Qur'an&Sunnahالقرآن

Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi)

محمد بن محمد الغزالي أبو حامد · AR

قسم V01/P141–V01/P143Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi) (s. V01/P141–V01/P143)

ومثاله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بينما هو جالس إذ ضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر رضي الله عنه بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما الذي أضحكك قال رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما يا رب خذ لي مظلمتي من هذا فقال الله عز وجل رد على أخيك مظلمته فقال يا رب لم يبق لي من حسناتي شيء فقال عز وجل للطالب كيف تصنع بأخيك لم يبق من حسناته شيء فقال يا رب فليحمل عني من أوزاري ثم فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء وقال إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم قال فيقول الله عز وجل للمتظلم ارفع بصرك فانظر في الجنان فقال يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لأي صديق أو لأي شهيد قال الله عز وجل هذا لمن أعطى الثمن قال يا رب ومن يملك ذلك قال أنت تملكه قال بماذا يا رب قال بعفوك عن أخيك قال يا رب قد عفوت عنه قال الله عز وجل خذ بيد أخيك فأدخله الجنة ثم قال صلى الله عليه وسلم اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله تبارك وتعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة فهذا سبيل الانتصاف والإنصاف ولا يقدر على مثله إلا رب الأرباب وأوفر العباد حظا من هذا الاسم من ينتصف أولا من نفسه ثم لغيره من غيره ولا ينتصف لنفسه من غيره الجامع هو المؤلف بين المتماثلات والمتباينات والمتضادات أما جمع الله المتماثلات فكجمعه الخلق الكثير من الإنس على ظهر الأرض وكحشره إياهم في صعيد القيامة وأما المتباينات فكجمعه بين السموات والكواكب والهواء والأرض والبحار والحيوانات والنبات والمعادن المختلفة كل ذلك متباين الأشكال والألوان والطعوم والأوصاف وقد جمعها في الأرض وجمع بين الكل في العالم وكذلك جمعه بين العظم والعصب والعرق والعضلة والمخ والبشرة والدم وسائر الأخلاط في بدن الحيوان وأما المتضادات فكجمعه بين الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة في أمزجة الحيوانات وهي متنافرات متعاديات وذلك أبلغ وجوه الجمع وتفصيل جمعه لا يعرفه إلا من يعرف تفصيل مجموعاته في الدنيا والآخرة وكل ذلك مما يطول شرحه تنبيه الجامع من العباد من جمع بين الآداب الظاهرة في الجوارح وبين الحقائق الباطنة في القلوب فمن كملت معرفته وحسنت سيرته فهو الجامع ولذلك قيل الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه وكان الجمع بين الصبر والبصيرة متعذر لذلك ترى صبورا على الزهد والورع لا بصيرة له وترى ذا بصيرة لا صبر له والجامع من جمع بين الصبر والبصيرة والسلام الغني المغني الغني هو الذي لا تعلق له بغيره لا في ذاته ولا في صفات ذاته بل يكون منزها عن العلاقة مع الأغيار فمن تتعلق ذاته أو صفات ذاته بأمر خارج من ذاته يتوقف عليه وجوده أو كماله فهو فقير محتاج إلى الكسب ولا يتصور ذلك إلا لله سبحانه وتعالى والله عز وجل هو المغني أيضا ولكن الذي أغناه لا يتصور أن يصير بإغنائه غنيا مطلقا فإن أقل أموره أنه محتاج إلى المغني فلا يكون غنيا بل يستغني عن غير الله بأن يمده بما يحتاج إليه لا بأن يقطع عنه أصل الحاجة والغني الحقيقي هو الذي لا حاجة له إلى أحد أصلا والذي يحتاج ومعه ما يحتاج فهو غني بالمجاز وهو غاية ما يدخل في الإمكان في حق غير الله سبحانه وتعالى وأما فقد الحاجة فلا ولكن إذا لم يبق حاجة إلا إلى الله تعالى سمي غنيا ولو لم يبق له أصل الحاجة لما صح قوله تعالى والله الغني وأنتم الفقراء 47 سورة محمد الآية 38 ولولا أنه يتصور أن يستغني عن كل شيء سوى الله عز وجل لما صح لله تعالى وصف المغني المانع

قسم V01/P143–V01/P146Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi) (s. V01/P143–V01/P146)

