قال وسئل الحسين لم طمع موسى عليه السلام في الرؤية وسألها فقال لأنه انفرد للحق وانفرد الحق به في جميع معانيه وصار الحق مواجهه في كل منظور إليه ومقابله دون كل محصور لديه على الكشف الظاهر إليه لا على التغيب فذلك الذي حمله على سؤال الرؤية لا غير سمعت أبا الحسين الفارسي قال أنشدني ابن فاتك للحسين بن منصور (أنت بين الشغاف والقلب تجري ... مثل جري الدموع من أجفاني) (وتحل الضمير جوف فؤادي ... كحلول الأرواح في الأبدان) (ليس من ساكن تحرك إلا ... أنت حركته خفي المكان) (يا هلالا بدا لأربع عشر ... لثمان وأربع واثنتان) سمعت عبد الواحد السياري يقول سمعت فارسا البغدادي يقول سألت الحسين بن منصور عن المريد فقال هو الرامي بقصده إلى الله عز وجل فلا يعرج حتى يصل وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول المريد الخارج عن أسباب الدارين أثرة بذلك على أهلها سمعت محمد بن محمد بن غالب يقول قال الحسين بن منصور إن الأنبياء عليهم السلام سلطوا على الأحوال فملكوها فهم يصرفونها لا الأحوال تصرفهم وغيرهم سلطت عليهم الأحوال فالأحوال تصرفهم لا هم يصرفون الأحوال وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول الحق هو المقصود إليه بالعبادات والمصمود إليه بالطاعات لا يشهد بغيره ولا يدرك بسواه بروائح مراعاته تقوم الصفات وبالجمع إليه تدرك الراحات وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول لا يجوز لمن يرى أحدا أو يذكر أحدا أن يقول إني عرفت الأحد الذي ظهرت منه الآحاد وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول ألسنة مستنطقات تحت نطقها مستهلكات وأنفس مستعملات تحت استعمالها مستهلكات وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول حياء الرب أزال عن قلوب أوليائه سرور المنة بل حياء الطاعة أزال عن قلوب أوليائه شهود سرور الطاعة وبه قال أنشدت للحسين بن منصور (مواجيد حق أوجد الحق كلها ... وإن عجزت عنها فهوم الأكابر) (وما الوجد إلا خطرة ثم نظرة ... تثير لهيبا بين تلك السرائر) (إذا سكن الحق السريرة ضوعفت ... ثلاثة أحوال لأهل البصائر) (فحال يبيد السر عن كنه وجده ... ويحضره للوجد في حال حائر) (وحال به زمت ذرى السر فانثنت ... إلى منظر أفناه عن كل ناظر) وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول من أسكرته أنوار التوحيد حجبته عن عبارة التجريد بل من أسكرته أنوار التجريد نطق عن حقائق التوحيد لأن السكران هو الذي ينطق بكل مكتوم وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول من التمس الحق بنور الإيمان كان كمن طلب الشمس بنور الكواكب وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول لرجل من أصحاب الجبائي لما كان الله تعالى أوجد الأجسام بلا علة كذلك أوجد فيها صفاتها بلا علة وكما لا يملك العبد أصل فعله كذلك لا يملك فعله وبه قال سمعت الحسين بن منصور يقول ما انفصلت البشرية عنه ولا اتصلت به 54 - ومنهم أبو الحسن بن الصائغ الدينوري واسمه علي بن محمد ابن سهل كان من كبار المشايخ أقام بمصر ومات بها سمعت أبا عثمان المغربي يقول لم أر فيمن رأيت من المشايخ أنور من أبي يعقوب النهرجوري ولا أكبر همة من أبي الحسن بن الصائغ الدينوري سألت الشيخ أبا عثمان هل كان أبو الحسن من السالكين فقال كان من المعاملين المخلصين في المعاملة توفي بمصر سنة ثلاثين وثلاثمائة وأسند الحديث أخبرني عمر بن محمد بن عراك المصري إجازة أن علي بن سهل الزاهد الدينوري حدثهم قال حدثني عبد الله بن محمد بن بشار قال حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن عقبة عن صهبان عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى {ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} الواقعة 39 40 قال (هما في هذه الأمة) أخبرني عمر بن محمد بن عراك قال سئل أبو الحسن عن صفة المريد
Sülemî — Tabakātü's-Sûfiyye
محمد بن الحسين بن محمد بن موسى بن خالد بن سالم النيسابوري، أبو عبد الرحمن السلمي (المتوفى: 412هـ) · AR
