شيئا إلا فاقة أو ضرورة ، فقد حلت له وإن حرمت على غيره ، وهذا هوالمؤمن الصديق وقد قيل لابن المبارك يظهر بعد المائتين عدل فقال : تذاكرنا ذلك عن حماد بن سلمة ، فغضب وقال : إن استطعت أن تموت بعد المائتين فمت ، فإنه يحدث في ذلك الزمان أمراء فجرة ووزراء ظلمة وأمناء خونة ، وقراء فسقة حديثهم فيما بينهم ، التلاوم يسمون عند الله الأنتان ، وقال بعض السلف الصالح : إني لأستحي من الله عز وجل أن أسأله بعد المائتين أن يرزقني حلالا ، ولكني أسأله رزقا لا يعذبني عليه ، وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله : ما ترك لنا بنو فلان من الحلال شيئا ، يعني الملوك والأمراء ، ويقال إن عليا رضي الله عنه ، لم يأكل بعد قتل عثمان ، ونهب الدار إلا طعاما مختوما عليه ، وروي في الخبر العامل الذي أراد علي رضي الله عنه ، أن يستعمله على صدقات قال : فدعا بطينة مختومة طننت أن فيها جوهرا أو تبرا ففض ختامها ، فإذا فيها سويق شعير فنثره بين يدي وقال : كل من طعامنا ، فقلت : أتختم عليه يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم هذا شيء اصطفيته لنفسي ، وأخاف أن يختلط فيه ما ليس منه ، والحديث فيه طول فاختصرت هذا منه . وروي أن جماعة من الصحابة ما شبعوا من الطعام منذ قتل عثمان رضي الله عنه لاختلاط أموال أهل المدينة بنهب الدار ، منهم ابن عمر وسعد وأسامة بن زيد رضي الله عنهم ، وكان يوسف ووكيع بن الجراح يقولان : الدنيا عندنا على ثلاث منازل ، حلال وحرام وشبهات ، فحلالها حساب ، وحرامها عقاب ، وشبهاتها عتاب ، فخذ من الدنيا ما لا بد لك منه فإن كان ذلك حلالا كنت زاهدا ، وإن كان شبهة كنت ورعا وكان في عتاب بسير ، وقد روينا عنهما أنهما قالا : لو زهد أحد في زماننا هذا حتى يكون كأبي ذر وأبي الدرداء في الزهد ما سميناه زاهدا قيل : ولم ؟ قال : لأن الزهد عندنا إنما يكون في الحلال المحض ، والحلال المحض لا يعرف اليوم ، ومات يوسف ووكيع قبل المائتين ، وقد كان وكيع بن الجراح أشبه العلماء بالسلف ، وكان يشبه بعبد الله بن مسعود وقد كان يشدد في الطعمة فسئل عن الحلال ، فجعل يعزره ويقول : أين الحلال ؟ وكيف لي بالحلال ؟ ثم قال : لوسألنا مسترشد عن علمنا في الحلال فقلنا له : كل أصول البردي وألقي ثوبك وادخل في الفرات قيل : وأنت يا أبا سفيان من أين تأكل ؟ قال : آكل من رزق الله وأرجو عفو الله ، وقد كان بشر بن الحارث من المتقدمين ، سئل عن الحلال قيل له : من أين تأكل يا أبا نصر ؟

قسم V02/P482–V02/P484Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P482–V02/P484)