هو الذي يرد أسباب الهلاك والنقصان في الأديان والأبدان بما يخلقه من الأسباب المعدة للحفظ وقد سبق معنى الحفيظ وكل حفظ فمن ضرورته منع ودفع فمن فهم معنى الحفيظ فهم معنى المانع والمنع إضافة إلى السبب المهلك والحفظ إضافة إلى المحروس عن الهلاك وهو مقصود المنع وغايته إذ المنع يراد للحفظ والحفظ لا يراد للمنع فكل حافظ مانع وليس كل مانع حافظا إلا إذا كان مانعا مطلقا لجميع أسباب الهلاك والنقص حتى يحصل الحفظ من ضرورته الضار النافع هو الذي يصدر منه الخير والشر والنفع والضر وكل ذلك منسوب إلى الله تعالى إما بواسطة الملائكة والإنس والجمادات أو بغير واسطة فلا تظنن أن السم يقتل ويضر بنفسه وأن الطعام يشبع وينفع بنفسه وأن الملك والإنسان والشيطان أو شيئا من المخلوقات من فلك أو كوكب أو غيرهما يقدر على خير أو شر أو نفع أو ضر بنفسه بل كل ذلك أسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له وجملة ذلك بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم بالإضافة إلى الكاتب في اعتقاد العامي وكما أن السلطان إذا وقع بكرامة أو عقوبة لم ير ضرر ذلك ولا نفعه من القلم بل من الذي القلم مسخر له فكذلك سائر الوسائط والأسباب وإنما قلنا في اعتقاد العامي لأن الجاهل هو الذي يرى القلم مسخرا للكاتب والعارف يعلم أنه مسخر في يده لله سبحانه وتعالى وهو الذي الكاتب مسخر له فإنه مهما خلق الكاتب وخلق له القدرة وسلط القدرة وسلط عليه الداعية الجازمة التي لا تردد فيها صدر منه حركة الأصابع والقلم لا محالة شاء أم أبى بل لا يمكنه أن لا يشاء فإذا الكاتب بقلم الإنسان ويده هو الله تعالى وإذا عرفت هذا في الحيوان المختار فهو في الجماد أظهر النور هو الظاهر الذي به كل ظهور فإن الظاهر في نفسه المظهر لغيره يسمى نورا ومهما قوبل الوجود بالعدم كان الظهور لا محالة للوجود ولا ظلام أظلم من العدم فالبريء عن ظلمة العدم بل عن إمكان العدم المخرج كل الأشياء من ظلمة العدم إلى ظهور الوجود جدير بأن يسمى نورا والوجود نور فائض على الأشياء كلها من نور ذاته فهو نور السموات والأرض وكما أنه لا ذرة من نور الشمس إلا وهي دالة على وجود الشمس المنورة فلا ذرة من موجودات السموات والأرض وما بينهما إلا وهي بجواز وجودها دالة على وجوب وجود موجدها وما ذكرناه في معنى الظاهر يفهمك معنى النور ويغنيك عن التعسفات المذكورة في معناه الهادي هو الذي هدى خواص عباده أولا إلى معرفة ذاته حتى استشهدوا بها على الأشياء وهدى عوام عباده إلى مخلوقاته حتى استشهدوا بها على ذاته وهدى كل مخلوق إلى ما لا بد له منه في قضاء حاجاته فهدى الطفل إلى التقام الثدي عند انفصاله والفرخ إلى التقاط الحب وقت خروجه والنحل إلى بناء بيته على شكل التسديس لكونه أوفق الأشكال لبدنه وأحواها وأبعدها عن أن يتخللها فرج ضائعة وشرح ذلك يطول وعنه عبر قوله تعالى الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى 20 سورة طه الآية 50 وقال تعالى والذي قدر فهدى 87 سورة الأعلى الآية 3 والهداة من العباد الأنبياء والعلماء الذين أرشدوا الخلق إلى السعادة الأخروية وهدوهم إلى صراط الله المستقيم بل الله الهادي لهم على ألسنتهم وهم مسخرون تحت قدرته وتدبيره البديع هو الذي لا عهد بمثله فإن لم يكن بمثله عهد لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في كل أمر راجع إليه فهو البديع المطلق وإن كان شيء من ذلك معهودا فليس ببديع مطلق ولا يليق هذا الاسم مطلقا إلا بالله سبحانه وتعالى فإنه ليس له قبل فيكون مثله معهودا قبله وكل موجود بعده فحاصل بإيجاده وهو غير مناسب لموجده فهو بديع أزلا وأبدا وكل عبد اختص بخاصية في النبوة أو الولاية أو العلم لم يعهد مثلها إما في سائر الأوقات وإما في عصره فهو بديع بالإضافة إلى ما هو منفرد به وفي الوقت الذي هو منفرد فيه الباقي

قسم V01/P146–V01/P149Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi) (s. V01/P146–V01/P149)