فقال صفته ما قال الله عز وجل {ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} التوبه 118 وبهذا الإسناد قال أبو الحسن من توالت عليه هموم الدنيا فليذكر هما لا يزول ليستريح منها وبهذا الإسناد قال أبو الحسن وسئل ما الذي يجب على الإخوان إذا اجتمعوا فقال التواصي بالحق والتواصي بالصبر قال الله تعالى {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر} (العصر 3) سمعت عبد الله بن علي يقول سمعت الدقي يقول قال أبو الحسن بن الصائغ ينبغي للمريد أن يترك الدنيا مرتين يتركها مرة بنضارتها ونعيمها وألوان مطاعمها ومشاربها وجميع ما فيها ثم إذا عرف بترك الدنيا ويبجل ويكرم بها فينبغي أن يستر إذ ذاك حاله بالإقبال على أهلها لئلا يكون ذكره في تركه الدنيا ذنبا هو أعظم من الإقبال على الدنيا وطلبها أو فتنة أعظم منها وبهذا الإسناد قال أبو الحسن من فساد الطبع التمني والأمل وبهذا الإسناد قال كان بعض مشايخنا يقول من تعرض لمحبته جاءته المحن والبلايا بالأوقار وبهذا الإسناد قال أبو الحسن أهل المحبة في لهيب شوقهم إلى محبوبهم يتنعمون في ذلك اللهيب أحسن مما يتنعم أهل الجنة فيما أهلوا له من النعيم وبهذا الإسناد قال أبو الحسن محبتك لنفسك هي التي تهلكها وبهذا الإسناد سئل أبو الحسن ما المعرفة فقال رؤية المنة في كل الأحوال والعجز عن أداء شكر النعم من كل الوجوه والتبري من الحول والقوة في كل شيء وبهذا الإسناد سئل أبو الحسن بماذا يتسلى المحب في المحبة وبماذا يروح فؤاده عن هيجانه فأنشأ يقول (لو أشرب السلوان ما سليت ... ما بي غنى عنك وإن غنيت) وبهذا الإسناد قال أبو الحسن الأحوال كالبروق فإذا ثبتت فهو حديث النفس وملائمة الطبع وبهذا الإسناد سئل أبو الحسن عن الاستدلال بالشاهد على الغائب فقال كيف يستدل بصفات من يشاهد ويعاين وهو ذو مثل على صفة من لا يشاهد في الدنيا ولا يعاين ولا مثل له ولا نظير 55 - ومنهم ممشاذ الدينوري وهو من كبار مشايخهم صحب يحيى الجلاء ومن فوقه من المشايخ عظيم المرمى في هذه العلوم أحد فتيان الجبال كبير الحال ظاهر الفتوة ذكر أبو زرعة أنه مات سنة تسع وتسعين ومائتين إن كان حفظه سمعت ابا بكر الرازي يقول سمعت ممشاذ يقول طريق الحق بعيد والصبر مع الحق شديد وبهذا الإسناد قال ممشاذ جماع المعرفة صدق الافتقار إلى الله تعالى وبهذا الإسناد قال ممشاذ لو جمعت حكمة الأولين والآخرين وادعيت أحوال السادة من الأولياء فلن تصل إلى درجات العارفين حتى يسكن سرك إلى الله تعالى وتثق به فيما ضمن لك سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت فارس الدينوري يقول خرج ممشاذ من باب الدار فنبح عليه كلب فقال ممشاذ لا إله إلا الله فمات الكلب مكانه وبهذا الإسناد قال ممشاذ ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برك وما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك وبهذا الإسناد قال ممشاذ فراغ القلب في التخلي مما تمسك به أهل الدنيا من فضول دنياهم سمعت ابا بكر الرازي يقول سمعت ممشاذ يقول للعارف مرآة إذا نظر فيها تجلى له مولاه وبهذا الإسناد قال ممشاذ ما كتب صحيح إلى صحيح وما لقي صحيح صحيحا وما افترقا في الحقيقة وبهذا الإسناد قال ممشاذ من يكن الله تعالى همته لم تستقطعه الأقدار ولم تملكه الأخطار وبهذا الإسناد قال ممشاذ ما دخلت قط على أحد من شيوخي إلا وأنا خال من جميع ما لي انظر بركات ما يرد علي من رؤيته أو كلامه فإن من دخل على شيخ بحظه انقطع بحظه عن بركات رؤيته ومجالسته وأدبه وكلامه وبهذا الإسناد قال ممشاذ رأيت في بعض أسفاري شيخا توسمت فيه الخير فقلت يا سيدي كلمة تزودني بها فقال همتك فاحفظها فإن الهمة مقدمة الأشياء ومن صلحت له همته وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال
وبهذا الإسناد قال ممشاذ أدب المريد في أربعة اشياء التزام حرمات المشايخ وخدمة الإخوان والخروج عن الأسباب وحفظ آداب الشرع على نفسه وبهذا الإسناد قال ممشاذ الأسباب علائق وفي التعريج موانع والاستثناء إلى مسبوق القضاء فراغة وأحسن الناس حالا من أسقط عن نفسه رؤية الخلق ورعى سره في الخلوات واعتمد على الله تعالى في جميع أموره وبهذا الإسناد قال ممشاد صحبة أهل الصلاح تورث في القلب الصلاح وصحبة أهل الفساد تورث فيه الفساد وبهذا الإسناد قال سئل ممشاذ عن التوكل فقال التوكل حسم الطمع عن كل ما يميل إليه قلبك ونفسك وبهذا الإسناد قال ممشاذ أرواح الأنبياء في حال الكشف والمشاهدة وأرواح الصديقين في القربة والاطلاع 56 - ومنهم إبراهيم القصار وهو إبراهيم بن داود الرقي أبو إسحاق من جلة مشايخ الشام من أقران الجنيد وابن الجلاء إلا أنه عمر وصحبه أكثر مشايخ الشام وكان لازما للفقر مجردا فيه محبا لأهله توفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة سمعت أبا عبد الله الحسين بن أحمد يقول سمعت إبراهيم القصار الرقي يقول قيمة كل إنسان بقدر همته فإن كانت همته الدنيا فلا قيمة له وإن كانت همته رضاء الله تعالى فلا يمكن استدراك غاية قيمته ولا الوقوف عليها سمعت أبا الفضل نصر بن محمد بن أحمد بن يعقوب العطار قال سمعت إبراهيم بن أحمد بن المولد يقول سأل رجل إبراهيم القصار الرقي فقال هل يبدي المحب حبه أو هل ينطق به أو يطيق كتمانه فأنشأ يقول متمثلا (ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف) (حملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف) سمعت