فقال : من حيث تأكلون ، وليس من يأكل وهو يبكي كمن يأكل وهويضحك ، وقال مرة أخرى في رواية عنه : ولكن يد أقصر من يد ولقمة أصغر من لقمة ، وسأله رجل عما لا يسكر من النبيذ فقال : انظر في الدرهم الذي تشتري به التمر من أين هو ؟ فإن كان حلالا وإلا هلكت دع عنك ما لا يسكر ، وقد كان سري السقطي يتحري في أكل الحلال ولم يكن يأكل إلا من حيث يعرف ، وكان إذا ذكر لأحمد بن حنبل رضي الله عنه أثنى عليه وقال : تعنون ذلك الفتى المعروف بطيب الغذاء ، وكان يقول : لا يقوى على ترك الشبهات إلا من ترك الشهوات ، ويقال إن بشر بن الحارث كان يأكل من قبله ، وذكر لنا أن سريا السقطي وقف على بشر وهو يتكلم فاطلع في حلقته وقال : يا بشر ، لعل يدا نقين تلبسها وتستريح من هذا الاسم : يعني قولهم بشر الحافي ، فسكت بشر ، فظن من كان من أصحاب سري عند بشر أنه قد وجد عليه فقالوا : يا أبا نصر ، إنه لم يرد إلا خيرا فقال : سبحان الله ، هو سري كما سري ، وكان سري رحمه الله قد وجه إلى أحمد بن حنبل رضي الله عنه بمال فرده ، فجاء سري فكلمه بكلام من هذا العلم فعرفه فيه ما يدق من آفة الرد فقبل منه ولم يكن بعد ذلك يرد عليه شيئا . وحدثونا عنه أنه قال : انتهيت ذات يوم في سفر إلى نبات من الأرض وعند غدير ماء ، قال : وكنت جائعا فأكلت من الحشيش ، وشربت من ذلك الماء بكفي ، ثم استندت على ظهري ، ثم خطر ببالي أني إن كنت أكلت حلالا فاليوم ، فهتف بي هاتف يقول : يا سري زعمت أنك أكلت حلالا ، فالقوة التي بلغتك إلى ههنا من أين هي ؟ قال : فاستغفرت الله تعالى مما كان وقع في قلبي ، وكان شقيق البلخي رحمه الله يقول : إن المكاسب اليوم قد فسدت ، وإن التجارات والصناعات شبهات كلها ، لا يحل الاستكثار والادخار منهما لوجود الغش وعدم النصح ، قال : وإنما ينبغي للمسليمن أن يدخلوا فيها ضرورة ، وقال : الناس كقتلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لأنهم أعانوا على إماتة السنن ، ودرس طرق الأنبياء ، ومن أبطل سنن نبي فكأنما قتله هذا بقوله في سنة سبعين ومائة ، فإذا كان الأمر أيها المسلم الموقن بتوحيد الله ووعيده ، على هذا عند العلماء من السلف والأخيار من الخلف ، في ذلك الوقت ، فكيف بوقتك هذا ؟ وقد افترض عليك الزهد في الدنيا ، وقد وجب عليك الأخذ بالبلغة ، مما لابد منه من كل شيئ ، فإن استكثرت أو جمعت من مثل هذه الأشياء كان ذلك معصية ، وكل ما يظهره الله عز وجل لك من غير الأمور وبديهات المصائب ، فإنما هو تزهد لك في الدنيا إن فطنت لذلك ، وكل ما صرف عنك مثل هذا فهو خير ، وإن كرهت ، وفي الخبر : ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن ولو كان من حلال ، فإن كان لا بد فثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث نفس ، فقد صار الأكل في ثلث البطن خير من الأكل ملأه لأنه شر ، وما نقص من الشر فهو خير ، وفي الخبر : ما شيء أبغض إلى الله من بطن مليء ولو من حلال .

قسم V02/P484–V02/P485Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P484–V02/P485)