هو الموجود الواجب وجوده بذاته ولكنه إذا أضيف في الذهن إلى الاستقبال سمي باقيا وإذا أضيف إلى الماضي سمي قديما والباقي المطلق هو الذي لا ينتهي تقدير وجوده في الاستقبال إلى آخر ويعبر عنه بأنه أبدي والقديم المطلق هو الذي لا ينتهي تمادي وجوده في الماضي إلى أول ويعبر عنه بأنه أزلي وقولك واجب الوجود بذاته متضمن لجميع ذلك وإنما هذه الأسامي بحسب إضافة هذا الوجود في الذهن إلى الماضي والمستقبل وإنما يدخل في الماضي والمستقبل المتغيرات لأنهما عبارتان عن الزمان ولا يدخل في الزمان إلا التغير والحركة إذ الحركة إنما تنقسم إلى ماض ومستقبل والمتغير يدخل في الزمان بواسطة التغير فما جل عن التغير والحركة فليس في زمان فليس فيه ماض ومستقبل فلا ينفصل فيه القدم عن البقاء بل الماضي والمستقبل إنما يكون لنا إذ مضى علينا وفينا أمور وستتجدد أمور ولا بد من أمور تحدث شيئا بعد شيء حتى تنقسم إلى ماض قد انعدم وانقطع وإلى راهن حاضر وإلى ما يتوقع تجدده من بعد فحيث لا تجدد ولا انقضاء فلا زمان وكيف لا والحق سبحانه وتعالى قبل الزمان وحيث خلق الزمان لم يتغير من ذاته شيء وقبل خلق الزمان لم يكن للزمان عليه جريان وبقي بعد خلق الزمان على ما عليه كان ولقد أبعد من قال البقاء صفة زائدة على ذات الباقي وأبعد منه من قال القدم وصف زائد على ذات القديم وناهيك برهانا على فساده ما لزمه من الخبط في بقاء البقاء وبقاء الصفات وقدم القدم وقدم الصفات الوارث هو الذي يرجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك وذلك هو الله سبحانه وتعالى إذ هو الباقي بعد فناء الخلق وإليه مرجع كل شيء ومصيره وهو القائل إذ ذاك لمن الملك اليوم 40 سورة غافر الآية 16 وهو المجيب لله الواحد القهار 40 سورة غافر الآية 16 وهذا بحسب ظن الأكثرين إذ يظنون لأنفسهم ملكا وملكا فينكشف لهم ذلك اليوم حقيقة الحال وهذا النداء عبارة عن حقيقة ما ينكشف لهم في ذلك الوقت فأما أرباب البصائر فإنهم أبدا مشاهدون لمعنى هذا النداء سامعون له من غير صوت ولا حرف موقنون بأن الملك لله الواحد القهار في كل يوم وفي كل ساعة وفي كل لحظة وكذلك كان أزلا وأبدا وهذا إنما يدركه من أدرك حقيقة التوحيد في الفعل وعلم أن المنفرد بالفعل في الملك والملكوت واحد وقد أشرنا إلى ذلك في أول كتاب التوكل من كتاب إحياء علوم الدين فليطلب منه فإن هذا الكتاب لا يحتمله الرشيد هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سنن السداد من غير إشارة مشير وتسديد مسدد وإرشاد مرشد وهو الله سبحانه وتعالى ورشد كل عبد بقدر هدايته في تدابيره إلى ما يشاكل الصواب من مقاصده ودينه ودنياه الصبور هو الذي لا تحمله العجلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه بل ينزل الأمور بقدر معلوم ويجريها على سنن محدود لا يؤخرها على آجالها المقدورة لها تأخير متكاسل ولا يقدمها على أوقاتها تقديم مستعجل بل يودع كل شيء في أوانه على الوجه الذي يجب أن يكون وكما ينبغي وكل ذلك من غير مقاساة داع على مضادة الإرادة وأما صبر العبد فلا يخلو عن مقاساة لأن معنى صبره هو ثبات داعي الدين أو العقل في مقابلة داعي الشهوة أو الغضب فإذا تجاذبه داعيان متضادان فدفع الداعي إلى الإقدام والمبادرة ومال إلى باعث التأخير سمي صبورا إذ جعل باعث العجلة مقهورا وباعث العجلة في حق الله سبحانه معدوم فهو أبعد عن العجلة ممن باعثه موجود ولكنه مقهور فهو أحق بهذا الاسم بعد أن أخرجت عن الاعتبار تناقض البواعث ومصابرتها بطريق المجاهدة خاتمة لهذا الفصل واعتذار

قسم V01/P149–V01/P151Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi) (s. V01/P149–V01/P151)

اعلم أنه إنما حملني على ذكر هذه التنبيهات ردف هذه الأسامي والصفات قول رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلقوا بأخلاق الله تعالى وقوله عليه الصلاة والسلام إن لله كذا وكذا خلقا من تخلق بواحد منها دخل الجنة وما تداولته ألسنة الصوفية من كلمات تشير إلى ما ذكرناه لكن على وجه يوهم عند غير المحصل شيئا من معنى الحلول والاتحاد وذلك غير مظنون بعاقل فضلا عن المتميزين بخصائص المكاشفات ولقد سمعت الشيخ أبا علي الفارمذي يحكي عن شيخه أبي القاسم الكركاني قدس الله روحهما أنه قال إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك وهو بعد في السلوك غير واصل وهذا الذي ذكره إن أراد به شيئا يناسب ما أوردناه فهو صحيح ولا يظن به إلا ذلك ويكون في اللفظ نوع من التوسع والاستعارة فإن معاني الأسماء هي صفات الله تعالى وصفاته لا تصير صفة لغيره ولكن معناه أنه يحصل له ما يناسب تلك الأوصاف كما يقال فلان حصل علم أستاذه وعلم الأستاذ لا يحصل للتلميذ بل يحصل له مثل علمه وإن ظن ظان أن المراد به ليس ما ذكرناه فهو باطل قطعا فإني أقول قول القائل إن معاني أسماء الله سبحانه وتعالى صارت أوصافا له لا يخلو إما أن يعني به عين تلك الصفات أو مثلها فإن عنى به مثلها فلا يخلو إما عنى به مثلها مطلقا من كل وجه وإما أنه عنى به مثلها من حيث الاسم والمشاركة في عموم الصفات دون خواص المعاني فهذان قسمان وإن عنى به عينها فلا يخلو إما أن يكون بطريق انتقال الصفات من الرب إلى العبد أو لا انتقال فإن لم يكن بالانتقال فلا يخلو إما أن يكون باتحاد ذات العبد بذات الرب حتى يكون هو هو فتكون صفاته وإما أن يكون بطريق الحلول وهذه أقسام ثلاثة وهو الانتقال والاتحاد والحلول وقسمان مقدمان فهذه خمسة أقسام الصحيح منها قسم واحد وهو أن يثبت للعبد من هذه الصفات أمور تناسبها على الجملة وتشاركها في الاسم ولكن لا تماثلها مماثلة تامة كما ذكرناه في التنبيهات وأما القسم الثاني وهو أن يثبت له أمثالها على التحقيق فمحال فإن من جملته أن يكون له علم محيط بجميع المعلومات حتى لا يعزب عنه ذرة في الأرض ولا في السموات وأن يكون له قدرة واحدة تشمل جميع المخلوقات حتى يكون هو بها خالق الأرض والسموات وما بينهما وكيف يتصور هذا لغير الله تعالى وكيف يكون العبد خالق السموات والأرض وما بينها وهو من جملة ما بينهما فكيف يكون خالق نفسه ثم إن ثبتت هذه الصفات لعبدين يكون كل واحد منهما خالق صاحبه فيكون كل واحد خالقا من خلقه وكل ذلك ترهات ومحالات وأما القسم الثالث وهو انتقال عين صفات الربوبية فهو أيضا محال لأن الصفات يستحيل مفارقتها للموصوفات وهذا لا يختص بالذات القديمة بل لا يتصور أن ينتقل عين علم زيد إلى عمرو بل لا قيام للصفات إلا بخصوص الموصوفات ولأن الانتقال يوجب فراغ المنتقل عنه فيوجب أن تعرى الذات التي عنها انتقال الصفات الربوبية فتعرى عن الربوبية وصفاتها وذلك أيضا ظاهر الاستحالة وأما القسم الرابع وهو الاتحاد فذلك أيضا أظهر بطلانا لأن قول القائل إن العبد صار هو الرب كلام متناقض في نفسه بل ينبغي أن ينزه الرب سبحانه وتعالى عن أن يجري اللسان في حقه بأمثال هذه المحالات ونقول قولا مطلقا إن قول القائل إن شيئا صار شيئا آخر محال على الإطلاق لأنا نقول إذا عقل زيد وحده وعمرو وحده ثم قيل إن زيدا صار عمروا واتحد به فلا يخلو عند الاتحاد إما أن يكون كلاهما موجودين أو كلاهما معدومين أو زيد موجودا وعمرو معدوما أو بالعكس ولا يمكن قسم وراء هذه الأربعة