أبا بكر بن شاذان يقول سمعت إبراهيم القصار يقول التوكل السكون إلى مضمون الحق وبهذا الإسناد قال إبراهيم الراضي لا يسأل وليس من شرط الرضا المبالغة في الدعاء وبهذا الإسناد قال إبراهيم المعرفة إثبات الرب أو قال الحق عز وجل خارجا عن كل موهوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله وبهذا الإسناد قال إبراهيم حسبك من الدنيا صحبة فقير وخدمة ولي وبهذا الإسناد قال إبراهيم القدرة ظاهرة والأعين مفتوحة ولكن أنوار البصائر قد ضعفت وبهذا الإسناد قال إبراهيم الأبصار قوية والبصائر ضعيفة وبهذا الإسناد قال إبراهيم من اكتفى بغير الكافي افتقر من حيث استغنى وبهذا الإسناد قال إبراهيم الكفايات تصل إليك بلا تعب والاشتغال والتعب كلها في الفضول وبهذا الإسناد قال إبراهيم كفايات الفقراء هي التوكل وكفايات الأغنياء هي الاستناد إلى الأملاك وبهذا الإسناد قال إبراهيم أضعف الخلق من ضعف عن رد شهواته وأقوى الخلق من قوي على ردها وبهذا الإسناد قال إبراهيم ما دام لأغراض الكون في قلبك خطر فاعلم أنه لا خطر لك عند الله وبهذا الإسناد قال إبراهيم من تعزز بشيء غير الله فقد ذل في عزه وبهذا الإسناد قال إبراهيم الأولياء مرتبطون بالكرامات والدرجات والأنبياء مكشوف لهم عن حقائق الحق فالكرامات والدرجات عندهم وحشة وبهذا الإسناد قال إبراهيم علامة محبة الله تعالى إيثار طاعته ومتابعة نبيه صلى الله عليه وسلم وبهذا الإسناد قال إبراهيم الأنبياء منبسطون على بساط الأنس والأولياء على درجات الكرامة 57 - ومنهم خير النساج وكنيته أبو الحسن كان أصله من سامرا وأقام ببغداد صحب أبا حمزة البغدادي وسأل السري السقطي عن مسائل وكان إبراهيم الخواص تاب في مجلسه وكذلك الشبلي تاب في مجلسه عمر طويلا وكان من أقران النوري وطبقته وكان اسمه محمد بن إسماعيل السامري وإنما سمي خيرا النساج لأنه خرج إلى الحج فأخذه رجل على باب الكوفة فقال أنت عبدي واسمك خير وكان أسود فلم يخالفه فأخذه الرجل واستعمله في نسخ الخز سنين وكان يقول له يا خير فيقول لبيك ثم قال له الرجل بعد سنين أنا غلطت لا أنت عبدي ولا اسمك خير فلذلك سمي خير النساج وكان يقول لا أغير اسما سماني به رجل مسلم عاش مائة وعشرين سنة
سمعت أبا الحسن القزويني يقول سمعت أبا الحسين المالكي يقول سألت من حضر موت خير النساج عن أمره فقال لما حضرته صلاة المغرب غشي عليه ثم فتح عينيه وأومأ إلى ناحية باب البيت وقال قف عافاك الله إنما أنت عبد مأمور وأنا عبد مأمور وما أمرت به لا يفوتك وما أمرت به يفوتني فدعني أمضي فيما أمرت به ثم امض لما أمرت به فدعا بماء فتوضأ وصلى ثم تمدد وغمض عينيه وتشهد ومات وأخبرني بعض أصحابنا أنه رآه في النوم فقال له ما فعل الله بك قال لا تسالني عن هذا ولكني استرحت من دنياكم الوضرة سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت خيرا النساج يقول من عرف من الدنيا قدرها وجد من الآخرة حقها ومن جهل من الآخرة حقها قتله من الدنيا نزرها قال وقال خير النساج الصبر من أخلاق الرجال والرضا من أخلاق الكرام قال وقال خير شرح صدور المتقين وكشف بصائر المهتدين بنور حقائق الإيمان قال وقال خير من لاحظ شكره استصغر نعمه قال وقال خير من سبق بخطوة لا يدرك إذا كان صادقا مجتهدا قال وقال خير الإخلاص هو الذي لا يقبل عمل عامل إلا به قال وقال خير العمل الذي يبلغ الغايات هو رؤية التقصير والعجز والضعف قال وقال خير لا نسب اشرف من نسب من خلقه الله تعالى بيده فلم يعصمه ولا علم أشرف من علم من علمه الله الأسماء كلها فلم ينفعه في وقت جريان القدر والقضاء عليه ولا عبادة أتم ولا أكثر من عبادة إبليس لم ينجه ذلك من المسبوق عليه قال وقال خير توحيد كل مخلوق ناقص لقيامه بغيره وحاجته إلى غيره قال الله تعالى {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله} أي المحتاجون إليه في كل نفس {والله هو الغني} عنكم وعن توحيدكم وأفعالكم {الحميد} سورة فاطر الأيه 10 الذي يقبل منك مالا يحتاج إليه ويثيبك عليه ما تحتاج إليه قال وقال خير ميراث أفعالك ما يليق بأفعالك فاطلب ميراث فضله فإنه أتم وأحسن قال الله تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} يونس 58 قال وقال خير الخوف سوط الله في الأرض يقوم به أنفسا قد تعودت سوء الأدب ومتى ما أساءت الجوارح الأدب فهو من غفلة القلب وظلمة السر 58 - ومنهم أبو حمزة الخراساني وكان أصله من نيسابور من محلة ملقاباذ صحب مشايخ بغداد وهو من أقران الجنيد سافر مع أبي تراب النخشبي وأبي سعيد الخراز وهو من أفتى المشايخ وأورعهم سمعت أبا العباس البغدادي يقول سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول قال أبو