وقد جاء في الخبر : لا يعذب الله عبدا جعل رزقه في الدنيا قوتا ، وفي قوله تعالى : ( ورزق ربك خير وأبقى ) طه : 131 قيل : يوم بيوم ، وقيل : القناعة ، وقد كان المسلمون يتورعون عن الشبهات في وقت العدل ، ومع وجود الفضل ، حدثونا : أن الفضل بن عياض وابن عيينة وابن المبارك رضي الله عنهم ، اجتمعوا عند وهيب بن الورد بمكة ، فذكروا الرطب فقال وهيب : هو أحب الطعام إلي إلا أني لا آكله ، قيل : ولم ؟ قال : لأنه قد اختلط رطب مكة بهذه البساتين التي اشتروها هؤلاء ، يعني زبيدة وأشباهها ، فقال له ابن المبارك : رحمك الله إن نظرت إلى مثل هذا ، ضاق عليك الخبز ، فقال : وما سببه ؟ قال : نظرت في أصول الضياع بمصر فإذا هي قد اختلطت بالصوافي ، قال : فغشي على وهيب ، فقال له سفيان : ما أردت بهذا ؟ قتلت الرجل ، قال ابن المبارك : والله ما أردت إلا أن أهون عليه ، قال : فلما أفاق وهيب قال لله علي أن لا آكل خبزا أبدا حتى ألقاه ، قال : فكان يشرب اللبن ، قال : فأتته أمه بلبن فقال : من أين لك هذا ؟ قالت من شاة بني فلان ، قال : ومن أين لهم ثمنها ؟ قالت : من كذا وكذا ، فرضيه ، فلا أدناه من فيه ، قال : قد بقي شيء فأين ترعى هذه الشاة ؟ فسكتت ، فقال : لتخبريني ، فإذا هي ترعى مع غنم لابن عبد الصمد الهاشمي أمير مكة في الحي ، فقال : هذا اللبن للمسلمين ، فيه حق لا يحل لي أن أشربه دونهم ، وهم شركائي فيه ، فقالت له أمه : اشربه فإن الله يغفر لك ، فقال : ما أحب أني شربته وأنه غفر لي ، قالت : ولم ؟ قال : أكره أن أنال مغفرته بمعصية ، وقد كان لطاووس اليماني بضاعة يتجر له فيها من التمر ، فاشترى مضاربه ببضاعة أديما من بعض أولياء السلطان وكتب إليه بذلك ، وكتب إليه طاووس : أفسدت علينا مالنا ، ما أحب أن أتلبس بشيء منه فبع الأديم باليمن ، وتصدق بثمنه ، ولا تدخل منه إلى الحرم درهما واحدا ، وأنا أستغفر الله من طعمة الفقراء ، وأرجو أن أنجو كفافا لا علي ولا لي ، فيقال : إن ذلك كان سبب فقره ولم يكن له مال غيره ، فبقي بغير معلوم من دنيا ، وكان خالد القشيري لما ولي مكة بعد ابن الزبير أجرى نهرا في طريق أهل اليمن إلى مكة ، فكان طاووس ووهب بن منبه اليمانيان رضي الله عنهما إ ذا مرا عليه لم يتركا دوابهما أن تشرب منه ، وقد كان سهل رحمه الله يقول : رجل بات في قرية جائعا قام إلى الغداة لم يقدر أن يصلي من الجوع ، أعطاه الله في منزله جميع صلاة المصلين القائمين في قريته ، قيل : وكيف ذلك ، قال : طلب الحلال ، فلم يجده فكره أن يدخل جوفه حراما فبات طاويا فله أجر المصلين القائمين في تلك الليلة وهو سليمان التيمي رحمه الله ترك أكل الحنطة ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنها تطحن في هذا الأرحى ، فقال : المسلمون شركاء في الماء وهؤلاء يأخذون خراجها دون سائر الناس . وحدثت أن امرأة أهدت إلى بشر بن الحارث سلة عنب ، فقالت : هذه من صنيعة أبي فردها بشر عليها ، فقالت : سبحان الله تشك في كرم أبي وفي صحة ملكه وميراثي منه وشهادتك مكتوبة في كتاب الشراء ، فقال : صدقت ملك أبيك ولكنك أفسدت الكرم ، قالت : بماذا ؟

قسم V02/P485–V02/P486Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P485–V02/P486)