قسم V01/P151–V01/P153Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi) (s. V01/P151–V01/P153)

فإن كانا موجودين فلم يصر عين أحدهما عين الآخر بل عين كل واحد منهما موجود وإنما الغاية أن يتحد مكانهما وذلك لا يوجب الاتحاد فإن العلم والإرادة والقدرة قد تجتمع في ذات واحدة ولا تتباين محالها ولا تكون القدرة هي العلم ولا الإرادة ولا يكون قد اتحد البعض بالبعض وإن كان معدومين فما اتحدا بل عدما ولعل الحادث شيء ثالث وإن كان أحدهما معدوما والآخر موجودا فلا اتحاد إذ لا يتحد موجود بمعدوم فالاتحاد بين شيئين مطلقا محال وهذا جار في الذوات المتماثلة فضلا عن المختلفة فإنه يستحيل أن يصير هذا السواد ذاك السواد كما يستحيل أن يصير هذا السواد ذلك البياض أو ذلك العلم والتباين بين العبد والرب أعظم من التباين بين السواد والبياض والجهل والعلم فأصل الاتحاد إذا باطل وحيث يطلق الاتحاد ويقال هو هو لا يكون إلا بطريق التوسع والتجوز اللائق بعادة الصوفية والشعراء فإنهم لأجل تحسين موقع الكلام من الإفهام يسلكون سبيل الاستعارة كما يقول الشاعر أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا وذلك مؤول عند الشاعر فإنه لا يعني به أنه هو تحقيقا بل كأنه هو فإنه مستغرق الهم به كما يكون هو مستغرق الهم بنفسه فيعبر عن هذه الحالة بالاتحاد على سبيل التجوز وعليه ينبغي أن يحمل قول أبي يزيد رحمه الله حيث قال انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها فنظرت فإذا أنا هو ويكون معناه أن من ينسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها فلا يبقى فيه متسع لغير الله ولا يكون له همة سوى الله سبحانه وتعالى وإذا لم يحل في القلب إلا جلال الله وجماله حتى صار مستغرقا به يصير كأنه هو لا أنه هو تحقيقا وفرق بين قولنا كأنه هو وبين قولنا هو هو لكن قد يعبر بقولنا هو هو عن قولنا كأنه هو كما أن الشاعر تارة يقول كأني من أهوى وتارة يقول أنا من أهوى وهذه مزلة قدم فإن من ليس له قدم راسخ في المعقولات ربما لم يتميز له أحدهما عن الآخر فينظر إلى كمال ذاته وقد تزين بما تلألأ فيه من حلية الحق فيظن أنه هو فيقول أنا الحق وهو غالط غلط النصارى حيث رأوا ذلك في ذات المسيح عيسى عليه السلام فقالوا هو الإله بل هو غلط من ينظر إلى مرآة قد انطبع فيها صورة متلونة بتلونه فيظن أن تلك الصورة هي صورة المرآة وأن ذلك اللون لون المرآة وهيهات بل المرآة في ذاتها لا لون لها وشأنها قبول صور الألوان على وجه يتخايل إلى الناظرين إلى ظاهر الأمور أن ذلك صورة المرآة حتى إن الصبي إذا رأى إنسانا في المرآة ظن أن الإنسان في المرآة فكذلك القلب خال عن الصور في نفسه وعن الهيئات وإنما هيآته قبول معاني الهيئات والصور والحقائق فما يحله يكون كالمتحد به لا أنه متحد به تحقيقا ومن لا يعرف الزجاج والخمر إذا رأى زجاجة فيها خمر لا يدرك تباينهما فتارة يقول لا خمر وتارة يقول لا زجاجة كما عبر عنه الشاعر حيث قال رق الزجاج وراقت الخمر فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر وقول من قال منهم أنا الحق فإما أن يكون معناه معنى قول الشاعر أنا من أهوى ومن أهوى أنا وإما أن يكون قد غلط في ذلك كما غلط النصارى في ظنهم اتحاد اللاهوت بالناسوت