حمزة الخراساني من نصح نفسه كرمت عليه ومن تشاغل عن نصيحتها هانت عليه وبهذا الإسناد قال سئل أبو حمزة الخراساني عن الأنس فقال ضيق الصدر عن معاشرة الخلق وبهذا الإسناد قال أبو حمزة الخراساني الغريب المستوحش من الإلف وبهذا الإسناد قال أبو حمزة الخراساني من استشعر ذكر الموت حبب إليه كل باق وبغض إليه كل فان وبهذا الإسناد قال أبو حمزة الخراساني العارف يخاف زوال ما أعطى والخائف يخاف نزول ما وعد والعارف يدافع عيشه يوما ليوم ويأخذ عيشه يوما ليوم وبهذا الإسناد سئل أبو حمزة الخراساني عن الصوفي فقال من صفى من كل درن فلم يبق فيه وسخ المخالفات بحال سمعت أبا العباس يقول سمعت أبا جعفر الفرغاني يقول قال أبو حمزة من استوحش من نفسه أنس قلبه بموافقة مولاه وبهذا الإسناد سمعت أبا حمزة وقد سأله رجل فقال أوصني فقال أبو حمزة هيئ زادك للسفر الذي بين يديك فكأني بك وأنت في جملة الراحلين عن منزلك وهيئ لنفسك منزلا تنزل فيه إذا نزل أهل الصفوة منازلهم لئلا تبقى متحسرا
وبهذا الإسناد قال أبو حمزة لبعض أصحابه خف سطوة العدل وارج رأفة الفضل ولا تأمن من مكره وإن أنزلك الجنان ففي الجنة وقع لأبيك آدم ما وقع وقد يقطع بقوم فيها فيقال لهم {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية} الحاقه 24 فشغلهم عنه بالأكل والشرب ولا مكر فوق هذا ولا حسرة أعظم منه وبهذا الإسناد قال أبو حمزة الخراساني من خصه الله تعالى بنظرة شفقة فإن تلك النظرة تنزله منازل أهل السعادة وتزينه بالصدق ظاهرا وباطنا وبهذا الإسناد سئل أبو حمزة الخراساني هل يتفرغ المحب إلى شيء سوى محبوبه فقال لا لأنه بلاء دائم وسرور متقطع وأوجاع متصلة لا يعرفها إلا من باشرها وأنشد (يقاسي المقاسي شجوه دون غيره ... وكل بلاء عند لاقيه أوجع) وبهذا الإسناد قال سمع أبو حمزة بعض أصحابه وهو يلوم بعض إخوانه على إظهار وجده وغلبة الحال عليه وإظهار سره في مجلس فيه بعض الأضداد فقال أبو حمزة أقصر يا أخي فالوجد الغالب يسقط التمييز ويجعل الأماكن كلها مكانا واحدا والأعيان عينا واحدة ولا لوم لمن غلب عليه وجده فاضطره إلى أن يبديه وما أحسن ما قال ابن الرومي (فدع المحب من الملامة إنها ... بئس الدواء لموجع مقلاق) (لا تطفئن جوى بلوم إنه ... كالريح يغري النار بالإحراق) 59 - ومنهم الصبيحي وهو الحسين بن عبد الله بن بكر وكنيته أبو عبد الله كان من أهل البصرة وقيل إنه لم يخرج من سرب في داره ثلاثين سنة يجتهد فيه ويتعبد أخرجه أهل البصرة منها فخرج إلى السوس فمات بها وبها قبره وكان عالما بعلوم القوم وبالاصول صنف كتبا للقوم وكان صاحب لسان وورع سمعت أبا الفتح القواس يقول قال أبو عبد الله الصبيحي السماع بالتصريح جفاء والسماع بالإشارة تكلف وألطفت السماع ما يشكل إلا على مستمعه وبهذا الإسناد سمعت الصبيحي وسئل عن اصول الدين فقال إثبات صدق الافتقار إلى الله تعالى وحسن الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وفروعه أربعة أشياء الوفاء بالعهود وحفظ الحدود والرضا بالموجود والصبر على المفقود وبهذا الإسناد قال أبو عبد الله الصبيحي الربوبية سبقت العبودية وبالربوبية ظهرت العبودية وتمام وفاء العبودية مشاهدة الربوبية سمعت أبا الفتح القواس يقول سمعت أبا عبد الله الصبيحي وسئل عن التسلي والانقطاع فقال لا يقطعك عن الشيء ما هو مثله أو دونه وإنما يقطعك عنه ما هو أتم وأعلى والنظر في عواقب الأمور من أحوال العاجزين والتقحم على الموارد من أحوال الرجال والخمود بالرضاء تحت موارد القضاء من أحوال العارفين وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول يجب أن يكون الواجد إذا كان وجده صحيحا أن يكون في حال وجده محفوظا لا يجري عليه لسان الذم بحال وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول المبقي في أوصافه يحوم حول الشرك لفرحه ببقائه فإنه أبدا يشاهد شاهده وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول الغريب هو البعيد عن وطنه وهو مقيم فيه وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول الغريب الذي لا جنس له وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي مرة أخرى يقول الغريب من صحب الأجناس وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول أتم الخوف ما كان على صفة الوجد لا على فقد ما يرجو أو يتمنى وبهذا الإسناد سمعت أبا عبد الله الصبيحي يقول ابتلى الخلائق بأسرهم بالدعاوي العريضة في المغيب فإذا أظلتهم هيبة المشهد خرسوا وانقمعوا وصاروا لا شيء ولو صدقوا في دعاواهم لبرزوا عند المشاهدة كما برز نبينا صلى الله عليه وسلم وتقدم الخلائق بقدم الصدق حين طلب إليه الشفاعة فقال أنا لها لم ترعه هيبة الموقف لما كان عليه من قدم الصدق وما أشبه هذه الدعاوي الباطلة إلا بقول بعضهم حيث يقول (ينوي العتاب له من قبل رؤيته ... فإن رآه فدمع العين مسكوب) (لا يستطيع كلاما حين يبصره ... كل اللسان وفي الأحشاء تلهيب)