قال : سقيته من نهر طاهر يعني طاهر بن الحسين بن مصعب بن عبد الله بن طاهر صاحب المأمون ، وهذا النهر هوالخندق المعترض في الجانب الغربي ، لم يكن يشرب من الخندق ولا يمشي على الجسر وقد كان بشر يقول : منذ ثلاثين سنة أشتهي شواء وما أتركه زهدا فيه ولو صح لي درهمه لأكلته ، فهذه سيرة المتقدمين وطريق السالفين ، من سلكها لحق بهم وكان كأحدهم ، ومن خالفها فليس على سنة السلف ، ولا من صالحي الخلف وسعة رحمة الله الواسعة بمشيئته السابقة ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، وقد كان من سيرة القدماء من أهل الورع أن لا يستوعب أحدهم كلية حقه بل يترك شيئا خشية أن يستوفي الحلال كله ، فيقع في الشبهة ، فإنه يقال : من استوعب الحلال حام حول الحرام ، فكانوايستحبون أن يتركوا بينهم وبين الحرام من حقهم حاجزا من الحلال لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ، ومنهم من كان يترك من حقه شيئا لغير هذه النية ، ولكن لقول الله عز وجل ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) النحل : 90 قالوا : فالعدل أن تأخذ حقك كله وتعطي الحق ، والإحسان أن تترك بعض حقك وتبذل فوق ما عليك من الحق لتكون محسنا ، ولأن الله تعالى كما أمر بالعدل قد أمربالإحسان لقوله : ( حقا على المتقين حقا على المحسنين ) البقرة : 18 ، - 236 ، وهذه الطريقة قد جهلت من عمل بها فقد أظهرها ، حدثونا عن بعضهم قال : أتيت بعض الورعين بدين له علي وكان خمسين درهما ، قال : ففتح يده فعددت فيها إلى تسع وأربعين درهما فقبض يده ، فقلت : هذا درهم قد بقي لك من حقك ، قال : قد تركته لك إني أكره أن أستوعب مالي كله ، فأقع بما ليس لي ، قد كان عبد الله بن المبارك وغيره يقول : من اتقى من تسعة وتسعين شيئا ولم يتق من شيء واحد لم يكن من المتقين ، ومن تاب من تسعة وتسعين ذنبا ولم يتب من ذنب واحد لم يكن من التوابين ، ومن زهد في تسعة وتسعين شيئا ولم يزهد في شيء واحد فليس من الزاهدين ، وقد روى عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون الرجل من المتقين حتى يترك ما لا بأس به حذارا مما به البأس ، وروينا عن أبي الدرداء : إنما التقوى أن يتقي الله العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراما ، يكون حجابا بينه وبين الحرام ، وبمعنى هذا ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : كنا نترك سبعين بابا من الحلال مخافة باب واحد من الحرام ، وهذا طريق قد مات أهله ، فمن سلكه فقد أحياهم فأما أموال التجار والصناع والمتصرفين في المعايش المباحة بالأسباب الجائزة في العلم ، مع موافقة الكتاب والسنة فهي شبهات ، ثم تتنوع بنوعين : فتكون شبهة حلال إذا عاملت المتقين وأخذت من الورعين ، وتكون شبهة حرام إذا عاملت قليلي التقوى والورع ، وأما غير ذلك من أموال الجند فإنه حرام لفساد سببه ولمخالفة الأحكام ، فما كان عن معاملة لهم وكسب ولم تعلم شيئا بعينه غصبا ولا جناية فهو أسهل ، وما علمته فهو نص الحرام ، فالله الله في نفسك انظر أيها المسكين لمعادك واحفظ لدينك ، فإن كسبك من دينك وطمعتك من إيمانك ، فإن تهاونت بذلك فقد تهاونت بالدين ، ونبذت الأحكام وضيعت اليوم نفسك ولم تنظر فيما قدمت لغد ونعوذ بالله من سوء القضاء ، ويقال إن العدو إذا ظفر من العبد بسوء الطعمة لم يعترض عليه في الأعمال ، وقال : قد ظفرت منك بحاجتي ، اعمل الآن ما شئت ولم يعد عليه من أعماله إلا ظلمة في قلبه ، وقسوة وضعفا في عزيمة ، وفتورا ومعصية وحرم التوفيق والعصمة ، ولم يورث علم المكتوب والحكمة ، فإن كان المتصرف في السوف على الوصف المكروه ، مخالفا للعلم في تصرفه مفارقا للأحكام لايبالي من أي وجه ظهر وبأي سبب عليه قدر ، غير متق في كسبه ولا مرع لدين الله عز وجل فيه وحكمه ، فهوآكل للمال بالباطل قاتل لنفسه مفسد لدينه غاش للمسلمين ، والله لا يصلح عمل المفسدين كما لايضيع أجر المصلحين ، ومع ذلك فهو غير ناصح لله عز وجل ولخلقه في الدين ، مقامه في الظلم وحاله الهوى ، والله لا يحب الظالمين ، فهو مأمور بالتوبة في جميع تصرفه مفترض عليه الإنابة في جميع تقلبه قبل أن يبغته الموت ويفجأ الفوت ، فيلقى الله تعالى ظالما ذا هوى فقد قال تعالى : ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) الحجرات : 11 ، وقال تعالى : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) الشعراء : 227 ، وقال بعض الحكماء : الدنيا بحر عجاج والتجار فيه غاصة ، فواحد يغوص فيخرج درا ، وهؤلاء أبناء الآخرة الذين لها يعملون ، وآخر يغوص فيخرج آجرا وهؤلاء عمال الدنيا الذين عليها يحرصون ، وآخر يخرج سمكا ، وهؤلاء المقتصدون ، وآخر في قعره قد غرق ، وهؤلاء المطرودون عن الطاعة إلى الأسواق كلما أرادوا أعمال البر طردوا عنها إلى السوق وشغلوا ، فقد غرقوا في بحر الخطايا ، وآخر طاف مع الأمواج يضطرب يطلب النجاة ، كلما رفعته موجة طمع في النجاة ثم تغطيه موجة أخرى فيخاف الهلكة ، وهؤلاء المريدون الاستقامة في زماننا هذا ، ترفعهم التوبة إلى النجاة وتحطهم العادة إلى الهلكة .