قسم V01/P153–V01/P155Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi) (s. V01/P153–V01/P155)

وقول أبي يزيد رحمه الله إن صح عنه سبحاني ما أعظم شأني إما أن يكون ذلك جاريا على لسانه في معرض الحكاية عن الله عز وجل كما لو سمع وهو يقول لا إله إلا أنا فاعبدني لكان يحمل على الحكاية وإما أن يكون قد شاهد كمال حظه من صفة القدس على ما ذكرنا في الترقي بالمعرفة عن الموهومات والمحسوسات وبالهمة عن الحظوظ والشهوات فأخبر عن قدس نفسه وقال سبحاني ورأى عظم شأنه بالإضافة إلى شأن عموم الخلق فقال ما أعظم شأني وهو مع ذلك يعلم أن قدسه وعظم شأنه بالإضافة إلى الخلق ولا نسبة له إلى قدس الرب تعالى وتقدس وعظم شأنه ويكون قد جرى هذا اللفظ في سكره وغلبات حاله فإن الرجوع إلى الصحو واعتدال الحال يوجب حفظ اللسان عن الألفاظ الموهمة وحال السكر ربما لا يحتمل ذلك فإن جاوزت هذين التأويلين إلى الاتحاد فذلك محال قطعا فلا ينظر إلى مناصب الرجال حتى يصدق بالمحال بل ينبغي أن يعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال وأما القسم الخامس وهو الحلول فذلك يتصور أن يقال إن الرب تبارك وتعالى حل في العبد أو العبد حل في الرب تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين وهذا لو صح لما أوجب الاتحاد ولا أن يتصف العبد بصفات الرب فإن صفات الحال لا تصير صفة المحل بل تبقى صفة للحال كما كان ووجه استحالة الحلول لا يفهم إلا بعد فهم معنى الحلول فإن المعاني المفردة إذا لم تدرك بطريق التصور لم يمكن أن يفهم نفيها أو إثباتها فمن لا يدري معنى الحلول فمن أين يدري أن الحلول موجود أو محال فنقول المفهوم من الحلول أمران أحدهما النسبة التي بين الجسم وبين مكانه الذي يكون فيه وذلك لا يكون إلا بين جسمين فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك والثاني النسبة التي بين العرض والجوهر فإن العرض يكون قوامه بالجوهر فقد يعبر عنه بأنه حال فيه وذلك محال على كل ما قوامه بنفسه فدع عنك ذكر الرب تعالى وتقدس في هذا المعرض فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام فلا يتصور الحلول بين عبدين فكيف يتصور بين العبد والرب وإذا بطل الحلول والانتقال والاتحاد والاتصاف بأمثال صفات الله سبحانه وتعالى على سبيل الحقيقة لم يبق لقولهم معنى إلا ما أشرنا إليه في التنبيهات وذلك يمنع من إطلاق القول بأن معاني أسماء الله تعالى تصير أوصافا للعبد إلا على نوع من التقييد خال عن الإيهام وإلا فمطلق هذا اللفظ موهم فإن قلت فما معنى قوله إن العبد مع الاتصاف بجميع ذلك سالك لا واصل فما معنى السلوك وما معنى الوصول على رأي هذا القائل فاعلم أن السلوك هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن والعبد في جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه سبحانه وتعالى إلا أنه مشتغل بتصفية باطنه ليستعد للوصول وإنما الوصول هو أن ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقا به فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف إلا الله وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه فيكون كله مشغولا بكله مشاهدة وهما لا يلتفت في ذلك إلى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة أو باطنه بتهذيب الأخلاق وكل ذلك طهارة وهي البداية وإنما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد له فيكون كأنه هو وذلك هو الوصول عنده

قسم V01/P155–V01/P157Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi) (s. V01/P155–V01/P157)