وليس تخرس الألسنة في المشاهدة إلا لبعدها من الصدق فمن صدق في المحبة تكلم عنه الضمير إذا سكت عن النطق اللسان 60 - ومنهم أبو جعفر بن سنان وهو أحمد بن حمدان بن علي بن سنان من كبار مشايخ نيسابور صحب أبا عثمان ولقي أبا حفص وهو أحد الخائفين الورعين وبيته بيت الزهد والورع إلى أن انتهى الأمر وختم بحفيده ابن بنته أبي بشر محمد بن أحمد الحلاوي المقيم بمكة المجاور بها في آخر سفره عشرين سنة متوالية نعى إلينا أبو بشر في سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وكان مات في سنة ست بمكة وهو كان أوحد مشايخ الحرم في وقته ومات أبو جعفر سنة إحدى عشرة وثلاثمائة كتب الحديث الكثير ورواه أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان حدثنا أبي حدثنا أبو الأزهر حدثنا أسباط عن الشيباني قال سألت ابن أبي أوفى أرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم قلت بعد ما نزلت سورة النور أم قبلها قال لا أدري سمعت محمد بن أحمد بن حمدان أبا عمرو يقول سمعت أبي يقول من لزم العزلة والخلوة يكون أقل لفضيحته في الدنيا إلى أن يبلغ إلى فضيحة الآخرة وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان سئل بعض الحكماء من أين معاشك فقرأ {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} الإسراء 3 وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان لو أمرك بمعرفته ولم يتعرف إليك كنت أجهل به ممن أنكره وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان تكبر المطيعين على العصاة بطاعتهم شر من معاصيهم وأضر عليهم وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان غفلتك عن توبة من ذنب ارتكبته شر من ارتكابه وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان جمال الرجل في حسن مقاله وكماله في صدق فعاله وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان علامة من انقطع إلى الله على الحقيقة ألا يزد عليه ما يشغله عنه سمعت أبا عمرو يقول قال أبي أنت تبغض العاصي بذنب واحد تظنه ولا تبغض نفسك مع ما تتيقنه من ذنوبك وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان ذمك لأخيك بعيوبه يوقعك فيما تذمه وشر منه ولو وفقت لدعوت له ورحمته وخفت على نفسك من مثله وشكرت الله تعالى حيث لم يبلك بما بلاه به وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان من علم من نفسه ما يعلم ثم يحبها بعد ذلك فقد أحب ما أبغض الله تعالى وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان كبير الإساءة مع التوبة والندامة أصغر من صغيرها مع الإصرار لأن الله تعالى يقول {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} آل عمران 135 وقليل الإحسان مع الإخلاص أكثر من كثير الإحسان مع الرياء والعجب والآفات وبهذا الإسناد قال أبو جعفر بن سنان لا يعظم حرمات الله إلا من عظم الله ولا يعظ الله إلا من عرفه ومن عرفه خضع له وانقاد في خضوعه وخضوعه يتولد من تعظيمه لربه فاذا عظمه صغر كل ما سواه عنده فيتولد له من ذلك تعظيم حرمات المؤمنين وذلك لعظيم حرمة الله في قلبه أن يعظم كل من يطيع ربه أو يعرفه الطبقة الرابعة من أئمة الصوفية 61 - ومنهم أبو بكر الشبلي واسمه دلف يقال ابن جحدر ويقال ابن جعفر ويقال اسمه جعفر بن يونس سمعت الحسين بن يحيى الشافعي يذكر ذلك وكذلك رأيته ببغداد مكتوبا على قبره وهو خراساني الأصل بغدادي المنشأ والمولد وأصله من أسروشنة ومولده كما قيل سامرا تاب في مجلس خير النساج وصحب الجنيد ومن في عصره من المشايخ وصار أوحد وقته حالا وعلما وكان عالما فقيها على مذهب مالك عاش سبعا وثمانين سنة ومات في ذي الحجة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة ودفن في مقبرة الخيزران وقبره اليوم ظاهر كتب الحديث الكثير ورواه