قسم V02/P486–V02/P487Ebû Tâlib el-Mekkî — Kûtü'l-Kulûb (s. V02/P486–V02/P487)

لم وحاله الهوى ، والله لا يحب الظالمين ، فهو مأمور بالتوبة في جميع تصرفه مفترض عليه الإنابة في جميع تقلبه قبل أن يبغته الموت ويفجأ الفوت ، فيلقى الله تعالى ظالما ذا هوى فقد قال تعالى : ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) الحجرات : 11 ، وقال تعالى : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) الشعراء : 227 ، وقال بعض الحكماء : الدنيا بحر عجاج والتجار فيه غاصة ، فواحد يغوص فيخرج درا ، وهؤلاء أبناء الآخرة الذين لها يعملون ، وآخر يغوص فيخرج آجرا وهؤلاء عمال الدنيا الذين عليها يحرصون ، وآخر يخرج سمكا ، وهؤلاء المقتصدون ، وآخر في قعره قد غرق ، وهؤلاء المطرودون عن الطاعة إلى الأسواق كلما أرادوا أعمال البر طردوا عنها إلى السوق وشغلوا ، فقد غرقوا في بحر الخطايا ، وآخر طاف مع الأمواج يضطرب يطلب النجاة ، كلما رفعته موجة طمع في النجاة ثم تغطيه موجة أخرى فيخاف الهلكة ، وهؤلاء المريدون الاستقامة في زماننا هذا ، ترفعهم التوبة إلى النجاة وتحطهم العادة إلى الهلكة . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا ، وأوحى الله عز وجل إلى بعض أنبيائه لا تتخذوا الأهل والمال في زمن العقوبات ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . نحمدك يا من هيأت القلوب للتيقظ لمرضاتك ، وفتحت أقفالها بأسرار معرفتك وأنوار هباتك ، ونصلي ونسلم على من أرسلته بطب القلوب ، وأيدته بما أنزلت عليه من قوت القلوب وتبيين الغيوب ، وعلى آله الذي تحققوا برياضة النفوس فتحلوا بأنوار اليقين ، وأصحابه السائرين على منهجه المبين . أما بعد ، فقد تم بحمده تعالى طبع كتاب قوت القلوب في معاملة المحبوب ، للأمام الفاضل والأستاذ الكامل سيدنا ومولانا الشيخ أبي طالب المكي رحمه الله وأثابه رضاه ، وهو كتاب له من اسمه أكبر نصيب ، ومن المتكلم على آفات النفوس والاستشهاد بالآي كلا مطرب غريب ، وفي تبيين طريق السلف الصالح ما يجعل الغائب كأنه حاضر مبصر ، وفي أحوال أهل اليقين ما يزيح الخفاء ويجلو من عين القلب النظر ، وبالجملة ، فهو كتاب شهرته طبقت الآفاق ، وهي أقل مما فيه ، وليس الخبر يكفي ما العيان يكفيه .

نهاية النصّ المتاح.

%0
9 Bölüm

الأسئلة