فإن قلت كلمات الصوفية بناء على مشاهدات انفتحت لهم في طور الولاية والعقل يقصر عن درك ذلك وما ذكرتموه تصرف ببضاعة العقل فاعلم أنه لا يجوز أن يظهر في طور الولاية ما يقضي العقل باستحالته نعم يجوز أن يظهر ما يقصر العقل عنه بمعنى أنه لا يدركه بمجرد العقل مثاله أنه يجوز أن يكاشف الولي بأن فلانا سيموت غدا ولا يدرك ذلك ببضاعة العقل بل يقصر العقل عنه ولا يجوز أن يكاشف بأن الله سبحانه وتعالى غدا سيخلق مثل نفسه فإن ذلك يحيله العقل لا أنه يقصر عنه وأبعد من ذلك أن يقول إن الله تبارك وتعالى سيجعلني مثل نفسه وأبعد منه أن يقول إن الله عز وجل سيصيرني نفسه أي أصير أنا هو لأن معناه أني حادث والله تعالى وتقدس يجعلني قديما ولست خالق السموات والأرضين والله يجعلني خالق السموات والأرضين وهذا معنى قوله نظرت فإذا أنا هو إذا لم يؤول ومن صدق بمثل هذا فقد انخلع عن غريزة العقل ولم يتميز عنده ما يعلم عما لا يعلم فليصدق بأنه يجوز أن يكاشف ولي بأن الشريعة باطلة وأنها إن كانت حقا فقد قلبها الله باطلا وأنه جعل جميع أقاويل الأنبياء كذبا وإن من قال يستحيل أن ينقلب الصدق كذبا فإنما يقوله ببضاعة العقل فإن انقلاب الصدق كذبا ليس بأبعد من انقلاب الحادث قديما والعبد ربا ومن لم يفرق بين ما أحاله العقل وبين ما لا يناله العقل فهو أخس من أن يخاطب فليترك وجهله الفصل الثاني من المقاصد والغايات في بيان وجه رجوع هذه الأسامي الكثيرة إلى ذات وسبع صفات على مذهب أهل السنة لعلك تقول هذه أسماء كثيرة وقد منعت الترادف فيها وأوجبت أن يتضمن كل واحد معنى آخر فكيف يرجع جميعها إلى سبع صفات فاعلم أن الصفات إن كانت سبعا فالأفعال كثيرة والإضافات كثيرة والسلوب كثيرة ويكاد يخرج جميع ذلك عن الحصر ثم يمكن التركيب من مجموع صفتين أو صفة وإضافة أو صفة وسلب أو سلب وإضافة ويوضع بإزائه اسم فتكثر الأسامي بذلك وكان مجموعها يرجع إلى ما يدل منها على الذات أو على الذات مع سلب أو على الذات مع إضافة أو على الذات مع سلب وإضافة أو على واحد من الصفات السبع أو على صفة وسلب أو على صفة وإضافة أو على صفة فعل أو على صفة فعل وإضافة أو سلب فهذه عشرة أقسام الأول ما يدل على الذات كقولك الله ويقرب منه اسم الحق إذا أريد به الذات من حيث هي واجبة الوجود الثاني ما يدل على الذات مع سلب مثل القدوس والسلام والغني والأحد ونظائره فإن القدوس هو المسلوب عنه كل ما يخطر بالبال ويدخل في الوهم والسلام هو المسلوب عنه العيوب والغني هو المسلوب عنه الحاجة والأحد هو المسلوب عنه النظير والقسمة الثالث ما يرجع إلى الذات مع إضافة كالعلي والعظيم والأول والآخر والظاهر والباطن ونظائره فإن العلي هو الذات التي هي فوق سائر الذوات في المرتبة فهي إضافة والعظيم يدل على الذات من حيث تجاوز حدود الإدراكات والأول هو السابق على الموجودات والآخر هو الذي إليه مصير الموجودات والظاهر هو الذات بالإضافة إلى دلالة العقل والباطن هو الذات مضافة إلى إدراك الحس والوهم وقس على هذا غيره الرابع ما يرجع إلى الذات مع سلب وإضافة كالملك والعزيز فإن الملك يدل على ذات لا تحتاج إلى شيء ويحتاج إليه كل شيء والعزيز هو الذي لا نظير له وهو ما يصعب نيله والوصول إليه الخامس ما يرجع إلى صفة كالعليم والقادر والحي والسميع والبصير السادس ما يرجع إلى العلم مع إضافة كالخبير والشهيد والحكيم والمحصي فإن الخبير يدل على العلم مضافا إلى الأمور الباطنة والشهيد يدل على العلم مضافا إلى ما يشاهد والحكيم يدل على العلم مضافا إلى أشرف المعلومات والمحصي يدل على العلم من حيث يحيط بمعلومات محصورة معدودة التفصيل

قسم V01/P157–V01/P160Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi) (s. V01/P157–V01/P160)