حدثنا عبد الواحد بن العباس حدثنا علي بن الجمال قال سمعت أبا بكر الشبلي يقول حدثنا محمد بن مهدي المصري حدثنا عمرو بن أبي سلمة حدثنا صدقة بن عبد الله عن طلحة بن زيد عن أبي فروة الرهاوي عن عطاء عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال (الق الله فقيرا ولا تلقه غنيا) قال يا رسول الله كيف لي بذلك قال (ما سئلت فلا تمنع وما رزقت فلا تخبأ) قال يا رسول الله كيف لي بذاك قال (هو ذاك وإلا فالنار) سمعت منصور بن عبد الله الهروي يقول سمعت الشبلي وقيل له إن أبا تراب ذكر أنه جاع في البادية فرأى البادية كلها طعاما فقال عبد رفق ولو بلغ إلى محل التحقيق لكان كمن قال إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت عمر المزوق يقول سمعت الشبلي وسئل عن الوفاء فقال هو الإخلاص بالنطق واستغراق السرائر بالصدق سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت الشبلي يقول ما ظنك بعلم علم العلماء فيه تهمة وسمعته يقول كان الشبلي إذا نظر إلى أصحابه يسافرون ويرى تقطعهم في أسفارهم يقول ويلكم أبد مما ليس منه بد بل بد ممن ليس منه بد وسمعته يقول سمعت الشبلي يقول الأرواح تلطفت فتعلقت عند لذعات الحقيقة فلم تر غير الحق معبودا يستحق العبادة فأيقنت أن المحدث لا يدرك القديم بصفات معلولة فإذ صفاه الحق أوصله إليه فيكون الحق أوصله إليه ولا وصل هو سمعت أبا القاسم النصراباذي يقول سمعت الشبلي يقول التصوف ضبط حواسك ومراعاة أنفاسك سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت الشبلي يقول التصوف التآلف والتعاطف وسمعته يقول سمعت محمد بن الفضل يقول سمعت الشبلي وسئل متى يكون الرجل مريدا فقال إذا استوت حاله في السفر والحضر والمشهد والمغيب سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول سمعت الشبلي يقول أنتم منكم مخفوضة وأنا مني منصوبة سمعت أبا القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي يقول كنت واقفا يوما على حلقة الشبلي فجعل يبكي ولا يتكلم فقال رجل يا أبا بكر ما هذا البكاء كله فأنشأ يقول (إذا عاتبته أو عاتبوه ... شكا فعلي عدد سيئاتي) (أيا من دهره غضب وسخط ... أما أحسنت يوما في حياتي) سمعت أبا سعيد الرازي يقول سمعت الشبلي وسئل عن الزهد فقال تحويل القلب من الأشياء إلى رب الأشياء قال وسمعت الشبلي يقول من عرف الله خضع له كل شيء لأنه عاين أثر ملكه فيه وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي وسئل ما الدنيا فقال قدر تغلي وكنيف يملأ وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي وسئل بم يقمع الهوى فقال برياضات الطباع وكشف القناع وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول ليس يخطر الكون ببالي وكيف يخطر الكون ببال من عرف المكون سمعت أبا العباس محمد بن الحسن بن الخشاب يقول سمعت بعض أصحاب الشبلي يقول رأيت الشبلي في المنام فقلت له يا أبا بكر من أسعد أصحابك بصحبتك فقال أعظمهم لحرمات الله وألهجهم بذكر الله واقومهم بحق الله وأسرعهم مبادرة في مرضاة الله وأعرفهم بنقصانه وأكثرهم تعظيما لما عظم الله من حرمة عباده وسمعت أبا سعيد الرازي يقول قال رجل للشبلي ادع الله لي فأنشأ يقول (مضى زمن والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع) وسمعته يقول قيل للشبلي نراك جسيما بدينا والمحبة تضني فأنشأ يقول (أحب قلبي وما درى بدني ... ولو درى ما أقام في السمن) سمعت عبد الواحد بن بكر يقول سمعت عمر بن عبد الله يقول سمعت الشبلي يقول لو قبلني العالم بمن فيه لكانت مصيبة علي إذ لو لم يكن شربهم شربي وذوقهم ذوقي لم يقبلوني
وسمعت أبا نصر الطوسي يقول سمعت الحصري يقول سمعت الشبلي يقول أعمى الله بصرا يراني ولا يرى في آثار القدرة فأنا أحد آثار القدرة وأحد شواهد العزة لقد ذللت حتى عز في ذلي كل ذل وعززت حتى ما تعزز أحد إلا بي أو بمن تعززت به وما افترقنا وكيف نفترق ولم يجر علينا حال الجمع أبدا سمعت أبا العباس النسوي يقول سمعت السيرواني يقول سمعت الشبلي يقول ليكن همك معك لا يتقدم ولا يتأخر وسمعته يقول سمعت أبا علي الجعفري يقول سمعت بعض المشايخ يقول سمعت إبراهيم بن ظريف يقول قال الجنيد للشبلي لو رددت أمرك إلى الله لاسترحت فقال الشبلي يا أبا القاسم لو رد الله أمرك إليك لاسترحت فقال الجنيد سيوف الشبلي تقطر دما سمعت عبد الله بن علي البغدادي يقول سمعت الشبلي يقول سهو طرفة عين عن الله لأهل المعرفة شرك بالله وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي الفرح بالله أولى من الحزن بين يدي الله وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول قلوب أهل الحق طائرة إليه بأجنحة المعرفة ومستبشرة إليه بموالاة المحبة وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول الحرية هي حرية القلب لا غير وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول ليس من احتجب بالخلق عن الحق كمن احتجب بالحق عن الخلق وليس من جذبته أنوار قدسه إلى أنسه كمن جذبته أنوار رحمته إلى مغفرته سمعت الحسين بن عبد الله يقول سمعت أحمد الخلقاني يقول كثيرا ما كان الشبلي يقول (ولي فيك يا حسرتي حسرة ... تقضي حياتي وما تنقضي) سمعت الشيخ أبا سهل محمد بن سلمان يقول سمعت الشبلي يقول أحبك الخلق لنعمائك وأنا أحبك لبلائك وبهذا الإسناد قال سمعت الشبلي يقول من كان بالحق تلفه كان الحلق خلقه سمعت أبا القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي قال كنا يوما في بيت الشبلي فأخر العصر ونظر إلى الشمس وقد تدلت للغروب فقال الصلاة يا سادتي وقام فصلى ثم أنشأ يقول ملاعبة وهو يضحك ما أحسن قول من قال (نسيت اليوم من عشقي صلاتي ... فلا أدري غداتي من عشائي) (فذكرك سيدي أكلي وشربي ... ووجهك إن رأيت شفاء دائي) وبهذا الإسناد قال رؤى الشبلي في يوم عيد خارجا من المسجد وهو يقول (إذا ما كنت لي عيدا ... فما أصنع بالعيد) (جرى حبك في قلبي ... كجري الماء في العود) سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت الشبلي يقول ما أحوج الناس إلى سكرة فقلت يا سيدي أي سكرة فقال سكرة تغنيهم عن ملاحظة أنفسهم وأفعالهم وأحوالهم وأنشأ يقول (وتحسبني حيا وإني لميت ... وبعضي من الهجران يبكي على بعض) وأنشدنا أبو بكر الرازي قال أنشدنا أبو بكر الشبلي (إني وإياه لفي الحب صادق ... نموت بما نهوى جميعا ولا ندى) وبهذا الإسناد قال الشبلي (ومن أين لي أين وإني كما ترى ... أعيش بلا قلب وأسعى بلا قصد) سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول سمعت أبا الطيب العكي يقول جاء رجل إلى الشبلي فقال كم تهلك نفسك بهذه الدعاوي ولا تدعها فأنشأ يقول متمثلا (إني وإن كنت قد أسأت بي اليوم ... لراج العطف منك غدا) (أستدفع الوقت بالرجاء وإن ... لم أر منك ما أرتجي أبدا) (أعز نفسي بكم وأخدعها ... نفس ترى الغي فيكم رشدا) سمعت أبا القاسم عبد الله بن محمد الدمشقي يقول كنت واقفا على حلقة الشبلي في جامع المدينة فوقف سائل على حلقته وجعل يقول يا الله يا جواد فتأوه الشبلي وصاح فقال كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود ومخلوق يقول في شكله (تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله) (تراك إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله) (ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله) (هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله)
ثم بكى وقال بلى يا جواد فأنك أوجدت تلك الجوارح وبسطت تلك الهمم ثم مننت بعد ذلك على أقوام بعز الاستغناء عنهم وعما في أيديهم بك فإنك الجواد كل الجواد لأنهم يعطون عن محدود وعطاؤك لا حد له ولا صفة فيا جواد يعلو كل جواد وبه جاد كل من جاد قال وسمعته يقول رفع الله قدر الوسائط بعلو هممهم فلو أجرى على الأولياء ذرة مما كشف للأنبياء لبطلوا وتقطعوا قال أبو القاسم وكنت يوما في حلقته فسمعته يقول الحق يفنى بما به يبقى ويبقى بما به يفنى يفنى بما فيه بقاء ويبقى بما فيه فناء فإذا أفنى عبدا عن إياه أوصله به وأشرفه على أسراره وبكى وأنشد على أثره (لها في طرفها لحظات سحر ... تميت بها وتحيي من يريد) (وتسبي العالمين بمقلتيها ... كأن العالمين لها عبيد) (ألاحظها فتعلم ما بقلبي ... وألحظها فتعلم ما أريد) قال وسأله سائل هل يتحقق العارف بما يبدو له فقال كيف يتحقق بما لا يثبت وكيف يطمئن إلى ما لا يظهر وكيف يأنس بما يخفى فهو الظاهر الباطن الباطن الظاهر ثم أنشأ يقول (فمن كان في طول الهوى ذاق سلوة ... فإني من ليلي لها غير ذائق) (وأكثر شيء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كلمحة بارق) قال وقال الشلبي كيف يصح لك التوحيد وكلما أبصرت شيئا اسرك قال وقال رجل للشبلي هل شاهده أحد بحقيقته فقال الحقيقة بعيدة ولكن ظنون وأماني وحسبان وأنشد (وكذبت طرفي فيك والطرف صادق ... وأسمعت أذني منك ما ليس تسمع) (ولم أسكن الأرض التي تسكنونها ... لكيلا يقولوا إنني بك مولع) (فلا كبدي تهدا ولا لك رحمة ... ولا عنك إقصاء ولا فيك مطمع) فإذا تراءى له تحقيق حال شوشه بالتلبيس والإشكال سمعت ابا القاسم عبد الله بن علي البصري يقول قال رجل للشبلي إلى ماذا تستريح قلوب المشتاقين قال إلى سرور من اشتاقوا إليه وموافقته وأنشد (أسر بمهلكي فيه لأني ... أسر بما يسر الألف جدا) (ولو سئلت عظامي عن بلاها ... لأنكرت البلى وسمعت جحدا) (ولو أخرجت من سقمي لنادي ... لهيب الشوق بي يسأله ردا) وسمعت عبد الله يقول سئل الشبلي وأنا حاضر إلى ماذا تحن قلوب أهل المعارف فقال إلى بدايات ما جرى لهم في الغيب من حسن العناية في الحضرة بغيبتهم عنها وأنشأ يقول (سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ... ما كان قلبي للصبابة معهدا) 62 - ومنهم المرتعش وهو أبو محمد عبد الله بن محمد المرتعش النيسابوري من محلة الحيرة صحب أبا حفص الحداد وأبا عثمان الحداد ولقي الجنيد وصحبه وأقام ببغداد حتى صار أحد مشايخ العراق وأئمتهم حتى قال أبو عبد الله الرازي كان مشايخ العراق يقولون عجائب بغداد في التصوف ثلاث إشارات الشبلي ونكت المرتعش وحكايات جعفر الخلدي وكان