السابع ما يرجع إلى القدرة مع زيادة إضافة كالقهار والقوي والمقتدر والمتين فإن القوة هي تمام القدرة والمتانة شدتها والقهر تأثيرها في المقدور بالغلبة الثامن ما يرجع إلى الإرادة مع إضافة أو مع فعل كالرحمن والرحيم والرؤوف والودود فإن الرحمة ترجع إلى الإرادة مضافة إلى قضاء حاجة المحتاج الضعيف والرأفة شدة الرحمة وهي مبالغة في الرحمة والود يرجع إلى الإرادة مضافا إلى الإحسان والإنعام وفعل الرحيم يستدعي محتاجا وفعل الودود لا يستدعي ذلك بل الإنعام على سبيل الابتداء يرجع إلى الإرادة مضافا إلى الإحسان وقضاء حاجة الضعيف وقد عرفت وجه ذلك فيما تقدم التاسع ما يرجع إلى صفات الفعل كالخالق والبارئ والمصور والوهاب والرزاق والفتاح والقابض والباسط والخافض والرافع والمعز والمذل والعدل والمغيث والمجيب والواسع والباعث والمبدئ والمعيد والمحيي والمميت والمقدم والمؤخر والوالي والبر والتواب والمنتقم والمقسط والجامع والمانع والمغني والهادي ونظائره العاشر ما يرجع إلى الدلالة على الفعل مع زيادة كالمجيد والكريم واللطيف فإن المجيد يدل على سعة الإكرام مع شرف الذات والكريم كذلك واللطيف يدل على الرفق في الفعل فلا تخرج هذه الأسامي وغيرها عن مجموع هذه الأقسام العشرة فقس بما أوردناه ما لم نورده فإن ذلك يدل على وجه خروج الأسامي عن الترادف مع رجوعها إلى هذه الصفات المحصورة المشهورة الفصل الثالث في بيان كيفية رجوع ذلك كله إلى ذات واحدة على مذهب المعتزلة والفلاسفة وهذا الفصل وإن كان لا يليق بهذا الكتاب ولكن أودعته هذه الكلمات على الإيجاز بحكم الالتماس فمن شاء أن لا يثبته في الكتاب فليفعل فإنه غير مهم في هذا الكتاب فأقول هؤلاء وإن أنكروا الصفات ولم يثبتوا إلا ذاتا واحدة فلم ينكروا الأفعال ولا كثرة السلوب ولا كثرة الإضافات فما رددناه من الأسامي إلى هذه الأقسام فهم عليها مساعدون أما الصفات السبع التي هي الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام فيرجع جميع ذلك عندهم إلى العلم ثم العلم يرجع إلى الذات وبيانه أن السمع عندهم عبارة عن علمه التام المتعلق بالأصوات والبصر عبارة عن علمه التام المتعلق بالألوان وسائر المبصرات والكلام عندهم يرجع إلى فعله وهو ما يخلقه من الكلام في جسم من الجمادات عند المعتزلة ويرجع عند الفلاسفة إلى سماع يخلقه في ذات النبي صلى الله عليه وسلم حتى يسمع هو كلاما منظوما من غير أن يكون له وجود من خارج كما يسمعه النائم ويضاف ذلك إلى الله تعالى على معنى أنه لم يحصل ذلك فيه بفعل الآدميين وأصواتهم وأما الحياة فعبارة عندهم عن علمه بذاته لأن كل ما يشعر بذاته فيقال إنه حي وما لا يشعر بذاته لا يسمى حيا ولم يبق إلا الإرادة والقدرة ومعنى إرادته عندهم أنه تعالى وتقدس يعلم وجه الخير ونظامه فيوجده كما يعلمه ويكون علمه بالشيء سببا لوجود ذلك الشيء وإذا علم وجه الخير في شيء فيحصل ولم يكن فيه كراهة كان راضيا والراضي قد يسمى مريدا فكانت الإرادة ترجع إلى العلم مع عدم الكراهة وأما القدرة فمعناها أنه يفعل إذا شاء ولا يفعل إذا شاء وفعله معلوم ومشيئته ترجع إلى علمه بوجه الخير ومعناه أن ما علم أن الخير في وجوده فيوجد منه وما علم أن الخير في أن لا يوجد فلا يوجد منه ولا يحتاج وجود نظام الخير إلا إلى علمه بوجه الخير ولا يحتاج ما لا يوجد في أن لا يوجد إلا عدم العلم بكون الخير فيه فالنظام المعقول هو سبب النظام الموجود والنظام الموجود تبع النظام المعقول وزعموا أن علمنا إنما يحتاج في تحقيق المعلوم إلى القدرة لأن فعلنا إنما يكون بجارحة فلا بد أن تكون الجارحة سليمة وموصوفة بالقوة وأما هو فلا يفعل بجارحة فيكفي علمه بوجود المعلوم فترجع القدرة أيضا إلى العلم ثم زعموا أن العلم أيضا يرجع إلى ذاته لأنه يعلم ذاته بذاته فيكون العلم والعالم والمعلوم واحدا وإنما يعلم غيره من ذاته لأنه يعلم ذاته مبدأ كل موجود فيعلم سائر الموجودات من ذاته على سبيل التبعية فلا يوجب ذلك كثرة في ذاته

قسم V01/P160–V01/P164Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi) (s. V01/P160–V01/P164)

وزعموا أن نسبة علم الواحد وهو ذاته إلى كثرة المعلومات كنسبة علم الحاسب مثلا حيث يقال له ما ضعف الاثنين وضعف ضعفه وضعف ضعف ضعفه وهكذا مثلا عشر مرات فإنه قبل أن يفصل تلك الأضعاف في ذاته فله يقين حاصل بأنه عالم به وذلك اليقين هو مبدأ التفصيل إذا اشتغل بتفصيله وذلك اليقين خطة واحدة لها نسبة إلى سائر أضعاف الاثنين بل إلى تضعيفاته التي لا نهاية لها من غير تفصيل وكما أن تضعيف الاثنين يستمر إلى كثرة على التدريج فكذلك الموجودات أيضا عندهم فيها ترتيب ولا كثرة في أولها ثم يتداعى إلى الكثرة على التدريج وشرح ذلك وإبطاله مما يطول وليستظهر في ذلك بما ذكرناه في كتاب التهافت فإنه كالخارج عن مقصود هذا الكتاب والله أعلم الفن الثالث في اللواحق والتكميلات وفيه فصول ثلاث الفصل الأول في بيان أن أسماء الله تعالى من حيث التوقيف غير مقصورة على تسعة وتسعين بل ورد التوقيف بأسام سواها إذ في رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه إبدال لبعض هذه الأسامي بما يقرب منها وإبدال بما لا يقرب فأما الذي يقرب فالأحد بدل الواحد والقاهر بدل القهار والشاكر بدل الشكور والذي لا يقرب كالهادي والكافي والدائم والبصير والنور والمبين والجميل والصادق والمحيط والقريب والقديم والوتر والفاطر والعلام والملك والأكرم والمدبر والرفيع وذي الطول وذي المعارج وذي الفضل والخلاق وقد ورد أيضا في القرآن ما ليس متفقا عليه في الروايتين جميعا كالمولى والنصير والغالب والقريب والرب والناصر ومن المضافات كقوله تعالى شديد العقاب و قابل التوب وغافر الذنب و مولج الليل في النهار ومولج النهار في الليل و مخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي وقد ورد في الخبر أيضا السيد إذ قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا سيد فقال السيد هو الله عز وجل وكأنه قصد المنع من المدح في الوجه وإلا فقد قال صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم ولا فخر والديان أيضا قد ورد وكذا الحنان والمنان وغير ذلك مما لو تتبع في الأحاديث لوجد ولو جوز اشتقاق الأسامي من الأفعال فستكثر هذه الأسامي المشتقة لكثرة الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى في القرآن كقوله تعالى يكشف السوء 27 سورة النمل الآية 62 ويقذف بالحق 34 سورة سبأ الآية 38 ويفصل بينهم 22 سورة الحج الآية 17 و 32 سورة السجدة الآية 25 وقضينا إلى بني إسرائيل 17 سورة الإسراء الآية 4 فيشتق له من ذلك الكاشف والقاذف بالحق والفاصل والقاضي ويخرج ذلك عن الحصر وفيه نظر سيأتي والغرض أن نبين أن الأسامي ليست هي التسعة والتسعين التي عددناها وشرحناها ولكنا جرينا على العادة في شرح تلك الأسامي فإنها هي الرواية المشهورة وليست هذه التعديدات والتفصيلات المروية عن أبي هريرة في الصحيحين إنما الذي تشتمل عليه الصحاح قوله صلى الله عليه وسلم إن لله سبحانه وتعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة أما بيان ذلك وتفصيله فلا