يقيم في مسجد الشونيزية مات ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا محمد المرتعش يقول سكون القلب إلى غير المولى تعجيل عقوبة من الله في الدنيا قال وقال المرتعش ذهبت حقائق الأشياء وبقيت أسماؤها فالأسماء موجودة والحقائق مفقودة والدعاوي في السرائر مكنونة والألسنة بها فصيحة والأمور عن حقوقها مصروفة وعن قريب تفقد هذه الألسنة وهذه الدعاوي فلا يوجد لسان ناطق ولا مدع مطنب سمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول سمعت المرتعش يقول ما توجهت إلى الله تعالى بسر خاصي إلا في ظاهر عامي سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول كنت عند المرتعش قاعدا فقال رجل قد طال الليل وطاب الهواء فنظر إليه المرتعش وسكت ساعة ثم قال لا أدري ما تقول غير أني أقول ما سمعت بعض القوالين في بعض هذه الليالي يغني ويقول (لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتلقى) (لو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعى النجوم كنت مخلى) (إن للعاشقين عن قصر الليل ... وعن طوله من الوجد شغلا)
قال فبكى من حضره واستدلوا بذلك على عمارة أوقاته وبهذا الإسناد قال المرتعش الوسوسة تؤدي إلى الحيرة والإلهام يؤدي إلى زيادة فهم وبيان وبهذا الإسناد قال المرتعش أصول التوحيد ثلاثة اشياء معرفة الله تعالى بالربوبية والإقرار له بالوحدانية ونفي الأنداد عنه جملة وبهذا الإسناد قال المرتعش أفضل الأعمال تصحيح العبودية على المشاهدة وملازمة الخدمة على السنة وبهذا الإسناد قال سئل المرتعش بماذا ينال العبد حب الله تعالى فقال ببغض ما أبغض الله وهي الدنيا والنفس وبهذا الإسناد قال سئل المرتعش مرة أخرى بماذا ينال العبد المحبة قال بموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ثم نظر إلى بعض جلسائه فقال أنشدني الأبيات التي كنت أنشدتنيها أمس فأنشأ الرجل يقول (أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم) (وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم) وبهذا الإسناد قال المرتعش تصحيح المعاملات كلها بشيئين وهما الصبر والإخلاص الصبر عليها والإخلاص فيها وبهذا الإسناد قال المرتعش الإرادة حبس النفس عن مراداتها والإقبال على أوامر الله والرضا بموارد القضاء عليه وبهذا الإسناد قال رجل للمرتعش إن فلانا يمشي على الماء فقال عندي أن من مكنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم من المشي على الماء وفي الهواء وبهذا الإسناد قال المرتعش المسلم محبوب إلى الخلق والمؤمن غني عن الخلق سمعت أحمد بن علي بن جعفر يقول سئل المرتعش عن التصوف فقال الإشكال والتلبيس والكتمان ثم أنشأ يقول (سري وسرك لم يعلم به أحد ... إلا الجليل ولم ينطق به نطق) سمعت الشيخ أبا سهل محمد بن سليمان الفقيه يقول قال رجل للمرتعش أوصني فقال اذهب إلى من هو خير لك مني ودعني إلى من هو خير لي منك وبهذا الإسناد قال جاء رجل إلى المرتعش فقال أي الأعمال أفضل فقال رؤية فضل الله وأنشأ يقول (إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم) سمعت ابا الفرج بن الصائغ يقول رؤى المرتعش في العشر الأواخر خارجا من المسجد الجامع فقيل له ما الذي أخرجك من المسجد فقال مشاهدة القراء وتعظيم طاعاتهم عندهم وبهذا الإسناد قال المرتعش من ظن أن أفعاله تنجيه من النار أو تبلغه الرضوان فقد جعل لنفسه ولفعله خطرا ومن اعتمد على فضل الله بلغه الله إلى اقصى منازل الرضوان قال الله تعالى {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} يونس 58 وبهذا الإسناد قال المرتعش اعتمد على ضمان الله لك في رزقك واجتهد في أداء ما افترضه عليك تكن من خواصه وبهذا الإسناد قال المرتعش السكون إلى الأسباب يقطع القلوب عن الاعتماد على المسبب 63 - ومنهم أبو علي الروذباري واسمه أحمد بن محمد بن القاسم ابن منصور بن شهريار بن مهرذاذاز بن فرغدد بن كسرى كذا ذكره لي عبد الله بن علي قال سمعت أبا عبد الله أحمد بن عطاء الروذباري يقول ذلك وهو من أهل بغداد سكن مصر وصار شيخها ومات بها صحب أبا القاسم الجنيد وأبا الحسين النوري وأبا حمزة وحسنا المسوحي ومن في طبقتهم من مشايخ بغداد وصحب بالشام ابن الجلاء وكان عالما فقيها عارفا بعلم الطريقة حافظا للحديث توفي سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة كذلك ذكره لي الحسين بن أحمد الرازي وأسند الحديث أخبرنا أبو الفضل نصر بن محمد بن يعقوب الطوسي قال حدثنا قسيم بن أحمد غلام الرقاق حدثنا أبو علي الروذباري الصوفي حدثنا يوسف حدثنا الحسين بن نصر عن ورقاء عن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى {يخافون ربهم من فوقهم} النحل 50 ذاك مخافة الإجلال