قسم V01/P164–V01/P167Gazâlî — el-Maksadü'l-Esnâ fî Şerhi Esmâillâhi'l-Hüsnâ (esmâ-i hüsnâ şerhi) (s. V01/P164–V01/P167)

ومما وقع عليه الاتفاق بين الفقهاء والعلماء من الأسامي المريد والمتكلم والموجود والشيء والذات والأزلي والأبدي وإن ذلك مما يجوز إطلاقه في حق الله سبحانه وتعالى وورد في الحديث لا تقولوا جاء رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى لكن قولوا جاء شهر رمضان وكذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما أصاب أحدا هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي إلا أذهب الله عز وجل همه وحزنه وأبدل مكانه فرحا وقوله استأثرت به في علم الغيب عندك يدل على أن الأسماء غير محصورة فيما وردت به الروايات المشهورة وعند هذا ربما يخطر ببالك طلب الفائدة في الحصر في تسعة وتسعين ولا بد من ذكرها الفصل الثاني في بيان فائدة الإحصاء والتخصيص بتسعة وتسعين وفي هذا الفصل أنظار في أمور فلنوردها في معرض الأسئلة فإن قال قائل أسماء الله سبحانه وتعالى هل تزيد على تسعة وتسعين أم لا فإن زادت فما معنى هذا التخصيص ومن يملك ألف درهم لا يجوز أن يقول القائل إن له تسعة وتسعين درهما لأن الألف وإن اشتمل على ذلك ولكن تخصيص العدد بالذكر يفهم نفي ما وراء المعدود وإن كانت الأسامي غير زائدة على هذا العدد فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك فإن هذا صريح في أنه استأثر ببعض الأسامي وكذلك قال في رمضان إنه من أسماء الله تعالى وكذلك كان السلف يقولون فلان أوتي الاسم الأعظم وكان ينسب ذلك إلى بعض الأنبياء والأولياء وذلك يدل على أنه خارج عن التسعة والتسعين فنقول إن الأشبه أن الأسامي زائدة على تسعة وتسعين لهذه الأخبار وأما الحديث الوارد في الحصر فإنه يشتمل على قضية واحدة لا على قضيتين وهو كالملك الذي له ألف عبد مثلا فيقول القائل إن للملك تسعة وتسعين عبدا من استظهر بهم لم يقاومه الأعداء فيكون التخصيص لأجل حصول الاستظهار بهم إما لمزيد قوتهم وإما لكفاية ذلك العدد في دفع الأعداء من غير حاجة إلى زيادة لا لاختصاص الوجود بهم ويحتمل أن تكون الأسامي غير زائدة على هذا العدد ويكون لفظ الخبر مشتملا على قضيتين إحداهما أن لله تعالى تسعة وتسعين اسما والثاني أن من أحصاها دخل الجنة حتى لو اقتصر على ذكر القضية الأولى كان الكلام تاما وعلى المذهب الأول لا يمكن الاقتصار على ذكر القضية الأولى وذا هو الأسبق إلى الفهم من ظاهر هذا الحصر ولكنه بعيد من وجهين أحدهما أن هذا يمنع أن يكون من الأسامي ما استأثر الله به في علم الغيب عنده وفي الحديث إثبات ذلك والثاني أنه يؤدي إلى أن يختص بالإحصاء نبي أو ولي ممن أوتي الاسم الأعظم حتى يتم العدد به وإلا فيكون ما أحصى وراء ذلك ناقصا عن العدد أو كان الاسم خارجا عن العدد فيبطل به الحصر والأظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا في معرض الترغيب للجماهير في الإحصاء والاسم الأعظم لا يعرفه الجماهير فإن قيل فإذا كان الأظهر أن الأسامي زائدة على تسعة وتسعين فلو قدرنا مثلا أن الأسامي ألف وأن الجنة تستحق بإحصاء تسعة وتسعين منها فهي تسعة وتسعون بأعيانها أو تسعة وتسعون أيها كان حتى إن من بلغ ذلك المبلغ في الإحصاء استحق دخول الجنة وحتى إن من أحصى ما رواه أبو هريرة مرة دخل الجنة ولو أحصى أيضا ما اشتملت الرواية الثانية عليه أيضا دخل الجنة إذا قدرنا أن جميع ما في الروايتين من أسماء الله تعالى

%0
10 Bölüm